(وإن كان) أي: الأمر المهم، (سفرًا) أي: وإن كان الشخص ذا سفر، أي: مسافرًا، (صَافح) أي: من يودعه من المسافر أو المقيم، والثاني هو الظاهر لقوله: (وقال) أي: المقيم، كذا في حاشية الكتاب برقم ابن حبان.
(أستودع الله دينك وأمانتك) قال المؤلف: "أي: أستحفظه، يعني: أسأل الله حفظ دينك وأمانتك" (^١)، انتهى.
ولعل في ذلك إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٧٢]، وقال الخطابي: "المراد بالأمانة هنا أهله ومن يخلفه وماله الذي عند أَمِينِهِ، وذكر الدين هنا لأن السفر مظنة المشقة، فربما كان سببًا لإهمال بعض أمور الدين".
(وخواتيم عملك) قال المصنف: "جمع خاتم، يريد ما يختم به عملك، أي: [أخيره] (^٢) " (^٣). (س، د، ت، مس، حب) أي رواه: النسائي، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، وابن حبان، عن ابن عمر.
(وأقرأ عليك السلام) على صيغة المضارع المتكلم من القراءة. (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا.
(ويقول:) أي: المسافر لمن يودعه: (أستودعك) إن كان المقيم
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
(٢) في "مفتاح الحصن الحصين": "آخره".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
[ ٢ / ٩٠٧ ]
واحدًا، (أو أستودعكم) إن كان المقيم جماعةً أو واحدًا وأراد تعظيمه، فـ "أو" للتنويع أو لاختلاف الرواية، لا للشك كما توهم الحنفي.
(الله الذي لا يخيب) بفتح فكسر، أي: لا يخسر، وفي نسخة بضم ففتح فتشديد، من خاب الرجل خيبة، إذا لم ينل ما طلب، وخيبته أنا تخييبًا.
(أو لا يضيع) بفتح فكسر من الضياع، يقال: ضاع الشيء ضيعة وضياعًا هلك، وفي نسخة بتأنيث الفعلين المجردين، وفي نسخة من الإضاعة، وفي أخرى من التضييع، وهما بمعنًى.
ثم قوله: (ودائعُه) بالرفع على ما في الأصل من المجرد، وبالنصب على ما في [بعض] (^١) النسخ من المزيد، و"أو" لاختلاف الرواة، كما كتب في نسخة -وهي "أصل الأصيل"-: رمز ابن السني فوق الفعل الأول، و"طب" فوق الثاني، وعكسه في "أصل الجلال".
فبطل ما قاله الحنفي من أن كلًّا من الفعلين المذكورين على سبيل الشك من الراوي، إما مجرد أو مزيد، على أن الشك لا ينافي التوزيع الذي يحصل به الجمع كما في اختلاف الرواية. (ي، طب) أي: رواه ابن السني، والطبراني في "الدعاء" له؛ كلاهما عن أبي هريرة.
(ومن قال له) أي: للمقيم، (أريد السفر فأوصني، قال له: عليك بتقوى الله) "عليك" اسم فعل بمعنى: خذ، يقال: عليك زيد، أو عليك بزيد، أي: خذه، فالمعنى: الزمها وأدم عليها بجميع أنواعها، فإنها الوصية التي وصى بها عباده، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا
_________________
(١) زيادة من (ب) فقط.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
(والتكبير) أي: وعليك بقول "الله أكبر"، (على كل شَرَفٍ) "بفتح الشين والراء، أي: مكانٍ عالٍ" (^١)، قاله المصنف.
(فإذا ولى) أي: أدبر المسافر، (قال) أي: المقيم دعا بظهر الغيب، (اللهم اطْوِ) بهمز وصل وكسر واو، أي: قرب (له البعد) أي: بطيِّ الأرض، قال المصنف: "أي: قربه وسهل السير حتى لا يطول" (^٢)، (وهون) أي: سهل (عليه السفر) أي: مشقته.
(ت، س، ق) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة أيضًا (^٣).
(زوّدَك الله التقوى) أي: جعل الله التقوى زادك، فإن خير الزاد التقوى" لأنها زاد المعاد، (وغفر ذنبك) أي: الواقع في السفر غالبًا من أنواع التقصير، (وشر) أي: سهل، (لك الخير) أي: الديني والدنيوي من الحج، والغزو، والعلم، وطلب الحلال، وصلة الرحم، وأمثال ذلك، (حيث كنت) أي: متوجهًا إليه، ومشرفا عليه.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٥ و٣٣١ و٤٤٣ و٤٧٦). وابن ماجه (٢٧٧١) مختصرًا، والترمذي (٣٤٤٥) وقال حسن والنسائي في "الكبرى" (١٠٢٦٦) وابن خزيمة (٢٥٦١) وابن حبان (٢٦٩٢) و(٢٧٠٢) وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٣٠).
[ ٢ / ٩٠٩ ]
(ت، مس) أي: رواه الترمذي، والحاكم (^١)، عن أنس قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أريد سفرًا فزودني، قال: زودك الله التقوى. قال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيث كنت"، أي: أينما توجهت.
قال الطيبي: "يحتمل أن الرجل طلب الزاد المتعارف فأجابه ﷺ بما أجاب على طريقة أسلوب الحكيم أن زادك أن تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه، ومن ثم لما طلب الزيادة قال: "وغفر ذنبك"، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.
وربما زعم الرجل أنه يتقي الله، وفي الحقيقة لا تكون تقوى ترتب عليه المغفرة، فأشار بقوله: "وغفر ذنبك"، أن يكون ذلك الاتقاء بحيث يترتب عليه المغفرة، ثم ترقئ منه إلى قوله: "ويسر لك الخير"، فإن التعريف في "الخير" للجنس فيتناول خير الدنيا والآخرة.
(جعل الله التقوى زادك) قيل: "الزاد المدخر الزائد على ما يحتاج إليه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٤٤) وأخرجه الحاكم (٢/ ٩٧) وسكت عنه. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ووافقه النووي في "الرياض" (١/ ٢٤٩)، وفي "الأذكار" (١/ ١٨٧). قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٦١٦) والحق في الحديث بحسب الاصطلاح، أنه حسن كما قال الترمذي. وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتا عليه (٣/ ٥٢٤) وقال الألباني: حسن صحيح (٢٧٣٩).
[ ٢ / ٩١٠ ]
في الوقت، والتزود: أخذ الزاد قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] "، (وغفر ذنبك، ووجه لك الخير حيث [كنت]) (^١) أي: قصدت بوجهك.
(ر، ط) أي: رواه البزار، والطبراني، عن قتادة بن عياش (^٢).
(وإذا أمّر) بتشديد الميم، أي: نصب ﷺ (أميرًا على جيش) الجيش هو العسكر مطلقًا، لكن أريد به هنا عسكر؛ كبير بقرينة المقابلة بقوله: (أو سرية) أي: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة تبعث إلى العدو، وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري، أي: النفيس كذا في "النهاية" (^٣)، و"أو" للتنويع، وأبعد الحنفي حيث قال: "كلمة "أو" للشك، أو للتخيير".
(أوصاه) أي: ذلك الأمير، (في خاصته) أي: في أمر نفس [الأمير] (^٤)، (بتقوى الله) أي: بأن يقول له: اتق الله، (ومن معه) أي: وفيمن معه، (من المسلمين خيرًا) أي: بخير، بأن يأمره بحفظ مصالحهم، ورعاية أحوالهم.
(ثم قال: اغزوا) أي: اقصدوا الغزو، وتوجهوا إليه، (باسم الله) أي:
_________________
(١) كذا في (د)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(م): "توجهت".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٥) رقم (٢٢)، والبزار (كشف ٣٢٠١) قال الهيثمي: رجالهما ثقات مجمع الزوائد (١٠/ ١٣١) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٣١)، والضعيفة (٣٤٦٢).
(٣) النهاية (٢/ ٣٦٣).
(٤) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "الأمر".
[ ٢ / ٩١١ ]
مبتدئين بذكره، مستعينين بحوله وقوته وزيد في نسخة: "في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا"، (ولا تغُلّوا) "بضم الغين المعجمة وتشديد اللام من الغلول، وهو الخيانة من المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة" (^١)، ذكره المصنف، (ولا تغدروا) بكسر الدال، أي: ولا تنقضوا العهد ولا تخدعوا ولا تمكروا.
