(فإذا) وفي نسخة: "وإذا" (خرج للصلاة) أي: لصلاة الصبح (اللهم) وفي نسخة: "قال: اللهم" (اجعل في قلبي نورًا) قال الكرماني: "التنوين [فيها] (^١) للتعظيم" (^٢)، أي: نورًا عظيمًا.
(وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا) وخص الثلاثة بالذكر، ولم يذكر بواقي الحواس لأن القلب مقر الفكر في الماء الله ونعمائه، ومكانها ومَعْدِنها، والحواس وسائر الأعضاء تابعة له، لقوله ﵇: "إن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب" (^٣)؛ ولذا قدّمه.
والبصر: مسرح آيات الله المنصوبة في الآفاق، وله مدخل تامّ في قراءة الكتب المنزلة وغيرها.
والسمع: مدرك أنوار الوحي والآيات المنزلة والعلوم المنقولة.
والمراد من طلب نور الأعضاء أن تتحلى بنور المعرفة والطاعة، وتتخلى عن ظلمة الجهالة والمعصية والغفلة.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "فيهما"، وليست في شرح الكرماني.
(٢) "الكواكب الدراري" للكرماني (١/ ١٣١).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)؛ كلاهما من حديث النعمان بن بشير به مرفوعًا.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
(وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وعن خلفي نورًا) اختصار لما وقع في الحديث المتفق عليه: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن [يساري] (^١) نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا"، والمقصود من ذلك كله الإحاطةُ، كما يدلُّ عليه قوله: (واجعل لي نورًا) أي: نورًا عظيمًا محيطًا بجميع الأعضاء، فكأنه إجمال بعد تفصيل، وفذلكة وتذييل.
قال القرطبي (^٢): "هذه الأنوار يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كلّ عضو من أعضائه نورًا يستضيء به من ظلمات يوم القيامة، هو ومن يتبعه ممن شاء الله منهم"، قال: "والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]:، ثم قال: "والتحقيق في معناه: أن النور يظهر ما ينسب إليه، وهو يختلف
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "شمالي".
(٢) هو: أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري، أبو العباس الأندلسي ثم القرطبي نزيل الإسكندرية، من أعيان فقهاء المالكية في زمانه، وهو شيخ أبي عبد الله القرطبي صاحب "التفسير"، كان ﵀ جامعًا لعلوم الحديث والفقه والعربية، واختصر صحيحي البخاري ومسلم، وشرح مختصره على "صحيح مسلم" وسماه: "المفهم" فأحسن فيه وأجاد، ولد سنة ٥٧٨، وتُوفِّي سنة ٦٥٦. راجع ترجمته في: "تاريخ الإسلام" للذهبي (٤٨/ ٢٢٥)، و"الوافي بالوفيات" للصفدي (٧/ ٢٦٥ - ٢٦٤)، و"الديباج المذهب" لابن فرحون (ص ٢٤١).
[ ٢ / ٦٦٧ ]
بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات" (^١).
وقال الطيبي: "معنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا: أن يتحلى كلّ عضو بأنوار المعرفة والطاعة، ويتعرى عما سواها، فإن الشيطان محيط بالجهات الست بالوساوس المشبهة بالظلمات، فدفع كلمة "ظلمة" بـ "نور"، فكأنه طلب التخلص منها بالأنوار السادة لتلك الجهات"، قال: "وكل ذلك راجع إلى الهداية والبيان وضياء الحق، وإليه يرشد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] "، قال: "وخص السمع والبصر والقلب بلفظ "في"؛ لأن القلب مقر الفكر في الماء الله، والسمع والبصر مسارح آيات الله المتلوة والمنصوبة، وخص اليمين والشمال بعده إيذانًا بتجاوز الأنوار عن قلبه وسمعه وبصره، إلى مَن عن يمينه وشماله من أتباعه، وعبّر عن بقية الجهات بـ "من" يشمل استنارته وإنارته من الله ومن الخلق، وقوله في آخره: "واجعل لي نورًا" هي فذلكة وتأكيد له" (^٢)، كذا نقله ميرك عن الشيخ.
_________________
(١) "المفهم" للقرطبي (٢/ ٣٩٥ رقم: ٦٤٢).
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (٤/ ١١٨٣ - ١١٨٤) بتصرف. وراجع كذلك: النهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٥). وشرح النووي على صحيح مسلم، (٦/ ٢٩١)، وفتح الباري، لابن حجر (١١/ ١١٨).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
(خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن ابن عباس (^١).
