أي: هذه أوقات هي أقرب إلى إجابة الدعوة، أو أوقات ورد بيانها في السنة للاستجابة.
(ليلة القدر) أي: منها، أو أحدها ليلة القدر، أو يلاحظ الربط بعد العطف، فأوقات الإجابة مجموع الأزمنة المذكورة.
(ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن عائشة (^١)، ثم تخصيصُ ليلةِ القدرِ لشرفِها، وفضلِها، ورجاءِ الإجابةِ في جميعِها، وإلا فكلُّ ليلَةٍ محلُّ الإجابةِ؛ لحديثِ جابرٍ عند مسلمٍ، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة" (^٢)، والخلاف في تعيين ليلة القدر مشهور، وفى الكتب المبسوطة مسطور.
_________________
(١) أخرجه الترمذي "٣٥١٣"، والنسائي في "الكبرى" (٧٦٦٥) و(١٠٦٤٢، ١٠٦٤٣، ١٠٦٤٤، ١٠٦٤٥)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، والحاكم (١/ ٥٣٠)؛ كلهم عن عائشة، قالت: قلت للنبي ﷺ: إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: "تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعف عني". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٤٤٢٣): "صحيح".
(٢) "صحيح مسلم" (٧٥٧).
[ ١ / ٢٨٢ ]
(ويوم عرفة) أي: خصوصًا بعد الزوال في عرفات حال كونه مُحْرِمًا. (ت) أي رواه: الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ، قال: "خير الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " (^١) إلى آخره.
(وشهر رمضان. ر) أي: رواه البزار عن عبادة بن الصامت، ورواه الطبراني أيضًا، ولفظه: عن عبادة [بن الصامت] (^٢) أن رسول الله ﷺ قال يومًا وحضر رمضان: "أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، وينظر فيه إلى تنافسكم، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله" (^٣)، قال الحافظ المنذري: "رواته ثقات إلا محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٥)، وقال: "حديث غريب من هذا الوجه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٣٢٧٤): "حسن".
(٢) من (أ) و(هـ) فقط.
(٣) أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (٢٢٣٨) من حديث عبادة بن الصامت به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٥٩٢): "موضوع".
(٤) "الترغيب والترهيب" (١٥١٠)، قلت: ومحمد بن قيس هو محمد بن سعيد بن أبي قيس الشامي، من أهل الأردن، صلب في الزندقة، كان كذابًا يضع الحديث، وقد قلب خلق من الرواة اسمه حتى قال عبد الله بن أحمد بن سوادة: قلب أهل الشام اسمه على مائة وكذا وكذا اسمًا. راجع ترجمته في =
[ ١ / ٢٨٣ ]
قلت: الأصل التعديل، فعليه التعويل.
(وليلةُ الجُمعةِ) [بضمهما] (^١) [وتسكين الميم، وتفتح] (^٢) أيضًا على ما في "القاموس" (^٣)، ووجه الفتح أنها تجمع الناس فيكثرون فيها، كما يقال: همزة لمزة، لمن يكثر الهمز واللمز فيه.
(ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: "أنه قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين اشتكى إليه تفلت القرآن من صدره: إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر، فإنها ساعة [مشهودة] (^٤)، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] يقول: حتى يأتي ليلة الجمعة" (^٥).
(ويوم الجمعة. د، س، ق، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي،
_________________
(١) = "الكامل" لابن عدي (٦/ ١٣٩)، و"المجروحين" لابن حبان (٢/ ٢٤٧).
(٢) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب) و(ج) و(هـ): "بضمها".
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(هـ): "ويسكن الميم، ويفتح".
(٤) "القاموس" (٣/ ١٤).
(٥) كذا في "جامع الترمذي" و"مستدرك الحاكم"، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "مشهورة".
(٦) أخرجه الترمذي (٣٥٧٠)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣١٦، ٣١٧)؛ كلاهما عن ابن عباس به مطولًا. قال الترمذي: "حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم"، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٣٣٧٤): "منكر".
[ ١ / ٢٨٤ ]
وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة (^١) يوم الجمعة، من حين تصبحُ حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجن والإنس، فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه" (^٢)، ورواه مالك في "الموطإ" (^٣)، وهذا لفظه، وأبو داود، والترمذي، وقال: "صحيح" (^٤)، والنسائي، والحاكم، وقال: "صحيح على شرطهما"، ذكره ميرك.