(ولا تَمْثُلُوا) "بفتح التاء وإسكان الميم وضم الثاء المثلثة، وهو قطع الأطراف، مثل: جدع الأنف، والأذن، والمذاكير، وسائر الأطراف" (^٢)، قاله المصنف، (ولا تقتلوا وليدًا) أي: طفلًا أو عبدًا، على ما قاله الجوهري. (م، عه) أي: رواه مسلم، والأربعة، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي (^٣).
(انطلقوا) أي: اذهبوا (باسم الله) أي: ملتصقين، (وبالله) أي: مستعينين، (وعلى ملة رسول الله) أي: ثابتين، والملة والدين متحدتان بالذات، متغايرتان بالاعتبار.
(لا تقتلوا شيخًا) أي: كبيرًا، (فانيًا) أي: هرمًا لا يقدر على القتال، ولا عنده تدبير أمر الجدال، (ولا طفلًا) بالكسر، أي: مولودًا على ما في
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ، ب).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٨)، ومسلم (١٧٣١)، وأبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١٤٠٨) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (٨٥٨٦)، وابن ماجه (٢٨٥٨). والدارمي (٢٤٣٩)، وابن حبان (٤٧٣٩) وابن الجارود (١٠٤٢) وأبو عوانة (٦٤٩٥).
[ ٢ / ٩١٢ ]
"القاموس" (^١). والظاهر أن يراد به: ما دام رضيعًا، فيكون قوله: (ولا صغيرًا) من عطف العام على الخاص.
(ولا امرأة) أي: لأنها والطفل والصغير من جملة الأموال التي تُسبى وتنفع المسلمين، ففي قتلهم تضييع، إلا إذا كانت المرأة من المقاتلة، أي ممن يدعي السنة الموجبة [لإثارة] (^٢) الفتنة، وكذلك الصغير إذا كان من أولاد السلاطين.
(ولا تغلوا) سبق مبناه ومعناه، (وضُمّوا) بضم أوله وتشديد ميمه، أي: اجمعوا، (غنائمكم) أي: ولا تتصرفوا فيها إلا إذا كان من جنس المأكول أو المشروب، والحاجة تلجئ إليه، (وأصلحوا) [أي: ذات بينكم] (^٣) كما في آية، أو بين أخويكم، كما في أخرى، أو اقبلوا الصلح إذا كان فيه مصلحة للمسلمين.
(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) أي: إلى المؤمنين، أو: ولو إلى الكافرين، ففي الحديث: "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة". (د) أي: رواه أبو داود عن أنس (^٤).
_________________
(١) القاموس (ص ١٠٢٥).
(٢) كذا في (أ) و(د)، وفي (خ): "لآثار".
(٣) من (أ) فقط.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦١٤). وإسناده ضعيف لأن فيه خالد بن الفزر. وقال عنه الحافظ في التقريب (١٦٧٥): مقبول، وقال الذهبي: قال ابن معين: ليس بذاك. ديوان الضعفاء (ص ٨٢)، وأضاف في المغني في الضعفاء (١/ ٢٠٥): =
[ ٢ / ٩١٣ ]
(فإذا مشى) أي: النبي ﷺ أو الأمير (معهم) أي: مع الجيش أو السرية، أو مع المبعوثين إلى الغزو، ومع المسافرين مطلقًا، (قال: انطلقوا على اسم الله أي: معتمدين على بركته، ومتوكلين على نصرته، (اللهم أعنهم) من الإعانة، أي: انصر المسلمين على من عاداهم من أعدائهم.
(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس، قال: "مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد حين وجههم، ثم قال: انطلقوا"، قال: "غريب صحيح" (^١).
_________________
(١) = عن أنس، صدوق، وانظر: الجرح والتعديل (٣/ ت ١٥٦٣)، والميزان (١/ ت ٢٤٥٠). وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (٥٦١).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٦٦) والحاكم (٢/ ٩٨) وإسحاق بن راهويه كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥/ ٨٠)، والمطالب العالية (٤٢٥٩)، وأبو يعلى الموصلي كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥/ ٤٤) عن ابن إسحاق، حدثني ثور بن يزيد، عن عكرمة، فذكره. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١٩٦): "وفيه ابن إسحق وهو مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح ". قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥/ ٤٤): (هذا صحيح، ومحمد بن إسحاق وإن روى هذا الطريق بصيغة العنعنة فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده من طريقه مصرحا بالتحديث من ثور). قال الحافظ (فتح الباري ٣٣٨/ ٧): "إسناده حسن". وفي "المطالب" (٤/ ٢١٦): هذا إسناد حسن متصل أخرج الإمام أحمد منه إلى قوله: "الله أعنهم" فقط وهو المرفوع منه الموصول، والثاني مدرج، وله شاهد في الصحيح من حديث عمرو عن جابر. ونقله عنه البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥/ ٨٠).
[ ٢ / ٩١٤ ]
(فإذا أراد) أي: أحدٌ، (سفرًا) أي: قصده، وشرع في سيره، (قال: اللهم بك أصول) قال المصنف: "أي: أسطو [وأقهر] (^١) وورد: "بك أصاول" من الصولة وهي الحملة، والوثبة" (^٢).
(وبك أحول) "بالحاء المهملة، أي: أتحرك، وقيل: أحتال، وقيل: أدفع وأمنع، وروي "أحاول"" (^٣)، ذكره المصنف، فقوله: "أحتال"، أي: أدفع مكر الأعداء، من حال يحول حيلة، وقوله "أتحرك": من حال إذا تحرك، وقوله: "أدفع وأمنع" من حال بين الشيئين إذا منع أحدهما الآخر، (وبك أسير) أي: أسافر وأمشي. (ر، أ) أي: رواه البزار، وأحمد، عن علي رضي الله تعالى عنه (^٤).
(وإن خاف من عدوّ) أي: من نوع الإنسان بدليل قوله: (أو غيره فقراءة: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: إلى آخر السورة، (أمان من كل سوءٍ) أي:
_________________
(١) كذا في (أ) و(د) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج): "وأفني".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٤) أحمد (١/ ٩٠)، والبزار (٨٠٤) في إسناده عمران بن ظبيان الحنفي الكوفي قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه -يعني للمتابعات-، وتناقض ابن حبان فذكره في "الثقات" وقال في "الضعفاء": فحش خطؤه حتى بطل الاحتجاجُ به، وذكره العقيلي وابن عدي في "الضعفاء" وقال يعقوب بن سفيان: ثقة من كبراء أهل الكوفة يميل إلى التشيع. وقال الهيثمي: (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٣): رواه أحمد والبزار، ورجالهما ثقات. وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٤٣٣٤).
[ ٢ / ٩١٥ ]
لقوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، ويؤخذ منه أنه إذا قرئ حال القحط، ووقت الاضطرار بالأكل، يكون قراءته أمانًا من الموت أو القلق لقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾.
(مو) أي: موقوف، وهو على ما في "الأذكار" من قول أبي الحسن القزويني الإمام السيد الجليل الشافعي، صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والمعارف المتظاهرة"، انتهى. فقوله: (مجرب) من كلام المصنف.
(فإذا وضع رجله) أي: إذا أراد وضعها، (في الركاب) أو ما يقوم مقامه، (قال: باسم الله، فإذا استوى) أي: ثبت واستقر، (على ظهرها) أي: فوق الدابة من الإبل والخيل ونحوهما، (قال: الحمد لله) أي: على هذه النعمة وغيرها، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي: ذلل هذا [المركوب] (^١)، وهذا مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾.
﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٢]) قال المصنف: "أي: مطيقين" (^٢)، انتهى. وهو اعتراف بحجزه وأن تمكنه من الركوب عليه بإقدار الله وتسخيره.
(﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: راجعون، قال الطيبي: "الانقلاب إليه:
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "المركب".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
[ ٢ / ٩١٦ ]
هو السفر الأعظم فينبغي أن يتزود له".
(الحمد لله، ثلاث مرات) لعل التثليث إيماء إلى الأحوال الثلاثة من الماضي والحال والاستقبال، [أو] (^١) الدنيا والبرزخ والعقبى، (الله أكبر، ثلاث مرات) وزاد أحمد: (لا إله إلا الله، مرة) فالمناسب أن يكتب فوقها رمز الألف لا بعدها كما في نسخة، ولا بأس في الحاشية أن يكتب كذلك، كما في نسخة.
