أي: في الكيفية؛ لما قيل: أن جميع القرآن مندرج فيها إجمالًا؛ لما اشتملت على اسم الذات، وعُمْدة الصفات، وذكر المبدأ والمعاد، وعبادة العباد، والاستعانة المشعرة بالإعانة والإمداد، وبيان الصراط المستقيم، وتقسيم السالكين إلى أرباب النعيم وأصحاب الجحيم، على ما يقتضيه صفات الكمال، المشتملة على نُعوت الجمال والجلال.
(هي السَّبْع) وفي نسخة: "وهي السَّبع"، بيان لعدد آياتها، (المثاني) توضيحٌ لبعض صفاتها، فقال القاضي: "سُمّيت بالسبع المثاني؛ لأنها سبع آيات بالاتفاق، غير أنَّ منهم من عَدَّ التسمية آية دون: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومنهم من عكس، و"مثنى" في الصلاة أو النزول؛ فإنها نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، وبالمدينة لما حُوِّلت القبلة" (^١).
_________________
(١) ذكر القرطبي ﵀ قولين خلاف الاتفاق، ثم حكم عليهما بالشذوذ حيث قال: "أجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات، إلا ما روي عن حسين الجعفي: أنها ست، وهذا شاذ، وإلا ما روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل "إياك نعبد" آية، وهي على عده ثمان آيات؛ وهذا شاذ. وقد ذكر اتفاق العلماء على أنها سبع آيات، جمعٌ من المفسرين منهم الطبري، والبغوي، والبيضاوي [انظر الطبري: ١/ ٣٧، ومعالم التنزيل: ١/ ٣٧ وأنوار التنزيل: ١/ ٥].
[ ٣ / ١٤٠٨ ]
(والقرآن العظيم) مَعْطُوف عليه إحدى صفتي الشيء على الآخر، انتهى، ومن باب إطلاق الكُلّ على الجزء، ومثله قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣]، على قول من قال: المراد بالقرآن: سورة يوسف، ولعل المراد بقوله: "والقرآن العظيم"، أي: مجملًا" لما بيّناه مفصّلا.
وقال التوربشتي في "شرح المصابيح": اختلفوا في المثاني، فمنهم من ذهب إلى أنها من التثنية، بأن يكون جمع مثنى، أو مُثناة على صيغة المفعول منهما، بمعنى: مُرَدَّد ومكرر، ومنهم من ذهب إلى أنها من الثناء، بأن يكون جمع مُثْنٍ أو مُثْنِيَة على أنها اسم فاعل من الإثناء، وقد قيل في تأويلها على القول الأول أنها تثنَّى على مُرور الأوقات، وتُكررَّ فلا تنقطع، وتُدْرَس فلا تندرس، وقيل: لما تتثَنَّى وتجدَّدَ من فوائدها حالًا فحالًا، وقيل: لاقتران آية الرحمة باَية العذاب، وقيل: ينخرط في سلك المثاني ذكر حقوق الربوبية، وأحكام العبودية، وبيان سبيل السعادة والشقاوة ومصالح المعاد والمعاش، وذكر الدارين، ووصف المنزلين (^١).
وذهب ذاهب في تأويلها إلى قول النبي ﷺ: "ما من آية إلَّا ولها ظهر وبطن" (^٢)، وقيل في تأوليها على أنها من الثناء: إنها
_________________
(١) انظر إرشاد الساري للقسطلاني (٧/ ٥).
(٢) جاء عن الحسن يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع"، قال: فقلت: يا أبا سعيد ما =
[ ٣ / ١٤٠٩ ]
[تشتمل] (^١) على ما هو ثناء على الله تعالى، فكأنها تثني على الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أو أنها تدعو بوصفها المعجز من غرابة النظم وغزارة المعنى إلى الثناء عليها، ثم على من يتعلمها ويعمل بها ويتلوها ويُعَلّمها.
والثاني فيما ورد به الحديث أنها الفاتحة، يحتمل وجهين سوى ما ذكرناه:
أحدهما: أنها سُمّيت مثاني؛ لأنها تكرر في الصلاة.
والآخر: لاشتمالها على قسمي الثناء والدعاء، ويقرب من ذلك ما صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "قال الله تعالى: قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين … "، انتهى.
فإن قيل: ففي الحديث: "هي السبع المثاني"، وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]؟
أجيب: بأنه لا اختلاف بين الصيغتين، إذا جُعلت: ﴿مِنَ﴾ للبيان، وإن كانت للتبعيض كما ذهب إليه كثير من المفسرين، فيجوز أن يقال: إن الآية واردة على إطلاق المثاني على القرآن كله، لا على إطلاقها على الفاتحة فقط، وأمَّا العطف في الحديث، فمن قبيل عطف وصف على
_________________
(١) = المطلع؟ قال: قوم يعملون به. أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٣، ٩٤) وإسناده ضعيف، وهو مرسل.
