(وإذا سلّم) أي: للانصراف عن الصلاة (قال) كما في نسخة (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) وزاد البزار والطبراني: (يحيي ويميت) ووافقهما ابن السني بزيادة قوله: (بيده الخير، وهو على كل شيء) أي: من الممكنات المتعلقة بها المشيئة، (قدير) أي: بالغ القدرة، كامل القوة.
(اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) قال في الفائق (^١): "أي بذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠]، أي: لا ينفعه حظّه بدل طاعتك".
وفي "الصحاح": "منك بمعنى عندك، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح، وقيل: "فيه حذف، تقديره: من قضائك أو سطوتك أو عذابك".
قال ابن دقيق العيد: "قوله: "منك" يجب أن يتعلق بـ "ينفع"، وينبغي أن يكون "ينفع" يتضمن معنى "يمنع"، وما قاربه، أي: كـ"يدفع"".
ويجوز أن يتعلق "منك" بـ "الجد"، كما يقال: حظي منك كثير، لأن ذلك نافع، ذكره العسقلاني، ثم قال: "والجد مضبوط في جميع الروايات:
_________________
(١) انظر: الفائق (١/ ١٩٣).
[ ٢ / ٧٨٩ ]
بفتح الجيم، ومعناه الغنى كما نقله البخاري، عن الحسن" (^١).
وحكى الراغب: (^٢) "أن المراد ها هنا أبو الأب، أي: لا ينفع أحدًا نسبه لقوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] "، وقال القرطبي: "حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بكسر الجيم، قال: "ومعناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده"، وأنكره الطبري".
وقال الفراء في توجيه إنكاره: "الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن الله تعالى قد دعا الخلق إليه، فكيف لا ينفع عنده"، ثم قال: "ويحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة"، وقال غيره: "لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته".
قلت: ويؤيده الحديث المشهور: "لن [ينجو] (^٣) أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (^٤).
(خ، م، في، س، ر، ط، ي) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والبزار، والطبراني، وابن السني؛ كلهم عن المغيرة بن
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٢/ ٣٣٢).
(٢) انظر: مفردات ألفاظ القرآن (ص: ١٨٨).
(٣) هذا هو الصواب، خلافًا لما جاء في النسخ: "ينجي".
(٤) أخرجه مسلم (٢٨١٦) (٧٢). ولفظه: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُنَجِّيهِ عَمَلهُ" قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَا أَنْ يَتَغَمَّدَني رَبِّي مِنْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ".
[ ٢ / ٧٩٠ ]
شعبة (^١)، إلا البزار فعن جابر وابن عباسٍ (^٢)، ورواه الطبراني عن ابن عباسٍ أيضًا (^٣).
(أو: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، ثلاث مرات. خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن المغيرة أيضًا (^٤).
(أو: مرة، وبعده: لا حول ولا قوة إلا بالله) سيأتي معناه بتفسيره ﷺ، (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه) الظاهر أنه عطف على قوله: "لا إله إلا الله"، وقيل: "حال من فاعل فعل محذوف، يعني: نقول: لا إله إلا الله، حال كوننا غير عابدين إلا إياه".
(له النعمة) أي: الإنعام والإحسان، (وله الفضل) أي: زيادة الامتنان، (وله الثناء الحسن) أي: النعت المستحسن.
(لا إله إلا الله، مخلصين) أي: نقولها حال كوننا مخلصين (له الدين) أي: الطاعة، فالدين مفعول به لـ"مخلصين"، و"له " ظرف للدين قدم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).
(٢) أخرجه البزار (٤٧٦٥) من حديت ابن عباس وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣٠٩٨) من حديث جابر.
(٣) أخرجه في الدعاء (رقم: ٦٧٩).
(٤) أخرجه البخاري (٦٤٧٣)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٧١)، وفي الكبرى (١٢٦٦) مختصرًا - وهو في عمل اليوم والليلة (١٢٩).
[ ٢ / ٧٩١ ]
على المفعول للاهتمام به، كذا [قال] (^١) بعضهم، والأظهر أنه ظرف لـ"مخلصين" كما هو المتبادر من العبارة] (ولو كره الكافرون) مفعوله محذوف، أي: ولو كره الكافرون قولنا، وقال المظهري: "أي: كوننا مخلصين دين الله، وكوننا عابدين له، غير مشركين به شيئًا". (م، د، س، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن عبد الله بن الزبير (^٢).