(سبحانك) أي: أنزهك عن الظلم وغيره من أوصاف النقص، (إني ظلمت نفسي) أي: فيما فعلت من المعصية سواءٌ تكون قاصرةً، أو متعديةً، (فاغفر لي) أي: جميع ذنوبي، (إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
(د، ت، س، حب، أ، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، وأحمد، والحاكم؛ كلهم عن علي (^٢) ﵁.
وفي "الرياض": "عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي وخرج من باب القصر، قال: "فوضع رجله في الغرز، فقال: باسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله الذي كرمنا، وحملنا في البر والبحر، ورزقنا من الطيبات وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، رب اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "و".
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٩٧) مسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والترمذي (٣٤٤٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٤٨) وابن حبان (٢٦٩٨).
[ ٢ / ٩١٧ ]
الذنوب إلا أنت"، أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي" (^١).
_________________
(١) روأه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، النسائي في "الكبرى" (٨٧٩٩). قال الدارقطني في العلل (٤/ ٥٩ - ٦٣ س ٤٣٠): "وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو عن علي بن ربيعة والله أعلم". وذكره الدارقطني في العلل (٤/ ٥٩ - ٦٣ س ٤٣٠): "وسئل عن حديث علي ابن ربيعة الوالبي الأسدي عن علي في ركوب الدابة وما يقال عند ذلك فقال حدث به أبو إسحاق السبيعي عن علي بن ربيعة. رواه عن أبي إسحاق كذلك منصور وعمرو بن قيس الملائي وسفيان الثوري وأبو الأحوص وشريك وأبو نوفل علي بن سليمان والأجلح بن عبد الله واختلف عنه فقال مصعب بن سلام عن الأجلح وأبو يوسف القاضي عن ليث جميعا عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ووهما. والصواب ما رواه شيبان عن الأجلح عن أبي إسحاق عن علي بن ربيعة وكذلك قال أصحاب أبي إسحاق عنه. وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة يبين ذلك ما رواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة قال قلت لأبي إسحاق سمعته من علي بن ربيعة فقال حدثني يونس بن خباب عن رجل عنه. وروى هذا الحديث شعيب بن صفوان عن يونس بن خباب عن شقيق بن عقبة الأزدي عن علي بن ربيعة. ورواه المنهال بن عمرو وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي المحير عن علي بن ربيعة فهو من رواية أبي إسحاق مرسلًا. وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو عن علي بن ربيعة والله أعلم. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن علي بن ربيعة.
[ ٢ / ٩١٨ ]
(فإذا) على ما في "أصل الأصيل"، وبالواو في "أصل الجلال"، وفي نسخة: "أو فإذا" (استوى كبر ثلاثًا، وقرأ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية) أي: إلى قوله: ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤].
(وقال) وبدون الواو في "أصل الجلال"، (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا) أي: بخصوصه، (البر) أي: الطاعة والإحسان، (والتقوى) أي: عن العصيان، (ومن العمل ما ترضى) أي: تحبه وتقبله.
(اللهم هوّن علينا سفرنا) أي: مشقة سفرنا، أو المشقة في سفرنا، (هذا) وهذا في "أصل الجلال" الموافق لما في "الأذكار"، وليس موجودًا في "أصل الأصيل"، (واطوِ) أي: أزل وادفع، (عنا بعده) أي: حقيقة أو حكمًا.
(اللهم أنت الصاحب) قال صاحب "الفائق": "أي: الملازم، وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ، والدفاع من الحوادث والنوازل (في السفر، والخليفة) أي: المعتمد عليه، المفوض إليه حضورًا وغيبةً، (في الأهل) قال التوربشتي: "الخليفة: هو الذي ينوب عن المستخلف فيه"، والمعنى: أنت الذي [أرجوه] (^١) وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي أن تلم شعثهم، وتداوي سقمهم، وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم.
(اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر) "بفتح الواو وإسكان العين المهملة والثاء المثلثة ممدودة، أي: شدته ومشقته" (^٢)، (وكآبة المنظر) بفتح الكاف فهمزة ممدودة فموحدة فهاء، والمنظر بفتح الظاء، فقيل:
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "أرجو".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
[ ٢ / ٩١٩ ]
"المراد به الاستعاذة من كل منظر يعقب النظر إليه الكآبة"، فهو من قبيل إضافة المسبب إلى السبب.
وقال المؤلف: "الكآبة: تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن" (^١)، (وسوء المنقلب) بصيغة المجهول، قال المصنّف: "أي: الانقلاب من السفر والعود إلى الوطن، يعني: أنه يعود إلى وطنه فيرى ما يسوءه" (^٢) (في المال والأهل والولد) المراد بالأهل: أهل البيت من الزوجة والخدم والقرابة والحشم، وقال ميرك: "معناه أن ينقلب إلى وطنه فيلقى ما يكأب به من سوءٍ أصابه في سفره، أو ما يقدم عليه مثل: أن يرجع غير مقضي الحاجة، أو أصاب ماله آفة، أو يقدم أهله فيجدهم مرضى أو يفقد بعضهم". قلت: أو يرى بعضهم على المعصية.
(وإذا رجع) أي: أراد الرجوع (من السفر قالهن) أي: الكلمات السابقة، (وزاد فيهن) أي: عليهن في آخرهن أو أولهن، (آئبون) "بكسر الهمزة بعد الألف، وكثير من الناس يلفظون بياء بعد الألف، وهو لحن، ومعناه: راجعون" (^٣)، انتهى.
وقوله بعد الألف: أي: الممدودة، فإنه اسم الفاعل، وكون الياء لحنًا إنما هو في الوصل. وأما في الوقف عليه: فهو صحيح بلا خلاف، كما هو مقتضى قاعدة الإمام حمزة من القراء السبعة حيث جوز في مثله التسهيل والإبدال.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
[ ٢ / ٩٢٠ ]
والتقدير: نحن الرفقاء آئبون، (تائبون) أي: من المعصية. فالملائم أن يفسر "آئبون" بـ: راجعون عن الغفلة؛ فإن الأواب صفة الأنبياء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]، وكذا نعت الأولياء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]. ويقال للصلاة بين العشاءين: "صلاة الأوابين".
(عابدون لربنا) متعلق بما قبله، أو بقوله (حامدون)، أو هو من أنواع التنازع. (م، د، س، ت) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن ابن عمر (^١).
(أو) وفي نسخة: "و" (إذا ركب مدَّ) أي: رفع (إصبعه) بكسر همزة وفتح موحدة، وفي "القاموس" أنه بتثليث الهمزة والباء، ففيه تسع لغات، والمراد: إصبعه المسبحة، إشارة إلى التوحيد الذاتي والتفريد الصفاتي.
(اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحَبنا) بفتح الحاء، أمر: من الصحبة (بنصحك) أي: مقرونين به، وهو بضم النون بمعنى النصيحة، وهي إرادة الخير للمنصوح له، (واقلبنا) بكسر اللام من القلب، بمعنى الرجع أي: ردنا إلى أوطاننا مصحوبين (بذمه) أي: بسلامة وعافية. قال المؤلف في مبني الجملتين: "أي: احفظنا بحفظك وإرادة الخير [لنا] (^٢)، وأرجعنا بأمانتك
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والترمذي (٣٤٤٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٤٨).
(٢) من "مفتاح الحصن الحصين" فقط.
[ ٢ / ٩٢١ ]
وعهدك إلى بلدنا" (^١).
(اللهم ازو) بهمز وصل وكسر واو من [الزي] (^٢)، بمعنى: القبض والجمع. ففي "الصحاح": "زويت الشيء، أي: جمعته وقبضته" (لنا الأرض) قال المصنّف: "أي: اجمعها [واطوها] (^٣) لئلا تطول (وَهَوِّنْ) أمر من التهوين، أي: سهل (علينا السفر) أي: صعوبته، ومنه دعاء السيد أبي الحسن الشَّاذُلي قدس سره في "حزب البحر": "اللهم يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا".
(اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي؛ كلاهما عن أبي هريرة (^٤).
(ما من بعير) بفتح الباء الموحدة، وفي "القاموس" (^٥): "وقد تكسر الباء: الجمل والحمار، وكل ما يحمل، وهاتان عن ابن خالويه".