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "اشتملت".
[ ٣ / ١٤١٠ ]
وصف، لا من قبيل عطف الشيء على نفسه.
ولا يبعُد أن يقال: إن جُعِلَتْ ﴿مِنَ﴾ تبعيضية فرُوعي فيها ألفاظها، وإن جُعِلَتْ تَبْيينِيَّة فاعتبر معانيها، وبهذا يجمع بين الآية والحديث، لا سيما وقد ورد في "الصحيح": "أنه ﷺ فسر الآية به".
وحينئذٍ لا يرد أن المثاني أطلقت على جميع القرآن في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لاقتران آية الرحمة بالعذاب، أو لتكرار القصص والأحكام، وتبيين الحلال والحرام.
ثم قيل: "وإنما قال ﷺ: "أعظم سورة" اعتبارًا بعظمة قدرها، وكثرة أجرها، وتفردها بالخاصية التي لا يشاركها فيها غيرها، ولاشتمالها على معانٍ كثيرةٍ في ضمن مبانٍ يَسيرةٍ.
قال المصنف: "قوله: "الفاتحة أعظم سورة من القرآن"، وقوله في آية الكرسي: "أعظم آية، وسيدة آي القرآن"، وما جاء في فضل سورة الإخلاص = يدل على عظمها وفضلها في نفسها، وهذه مسألة اختلف الأئمة فيها، وهي أنه: هل يجوز تفضيل بعض القرآن على بعضٍ؟
فمنع ذلك أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والأصوليين، وتأولوه بمعنى عظيم وفاضل ونحوه؛ لأن فضل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في شيء من كلام اللهُ نقصٌ. وأجاز ذلك أبو إسحاق بن راهويه وجماعة، واختاره ابن عبد السلام بمعنى: أن الثواب المتعلق بها أكثر.
[ ٣ / ١٤١١ ]
لكن القول الأحسن أن القرآن كله كلام الله، والثواب على كل حرف عشرُ حسنات. وقد يكون بعضه أنفع من بعض عند الحاجة، فلا تقوم سورة الإخلاص مقام آية المواريث مثلًا، وآية الطلاق، وآية الخلع ونحوها، بل هذه الآيات ونحوها في وقتها وعند الحاجة أنفع من تلاوة سورة الإخلاص" (^١). (^٢)
قلت: لابد من انضمام معنى سورة الإخلاص في كل حال من الأحوال، وكذا معنى سورة الفاتحة وآية الكرسي، بخلاف الآيات المذكورة، فإنها نافعة عند الحاجات المسطورة.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب).
(٢) نقل الإمام النووي عن القاضي عياض قوله: وفيه حجة للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وتفضله على سائر كتب الله تعالى. قال: وفيه خلاف للعلماء؛ فمنع منه أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني، وجماعة من الفقهاء والعلماء، لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضل، وليس في كلام الله نقص به، وتأويل هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في بعض الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل، وأجاز ذلك إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين قالوا: وهو راجع إلى عظم أجر قارئ ذلك وجزيل ثوابه، والمختار جواز قول هذه الآية أو السورة أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلق بها أكثر، وهو معنى الحديث، الله أعلم. قال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الألهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات، والله أعلم "شرح النووي" (٦/ ٣٤١).
[ ٣ / ١٤١٢ ]
وأيضًا نِسْبَة الأعظمية في المراتب العلمية إنما هي باعتبار شرف المعلومات العلية، فأين سورة الفاتحة عن سورة البقرة، وسورة الإخلاص عن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، وآية الكرسي عن آية المداينة، وقس على هذا ثواب قراءة السور القرآنية والآيات الفرقانية؛ فإنها تختلف في الكمية والكيفية، يدركها أرباب الذوق وأصحاب الحال، دون المحبوسين في ضيق البال وحضيض القال.
ولذا قال الشّبْلي لما قيل له: "لِمَ لم يُفْتح باب الإفادة [لتنفع] (^١) أصحاب الاستفادة؟ فقال: والذي نفسي بيده، لحضور قلبي في استغراق نور ربي خيرٌ من عُلوم الأولين والآخرين".
وهذا المعنى هو زبدة كلام الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وباقي الأحكام والأمور إنما هي من العوارض في سير السالكين، فاقصد المقصد الأقصى، والمسند الأعلى، والمقام الأسنى، والحالة الحسنى الموجبة للزيادة في الدنيا والعقبَى.
(خ، د، س، ق) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي سعيد المُعَلَّى، وهو صحابي أنصاري مدني على ما ذكره ميرك (^٢).
(أُعْطِيتُ فاتحة الكتاب من تحت العرش) أي: بعد ما كانت مُعَلقةً من
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "لتنتفع".