ولا يخفى أنه ليس في الحديث ما يدل على الإجابة في مطلق يوم المجمعة وساعة الجمعة سيأتي [بيانها] (^٥)، اللهم إلا أن يقال: لما كانت
_________________
(١) في بعض مصادر التخريج: "مسيخة"، وفي "النهاية في غريب الأثر" (٢/ ٤٣٣) مادة (س ي خ) و(٣/ ٦٤) مادة (ص ي خ): "مسيخة: أي: مصغية مستمعة، ويروي بالصاد، وهو الأصل".
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٣٩)، والنسائي في "الصغرى" (١٤٣٠) وفي "الكبرى" (١٦٧٥، ١٧٦٦)، وابن ماجه (١١٣٧) -مختصرًا-، وابن حبان (٢٧٧٢)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٧٨)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إنما اتفقا على أحرف من أوله"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٣٣٣٣): "صحيح".
(٣) "الموطأ" (١/ رقم: ٢٩١).
(٤) "جامع الترمذي" (١/ رقم: ٤٩١).
(٥) من (هـ) فقط.
[ ١ / ٢٨٥ ]
تلك الساعة مبهمة محتملة أن تكون في كل ساعة صح أن اليوم بكماله زمان رجاء الدعوة في الجملة.
(ونصف الليل. ط) أي: رواه الطبراني، ولم يعرف الصحابي (^١)، (الثاني) صفة للنصف، أي: ونصف الثاني من الليل، والتقدير: نصف الليل الثاني. (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى (^٢).
(وثلث الليل) بضم اللام ويسكن، (الأول) صفة المضاف. (أ، ص) أي رواه: أحمد وأبو يعلى أيضًا، لكن لم يعرف صحابيهما أيضًا (^٣).
(وثلث الليل الآخر) مرفوعٌ، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٥/ ٤٩) رقم (٤٥٥٦، ٤٥٥٧، ٤٥٥٨، ٤٥٥٩، ٤٥٦٠) من حديث رفاعة بن عرابة به مرفوعًا، بلفظ: "إذا مضى نصف الليل، أو ثلث الليل، ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا … " الحديث، و(٨٣٩١) من حديث عثمان بن أبي العاص به مرفوعًا، بلفظ: "يفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داعٍ فيستجاب له … " الحديث. قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٠٧٣): "إسناده صحيح"، ورواه أيضًا (٢٢/ ٣٧٠) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: أبو الخطاب، أنه سأل النبي عن الوتر، فقال: "أحب أن أوتر نصف الليل فإن الله ﷿ يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا فيقول: … " الحديث.
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)، وأبو يعلى (١١٨٠)؛ كلاهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد به مرفوعًا، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (١٩١٨): "صحيح".
[ ١ / ٢٨٦ ]
على ما في "النهاية" (^١). (أ) أي: رواه أحمد، وصحابيّه غير معروف (^٢)، (وجوفه) أي: وجوف ثلث الليل الآخر، وهو المراد بما رواه الترمذي، والنسائي عن أبي أمامة، قال: "قلنا: يا رسول الله، أي: الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر … " (^٣) الحديث، ولا يبعد أن يكون التقدير "جوف الليل" على مراعاة الاستخدام في الكلام، أو على رد الضمير إلى المضاف إليه في الكلام، كما جوز في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالمراد به حينئذٍ جميع ساعاته على سبيل الإبهام؛ لما في حديث مسلم عن جابر كما تقدم (^٤)، والله أعلم.
(د، ت، س، مس، ط، ر) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والطبراني، والبزار، عن عمرو بن عَبَسَةَ (^٥).
_________________
(١) "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣١٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٤) و(٢/ ٢٦٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، إلى السماء الدنيا فيقول: … " الحديث.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٩٩)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨٥٦)؛ كلاهما من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١٦٤٨): "صحيح لغيره".
(٤) "صحيح مسلم" (٧٥٧).
(٥) أخرجه أبو داود (١٢٧٧)، والترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي "الصغرى" (٥٧٢) وفي "الكبرى" (١٥٥٦)، والحاكم في "مستدركه" (١/ ١٦٤، =
[ ١ / ٢٨٧ ]
(ووقت السحر) وهو قبيل الصبح على ما ذكره الجوهري (^١)، والسدس [الآخر] (^٢) على ما قاله الزمخشري (^٣)، وقد قال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيَه؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟ " (^٤).