(إلا في ذروته) بكسر الذال وتثلث أي: أعلاه من موضع سنامه (شيطان، فاذكروا اسم اللَّه ﷿ إذا ركبتموه كما أمركم الله) أي: من تذكر نعمة الرب والحمد عليه، أو التسبيح الوارد في قوله ﷿:
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "الزوي".
(٣) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "واطو".
(٤) أخرجه الترمذي (٣٤٣٨)، والنسائي في "المجتبى" ٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤) قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب". قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٣٥٢): هذا يستند من وجوه صحاح من حديث عبد الله ابن سرجس ومن حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر وغيرهم.
(٥) القاموس (ص ٣٥٢).
[ ٢ / ٩٢٢ ]
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣].
(ثم امتهنونها) قال المصنّف: "أي: استخدموها، من المهنة وهي الخدمة" (^١) (لأنفسكم) قلت: وتأنيث الضمير باعتبار الدابة التي تشمل البعير وغيره، على أنه قد يكون للأنثى على ما في "القاموس".
(فإنما يحمل الله ﷿ أي: كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] وذلك باعتبار أن القوة والاستطاعة والتأثير ليست إلا من الله.
(أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني، من حديث أبي لاس الخزاعي قال: "حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة صغار، فقلنا: يا رسول الله ما نرى تحملنا هذه. قال: إن على ذروة كل بعير شيطانًا، فاركبوها فسموا الله ﷿ ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنها تحمل" (^٢). كذا ذكره ابن مندة.
(ويتعوذ في السفر من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب وَالحَوْرِ) أي: وعن الحور بفتح الحاء المهملة فسكون الواو، أي: النقصان (بعد الكور)
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢١ (١٧٩٣٨) و(١٧٩٣٩)، وابن خزيمة (٢٣٧٧ و٢٥٤٣)، والطبراني في "معجمه الكبير" (٢٢/ ٣٣٤) رقم (٨٣٧) قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٣٨) رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحه وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٢٧).
[ ٢ / ٩٢٣ ]
بوزن السابق أي: الزيادة، ومنه: كور العمامة، وقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] الآية.
أو عن التفرق بعد الجمع، وفي نسخة صحيحة: "بعد الكون" بالنون بدل الراء، فالمعنى: عن [التنقص] (^١) بعد ثبوت الكمال.
قال النووي في "الأذكار": "رواية النون أكثر، وهي التي في أكثر أصول حديث مسلم، بل هي المشهورة فيها" (^٢).
وقال المصنّف: "بفتح الحاء والكاف، أي: من النقصان بعد الزيادة، وقيل: "من فساد أمورنا بعد صلاحها"، وغير ذلك، وأصله من نقض العمامة بعد لفها، ويروى: "بعد الكون" مصدر كان التامة، يقال: "كان يكون كونًا، أي: وجد واستقر"، يعني: أعوذ بك من [النقض] (^٣) بعد الوجود والثبات" (^٤)، انتهى.
وقيل: "معنى الحور بعد الكور، بالراء: الرجوع عن الجماعة بعد أن كان منهم". قال التوربشتي: "وفيه نظر؛ لأن استعمال الكور في جماعة الإبل خاصة، وربما استعمل في البقر"، انتهى.
والجواب: أن باب الاستعارة غير مسدود، فإن العطن مختص بالإبل، ويكنى عن ضيق الخلق.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "النقص".
(٢) الأذكار (٣٧٥).
(٣) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د) و"مفتاح الحصن الحصين": "النقص".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
[ ٢ / ٩٢٤ ]
وقال صاحب "الفائق" في معنى "الحور بعد الكون" بالنون: "الحور: الرجوع، والكون: الحصول على حالة جميلة، يريد التراجع بعد الإقبال" (^١).
قال ميرك: "واعلم أن في معظم نسخ مسلم بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ، وروي بالراء ومعناه: النقصان بعد الزيادة".
وقيل: من الشذوذ بعد الجماعة. أو: من الفسَاد بَعْدَ الصَّلاح. أو: من القلة بعد الكثرة. أو: من الإيمان إلى الكفر. أو: من الطاعة إلى المعصية. أو: من الحضور إلى الغفلة. وكأنه من كار عمَامته إذا لفّها على رأسه فاجتمعت، وإِذا نقضها فَانفرقت.
وأما بالنون فقال [أبُو عُبَيْد] (^٢): "من قولهم: حَار بعد مَا كان، أي: أنه كان على حَالة جميلة فرجع عنها. ووهم بعضهم رواية النون، والله أعلم".
(ودعوة المظلوم) فإن قلتَ: دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت في الحضَر أو السفر. قلتُ: كذلك الحَوْر بعد الكَوْر، لكن السَّفر مظنة البلايا والمصائب، والمشقة فيه أكثر فخصت به، أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى الإعانة والإغاثة أقرب إلى الإجابة.
(وسُوءِ المنظر) في الأهلِ والمال. (م، ت، س، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن عبد الله بن سرجس (^٣).
_________________
(١) الفائق (٤/ ٧١).
(٢) كذا في (أ)، وهو الصواب، وفي (ب) و(د): "أبو عبيدة"، وفي (ج): "عبيد".
(٣) أخرجه مسلم (١٣٤٣)، والترمذي (٣٤٣٩)، والنسائي (٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وابن ماجه (٣٩٣٤).
[ ٢ / ٩٢٥ ]
(اللهم بلاغًا) بفتح الموحدة، قال المصنّف: "البلاغ: ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب، وَنَصْبه ومَا بعده بفعل مقدَّر، أي: أسْألُكَ بلاغا" (^١) (يبلغ) على صيغة المضارع المعلوم من التبليغ، ويجوز أن يكون من الإبلاغ، أي: يوصل (خيرًا) أي: إلى خير من أمور الدنيا والآخرة.
(ومغفرة منك) أي: حاصلة من فضلك، عطف على بلاغًا، وكذا قوله: (ورضوانًا) بكسر الراء ويضم، وَذكرهما بعد الخير من باب التفصيل بعد الإبهام، أو من قبيل عطف الخاصّ [على] (^٢) العام.
(بيدك الخير) أي: بتصرفك لا غير أو بقدرتك وإرادتك الخير، وكذا الشر، فهو من باب الاكتفاء كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. أي: والبرد. أو من قبيل حسن الأدب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] حيث لم يقل: وإذا مرضني.
وقيل: "ذكر الخير وحده لأنه المرغّب فيه، أو لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض إذا لم يوجد شيء جزئي ما لم يقض خيرًا كليًّا".
وتحقيقه: أنا إذا تأمَّلنا، فكل ما يطلق عليه شر فليس بشر بالذات بل بالعرض من حيث هو سبب للشر، وأمثلة ذلك: هي كالبرد والمفسد للثمار، وكالسحاب الذي يمنع القصار عن فعله، وكالأخلاق الرذيلة كالجبن والبخل، وكالأفعال المذمومة كالزنا والآلام والغموم، وغيرها فالبرد من حيث كيفيته، وبالقياس إلى ما أوجب ليس بشرّ، بل هو كمال
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "بعد".
[ ٢ / ٩٢٦ ]
من الكمالات، وإنما الشر هو فساد أمزجة الثمار، [وفقدانها] (^١) مَا يليق، وعلى هذا قيالس الباقي.
فإن الأخلاق الرديّة والأفعال الدنية ليست بشرور من حيث صدورها من القوة الغضبيّة والقوة الشهوية مثلًا، بل هي من تلك الحيثية كمالات لتينك القوتين، وإنما تكون شرورًا بالقياس إلى ضعف النفس الناطقة عن ضبط قواها، أو بالقياس إلى المظلوم، أو إلى السعادة الدينية، وكذا الآلام فإنها ليست شرورًا من حيث إدراكات الأمور، ولا من حيث وجود تلك الأمور في أنفسها وصدورها عن عللها، وإنما هي شرور بالقياس إلى المتألم.
(إنك على كل شيء) أي: من إيصال الخير ودفع الشر. (قدير) أي: بليغ القدرة.
(اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم هون علينا السفر) أي: سفر الدنيا وسفر الأخرى، أو سفر الظاهر وسير الباطن، (واطو لنا الأرض) أي: مسافة مقصدنا.