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٤) و(٤٦٤٧) (٤٧٥٣)، (٥٠٠٦)، وأبو داود (١٤٥٨)، وابن ماجه (٣٧٨٥)، والنسائي (٢/ ١٣٩).
[ ٣ / ١٤١٣ ]
تحت العرش. (مس) أي: رواه الحاكم عن مَعْقِل بن يسار (^١).
(بَيْنَا جبريلُ) أي: بين أوقات فيها جبريل (قاعد عند النبي ﷺ) وتحقيقه أن "بينا" و"بينما" و"بَيْنَ" معناها: الوسط.
و"بين": ظرف، إما للمكان، كقولك: جلست بين القوم وبين الدار، أو للزمان كما هنا، أي: الزمان الذي كان جبريل ﵇ قاعدًا عند النبي ﷺ.
(سمع) أي: جبريل (نَقِيضًا) أي: صوتًا (من فوقه) أي: من جهة السماء، قال المصنف: "هو -بالنون والقاف والضاد المعجمة-: الصوت، كصوت الباب إذا فتح، ومنه نقيض السقف: تحريك خشبه" (^٢).
(فرفع) أي: جبريل (رأسه فقال) أي: جبريل (هذا) أي: صاحب هذا الصوت (مَلك نزل) أي: أراد النزول (إلى الأرض، لم ينزل قطّ إلا اليوم) فالضمائر الثلاثة إلى جبريل، وقيل: الأولان راجعان إلى النبي ﵇، والضمير في "قال" لجبريل.
وأما في قوله: (فسلم، وقال) فَلِلْمَلَكِ لا غير، (ابشر) من الإبشار، والخطاب للنبي ﷺ، والمعنى: افرح (بِنُوريْنِ) أي: بحصول أمرين
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٩) وتعقبه الذهبي في التلخيص: "فيه عبيد الله بن أبي حميد تركوه. وذكره الحافظ في الإتحاف (١٦٨٩٨). وقال: عبيد الله بن حميد متروك.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب، ١٨/ أ).
[ ٣ / ١٤١٤ ]
مُنَوِّرَيْنِ؛ لأن كل واحد منهما نور يسعى بين يدي صاحبه، أو مرشد يدله على طريق مولاه على وجه يحبه ويرضاه، ويشغله عما سواه.
(أُوتِيتَهُمَا) أي: أعطيتهما خاصّة؛ لقوله: (لم يُؤتَهُمَا نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب) يجوز فيه وفي أمثاله الحركات الثلاث، والبدل أولى على ما لا يخفى، (وخواتيم سورة البقرة) جمع: خاتَم، بفتح التاء وكسرها، وقيل: جمع خاتام، وهو لغة في الخاتم.
قال المصنف: "يريد الثلاث الآيات: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ …﴾ إلى آخرها" (^١)، وقال ميرك: "كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة المقروءة عند الشيخ، وكذا في أصل مسلم والنسائي والحاكم"، انتهى. وهو كذلك في "أصل الجلال" وسائر النسخ المعتمدة، وفي "أصل الأصيل" بلفظ: "وآخر سورة البقرة".
(لن تقرأ) وفي نسخة: "ولن تقرأ" (بحرف منهما) قال ميرك: "الباء زائدة، كقولك: أخذتُ بزمام الناقة، وأخذتُ زمامها، ويجوز أن تكون لإلصاق القراءة به"، انتهى. وتبعه الحنفي.
وفيه: أن القراءة تتعَدَّى بنفسها وبالباء؛ ففي "القاموس": "قرأه، وبه كنصره ومنعه، قراءة: تلاه".
وفي "أصل الجلال": "لن تقرأ الحرف منهما" (إلا أُعْطِيتَهُ) بصيغة
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
[ ٣ / ١٤١٥ ]
المجهول، وقيل: أراد بالحرف الطرف منها؛ فإن حرف الشيء طرفه.
وكنَّى به عن جملة مُسْتقلة بنفسها، أي: أُعْطِيتَ ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسْأَلة، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وكقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، ونظائر ذلك، ويكون التأويل فيما شذ من هذا القبيل من حَمْدٍ وثناءٍ أن يُعْطى ثوابه، ذكره التوربشتي.
ويمكن أن يُرَاد بالحرف: حرف التهجّي، ومعنى قوله "أعطيته" حينئذٍ: أعطيت ما تسأل من حوائجك الدنيوية والأخروية، أوس معناه: إلا أعطيت ثواب ذلك الحرف.
(م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي؛ كلاهما من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم أيضًا، وقال: "صحيح" (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٠٦)، والنسائي (٢/ ١٣٨)، والحاكم (١/ ٥٥٨). قال الحاكم: على شرطهما، واستدراكه على البخاري صحيح، وأما استدراكه على مسلم فوهم لأن مسلمًا أخرجه.
[ ٣ / ١٤١٦ ]