قال ميرك: "رواه الجماعة، وزاد النسائي وابن ماجه: "حتى يطلع الفجر"، وفي رواية لمسلم: "إن الله يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول"، وفي رواية أخرى: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه"، انتهى. ولا
_________________
(١) = والطبراني في "الدعاء" (١٢٨)؛ كلهم من حديث عمرو بن عبسة به مرفوعًا، ورواه البزار (٦١٦٧) من حديث ابن عمر به مرفوعًا، وهذا خلاف ما يقتضيه صنيع الشارح ﵀، حيث قال: "عن عمرو بن عبسة"، ولم يبين، وألفاظ الحديث عندهم متفاوته. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (١١٧٣): "صحيح".
(٢) "الصحاح" (٢/ ٦٧٨).
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و"الكشاف": "الأخير".
(٤) "الكشاف" للزمخشري (٥/ ٦٦١).
(٥) أخرجه البخاري (١١٤٥) و(٦٣٢١) و(٧٤٩٤)، ومسلم (٧٥٨)، وأبو داود (١٣٠٩) و(٥/ رقم: ٤٧٠٠)، والترمذي (٣٤٩٨)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٢٤١)، وابن ماجه (١٣٦٦)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
[ ١ / ٢٨٨ ]
يخفى حمل صعوبته على المدعى.
(وساعة الجمعة أرجى ذلك) أي: أرجى ما ذكر من الأوقات المذكورة في حصول الإجابة، وفيه نظر؛ إذ لا دليلَ يظهر على أنها أرجى من ليلة القدر، وكذا من يوم عرفة بعرفة، (ووقتها) أي: وزمان تلك الساعة لحصول الإجابة (ما بين أن يجلس الإمام في الخطبة) أي: "على المنبر" كما في رواية، وفي نسخة: "للخطبة"، أي: بين الخطبتين، كذا ذكره الطيبي (^١) وغيره (^٢). والأظهر أن المراد: جلوسه أول طلوعه، وهو وقت حرمة الكلام لغيره، (إلى أن تقضى الصلاة) بصيغة المفعول، أي: تؤدى، وفي نسخة بصيغة المعلوم المذكر، أي: إلى أن يقضي الإمام الصلاة ويفرغَ منها.
(م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن أبي موسى الأشعري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضيَ الصلاة" (^٣)، فالمراد بالدعاء دعاء الإمام في الخطبة والصلاة، لشمول دعائه الأمة، أو دعاء المأمومين بلسان الحال في مقام الطاعة، أو في غير
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (٤/ ١٢٦٤ رقم: ١٣٥٨).
(٢) "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ٤١٨)، وفيه: "حكاه الطيبي عن بعض شراح المصابيح".
(٣) أخرجه مسلم (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٢)؛ كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.
[ ١ / ٢٨٩ ]
حال القراءة.
(ومن حين تقام الصلاة) بفتح النون على البناء، وفي نسخة بالتنوين، أي: ومن زمان تشرع [الصلاة فيه] (^١) (إلى السلام منها)، والظاهر أن الواو بمعنى "أو"، إيماءً إلى تنويع الروايات، وهو أخص مما قبله كما هو أعم مما بعده. (ت، ق) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، عن عمرو بن عوف المزني (^٢).
(والداعي) وفي نسخة: "الداعي" (قائم يصلي. خ، م، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجمعة لساعةً، لا يوافقها مسلم، وهو قائم يصلي ويسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها" (^٣)، ذكره ميرك.
وقال الحنفي: "رواه: البخاري ومسلم، فقوله: "قائم يصلي يسأل
_________________
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "فيه الصلاة".
(٢) أخرجه الترمذي (٤٩٠)، وابن ماجه (١١٣٨)؛ كلاهما من حديث عمرو بن عوف المزني به مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (١٨٩٠): "ضعيف جدًّا".
(٣) أخرجه البخاري (٩٣٥) و(٥٢٩٤) و(٦٤٠٠)، ومسلم (٨٥٢)، والنسائي في "الصغرى" (١٤٣١، ١٤٣٢) وفي "الكبرى" (١٧٦٠، ١٧٦٢، ١٧٦٣، ١٧٦٥) و(١٠٢٣٠، ١٠٢٣١)، وابن ماجه (١١٣٧)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الله": أوصاف لـ "مسلم""، انتهى. وهو وهم منه (^١)، فإن الروايات الصحيحة: "وهو قائم"، فالجملة حال. وقوله "يصلي": حالٌ آخر مترادفان أو متداخلان، وقد حكى ابن حجر العسقلاني عن بعضهم (^٢) الأمر بحذف قوله: "وهو قائم يصلي" في الحديث؛ لأنه يشكل على أصح الأحاديث الواردة في هذا الباب، فقال: "وأجيب بحمل الصلاة على الدعاء، أو على أن انتظار الصلاة صلاة، وحمل القيام على الملازمة" (^٣)، انتهى.