(اللهم إني) كذا في "الأصيل" وليس في "الجلال"، (أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب. ص، ي) أي رواه: أبو يعلى، وابن السني؛ كلاهما عن البراء بن عازب (^٢).
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "وفقدان".
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨١ و٤/ ٢٨٩ و٤/ ٢٩٨ و٤/ ٣٠٠)، والترمذي" (٣٤٤٠)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٥٠). قال أبو عبد الرحمن النسائي، عقب رواية يحيى بن آدم: أبو إسحاق لم يسمعه=
[ ٢ / ٩٢٧ ]
(اللهم أنت الصاحب في السفر) أي: كما في الحضر بل لكل أحد، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، (والخليفة في الأهل) أي: في أهل كل واحد بالحفظ في كل حال، فلا اعتماد فيهم إلا عليك، ولا تفويض أمرهم إلا إليك.
(اللهم اصحبنا في سفرنا) أي: صحبًا جميلًا، (واخلفنا في أهلنا) بوصل همزة وضم لام، قال المصنّف: "أي: كن خلفًا منا على أهلنا" (^١). (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن عبد الله بن سرجس (^٢).
(وإذا علا) قال الحنفي: "أي: ارتفع"، وهو غير ملائم، فالظاهر أن يقال: أي صعد. (ثنيَّةً) وهي بفتح مثلثة، وكسر نون، وتشديد تحتية، فهاء، أي: عقبة على ما في "النهاية"، (كبَّر) أي: قال: "الله أكبر"، إظهارًا لكبريائه تعالى، وعلو مكانته، وارتفاع شأنه.
(وإذا هبط) بفتح الموحدة، أي: نزل من العلو إلى الهبوط. (سبَّح) أي
_________________
(١) = من البراء. والصواب ما قاله النسائي، إذ رواه أبو إسحاق، عن الربيع، عن البراء. ولذا، قال الترمذي، عقب رواية شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الربيع بن البراء بن عازب، فذكره. قال الترمذي: وروى الثوري هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن البراء، ولم يذكر فيه: عن الربيع بن البراء)، ورواية شعبة أصح.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٣) أخرجه عبد بن حميد (٥١١)، والترمذي (٣٤٣٩)، والنسائي في "الكبرى" (٨٨٠١)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٤٩٩).
[ ٢ / ٩٢٨ ]
قال: "سبحان الله"؛ تنزيهًا له عن الزوال والنزول.
وأما حديث: "ينزل ربنا" فمعناه: أمره، أو حكمه، أو ملائكته، أو النزول محمول على معنى التجلي مطلقًا، أو التجلي الصوري كما قاله بعض الصوفية من الجامعين بين علمي الظاهر والباطن (^١). (خ، س، د)
_________________
(١) المؤلف مشى على طريقة أهل التأويل والتفويض، وهما مذهبان باطلان، ومذهب السلف إثبات صفات الله كما دل عليها الكتاب والسنة وأنها على ظاهرها ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوضونها، فلا يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا يعلمون معاني هذه النصوص ويفسرونها، وإنما يفوضون علم كيفيتها إلى الله، فمذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل إثبات بلا تشبيه وتنزيه لله بلا تعطيل. كما قال مالك: (الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب)، فالسلف متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله. لقد وصف الله تعالى نفسه بأكمل وأجمل الأوصاف، كما يليق بجلاله وعظمته في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، وعقيدة السلف الذين كانوا أعلم الأمة وأعرفها باللع رب العالمين: الإيمان بجميع ذلك على وجه الإجمال فيما جاء مجملا، وعلى وجه التفصيل فيما جاء مفصلا، من غير زيادة ولا نقصان، من غير صرف له إلى معنى آخر غير الظاهر من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأن السلف كانوا يعلمون معاني الصفات، ويفرقون بينها، بحسب ما دلت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والإتيان غير الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فكيفية=
[ ٢ / ٩٢٩ ]
أي: رواه البخاري والنسائي عن جابر (^١)، وأبو داود عن ابن عُمَر (^٢).
(وإذا أشرف) أي: صَار مشرفًا (عَلى وَادٍ هَلل وكبَّر) أي: قال: لا إله إلا الله، والله أكبر. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي موسى (^٣).
_________________
(١) = الصفات مجهولة للعباد، ومعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، والإيمان بالصفة كما أخبر الله بها واجب، وفي هذا الحديث إثبات اليد والأصابع لله حقيقة، وإن تأويلها بالنعمة أو القدرة ونحوها باطل. ومن تأمل جواب الإمام مالك بن أنس ﵀ لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش، فقال: "الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، تبينت له حقيقة ما ذكرت. إن الله خاطبنا بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه. والأصل في الكلام أن يجرى على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون كلمة الإمام مالك هذه قاعدة، لأهل السنة في سائر صفات الباري تعالى. والله أعلم.
(٢) البخاري (٢٩٩٣) و(٢٩٩٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٤٢)، وابن خزيمة (٢٥٦٢)، والبيهقي ٥/ ٢٥٩ من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر. ووهم البيهقي في السنن (٥/ ٢٥٩) فنسب تخريج هذا الحديث إلى مسلم في "الصحيح " عن بندار، والصواب أنه البخاري.
(٣) أخرجه مسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والترمذي (٣٤٤٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٨٤)، (٤٢٠٥)، (٧٣٨٦)، ومسلم (٢٧٠٤)، والترمذي (٣٣٧٤)، والنسائي (١١٤٢٧)، وفي عمل اليوم والليلة (٥٣٨)، وابن ماجه (٣٨٢٤)، وأبو داود (١٥٢٧).
[ ٢ / ٩٣٠ ]
(وإن) وفي نسخة: "وإذا". (عثرت) بفتح المثلثة، أي: زلّت. (به دابته) والباء للتعدية أو الملابسة، وفي "القاموس" (^١): "عثر كضرب ونصر وعلم وكرم، عثرًا: كَبَا، فهو مثلث الماضي والمضارع".
فجزم الحنفي المشعر للحصر بأن [العاثر] (^٢): يفعُل من باب "طلب"، دال على أنه كان من الطلبة، ولم يصل إلى مرتبة الغلبة.
(فليقل: باسم الله. س، مس، أ، ط) أي رواه: النسائي، والحاكم، وأحمد، والطبراني، لكن أحمد عن أبي تميمة، عمن كان رديف النبي ﷺ، والباقون عن أبي المليح (^٣).
(وإذا ركب) أي: المسافر (البحر) أي: سفينة، (أمان من الغرق) بفتح الراء، مصدر على ما في "النهاية". (أن يقول) أي: عند ركوبه أو بعده، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميم وضمها، مع الإمالة ودونها، (الآية) يعني: ﴿وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، وهو مقتبس من قوله تعالى:
_________________
(١) القاموس (ص ٤٣٦).
(٢) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "الغابر".
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٥٩ و٧١)، وأبو داود (٤٩٨٢)، وصححه الحاكم (٤/ ٢٩٤)، وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٣٢): رواه أحمد بأسانيد ورجالها كلها رجال الصحيح. والحديث في صحيح الترغيب (٣١٢٩). قال الإمام النووي في "الأذكار" (١/ ٢٦٤): ورويناه في كتاب ابن السني عن أبي المليح عن أبيه وأبوه صحابي اسمه أسامة على الصحيح المشهور وقيل فيه أقوال أخرى وكلا الروايتين صحيحة متصلة فإن الرجل المجهول في رواية أبي داود صحابي والصحابة ﵃ كلهم عدول لا تضر جهالتهم.
[ ٢ / ٩٣١ ]
﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]. أي: اركبوا قائلين "باسم الله"، أو مسمين الله وقت إجرائها وإرسائها، أي: إثباتها.
أو: "باسم الله" خبر لمجراها، أي: باسم الله إجراؤها، فيكون إخبارًا عن سفينة نوح بأن إجراءها وإرساءها باسم الله، وقد نقِل: أنه إذا أراد إجراءها قال: "باسم الله" فَجَرَتْ، وإذا أراد إثباتها قال: "باسم الله" فرست.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق عظمته، وقال سهل التستري: "أي: ما عرفوه حق معرفته". (الآية) بالوجوه الثلاثة (في الزمر) كذا في "نسخة الجلال"، وفي "نسخة الأصيل": "التي في [سورة] (^١) الزمر".