(وفي عصبي نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي دمي نورًا، وفي شَعَرِي) بفتح العين ويسكن (نورًا، وفي بشري) أي: جلدي (نورًا. خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن ابن عباس أيضًا (^٢)، ولعل وجه الفصل أنهما روايتان عنه، أو الثاني زيادة على الأول، فتأمل.
وكذا الكلام في قوله: (وفي لساني نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا) بقطع الهمزة وكسر الظاء، أي: اجعل نوري عظيمًا. (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا (^٣).
(واجعلني نورًا) وهو أبلغ من الجميع. (س، مس) أي رواه: النسائي والحاكم عنه أيضًا (^٤)، لكن فيه أن الحاكم لا يتصور أن يروي: "واجعلني
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣)، وأبو داود (١٣٤٨)، والنسائي (١١٢١)؛ كلهم من حديث ابن عباس به مرفوعًا. وليس عند أبي داود والنسائي لفظ: "واجعل لي نورًا"، كما أن رمز المصنف لابن ماجة يوهم أن هذا الذكر موجود عنده وليس كذلك؛ فابن ماجة أخرج الحديث مختصرًا بدون الذكر.
(٢) أخرجه البخاري (٨٣١٦)، ومسلم (٧٦٣)، ولم يروه أبو داود ولا النسائيُّ ولا ابنُ ماجة جهذا اللفظِ، كما يوهم صنيع الماتن.
(٣) أخرجه مسلم (٧٦٣).
(٤) الحديث بهذا اللفظ لم يروه النسائي ولا الحاكم، وإنما أخرجه مسلم (٧٦٣)، وأبو داود الطيالسي في "المسند" (٢٨٢٩) وأحمد (١/ ٢٨٤).
[ ٢ / ٦٦٩ ]
نورًا" وحده، فكان اللائق أن يذكر رمزه فيما سبق أيضًا.
(اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا) وفي نسخة: "واجعل في خلفي"، وهو مخالف لما حققه الطيبي على ما تقدم، وغير مناسب لقوله: (ومن أمامي) بفتح الهمز، أي: قدّامي (نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عباس أيضًا (^١)، لكن هذا - على ما هو الظاهر - رواية أخرى مستقلة، بدليل تصدره بقوله: "اللهم"، وباختلاف بعض كلماته.
(وعند دخول المسجد) أي: إرادة دخوله (أعوذ) أي: يقول: أعوذ (بالله العظيم، وبوجهه) أي: ذاته (المكريم) أي: النافع، أو المكرم (وسلطانه القديم) أي: الأزلي المقرون بالنعت الأبدي، (من الشيطان الرجيم) أي: المطرود من رحمة الرحيم. (د) أي: رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ: "أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم … " إلى آخره، "فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم" (^٢). قال ميرك: "رواه أبو داود بإسناد جيد"، انتهى. وفي بعض النسخ زيد هنا رمز النسائي وابن ماجة، والظاهر أنه سهو.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٦٣)، وليس عند أبي داود ولا النسائي بهذا اللفظ.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٧).
[ ٢ / ٦٧٠ ]
ثم اعلم أن من آداب الدخول أن يقدم اليمنى ويؤخر اليسرى (^١)، بخلاف الخروج عكس قضية الخلاء، رعاية لتشريف اليمين في الجميع، فتأمل، فإنه موضع زلل.
وقد حكي: "أن [حاتمًا] (^٢) الأصم قدّم رِجْله اليسرى عند دخول المسجد، فتغيّر لونه، وخرج مذعورًا، وقدم رِجْله اليمنى، فقيل له في ذلك، فقال: لو تركت أدبًا من الآداب، خفت أن يسلبني الله جميع ما أعطاني"، كذا في "خلاصة الحقائق".
(وإذا دخله) أي: أراد أن يدخل المسجد، أو إذا تحقق دخوله (فليسلم على النبي ﷺ. د، س، ق، حب، مس، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وابن السني؛ على ما في نسخة صحيحة: "كلهم عن أبي هريرة، إلَّا أبا داود فعن أبي حميد، أو أبي أسيد على الشك" (^٣).
_________________
(١) أصح ما ورد في هذا الباب: الأثرُ المروي عن أنسٍ موقوفًا عليه من قوله، ولفظه: "من السنة إذا دخلتَ المسجدَ: أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجتَ أن تبدأ برجلك اليسرى"، أخرجه الحاكم (١/ ٢١٨)، وعنه البيهقيُّ في "السنن الكبرى" (٢/ ٤٤٢). قال البيهقي: "تفرد به شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، وليس بالقوي".