(أستغفر الله، ثلاث مرات، اللهم أنت السلام) أي: أنت السالم من [التغيرات] (^٣) والآفات، أو معطي السلامة من تشاء، (ومنك السلام) أي: يرجى ويستوهب ويتوقع.
قال المؤلف في "التصحيح": "وأما ما يزاد بعد قوله: "ومنك السلام" من نحو: "وإليك يرجع السلام، فحينا ربنا بالسلام، وأدخلنا دارك دار السلام" فلا أصل له، بل هو مختلق بعض القصاص" (^٤).
(تباركت) أي: تكاثر خيرك، وتزايد بِرّك، وقال الأزهري: "معناه:
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "قاله".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٣٢) ومن طريقه مسلم (٥٩٤) (١٤٠)، وأبو داود (١٥٠٧) والنسائي في المجتبى (٣/ ٧٠)، وفي الكبرى (٩٩٥٦) وهو في عمل اليوم والليلة (١٢٨).
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "التغيرات".
(٤) ذكره المؤلف في كتابه: الأسرار المرفوعة (ص: ٤١٦) وفي المرقاة (٢/ ٧٦١).
[ ٢ / ٧٩٢ ]
تعاليت، أي: تعالى صفتك عن صفات المخلوقين "، (ذا الجلال) وفي رواية مسلم، والطبراني، وابن السني: "يا ذا الجلال"، أي: مستحق الجلال وهو العظمة، وقيل: "الجلال: التنزه عما لا يليق"، والجلال لا يستعمل إلا لله، (والإكرام) أي: الإحسان، وقيل: "المكرم لأوليائه بالإنعام عليهم، والإحسان إليهم".
(م، عه، ط، ي) أي رواه: مسلم عن ثوبان وعائشة، والأربعة عن ثوبان فقط، والطبراني عن ابن عمر، وابن السني عن ثوبان وعائشة، (^١) وفي بعض النسخ عن عائشة فقط، وليس في حديث عائشة الاستغفار.
(سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ليكون) كذا في "أصل الجلال" وأكثر النسخ المصححة والأصول المعتمدة، وفي نسخة صحيحة، [وهو] (^٢) الظاهر: "ليكن"، (منهن) أي: من الكلمات المذكورة، والجمل المسطورة (كلهن) بالرفع لأكثر الرواة، كما صرح به العسقلاني على أنه اسم "يكون"، وخبره قوله: (ثلاثًا وثلاثين مرة) وهو ظاهر، وفي نسخة صحيحة بالكسر تأكيدًا للضمير المجرور، فيكون اسم "يكون"
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٩١) عن ثوبان وعن عائشة (٥٩٢)، وأبو داود (١٥١٣) والترمذي (٣٠٠)، والنسائي في السنن (٣/ ٦٨ - ٦٩)، وفي عمل اليوم والليلة (١٣٩)، وابن ماجه (٩٢٨). وابن السني عن عائشة في عمل اليوم والليلة (١٠٧)، والطبراني في الدعاء (٦٥٠) عن ابن عمر.
(٢) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "وهي".
[ ٢ / ٧٩٣ ]
محذوفًا، أي: ليكون عدد المذكورات منهن جميعهن ثلاثًا وثلاثين مرة.
وقال ميرك نقلًا عن العسقلاني: "إنه وقع لبعض الرواة بالنصب، ووُجِّه بأن اسم "يكون" محذوفٌ، والتقدير: حتى يكون العدد منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين"، انتهى. وهو غير مستقيم كما لا يخفى، إلا أن يبدل عنه "ثلاثًا وثلاثين، والوجه الوجيه هو أن يكون منصوبًا بتقدير: أعني أو يعني، وهو الأظهر، فيكون حينئذٍ مدرجًا من كلام الراوي، والله أعلم.
ثم اعلم أنه يحتمل أن يكون مجموع العدد للجميع، فإذا وزع كان لكل واحدٍ إحدى عشرة، وهو الذي [فهمه] (^١) سهيل بن أبي صالح أحد رواة الحديث، كما رواه مسلم من طريق روح بن القاسم، عنه (^٢)، لكن لم يتابع سهيل على هذا، بل لم أرَ في شيء من طرق الحديث التصريح بإحدى عشرة، إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وهو إسناد ضعيف، فالأظهر أن المراد: أن المجموع لكل فردٍ، والروايات الثابتة عن غير سهيل صريحةٌ فيه، قال عياض: "هو الأولى".