وقال المؤلف: "يعني التي في سورة الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية؛ وذلك مجرب" (^٢)، انتهى. وهو احتراز [مما] (^٣) وقع في سورة الأنعام أيضًا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
ثم قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] تنبيه على كمال عظمته وعظيم قدرته، ودلالة على حقارة الأفعال العظام التي تتحيّر فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته، وإيماء إلى أن تخريب العالم أهون شيء عليه، على طريق التمثيل
_________________
(١) من (أ) و(ج) فقط.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "عما".
[ ٢ / ٩٣٢ ]
والتخييل، من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا.
والقبضة: المَرَّةُ من القبض، أطلقت بمعنى القبضة وهي: المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة.
وتأكيد ﴿وَالْأَرْضُ﴾ بالجمع؛ لأن المراد بها الأرضون السبع، أو جميع أجزائه البادية والغائرة، وقرئ: (مطوياتٍ) بالنصب على أنها حال، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ معطوفة على ﴿وَالْأَرْضُ﴾ منظومة في حكمها، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: ما أبعد مَنْ هذه قدرته وعظمته من إشراكهم، أو ما يضاف إليه من الشركاء؛ كذا حققه البيضاوي.
(ط، ص، ي) أي رواه: الطبراني، وأبو يعلى، وابن السني، كلهم عن الحسين بن علي (^١).
(وإذا انفلتت دابته) يقال: "أفلت الشيء، وانفلت وتفلت، بمعنى فرَّ". وفي "النهاية": "الانفلات: التخلص من الشيء فجأة من غير مكث".
(فليناد: أعينوا) أي: أعينوني على أخذها، وأغيثوني في ردّها، (يا عباد الله) المراد بهم الملائكة، أو المسلمون من الجن، أو رجال [الغيب] (^٢) المسمّون بالأبدال.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩٦) رقم (١١٤٧٩) والحاكم في المستدرك (٤/ ٧٥) رقم (١١٤٧٩)، وقال الذهبي في التلخيص: في إسناده ضعيفان. وقال الألباني في ضعيف الجامع (١٢٤٩)، والسلسلة الضعيفة (٦٨٣): ضعيف جدًّا.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "الغيث".
[ ٢ / ٩٣٣ ]
(ر) أي: رواه البزار عن ابن عباس (^١)، وروى ابن السني عن ابن مسعود مرفوعًا (^٢): "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة؛ فليناد: يا عباد الله احبسوا؛ فإن لله تعالى عبادًا في الأرض تحبسه".
قلت: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العِلْمِ انفلتت له دابّة -أظنها بغلة- وكان يعرف هذا الحديث، فقاله حبسها الله عليهم في الحال.
وكنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منا بهيمة وعجزوا عنها، فقلته فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. ذكره النووي في "الأذكار".
(رحمكم الله. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة، هذه الزيادة، موقوفًا من قول ابن عباس (^٣).
(وإن أراد) وفي نسخة: "وإذا أراد" (عونًا) أي: نصرًا وإعانة، أو معينًا ومغيثًا، (فليقل: يا عباد الله، أعينوني. يا عباد الله، أعينوني. يا عباد الله، أعينوني) أي: يكررها ثلاثًا.
(ط) أي: رواه الطبراني عن زيد بن علي، عن [عُتْبَةَ] (^٤) بن غَزْوَان، عن النبي
_________________
(١) أخرجه البزار (٤٩٢٢) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٢): رواه البزار ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٥٢٦٩) وابن السني (٥٥٩) والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢١٧) رقم (١٠٥١٨) قال الهيثمي (١٠/ ١٣٢): فيه معروف بن حسان وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٠٤) والسلسلة الضعيفة (٦٥٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٢١) ط الرشد.
(٤) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "عقبة".
[ ٢ / ٩٣٤ ]
ﷺ أنه قال: "إذا ضل أحدكم شيئًا أو أراد عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله، أعينوني. يا عباد الله، أعينوني؛ فإن لله عبادًا لا نراهم".
(وقد جُرّب ذلك) أي: وذلك مجرب محقق. (ط) أي: رواه الطبراني من حديث عتبة بن غزوان أيضًا (^١).
_________________
(١) قال الهيثمي (١٠/ ١٣٥): رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة. قال الشيخ الألباني: ومع أن هذا الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ "عباد الله" فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول: "فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليهم". وقوله في هذا الحديث: "فإن لله عبادًا لا نراهم". وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة، وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة. أخرجه البزار عن ابن عباس بلفظ: "إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصا بت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني". قال الحافظ كما في "شرح ابن علان" (٥/ ١٥١): "هذا حديث حسن الإسناد غريب جدًّا، أخرجه البزار وقال: لا نعلم يروى عن النبي ﵌ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد". وحسنه السخاوي أيضا في "الابتهاج" وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". قلت: ورواه البيهقي في "الشعب" موقوفا كما يأتي. فهذا الحديث -إذا صح- يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول "يا عباد الله" إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، فإن=
[ ٢ / ٩٣٥ ]
قال بعض العلماء الثقات: "حديث حسن يحتاج إليه المسافرون، وروي عن المشايخ أنه مجرب قرن به النُّجْح". ذكره ميرك.
(وإذا أشرف) أي: اطلع (على مكان مرتفع) أي: عالٍ، (قال: اللهم لك الشرف) أي: العلو، (على كل شرف) أي: عال، (ولك الحمد على كل حال. أ، ص، ي) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى، وابن السني، عن أنس (^١).
(وإذا رأى) كذا في "أصل الأصيل" وأكثر الأصول، وفي "أصل الجلال": "وإذا أراد". (بلدًا) ويلائم الأول قوله: (يريد دخولها) ولعله يريد التأكيد؛ إذ يلائم الثاني قوله: (قال حين يراها) وعلى الأول معناه: قال أول وقت يراها لا حين دخولها.
(اللهم رب السماوات السبع وما أظللن) أي: أشرفن عليه ودنون منه، فكأنهن ألقين ظلة عليه، وفي رواية الطبراني: "وما أظلت" بصيغة الواحدة؛ لقصد الجماعة. (ورب الأرضين) بفتح الراء، ويسكن (السبع
_________________
(١) = الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بين لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا لما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤] "الضعيفة" (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٩)، وأبو يعلى (٤٢٩٧). وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٢٢)، قال الهيثمي: فيه زياد النميري، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله ثقات مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٣). وأخرجه أيضًا: ابن عدي (٥/ ٨٥) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٥٨).
[ ٢ / ٩٣٦ ]
وما أقللن)، وفي رواية الطبراني: "وما أقلت" أي: حملته ورفعته.
(ورب الشياطين وما أضللن) ولعل وجه التأنيث اعتبار نفوسهم، أو تغليب إناثهم مع رعاية المشاكلة. ونسبة الإضلال إليهم مَجازية، وفي رواية الطبراني: "وما أضلت".
(ورب الرياح وما ذرين) وفي رواية الطبراني: "ذرت"، وفي رواية أخرى له: "أذرت"، وفي "النهاية": "يقال: ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه: إذا أطارته". قلت: ومن الأول قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥].
(فإنا نسألك خير هذه القرية) أي: نفسها، بأن تجعلها مباركة علينا نقوم فيها بالطاعة والعبادة، ونسكن فيها بالسلامة والعافية، أو خير ما فيها من أرزاق الحلال. (وخير أهلها) أي: من العُلَمَاءِ والصُّلَحَاءِ.
(ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها) أي: من المؤذيات. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن صُهَيْب بن سنان الرومي، ورواه ابن السني أيضًا (^١).
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه الكبرى (٨٨٢٧)، و(١٠٣٧٨) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٢٥)، وابن خزيمة (٢٥٦٥)، وابن حبان (٢٧٠٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥/ ٣٢) (١٧٧٨) و(٢٥٢٨)، والطبراني في "الكبير" (٧١٤٦) و(٧٢٩٩) والحاكم ١/ ٤٤٦ و٢/ ١٠٠ - ١٠١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٤٦) قال ابن حجر في "تخريج الأزكار" (٥/ ١٧٤) إسناده حسن. انظر الفتوحات الربانية لابن علان.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
(أسألك خيرها وخير ما فيها) أي: من الأهل وغيره؛ ففيه تغليب (وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها. ط) أي: رواه الطبراني عن لبابة بن أبي رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري، ويقال له: لبابة بن المنذر (^١).