وقال النووي في "الأذكار": "روينا في "صحيح" البخاري ومسلم عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي ويسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها"، قلت: المراد بـ "قائم يصلي": من ينتظر الصلاة، فإنه في الصلاة" (^٤).
قال الحنفي: "وهذا لا يناسب؛ لما ذكره في "شرح مسلم"، فبين كلاميه نوع تنافٍ".
قلت: وسيذكر المصنف قوله المذكور في "شرح مسلم" فيما بعد، ويأتي الكلام عليه مستوفًى إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) قال في حاشية (هـ): "يمكن إرادة الأوصاف المعنوية لا النحوية، فلا وهم".
(٢) في "فتح الباري": "وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث".
(٣) "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ٤١٦) بتصرف.
(٤) "الأذكار" للنووي (صـ ١٤٤).
[ ١ / ٢٩١ ]
(وقيل: بعد العصر إلى غروب الشمس. مَوْ ت) أي: هو موقوف في "كتاب الترمذي"، قال ميرك: "لم أره في الترمذي موقوفًا، وإنما فيه من حديث أنس ﵁ مرفوعًا، ولفظه: "قال: قال رسول الله ﷺ: التمسوا الساعة التي ترجى [في] (^١) يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس" (^٢).
وقال العسقلاني في "شرح البخاري": "وروي هذا عن ابن عباس موقوفًا عليه رواه ابن جرير، ورواه أيضًا مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري، والله أعلم" (^٣)، انتهى. وقيل: "بعد العصر"، وقيل: "بعده إلى وقت الاختيار"، وقيل: "من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب" (^٤).
(وقيل: آخر ساعة من يوم الجمعة) المراد بالساعة يحتمل أن تكون عرفية أو لُغوية. (د، س، مو طا د ت س مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي؛ كلاهما عن جابر مرفوعًا (^٥)، ورواه مالك، وأبو داود،
_________________
(١) من (هـ) و"جامع الترمذي".
(٢) أخرجه الترمذي (٤٨٩) من حديث أنسٍ به مرفوعًا، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه"، وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢/ ٤٢٠): "إسناده ضعيف"، وقد حسن الحديث الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٥٨٣).
(٣) "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ٤٢٠ رقم: ٩٣٥) مختصرًا.
(٤) حكى الحافظ ابن حجر ﵀ هذه الأقوال كلها في "فتح الباري" (٢/ ٤١٩، ٤٢٠).
(٥) أخرجه أبو داود (١٠٤١)، والنسائي في "الصغرى" (١٣٨٩) وفي "الكبرى" =
[ ١ / ٢٩٢ ]
والترمذي، والنسائي، والحاكم، عن عبد الله بن سلام موقوفًا عليه (^١).
قال ميرك: "وعن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ: أي شيء يوم الجمعة؟ قال: إن فيها طبعت طينة آدم أبيك، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له"، رواه أحمد من رواية علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة (^٢)، ولم يسمع منه، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ذكره المنذري (^٣) ".
_________________
(١) = (١٧٠٩)؛ كلاهما من حديث جابر مرفوعًا. وحسن الحافظ ابن حجر إسناده في "الفتح" (٢/ ٤٢٠)، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٨١٩٠): "صحيح"، وفي "الجامع" زيادة رمز الحاكم، وقد أخرجه (١/ ٢٧٩) عن جابر به مرفوعًا، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم"، فكان حق صاحب "الحصن" أن يرمز له.
(٢) أخرجه مالك في "موطئه" (٢٩١)، وأبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٤٩١)، والنسائي في "الصغرى" (١٤٣٠) وفي "الكبرى" (١٧٦٦)، والحاكم (١/ ٢٧٨)؛ كلهم من قول عبد الله بن سلام. وقال الترمذي: "وهذا حديث صحيح"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما اتفقا على أحرف من أوله"، وحكم الألباني بصحته في "صحيح سنن أبي داود" (٤/ ٩٦١).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣١١) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٤٣١): "ضعيف".
(٤) "الترغيب والترهيب" للمنذري (١٠٥٩)، وقد أعله بمثل ذلك أيضًا الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤١٨).
[ ١ / ٢٩٣ ]
(وقيل: بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، وقيل: بعد طلوع الشمس) وحكى الغزالي في "الإحياء" أنها عند طلوع الشمس (^١)، قال ميرك: "وليس المراد من هذه الأقوال أنه يستوعبها جميع الوقت الذي عين لها، بل المعنى أنها تكون في أثنائه؛ لما في البخاري في آخر الحديث: "وأشار بيده يقللها" (^٢)، وفي مسلم: "هي ساعة خفيفة" (^٣).