(٢) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "حاتم".
(٣) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩٨٣٨)، وابن ماجة (٧٧٣)، وابن حبان (٢٠٤٧)، والحاكم (١/ ٢٠٧)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٨٦)؛ =
[ ٢ / ٦٧١ ]
(وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. م، د، س، ق، حب، مس، ي) أي رواه: مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد أو أبي أسيد (^١)، وابن ماجة عن أبي حميد (^٢)، وابن حبان والحاكم وابن السني عن أبي هريرة (^٣).
(اللهم افتح لنا أبواب رحمتك) أي: من الأحوال الوَهْبِيَّة (وسهل لنا أبواب رزقك) أي: من الأعمال الكسبية. (ق، عو) أي رواه: ابن ماجة، وأبو عوانة، عن أبي حميد وحده (^٤).
(أو يقول: باسم الله، والسلام على رسول الله) ولفظ ابن أبي شيبة: "وعلى سنة رسول الله". (ق، ت، مص، مه) أي رواه: ابن ماجة، والترمذي، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة، كلهم عن فاطمة الزهراء رضي
_________________
(١) = كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. وأخرجه أبو داود (٤٦٦) من حديث أبي حميد أو أبي أسيد به مرفوعًا. صححه الألباني "صحيح أبي داود" (٤٨٤).
(٢) أخرجه مسلم (٧١٣)، وأبو داود (٦٦)؛ كلاهما من حديث أبي حميد أو أبي أسيد به مرفوعًا، وأخرجه النسائي (٢/ ٥٣) عنهما جميعًا.
(٣) أخرجه ابن ماجة (٧٧٢) من حديث أبي حميد الساعدي به مرفوعًا.
(٤) أخرجه ابن حبان (٢٠٤٧)، والحاكم في (١/ ٢٠٧)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٨٦)، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٥) أخرجه أبو عوانة في "المسند" (١٢٣٦)، وابن ماجة (٧٧٢)؛ كلاهما من حديث أبي حميد الساعدي به مرفوعًا. وقال الألباني في "صحيح أبي داود" (٢/ ٣٦٣): "شاذ سندًا ومتنًا".
[ ٢ / ٦٧٢ ]
الله عنها (^١).
(اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد. مه) أي: رواه ابن خزيمة عنها أيضًا، بدلًا عن الأول أو منضمًّا إليه.
(اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك) أي: طاعتك الموجبة لرحمتك. (ق، ت، مص، مه) أي رواه: ابن ماجة، والترمذي، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة (^٢)؛ عنها أيضًا زيادة على ما تقدم، والله أعلم.
(وبعد دخوله: السلام علينا) أي: الحاضرين من الملائكة والمؤمنين (وعلى عباد الله الصالحين) أي: سائرهم أجمعين. (مو مس) أي: رواه الحاكم موقوفًا من قول ابن عباس (^٣).
(فإذا خرج) أي: أراد أن يخرج، أو إذا تحقق خروجه (منه) أي: من المسجد (فليسلِّم على النبي ﷺ، وليقل: اللهم اعصمني) بهمز وصل وكسر
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٧٧١)، والترمذي (٣١٤)، وابن أبي شيبة (٣٤٣١ و٣٠٣٨٣)؛ كلهم من حديث فاطمة به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (٣١٤): "صحيح". وكلام الشارح يوهم أن ابن خزيمة أخرج الحديث عن فاطمة، وليس الأمر كذلك، فالحديث قد أخرجه ابن خزيمة (٤٥٢، ٢٧٠٦) عن أبي هريرة به مرفوعًا، ولم أقف على أحد من المخرجين عزا له روية فاطمة.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٠١) من قول ابن عباس به موقوفًا، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
[ ٢ / ٦٧٣ ]
صاد، أي: احفظني (من الشيطان. س، ق، حب، مس، ي) أي رواه: النسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، كلهم عن أبي هريرة (^١).
(الرجيم) أي: المطرود الملعون، المبعود الذميم. (ق) أي: رواه ابن ماجة عنه أيضًا (^٢)، منضمًّا إلى ما تقدم، ولعله وقع له روايتان، والله أعلم.
(اللهم إني أسألك من فضلك) أي: عملًا بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، أي: من زيادة كرمه ورحمته، بتوفيق طاعته، وحسن عبادته، وقبول خدمته، ومزيد مثوبته. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، كلهم عن أبي حميد، أو أبي أسيد (^٣).