(وعندما يريد أن يدخلها) أي: يقول: (اللهم بارك لنا فيها -ثلاث مرات- اللهم ارزقنا جَنَاهَا) قال المصنّف: "بفتح الجيم، وهو ما يجتنى من الثمر" (^٢)، انتهى. ووقع في بعض النسخ: "بفتح الحاء المهملة، فتحْتِيَّةٌ"؛ ففي "القاموس" (^٣): "الحيا: الخصب، ويمد" انتهى. ولكن الظاهر أنه تصحيف.
(وَحَبِّبْنَا) أَمْرٌ من التحبيب، أي: اجعلنا محبوبين (إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا) أي: واجعل صالحي أهلها محبوبين إلينا، ولا يخفى النكتة اللطيفة في تعميم "أهلها" في الجملة الأولى، وتخصيصها في الثانية (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧٥١٦) وقال الهيثمي (١٠/ ١٣٤): وإسناده حسن. قلت: في إسناده يعقوب بن محمد الزهري، فهو كثير الوهم كما في "التقريب"، والكناني لم يوثقه غير ابن حبان، أورده في "ثقات أتباع التابعين" ولم يذكرله راويا غير إسحاق بن جعفر هذا، وكذلك لم يذكر له غيره البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١٢٧) وابن أبي حاتم (٧/ ٣٥٩) وقال عن أبيه: لا أعرفه. ضعفاء العقيلي (٤/ ٨٧).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٣) القاموس (ص ١٢٧٨).
(٤) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٧٥٥)، وقال الهيثمي (١٠/ ١٣٧)، رواه الطبراني في "الأوسط" وإسناده جيد.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
(طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" (^١) عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: اللهم إني أسألك من خير هذه، وخير ما جَمَعَتْ فيها. اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا". كذا ذكره بعض المحققين، ولعل الطبراني له روايتان، والله أعلم.
(وإذا نزل منزلًا: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لم يضرَّه) بفتح الراء المشددة، ويجوز ضمه، ويجوز كسر الضاد وسكون الراء من ضاره يضيره، وقد قرئ بهما في قوله تعالى ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. والمعنى: لم يصبه ضرر (شيء) أي: من المخلوقات، (حتى يرتحل) أي: ينتقل من ذلك المنزل.
(م، ت، س، ق، أ، ط، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطبراني، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن خولة بنت حكيم، وليس لها في الكتب سوى هذا الحديث إلا الطبراني فعن عبد الرحمن بن عائش (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٧٥٥) من رواية ابن عمر. أما رواية عائشة فقد أخرجها ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٢١). وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٠٤٠) وقال قلت: وهذا موضوع بهذا التمام؛ آفته عيسى بن ميمون -وهو مولى القاسم ابن محمد-، وهو واهٍ جدًّا.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٢٢)، ومسلم (٢٧٠٩)، والترمذي (٣٤٣٣)، وأحمد (٦/ ٣٧٧ و٣٧٨ و٤٠٩)، والدارمي (٢٦٨٣)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٦٠ - ٥٦١)، وابن السني (٥٢٨)، وابن ماجه (٤٧٣٥)، والبيهقي (٥/ ٢٥٣)، والطبراني في "الدعاء" (٨٣٠ - ٨٣٣).
[ ٢ / ٩٣٩ ]
(وإذا أمسى) أي: دخل المسافر في المساء، والإمساء نقيض الإصباح على ما في "التاج". (وأقبل الليل) تأكيد لما قبله؛ فإن الإقبال ضد الإدبار، أو دفعًا لاستعمال المساء فيما بعد الزوال أيضًا.
(يا أرض، ربي وربك الله) الخطاب فيه وفيما بعده للأرض، وفيه إشعار بأن لها شعورًا بكلام الداعي. (أعوذ بالله من شرك) أي: بأن يقع فيك معصية أو محنة وبلية، وزيد في "الأذكار" و"المشكاة" و"السلاح": "وشر ما فيك" بهذه الرواية.
(وشر ما خلق فيك) أي: في جوفك من المؤذيات. (وشر ما يدب) بكسر الدال وتشديد الموحدة، أي: يتحرك (عليك) أي: من الحشرات. قال المصنّف: "بكسر الدال، أي: يمشي، وكل ما على الأرض دابة ودبيب" (^١).
(وأعوذ بالله) وفي "نسخة الجلال": "وأعوذ بك" وفوقه رمز الدال، ويوافقه ما في "شرح المصابيح" للمصنف: ""وأعوذ بك من أسد"، كذا في رواية أبي داود"، ويؤيده أنه وقع في نسخة من "الأذكار" (^٢): "وأعوذ بك"، وكذا في "سلاح المؤمن"، وقال: وفي رواية النسائي: "وأعوذ بالله" (من أسد) أي: من شره، (وأسْودٍ) بالتنوين، وفي نسخة بالفتح، وسيجيء تحقيقه. قال المصنّف: "الأسود، قيل: "هو الشخص"، وقيل: "العظيم من الحيات"، وخصت بالذكر لخبثها" (^٣)، انتهى. وقال التوربشتي:
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٢) الأذكار (ص ٣٨١).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
[ ٢ / ٩٤٠ ]
"الأسود: الحية العظيمة التي فيها سواد وهي أخبث الحيات". وذكر من شأنها أنها تعارض الركب وتتبع الصوت، فلذا خصها بالذكر وجعلهما جنسًا آخر برأسها، ثم عطف عليها بقوله (ومن الحية والعقرب) (^١).
و"أسود" هنا منصرف؛ لأنه اسم جنس وليس بصفة؛ إذ ليس فيه شيء من الوصفية كما هو معتبر في الصفات الغالبة عليها الاسمية في منع الصرف، ولهذا يجمع على أساود.
وقال بعضهم: "والمسموع من أفواه المشايخ، والمضبوط في أكثر النسخ "أسودَ" بالفتح غير منصرف". وعن بعضهم: "الوجه أن لا ينصرف؛ لأن وصفيته أصلية، وإن غلب عليها الإسمية".
وفي "الغريبين" (^٢): "قال ابن الأعرابي في "تفسيره": يعني جماعات، وهي جمع سوادي جماعة ثم أسودة، ثم أساود". وقيل: "المراد بالأسود: اللص؛ لأنهم يقولون له: أسود؛ لملابسته الليل، أو لملابسته السواد من اللباس". قلت: أو لأن أكثرهم السودان على ما في مكة المشرفة.
(ومن شر ساكن البلد) لفظ "شر" ليس في "الأذكار"، وفي "أصل الجلال": "ساكني البلد"، بصيغة الجمع، وأريد بلفظ الأول الجنس.
قال المؤلف: "قيل: "هم الجن الذين هم سكان الأرض"، والبلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل" (^٣)، انتهى.
_________________
(١) مرقاة المفاتيح (٤/ ١٦٩٢).
(٢) غريب الحديث لابن سلام (٤/ ١٣٤).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
[ ٢ / ٩٤١ ]
وكذا هو في "النهاية" (^١).
وقال القاضي: "قيل: هم الجن والإنس؛ لأنهم يسكنون البلاد غالبًا، أو لأنهم بنوا البلدان واستوطنوها". والمراد بالبلد: الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] (^٢).
(ومن والدٍ وما ولد) قيل: "آدم وذريته"، ويحتمل أن يكون جميع ما يوجد بالتوالد من الحيوانات أصولها وفروعها. وقال المصنّف: "يحتمل أن يكون "والد": إبليس، و"ما ولد": الشياطين" (^٣).
(د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر (^٤).
(ووقت السحر) وهو السدس الأخير من الليل، وفي رواية: "وإذا أسحر"، أي: دخل وقت السحر، (يقول: سمّع) بالتشديد، أي: بلّغ. وهو خبر معناه
_________________
(١) انظر معالم السنن (٢/ ٢٥٩). قال ابن علان في "الفتوحات الربانية" (٣/ ١٦٧) تعليقًا على قول الخطابي: "ساكن البلد: الجن"، أي: بناء على أن المراد بالبلد الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، وهو الظاهر؟ لأن النبي ﷺ إنما قاله في البراري لا في الأبنية، أما إذا أريد بالبلد ما هو المتبادر منه من الأبنية، فسر البلد بمأوى الحيوان من الأرض الشامل للأبنية وغيرها، وفسر الساكن بالجن.