(وذهب أبو ذر الغفاري) بكسر الغين وتخفيف الفاء، نسبة إلى قبيلة بني غفار (﵁ إلى أنها بعد زَيْغِ الشّمس) بفتح الزاي وسكون التحتية، أي: بعد ميلها، يعني: زوالها (بيسير) أي: بقدر قليل، وفي نسخة: "بشبر" بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة (^٤)، أي: بقدره من الظل (إلى ذراع) أي: قدر ذراع، قال ميرك: "رواه ابن المنذر، وابن عبد البر بإسناد قوي عنه (^٥) ".
_________________
(١) "إحياء علوم الدين" للغزالي (١/ ١٨٦).
(٢) "صحيح البخاري" (٩٣٥) و(٥٢٩٤) و(٦٤٠٠).
(٣) "صحيح مسلم" (٨٥٢).
(٤) وكذا في "فتح الباري" (٢/ ٤١٨)، وفي "الأوسط" لابن المنذر، و"الدعاء" للطبراني: "يشير".
(٥) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ١٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٩/ ٢٣)؛ كلاهما عن أبي ذر به موقوفًا، والحديث عند الطبراني في "الدعاء" (١٨٣) عنه به. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٨/ ٤١٢): "رواه ابن المنذر وابن عبد البر بإسناد قوي إلى الحارث بن يزيد الحضرمي عن =
[ ١ / ٢٩٤ ]
(قلت: والذي أعتقده) أي: بحسب الظن الغالب؛ لعدم وجود اليقين في هذه المسألة للطالب (أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين) (^١) بمد الهمزة ويقصر، اسم فعل بمعنى: استجب دعائي، أو افعل مطلوبي، فهو دعاء بعد دعاء [تأكيدًا وتأييدًا] (^٢).
وفيه أنه لو كان كذلك، لزم انحصار الدعاء من جانب الإمام فيما بين الفاتحة والتأمين، وليس الأمر كذلك، ذكره الحنفي. ويمكن دفعه بأن قوله: "إنها وقت قراءة الإمام" لا يستلزم انحصار الدعاء من جانبه، فإن الدعاء حاصل للمأموم أيضًا بالتبعية اللازم منها الإشتراك في دعاء ﴿اهْدِنَا﴾ بصيغة الجمع، مع أن قراءة الإمام قراءة للمأموم أيضًا، وأيضًا سكوته متضمن للدعاء القلبي والتعظيم المتضمن لطلب العطاء، مع
_________________
(١) = عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي ذر".
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢/ ٤٢١): "ثم ظفرت بعد كتابة هذا بقول زائدٍ على ما تقدم، وهو غير منقول استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجزري، [وأذن] لي في روايته عنه، في كتابه المسمى "الحصن الحصين في الأدعية" لما ذكر الإختلاف في ساعة الجمعة واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال ما نصه: "والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين جمعًا بين الأحاديث التي صحت"، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوت على الداعي حينئذٍ الإنصاتُ لقراءة الإمام فليتأمل".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(هـ)، وفي (أ): "تأكيدًا أو تأبيدًا"، وفي (د): "تأكيد أو تأييد".
[ ١ / ٢٩٥ ]
مشاركته للإمام في التأمين الذي هو خلاصة الدعاء، كما ستجيء الإشارة إليه في كلام المصنف [مما] (^١) يدل عليه.
(جمعًا) أي: للجمع، أو حال كونه مجموعًا به، أو حال كوني جامعًا (بين الأحاديث) أي: الصحيحة مع الإعراض عن الأحاديث الضعيفة والأقوال الموقوفة؛ ولذا قال: (التي صحت عن النبي ﷺ، كما بينته في غير هذا الموضع) قال في "المفتاح": "وذلك أن الذي صح عندي من الأحاديث المرفوعة ثلاثة:
أحدها: عن أبي موسى الأشعري: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن [تقضى] (^٢) الصلاة"، رواه مسلم وأبو داود (^٣)، يعني: "على المنبر"، وقال مسلم: "هذا الحديث أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الإجابة" (^٤).
والثاني: حديث أبي هريرة: "أنه ذكر ﷺ يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها"، متفق على صحته (^٥).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج) و(د): "ما".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج) و(د) و(هـ): "يقضي".
(٣) أخرجه مسلم (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٢)؛ كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.
(٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢٥٠) عن مسلم به.
(٥) أخرجه البخاري (٩٣٥) و(٥٢٩٤) و(٦٤٠٠)، ومسلم (٨٥٢) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
[ ١ / ٢٩٦ ]
والثالث: حديث عمرو بن عوف المزني، قال ﷺ: "إن في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا أعطاه إياه، قالوا: يا رسول الله، أيةُ ساعة هي؟ قال: هي من حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها"، رواه الترمذي، وقال: "حسن غريب"، وابن ماجه (^١).
فالأولى الجمع بين هذه الأحاديث بأنها في صلاة الجمعة؛ لأنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن [تقضى] (^٢) الصلاة، وهي أيضًا [واقعة] (^٣) والداعي قائم يصلي، وهي أيضًا من حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها، وإنما قلنا: عند تأمين الإمام؛ لأنه يجتمع فيه تأمين الإمام والمأمومين والملائكة في أقطار الأرض مشارقها ومغاربها، وأيضًا قولُه: "يقللها [بيده] (^٤) " يدل على أن وقتها وقت لطيف، وقد حكى ابن المنذر أقوالًا في وقتها، "فعن عائشة: "أنه إذا أذن لصلاة الجمعة"، وعن أبي العالية (^٥): "عند زوال الشمس"،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤٩٠)، وابن ماجه (١١٣٨)؛ كلاهما من حديث عمرو بن عوف المزني به مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (١٨٩٠): "ضعيف جدًّا".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج) و(هـ): "يقضي".
(٣) كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "يوافقه".
(٤) كذا في (ج) و(هـ) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و(ب) و(د): "بعده".
(٥) هو: رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي البصري، الإمام المقرئ الحافظ =
[ ١ / ٢٩٧ ]
وعن أبي [بردة (^١)] (^٢): "هي الساعة التي اختار الله فيها الصلاة"، وعن أبي السوار العدوي (^٣): "كانوا يرون الدعاء مستجابًا ما بين أن تزول الشمس إلى أن يدخل في الصلاة"، قال: "وفيه قول، وهو: أنها ما بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع"، قال:
_________________
(١) = المفسر، أحد الأعلام، أدرك زمان النبي ﷺ، وأسلم في خلافة أبي بكر، وسمع كثيرًا من الصحابة، وحفظ القرآن وقرأه على أُبَيٍّ، قال أبو القاسم اللالكائي: ثقة مجمع على ثقته، تُوفِّيَ سنة: ٩٠ على الصحيح، راجع ترجمته في: "تهذيب الكمال" للمزي (٩/ رقم: ١٩٢٢)، و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٢٠٥) و"تاريخ الإسلام" (٦/ ٥٢٩) للذهبي.
(٢) هو: أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، اسمه الحارث، ويقال: عامر بن عبد الله بن قيس، ويقال: اسمه كنيته، تابعي فقيه ثبت، حدث عن أبيه وجمع من الصحابة، تُوفِّيَ سنة: ١٠٣، وقيل سنة: ١٠٤، راجع ترجمته في: "تهذيب الكمال" للمزي (٧٢٢٠)، و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٣٤٣) و"تاريخ الإسلام" (٧/ ٢٨٤) للذهبي.
(٣) كذا في "الأوسط" لابن المنذر، وفي (أ) و(ب) و(ج): "بريدة"، وفي (د) و(هـ): "هريرة".
(٤) أبو السوار العدوي البصري، اختلف في اسمه فقيل: حسان بن حريث، وقيل: حريث بن حسان، وقيل: حريف بالفاء، وقيل: منقذ، وقيل: إنه حجير بن الربيع العدوي، قال أبو داود: من ثقات الناس، تُوفِّيَ بعد الثمانين وقبل التسعين على ما ذكره خليفة في تاريخه، راجع ترجمته في: "تاريخ خليفة بن خياط" (صـ ٣٠٣)، "تهذيب الكمال" للمزي (ت ٧٤١٩)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٧/ ٢٩٠).
[ ١ / ٢٩٨ ]
"وروينا هذا القول عن أبي ذر"، انتهى أي: كلام ابن المنذر (^١).
وهذه الأقوال قد تنزل على ما قلنا، والله أعلم، وأنا وغيري ممن وقف على قولي جرَّب الدعاء في هذه الساعة فرأى الإجابة، وأما حديث جابر يرفعه: "قال: يوم الجمعة ثنتا عشرة -يريد: ساعة- لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر"، رواه أبو داود وهذا لفظه (^٢)، والنسائي، ولفظه: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة … " (^٣) وذكر الحديث، وفي إسناده عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري المصري (^٤)، وهو وإن كان أخرج له الجماعة فقال فيه مثل الإمام أحمد بن حنبل: "رأيت له أشياء مناكير" (^٥)، انتهى.