ثم إن القائل بأن العدد للجميع، اختار أن يقول ذلك مجموعًا، حتى يصير من المجموع "ثلاثًا وثلاثين"، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف، والذي يظهر أن كلّا من الأمرين حسن، إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر، وهو أن الذاكر محتاجٌ إلى العدّ، وله على كل حركة لذلك سواء
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "فهم".
(٢) أخرجه مسلم (١٤٣، ٥٩٥).
[ ٢ / ٧٩٤ ]
بأصابعه أو بغيرها ثوابٌ، لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث، والله أعلم"، كذا حققه العسقلاني، على ما ذكره ميرك.
(خ، م، سى) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة.
(إحدى عشرة) بسكون الشين ويكسر، أي: يقولها، (وإحدى عشرة) أي: مرة (وإحدى عشرة) أي: لكل من الأذكار المذكورة، (فذلك) أي: مقدار ما ذكر (كله) أي: جميعه (ثلاث وثلاثون. م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا.
(أو عشرًا) بسكون الشين لا غير (عشرًا عشرًا) بالنصب عطفًا على "ثلاثًا وثلاثين"، أو على محل "إحدى عشرة"، وهو أقرب وأنسب. (خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا (^١).
_________________
(١) التسبيح والتحميد والتكبير، قد ثبتت عنه ﷺ على أوجهٍ متنوعة وبأعداد مختلفة فمن هذه الوجوه: أن يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين أي يقولهما مجتمعةٍ من غير فصل حتى يكملها، ولا يجعل فيها التهليل، وقد ثبتت هذه الصفة فيما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﷺ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ"؛ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصدَّقُ ويُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أَفلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكمْ وَلَا يَكُونُ أَحَد أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ"؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ =
[ ٢ / ٧٩٥ ]
(من سبح الله دبُر كل صلاة) أي: مكتوبة لما سيأتي في روايةٍ، وهو بضم الدال والموحدة في الأصول المعتمدة، منصوبًا على الظرفية بمعنى العقب والخلف، ففي "القاموس": "الدبر: بالضم وبضمتين، نقيض القبل، ومن كل شيء عقبه ومؤخره"، قال ميرك: "بضم الدال المهملة على المشهور في اللغة، وهو المعروف في الروايات أيضًا".
وقال أبو عمرو المطرزي: "دبر كل شيء بفتح الدال، آخر أوقاته من الصلاة وغيرها"، قال: "وهذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة فبالضم"، وقال الداودي - نقلًا عن ابن الأعرابي -: "دبر الشيء بالضم، والفتح: آخر أوقاته، والصحيح الضم"، ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره.
(ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، ثم قال
_________________
(١) = وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثًا وَثَلَاِثِينَ مَرَّةً". وهذا الحديث ظاهره أنه يقول التسبيح والتحميد والتكبير مجتمعًا ثلاثًا وثلاثين مرة، وهو ما فهمه راويه عن أبي هريرة ﵁ عند الشيخين وهو أبو صالح. وهذا أصح ما ورد في الصحيحين من العدد في التسبيح والتحميد والتكبير، أما التسبيح والتحميد والتكبير عشرًا فهذا تفرد به بعض الرواة في حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ كما بينه ابن حجر في شرحه، وأما التسبيح والتحميد والتكبير أحد عشر مرة عند مسلم فهذا من فهم سهيل بن أبي صالح وفيه نظر، ومن خالفه معه زيادة علم كما بينه النووي في شرحه على مسلم وابن القيم في زاد المعاد، ولذا نص ابن رجب ﵀ في فتحه أن أحاديث التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين أصح ما في الباب.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
تمام المئة) بالنصب على أنه ظرف لـ "قال"، وروي بالرفع على أنه مبتدأ، خبره قوله: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه) جزاء، أو خبر لـ"من سبح".
ثم الصغائر مكفرة بتلك الأذكار، والكبائر التي بينه وبين الله تعالى تغفر بالتوبة، والتي بينه وبين العباد فلابد من أدائها، وإرضاء صاحبها، ومن لم يتب فهو إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ذكره ميرك.
لكن لا يخفى أن بعض الكبائر التي بينه وبين الله أيضا لا بد من أدائها، كترك الصلاة، والصوم، والزكاة، ثم في حقوق العباد لا بد من التوبة أيضًا خلافًا لما يتبادر من العبارة.