(٢) انظر مرقاة المفاتيح (٢/ ١٦٩٢).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٠٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٦٢) وإسناده ضعيف. في إسناده بقية بن الوليد قال الحافظ: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء التقريب: (٧٤١).
[ ٢ / ٩٤٢ ]
الأمر، أي: ليبلغ (سامع بحمد الله)، قال المصنّف: "بتشديد الميم المفتوحة، كذا ضبطه القاضي عياض (^١)، وقال: "معناه: بلّغ سامع قولي هذا تنبيهًا على الذكر والدعاء، وضبطه الخطابي بالكسر مخففة، ومعناه: شهد شاهد، قال -أي: الخطابي-: "وهو أمر بلفظ الخبر، وحقيقته: ليسمع وليشهد على حمدنا لله على نعمته" (^٢)، وكذا قال في "النهاية" (^٣) " (^٤)، وفي نسخة زيادة: "ونعمه" بصيغة الجمع، وفي رواية أبي داود: "ونعمته"، بلفظ الإفراد. (وحسن بلائه علينا) بالجر عَطْفًا على "حمد الله"، وفي نسخة بالرفع على أنه جملة من مبتدأ وخبر، أي: حسن نعمته، أو حسن اختياره واقع علينا وثابت لدينا.
قال المصنّف: "قوله "على نعمه وحسن بلائه علينا" أي: ما أحسن إلينا، وأولانا من نعمه، وحسن البلاء بالنعمة: الاختبار بالخير ليتبين الشكر، وبالشر ليظهر الصبر" (^٥). انتهى.
وفيه: أن قوله "على نعمه" مشعر بأن لفظ "على" من متن الحديث، وليس موجودًا في النسخ المصحَّحَة، والأصول المعتمدة.
(ربنا) أي: يا ربنا (صَاحِبْنَا) بسكون الموحدة، أمر من المصاحبة، أي: كن صاحبنا بالإعانة والإغاثة، (وأفضِل) أمر من الإفضال، أي: زد
_________________
(١) مشارق الأنوار (٢/ ٢٢١).
(٢) "شرح مسلم" (١٧/ ٣٩).
(٣) النهاية (٢/ ٤٠١).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ ب، ١٢/ أ).
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
[ ٢ / ٩٤٣ ]
من نعمك بفضلك (علينا، عائذًا بالله من النار) هو منصوب على المصدر، أي: أعوذ عياذًا، أُقِيمَ اسمُ الفاعل مقام المصدر كما في قولهم: قم قائمًا، أو على الحال من ضمير المرفوع في: يقول، أو استجِر، فيكون من كلام الراوي. قاله القاضي.
ويريد أن "عائذًا" إذا كان مصدرًا فهو من كلام رسول الله ﵇، وإذا كان حالًا فمن كلام الراوي.
وَجَوَّزَ النووي أن يكون حالًا، وأن يكون من كلامه ﷺ، أي: إني أقول حالة استعاذتي من النار، انتهى. والأرجح هذا؛ لئلا ينخرم النظم، ذكره الطيبي. وقال المصنّف: "أي: معتصمًا، ونصبه على الحال" (^١). انتهى. ويحتمل أن يكون حالًا من فاعل "سمع"، وفي رواية أبي عوانة: "من جهنم".
(م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة، أي: من غير قيد (^٢).
(يقول ذلك ثلاث مرات، ويرفع بها صوته. عو، مس) أي رواه: أبو عوانة، والحاكم، عنه أيضًا (^٣).
(وقال ﷺ: أتُحِبُّ يا جُبَيْر) بالتصغير، وهو ابن مطعم (إذا خرجتَ في سفر) وفي نسخة: "إلى سفر"، وفي أخرى: "إلى سفرك" بالخطاب (أن
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧١٨)، وأبو داود (٥٠٨٦)، والنسائي في الكبرى (٧٧٢٨).
(٣) أخطأ الحاكم فاستدركه على مسلم، وخرجه (١/ ٤٤٦) من الطريق التي أخرجها مسلم.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
تكون أمثل أصحابك) أي: أفضلهم وأحسنهم (هيئة) أي: صورة وحالًا، (وأكثرهم زادًا؟) أي: توسعة ومالًا، وكمالًا وجمالًا: حالًا ومآلًا، (فقلت: نعم، بأبي أنت وأمي) أي: أفديك بهما.
(قال: فاقرأ هذه السور الخمس: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وافتتح) أي: ابتدئ (كل سورة: ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيه إشعار بجواز ترك البسملة في أوائل السور، لا سيما ما بين السورتين على ما قر أبه جمع من السبعة.
(واختم قراءتك بها) أي: ليكون ختامها مسكًا، وحاصله: أن تكون القراءة مبدوءًا بها ومختتمًا فيها، وقد أبعد من توهم أن كل سورة يبتدأ بها، ويختتم بها؛ فإنه يلزم تكرار البسملة في أثناء القراءة؛ ولا وجه له في الدراية، مع أنه غير مُصرَّح في الرواية. وأما ختم القراءة بالبسملة [فيوجّه] (^١) بما ورد من الحالّ المرتحل، وبقول القائل:
أَعِدْ ذِكرَ نُعْمَانٍ لنَا إِنَّ ذِكرَهُ … هُوَ المِسْكُ مَا كرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
(قال جبير: وكنت) أي: قبل ذلك (غنيًّا كثير المال) عطف بيان، أو دفع لإرادة الغنى القَلْبي. (فكنت أخرج في سفر) أي: من الأسفار مع بعض الرفقاء الفقراء والأغنياء (فأكون) أي: في تلك الحال [أبذهم] (^٢) هيئة) بتشديد الذال المعجمة، أي: أكثرهم بذاذة من جهة الهيئة، وهي
_________________
(١) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب) و(ج): "فتوجه".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "أبذ"، وفي (م): "أرثهم".
[ ٢ / ٩٤٥ ]
الحالة الظاهرة؛ ففي "القاموس": "بذ وبذذت كعلمت بذاذة: ساءت حالك، وباذ الهيئة وبذها: رثها، والبذيذة: التقشف".
(وأقلَّهم زادًا) أي: في الصورة، أو في البركة، (فما زلت) أي: فبقيت دائمًا (منذ عُلِّمْتُهُنَّ) بضم العين فتشديد اللام مكسورة، وفي "نسخة الجلال" بفتح فتخفيف، أي: من ابتداء زمان تعلمت السور الخمس (من رسول الله ﷺ، وقرأت بهن) أي: وواظبت عليهن.
(أكون من أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادًا حتى أرجع) بالنصب، وفي "أصل الجلال" بالرفع، ولعله لبيان الحال (من سفري. ص) أي: رواه أبو يعلى عن جبير بن مطعم (^١).
(ما راكبٌ) أي: ليس راكب ونحوه، (يخلو في مسيره) أي: في سيره، أو زمانه، أو مكانه. (بالله) أي: مشتغلًا به. (وذِكْره) بالجر، وفي "أصل الجلال" بصيغة الماضي، عطفًا على "يخلو"، والجملة في محل نصب على الحال.
(إلا ردفه الله بِمَلَكٍ) أي: يُلْهِمُهُ الخير، ويمنعه عن الشر. وردف: بكسر الدال، والباء للتعدية، أي: أتبعه الله به، أو جعله ردفا له؛ ففي "القاموس": "الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب كالرديف، وكل ما تبع شيئًا، وردفه، كسمعه ونصره،: تبعه، كأردفه وأردفته معه: أركبته".
وقال المصنّف: "بكسر الدال، أي: جعل الملك ردفه، والردف:
_________________
(١) أخرجه أبو يعلي (٧٣٨٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٦ - ١٣٧)، رواه أبو يعلى وفيه: من لم أعرفهم.
[ ٢ / ٩٤٦ ]
الذي يركب خلف الراكب" (^١).
(ولا يخلو) أي: راكب (بشعر) أي: مذموم (ونحوه) أي: بكلام الدنيا، أو ما يحذو حذوه مما لا يعينه، (إلا رَدِفه) أي: الله (بشيطان) أي: يعده الفقر، ويأمره بالفحشاء، ويعوقه عن الخير في مسيره. (ط) أي: رواه الطبراني عن عقبة بن عامر.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ أ).
[ ٢ / ٩٤٧ ]