ولعل هذا منها، فإنه خالف فيه الأحاديث الصحيحة المتقدمة، والصحيح المعروف أن النص على كونها بعد العصر من كلام عبد الله بن
_________________
(١) "الأوسط" لابن المنذر (٤/ ٩ - ١٣).
(٢) "سنن أبي داود" (١٠٤١).
(٣) "السنن الصغرى" (١٣٨٩) و"الكبرى" (١٧٠٩) للنسائي.
(٤) هو: عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله، أبو أمية الأنصاري المصري، مدني الأصل، حافظ ثبت، وثقه أبو زرعة والعجلي والنسائي وغيرهم، ولد بعد التسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك، وتُوفِّيَ سنة: ١٤٨، راجع ترجمته في: "تهذيب الكمال" للمزي (٢١/ ٥٧٠)، و"سير أعلام النبلاء" (٦/ ٣٤٩) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٩/ ٢٣٤).
(٥) "تاريخ بغداد" للخطيب (١٤/ ٥٣٥).
[ ١ / ٢٩٩ ]
سلام وكلام كعب الأحبار مع أبي هريرة، وأيضًا فلفظ الحديث كما تراه قد اضطرب" (^١)، انتهى كلام المصنف.
وفيه أبحاث:
منها: أن مختاره المعنى إلى التأمين معارض لحديث "صحيح مسلم": "إلى أن [تقضى] (^٢) الصلاة"، ومناقض لحديث الترمذي الذي حسنه: "إلى الانصراف منها"، لكنه قد يدفع بأن حديث: "قائم يصلي" يخصصهما، وبه يحصل الجمع.
ومنها: أن قوله: "يجتمع فيه تأمين الإمام والمأمومين والملائكة في أقطار الأرض" إنما يتحقق أن لو تُصُوِّرَ صلاة الناس جميعًا في ساعة واحدة، وليس الأمر كذلك، فهذه الساعة الزمانية تختلف باختلاف الحالات المكانية، فالتحقيق أن الشارع اعتبر الساعة في حق كل قوم بالنسبة إلى زمان صلاتهم، ويحمل تأمين الملائكة في كل قطر على من حضر عندهم.
ومنها: أن قوله: "قد تنزل هذه الأقوال على ما قلنا" مستبعد جدًّا؛ إذ لا يمكن توافق بعضها مع قوله: "أبدًا" إلا بتكلّف وتعسّف.
ومنها: أن الحديث الذي رواه أبو داود وسكت عنه يكون حَسَنًا، لا سيما وقد رواه النسائي أيضًا، وكذا الترمذي عن أنس قال: قال رسول
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٥/ أ، ب).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج) و(هـ): "يقضي".
[ ١ / ٣٠٠ ]
الله ﷺ: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس" (^١).
والراوي الذي أخرج له الجماعة لا يجوز طعنه بقول أحمد: "رأيت له أشياء مناكير"، وكيف يعد هذا من مناكيره وقد رواه أحمد عن أبي هريرة، قال: "قيل للنبي ﷺ: لأي شيء سمّي يوم الجمعة؟ قال: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب" (^٢).
ومنها: أن أبا هريرة رجع إلى كلام عبد الله بن سلام، [حيث] (^٣) وفق بين هذا الحديث وبين حديث أبي هريرة المتفق عليه، حيث قال أبو هريرة: "قال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة [في] (^٤) يوم الجمعة، قال أبو هريرة: فقلت: وكيف آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ: لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي فيها؟! فقال عبد الله بن سلام: ألم
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤٨٩) من حديث أنسٍ به مرفوعًا، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه"، وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢/ ٤٢٠): "إسناده ضعيف"، وقد حسن الحديث الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٥٨٣).
(٢) أخرجه أحمد (٨١٠٢) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٤٣١): "ضعيف".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "حين".
(٤) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ) و"مستدرك الحاكم"، وفي (ب) و"الموطأ" و"سنن أبي داود" و"سنن النسائي": "من".
[ ١ / ٣٠١ ]
يقل رسول الله ﷺ: من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي؟ قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذاك" (^١)، فهذا نوع جمع بين الأحاديث، صدر عن ابن سلام، ووافقه أبو هريرة وكذلك كعب.