(وإن كانت) أي: ولو كانت خطاياه (مثل زبد البحر) أي: في الكثرة، قال العسقلاني: (^١) "هو كناية عن المبالغة في الكثرة". (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة أيضًا (^٢).
(معقبات) بكسر القاف المشددة، أي: كلمات يأتي بعضها عقب بعض، مأخوذ من العقب، ويقال لملائكة الليل والنهار: معقبات؛ لأن بعضهم يَعْقُبُ بعضًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٠٦).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٧).
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وقال في "النهاية" (^١): "سميت معقبات؛ لأنها عادت مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة"، أو معقبات للثواب، ثم حل التركيب أن قوله: "معقبات" إما صفة مبتدإ، أقيمت مقام الموصوف، أي: كلمات معقبات، وخبره قوله:
(لا يخيب)، أي: لا يصير محرومًا عما يريده"، (قائلهن، أو فاعلهن) شك من الراوي لا تخيير، كما توهمه الحنفي، وقوله: (دبر كل صلاة مكتوبة): ظرف، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبرٍ، وأن يكون متعلقًا بـ "قائلهن"، وقوله: (ثلاث وثلاثون تسبيحةً) بدل، أو بيان للمعقبات، ويحتمل أن يكون خبرًا آخر، أو خبرًا لمبتد" محذوف هو "هي"، وإما مبتدأ و"لا يخيب" صفته، و"دبر" صفة أخرى، والخبر قوله: "ثلاث وثلاثون تسبيحة".
(وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة) قال المصنف في "تصحيح المصابيح": "معقبات: بكسر القاف، ومعناه: تسبيحات [تقال] (^٢) أعقاب الصلوات، و" معقبات" مبتدأ خبره: "ثلاث وثلاثون"، و"أو" للشك من الراوي، إذ ربما يقال للقائل: فاعل، إذ القول فعل من الأفعال".
(م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، عن كعب بن عجرة. (^٣)
_________________
(١) انظر: النهاية (٣/ ٢٦٧)، وشرح السنة للبغوي (٣/ ٢٣٢).
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "يفعل".
(٣) أخرجه مسلم (٥٩٦)، والترمذي (٣٤١٢)، والنسائي (٣/ ٧٥).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
قال المحقق ابن الهمام في "شرح الهداية": "هل [الأولى] (^١) وصل السنة التالية للفرض له، أو لا؟ ففي "شرح الشهيد": "القيام إلى السنة متصلة بالفرض مسنون، وفي "الشافي": "كان ﵇ إذا سلم يمكث قدر ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت [وتعاليت] (^٢) يا ذا الجلال والإكرام"، وكذا عن البقالي، وقال الحلواني: "لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد".
ويشكل على الأول ما في "سنن أبي داود" عن أبي رمثة قال: "صليت هذه الصلوات مع رسول الله ﵇، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى رسول الله ﷺ صلاةً، ثم سلم عن يمينه وعن يساره، حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كما انفتل أبو رمثة - يعني: نفسه - فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى يشفع، فوثب عمر فأخذ بمنكبه فهزه، ثم قال؛ اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنهم لم يكن لهم بين صلاتهم فصل، فرفع النبي ﷺ بصره، فقال: أصاب الله بك يا ابن الخطاب" (^٣)، ولا يرد هذا على الثاني؛ إذ قد يجاب بأن قوله: "اللهم أنت
_________________
(١) كذا في "فتح القدير"، وفي (ب): "الأول"، وليست في (أ) و(ج) و(د).
(٢) من (أ) و(ج) و(د).
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٠٧) والحاكم في (١/ ٢٧٠) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. =
[ ٢ / ٧٩٩ ]
السلام … " إلى آخره فصلٌ، فمن ادعى فصلًا أكثر منه فلينقله.
وقولهم: الأفضل في السنن التي بعد المغرب المَنْزِلُ، لا يستلزم مسنونية الفصل بأكثر؛ إذ الكلام فيما إذا صلى السنة في محل الفرض، ماذا يكون الأولى؟.
قلت: الأولى أن يقتصر على ما ورد من قوله "اللهم أنت السلام … " إلى آخره، ومثل هذا الانفصال لا ينافي الاتصال المسنون في "شرح الشهيد"، وأما زيادة الأوراد المستلزمة للفصل الكثير فلا شك أنه خلاف الأفضل، كما سيأتي في كلام ابن الهمام.