(أو: باسم الله، والسلام على رسول الله. مص، ت، ق، مه) أي رواه: ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة، كلهم عن فاطمة الزهراء (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩٨٣٨)، وابن ماجة (٧٧٣) واللفظ له، وابن حبان (٢٠٤٧)، والحاكم (١/ ٢٠٧)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٨٦)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. صححه الألباني "صحيح الجامع" (٥١٤).
(٢) أخرجه ابن ماجة (٧٧٣) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٣) أخرجه مسلم (٧١٣)، وأبو داود (٤٦٦)؛ كلاهما من حديث أبي حميد أو أبي أسيد به مرفوعًا، بينما أخرجه النسائي في "السنن" (٢/ رقم: ٧٢٩) عنهما جميعًا.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣١) و(٣٠٣٨٣)، والترمذي (٣١٤)، وابن ماجة (٧٧١)؛ كلهم من حديث فاطمة. وقال الألباني في "فضل الصلاة على النبي" لإسماعيل بن إسحاق القاضي (٨٢): "صحيح لشواهده".
[ ٢ / ٦٧٤ ]
(اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد. مه) أي: رواه ابن خزيمة عنها أيضًا.
(اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) قيل: لعلّ السر في تخصيص ذكر الرحمة بالدخول، والفضل بالخروج أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته، فناسب ذكر الرحمة بالدخول، وإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله من الرزق الحلال، فناسب الفضل، كما قال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ولما لم يزل الإنسان في التقصير، لزم في الحالتين طلب الغفران.
(مص، ت، ق، مه) أي رواه: ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة عنها أيضًا (^١).
(ولا يجلس) أي: الداخل في المسجد، وهو بصيغة النفي المقصودِ منه النهيُ على وجه الأبلغ، وفي بعض النسخ بالجزم، على صريح النهي عن الجلوس في المسجد في غير وقت المكروه.
(حتى يصلي ركعتين) إما فرضًا - أداء أو قضاء - أو سنة أو نَفْلًا، وليس للمسجد صلاة على حِدَةٍ تسمى: "تحية المسجد" على ما يتوهمه العامة، بل المقصود أنه لا يقع دخوله عبثًا في المسجد؛ ولهذا لو توضأ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣١) و(٣٠٣٨٣)، والترمذي (٣١٤)، وابن ماجة (٧٧١)؛ كلهم من حديث فاطمة. وصححه الألباني في "تخريج فضل الصلاة على النبي ﷺ" (٨٢ - ٨٤).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
في بيته ودخل المسجد، فصلى ركعتين سنة الفجر مثلًا، فقد أتى بشكر الوضوء، وتحية المسجد، وأداء سنة الصبح.
فلو كان وقت المكروه التنزيهي، فليصل قضاء إن كان عليه، وإلا فليقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، عملًا بقوله ﷺ: "إذا مررتم برياض الجَنَّة فارتعوا" (^١).
وينبغي أن ينوي الاعتكاف عند دخوله المسجد على قول الإمام محمد (^٢)، وغيره من الأئمة كالشافعي ومن تبعه، ويقول: "نويت الاعتكاف ما دمت في المسجد"، ثم الطواف في المسجد الحرام يقوم مقام التحية، فلا يصلي الداخل فيه قبله إلَّا إذا دخل ولم يرد أن يطوف، وليس كما يتوهم بعض الجهال أن ليس تحية [المسجد] (^٣) الحرام إلَّا الطواف.
(خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، كلاهما من حديث أبي قتادة، ولفظ مسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" (^٤)، ذكره ميرك، وقال: "أي: فليصل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل".
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٠)، والترمذي (٣٥١٠)، وأبو يعلى في "المسند" (٣٤١٩)؛ كلهم من حديث أنس بن مالك به مرفوعًا. وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٥٦٢).
(٢) راجع "بدائع الصنائع" للكاسائي (١/ ١٩٠ - ١٩١).
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "للمسجد".
(٤) أخرجه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤) من حديث أبي قتادة السلمي به مرفوعًا.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وفي "الجامع": "إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، رواه: أحمد والشيخان والأربعة عن أبي قتادة، وابن ماجة عن أبي هريرة، ورواه: العقيلي، وابن عدي، والبيهقي، عن أبي هريرة". ولفظه: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل له من ركعتيه في بيته خيرًا" (^١).
وقال ميرك: "وهذا العدد لا مفهوم لأكثره [باتفاق] (^٢)، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقلَّ من ركعتين".
قلت: وفي مذهبنا لا تصح الصلاة بأقلَّ من ركعتين، ثم [اتفق] (^٣) أهل الفتوى على أن الأمر هنا للندب، ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب.