وكذا ما روي عن فاطمة ﵂ أنها كانت تراعي الشمس رعاية لوقت تلك الساعة (^٢)، فهو أولى بالاعتبار من جمع الأغيار، فإنهم الأصحاب أعرف بكلام صاحب الحديث في جميع الأبواب.
(وقال النووي ﵀ أي: فـ "شرح مسلم" (^٣)، فقول الحنفي هنا: "في "الأذكار"، وهم منه؛ لأن قوله في "الأذكار" سبق أن المراد بـ "قائم يصلي ينتظر الصلاة" موافق لما اختاره ابن سلام (^٤)، وسبق منه أنه غير
_________________
(١) أخرجه مالك (٢٩١)، وأبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٤٩١)، والنسائي في "الصغرى" (١٤٣٠) وفي "الكبرى" (١٧٦٦)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٧٨)؛ كلهم من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: "وهذا حديث صحيح"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما اتفقا على أحرف من أوله"، وحكم الألباني بصحته في "صحيح سنن أبي داود" (٤/ ٩٦١).
(٢) أخرجه الدراقطني في "العلل" (١٥/ ١٧٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٧١٦)؛ كلاهما من حديث فاطمة به. قال ابن حجر في "فتح الباري" (٢/ ٤٢١): "في إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يعرف".
(٣) "شرح مسلم" للنووي (٦/ ١٤٠ - ١٤١).
(٤) "الأذكار" للنووي (صـ ١٤٤).
[ ١ / ٣٠٢ ]
ملائم لما ذكره في "شرح مسلم".
(والصحيح) أي: ضد الضعيف، [ويخالفه] (^١) قوله في "الأذكار": "أصح ما جاء فيها" (^٢)، (بل الصواب) أي: ضد الخطأ، وهو ترقٍّ بالإضراب، ثم وصفه للمبالغة بصفة [كاشفة] (^٣)، حيث قال: (الذي لا يجوز غيره)، وهذا كله مبالغة، بل مجازفة للزومه تخطئة بعض الصحابة، وبطلان بعض الأحاديث الواردة، (ما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي موسى الأشعري) أي: عن النبي ﷺ: "أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى أن يسلّم من الصلاة" (^٤)، وقيل: "ذكر هذا في باب الجمعة من "الروضة" (^٥)، وكذا في كتاب اللعان من "المهمات"، لكن المفهوم من باب اللعان من "الروضة" أنها ساعة العصر (^٦).
والحاصل: أن كلامه مضطرب في تصانيفه، وفي "شرح البخاري": "قال الطبري: أصح الأحاديث حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال قول عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة بعد العصر" (^٧). ورجح جماعة قول ابن
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج): "وبخلافه"، وفي (د): "يخالفه".
(٢) "الأذكار" للنووي (صـ ١٤٤).
(٣) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ) و(ج) و(د): "مكاشفة".
(٤) أخرجه مسلم (٨٥٣) من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.
(٥) "روضة الطالبين" للنووي (١/ ٥٥١ - ٥٥٢).
(٦) "روضة الطالبين" للنووي (٦/ ٣٢٧).
(٧) "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ٤٢١ رقم: ٩٣٥).
[ ١ / ٣٠٣ ]
سلام، وحكى الترمذي عن أحمد أن أكثر الأحاديث على ذلك (^١)، وقيل: "إنه نص الشافعي"، انتهى.
ومجمل مرام الكلام في هذا المقام أن الجمع المطابق للسمع الموافق للطبع بين الروايات الصحيحة والأقوال الصريحة هو أن يقال: إن الساعة المرجوة مبهمة تدور في الأوقات المختلفة، وإنَّ توقع حصولها في الوقتين المختارين أكثر، وإن ترجيح الأخير -وهو آخر ساعات العصر- أظهرُ، وقد توجد في سائر أوقاتها مما تقدم في ذكر ساعاتها، ونظيرها ليلة القدر، فإنها مبهمة على المختار، دائرة في ليالي السنة كلها، وأرجى أوقاتها رمضان، لا سيما العشر الأخير خصوصًا أوتارها، والغالب وقوعها في السابع والعشرين عندنا وعند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وفي الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين عند الشافعي، وفي التاسع والعشرين عند مالك، وفيها أقوال أخر ذكرت بعضها في شرحي "المرقاة للمشكاة" (^٢)، والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤٨٩).
(٢) "مرقاة المفاتيح" للشارح (٤/ ٥٠٧ - ٥١٠).
[ ١ / ٣٠٤ ]