ثم الذي [سنح لي] (^١) في حديث أبي رمثة من فعل الرجل وزجر عمر وتعليله، تصويبه ﷺ أنه أراد أن يشرَع في الشفع من غير أن يفصل بالسلام، على قصد الانصراف من الصلاة؛ لأن اتصال السنة بالفرض بعد تحقق السلام جائز إجماعًا، ولم يقل أحد بكراهته، وإنما الخلاف في الأولى، والله أعلم.
ثم قال: "وما ورد من أنه ﵇ كان [يقوله] (^٢) دبر كل صلاة، لا يقتضي وصل هذه الأذكار، بل كونها عقيب السنة من غير اشتغال بما
_________________
(١) = وقال الذهبي في التلخيص: المنهال ضعفه ابن معين وأشعث فيه لين والحديث منكر. ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (١٨٢).
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ): "ينسنح له"، وفي (ج) و(د): "يسنح لي".
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "يقول".
[ ٢ / ٨٠٠ ]
ليس هو من توابع الصلاة، يصحح [كونه] (^١) دبرها".
والحاصل: أنه لم يثبت عنه ﵇ الفصل بالأذكار التي يُواظَبُ عليها في المساجد في عصرنا، من قراءة آية الكرسي، والتسبيحات وأخواتها ثلاثًا وثلاثين، وغيرها، بل ندب هو إليها.
والقدر المتحقق أن كلًّا من السنن والأوراد له نسبة إلى الفرائض بالتبعية، والذي ثبت عنه أنه ﷺ كان يؤخر السنة عن الأذكار، هو ما روى مسلم، والترمذي، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (^٢)، فهذا نص صريح في المراد، وما يتخايل أنه يخالفه لم يقو قوته، أو لم تلزم دلالته على ما يخالفه، فوجب اتباع هذا النص.
واعلم أن المذكور في حديث عائشة هذا هو [قولها] (^٣): "لا يقعد إلى مقدار ما يقول"، وذلك لا يستلزم سنية أن يقول ذلك بعينه في دبر كل صلاة؛ إذ لم تقل "إلا حتى يقول"، أو "إلى أن يقول"، فيجوز كونه ﵇ كان مرة يقوله، ومرة يقول غيره مما ورد: "أنه ﵇ كان يقول دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " إلى آخره، و: "اللهم لا مانع
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "كونه".
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٢).
(٣) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب): "قولهما".
[ ٢ / ٨٠١ ]
لما أعطيت … " إلى آخره.
فمقتضى العبارة حينئذٍ أن السنة أن يفصل بذكر قدر ذلك، وذلك يكون تقريبًا، فقد يزيد قليلًا وينقص قليلًا، وقد يدرج وقد يرتل، فأما ما يكون زيادة غير مقاربة، مثل العدد السابق من التسبيحات والتحميدات والتكبيرات، فينبغي [استنان] (^١) تأخيره عن السنة البتة.
وكذا آية الكرسي، على أن ثبوت ذلك عنه ﵇ مواظبة لا أعلمه، بل الثابت ندبه إلى ذلك، وليس يلزم من ندبه إلى شيء مواظبته عليه، وإلا لم يفرق حينئذٍ بين السنة والمندوب، وكان يستدل بدليل الندب على السنية، وليس هذا على أصولنا.
وقول الحلواني عندي أنه حكم آخر لا يعارض القولين؛ لأنه إنما قال: "لا بأس … " إلى آخره، والمشهور في هذه العبارة كونه لما خلافه أولى، فكان معناها: أن الأولى أن لا يقرأ الأوراد قبل السنة، ولو فعل لا بأس به، فأفاد عدم سقوط السنة بذلك، حتى إذا صلى بعد الأوراد يقع سنة مؤداة لا على وجه السنة، ولذا قالوا: "لو تكلم بعد الفرض لا تسقط السنة، لكن ثوابها أقل"، فلا أقل من كون قراءة الأوراد لا تسقطها"، انتهى ملخصًا.
وإنما ذكرته لما فيه من فوائد لا توجد في كتب القوم، لا من علماء
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "إسنان".
[ ٢ / ٨٠٢ ]
الحديث، ولا من علماء الفروع.