هذا، وقيل: "المناسب تقديمه على قوله: "فإذا خرج منه"، لكنه مندفع بأنه لما ذكر آداب الدخول والخروج للمناسبة الظاهرة، جمع في الروايات الحديثية بينهما أيضًا طردًا للباب = شرع في المسائل المتعلقة بمن يريد القعود والاستمرار فيه؛ ولذا قال: (وإن سمع) أي: أحد (من يَنْشُدُ) بضم الشين، أي: صوت مَن يطلب (ضالة) أي: لقطة ضائعة في
_________________
(١) "ضعيف الجامع" (٤٨١).
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "بالاتفاق".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "اتفقوا".
[ ٢ / ٦٧٧ ]
المسجد)، وقال المؤلف: "ينشد بفتح الياء وضم الشين من النشد، وهو: رفع الصوت، أي: يرفع صوته بطلبها" (^١)، انتهى. وفي "القاموس": "نشد الضالة: طلبها وعرّفها" (^٢).
(فليقل: لا ردَّها الله عليك) أوما في معناه من الدعاء عليه المناسب له، لما رواه مسلم: "أن رجلًا نشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي ﷺ: لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له".
وظاهر الحديث أن يضم إلى الدعاء عليه التعليل المذكور أو نحوه، كقوله: (فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا) ويمكن الاكتفاء بنفس الدعاء، فإن العلة إنما صدرت من صاحب الشريعة لتعلم الأمة جهة المنع من طريق السنة.
ثم قيل: ويدخل في هذا كلّ أمر لم يُبْنَ المسجد له، من البيع، والشراء، ونحو ذلك ككلام الدنيا، وأشغالها من: الخياطة، والكتابة بالأجرة، وتعليم الأولاد وأمثالها، وكذا ما يشغل المصلي ويشوش عليه، حتى قال [بعض] (^٣) علماؤنا: "رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد" (^٤)، وكان بعض السلف لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ ب).
(٢) "القاموس المحيط" (١/ ٣٢٨) مادة (ن ش د).
(٣) من (أ) و(ج) و(د) فقط.
(٤) راجع "فتح القدير" لابن الهمام (٢/ ٦٩ - ٧٠).
[ ٢ / ٦٧٨ ]
المسجد (^١)، بل قال بعضهم: "إنه يحرم إعطاء السائل المتعرض برفع صوتٍ، أو إلحاحٍ ومبالغةٍ، أو بمجاوزة صف وخطوة على رقبة، أو في حال الخطبة، وأمثال ذلك" (^٢).
(م، د، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجة؛ كلهم عن أبي هريرة (^٣)، ولفظ الحديث عندهم: "من سَمِعَ رجلًا يَنْشُد … " إلى آخره.
(وإنْ رأى من يبيع، أو يبتاع) أي: يشتري في المسجد) أي: وهو غير معتكف، أو مع إحضار [المبيع] (^٤)، (فليقل) أي: له (لا أربح الله تجارتك) أي: لا جعل الله تجارتك رابحة، أو لا جعلك الله رابحًا في تجارتك.
(ت، س، مس، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن حبان؛ كلهم من حديث أبي هريرة أيضًا، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا
_________________
(١) نقل الزركشي في كتابه "إعلام الساجد بأحكام المساجد" (ص ٣٥٣) عن محمد بن الحسن قال: "قال أبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة: لا يحل للرجل أن يعطي سُؤَّال المسجد".
(٢) قال به محمد بن الحسن الشيباني، كما في "الاختيار لتعليل المختار" للموصلي (٤/ ١٧٦).
(٣) أخرجه مسلم (٥٦٨)، وأبو داود (٤٧٤)، وابن ماجة (٧٦٧) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٤) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "للبيع"، وفي (ب): "البيع".
[ ٢ / ٦٧٩ ]
رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك" (^١)، "ورواه ابن حبان بمعناه" كذا في "سلاح المؤمن" (^٢).
وفي "الجامع": "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من يَنْشُد فيه ضالةً، فقولوا: لا ردَّ الله عليك"، رواه الترمذي، والحاكم، عن أبي هريرة" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٣٢١)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٣٣)، والحاكم (٢/ ٥٦)، وابن حبان (١٦٥٠) بمعناه، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الألباني في "الإرواء" (١٢٩٥): "صحيح".
(٢) "سلاح المؤمن" لابن دقيق العيد (٥٦٣).
(٣) "صحيح الجامع" (١/ ٥٧٣).
[ ٢ / ٦٨٠ ]