(من سبح دبر كل صلاة مكتوبة مئةً، وكبر مئةً، وهلل مئةً، وحمد مئةً، غفر له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر. س) أي: رواه النسائي عن أبي هريرة (^١).
(أو من كُلٍّ) أي: يقول من كل واحد من الأذكار الأربعة (خمسًا وعشرين) أي: فيكون المجموع مئةً، و"أو" للتنويع من كلام المصنف، كنظائره سابقًا ولاحقًا. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن زيد بن ثابت الأنصاري، قال: "أُمِروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويكبروا ثلاثًا وثلاثين، فأتي رجل من الأنصار في منامه، فقيل: أمركم رسول الله ﷺ هكذا؟ قال: نعم. قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: اجعلوه كذلك"، رواه النسائي - واللفظ له-، والحاكم في "المستدرك"، وابن حبان في "صحيحه" (^٢)، كذا في "سلاح المؤمن".
لكن لا يخفى أنه ﷺ ما عمل به للمنام الذي ذكره، وإنما هو بتقرير
_________________
(١) أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (رقم ١٤١) وقال الألباني حديث منكر "السلسلة الضعيفة" (١٢٤٣)
(٢) أخرج النسائي (١/ ١٩٨) والحاكم (١/ ٢٥٣) وقال الحاكم: "صحيح الإسناد "السلسلة الصحيحة" (١٠١).
[ ٢ / ٨٠٣ ]
منه، إما لوحي أو اجتهاد -على القول به-، وإلا فالأحكام المنامية والأحوال الكشفية لا اعتبار لها في الأمور الشرعية.
(أو من كل من التسبيح والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير) أي: ومن التكبير (أربعًا وثلاثين، ولا إله إلا الله) أي: ومن التهليل (عشر مرات) بالنصب، كقوله: "ثلاثًا". (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي؛ كلاهما عن ابن عباس (^١).
(أو كذلك) هذا نقل بالمعنى، أي: كما ذكر في قوله: "من كُلٍّ من التسبيح والتحميد ثلاثًا وثلاثين"، (والتكبير ثلاثًا وثلاثين) وهو بالجر على ما هو الظاهر، وفي "أصل الأصيل" بالرفع، ولعل التقدير: والتَّكْبِيرُ يَقُولُهُ ثَلاثًا وَثَلاثِين. (س) أي: رواه النسائي عن ابن عباسٍ أيضًا.
(أو من كُلٍّ من التسبيح والتحميد والتكبير مئة، مئة) الظاهر أن قوله: "مئة" كناية في هذا المقام، لقوله: "من كل"، فالتكرار للتأكيد، (مع: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله) وهو يحتمل أن يعتبر فيه المعية المجردة، أو المعية المقيدة بالمئة وهو الأصح، كما يستفاد من الحديث الذي سنذكره، (لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتها) أي: لَمَحَتْ هذه الكلماتُ تلكَ الخطايا، والإسناد مجازي، فإن الله سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت. (أ) أي: رواه أحمد من حديث أبي ذر الغفاري.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤١٠) وقال: حسن غريب. والنسائي (٣/ ٧٨).
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وظاهر إيراد الشيخ المصنف أن الحديث في "مسند الإمام أحمد" مرفوع، لكن قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب": "عن أبي كثير مولى بني هاشم، أنه سمع أبا ذر الغفاري صاحب رسول ﵇ يقول: "كلمات من ذكرهن مئة مرةٍ دبر كل صلاة: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتهن"، رواه أحمد، وهو موقوفٌ" (^١)، انتهى كلام المنذري، لكنه في حكم المرفوع فهذا غاية عذر المصنف، والله أعلم.
(وآية الكرسي) أي: قراءتها (دبر كل صلاة مكتوبة) أي: مفروضة، (لم يمنعه) أي: قارئها (من دخول الجنة إلا أن يموت) أي: إلا الموت، قال الفاضل الطيبي: "أي: الموت حاجز بينه وبين دخوله، فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله، ومنه قوله ﷺ: "والموت قبل لقاء الله"".
وقال المحقق الصمداني المولى، سعد الملة والدين التفتازاني: "معنى الحديث: أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت، فكأن الموت يمنع ويقول: لا بد من حضوري أولًا ليدخل الجنة".
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٧٣)، وقال الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٠١): رواه أحمد موقوفًا، وأبو كثير لم أعرفه، وبقية رجاله حديثهم حسن. انظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٣٠٠)، وقال الألباني: منكر موقوف. ضعيف الترغيب (٩٨٦).
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وقال ميرك شاه ﵀: "ويمكن أن يقال: المقصود أنه لا يمنع من دخول الجنة شيء من الأشياء البتة، فإن الموت ليس بمانع من دخول الجنة، بل قد يكون موجبًا لدخولها، فهو من قبيل:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .. البيت.
وهذا ليس بعيبٍ، فالمعنى: لا عيب فيهم أصلًا، ويمكن أن يكون المعنى: لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت كافرًا والعياذ بالله، إشارةً إلى أن سائر المعاصي لم تمنعه بأن لا [يفعلها] (^١) أو يغفرها الله له".
(س، حب، ي) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وابن السني، عن أبي أمامة الباهلي، وقال الحافظ المنذري: "رواه النسائي والطبراني بأسانيد كلها صحيحة، وزاد الطبراني في بعض طرقه: "و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "، وإسناده بهذه الزيادة جيدٌ أيضًا" (^٢).
(كان) أي: قارئ آية الكرسي في دبر كل صلاة (في ذمة الله) أي: أمانه وحفظه، (إلى الصلاة الأخرى. ط) أي: رواه الطبراني عن الحسن بن علي
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "يعفها".
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٩٢٨)، والروياني (١٢٦٨)، والطبراني (٨/ ١١٤، رقم ٧٥٣٢). وأخرجه أيضا: الطبراني في الأوسط (٨٠٦٨)، والطبراني في الشاميين (٨٢٤). قال الهيثمي (١٠/ ١٥٢): رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد وأحدها جيد "السلسلة الصحيحة ٩٧٢). وانظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٩).
[ ٢ / ٨٠٦ ]
﵄، وإسناده حسن.
(وليقرأ المعوذتين) بكسر الواو المشددة، وفي نسخة بفتحها، وفي "الحاشية": "المعوذات" مرموزًا فوقها رمزُ أبي داود، والنسائي، وابن السني، (دبر كل صلاة. ت، د، س، حب، مس، ي) أي رواه: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، عن عقبة بن عامر، قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة"، رواه أبو داود -واللفظ له-، وابن حبان، والحاكم وصححاه، ورواه الترمذي (^١)، ولفظه: "أن أقرأ بالمعوذتين" ذكره ميرك.
وقال بعض الشراح: "في سنن أبي داود، والنسائي، والبيهقي: "المعوذات"، وفي "سنن الترمذي": "المعوذتين"، فعلى الأول: إما إن يكون أقل الجمع اثنين، وإما أن يدخل سورة الإخلاص أو الكافرون في المعوذتين؛ لأن في كلتيهما براءة من الشرك، والتجاء إلى الله تعالى".
(اللهم إني أعوذ بك من الجبن) بضم جيم وسكون موحدة، وبضمتين على ما في "القاموس" أيضًا: "يقال: جبان كسَحابٍ وشدَّادٍ وأميرٍ: هَيوبٌ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٢٣)، والطبراني (١٧/ ٢٩٤)، رقم (٨١١)، وابن حبان (رقم ٢٠٠٤). وأخرجه أيضًا: النسائي (٣/ ٦٨)، وابن خزيمة (٧٥٥)، والحاكم (١/ ٣٨٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥٦٥). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٥٩) وفي السلسلة الصحيحة (١٥١٤).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
للأَشياءِ لا يُقْدِمُ عليها".
قال ميرك: "وقد وقع في هذا الحديث عند البخاري زيادة، وهي: "وأعوذ بك من البخل"، فقيل: الجود إما بالنفس وهو الشجاعة، ويقابله الجبن، وإما بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفسٍ كاملةٍ، ولا تنعدمان إلا في [مُتَنَاهٍ] (^١) في النقص".
(وأعوذ بك أن أرد) بصيغة المجهول، أي: من أن أرجع (إلى أرذل العُمُر) بضمتين [ويسكن] (^٢) الميم، أي: إلى آخره، وهو حال الكِبَر والعجز، والفتور والخرف، والأرذل من كل شيء: الرديء منه على ما في "النهاية"، وإنما استعاذ منه لأن المقصود من العمر هو: التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بموجب أمره، ويفوت ذلك في أرذل العمر، (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) أي: محنها المانعة من المنح الدينية، والنعم الأخروية، (وأعوذ بك من عذاب القبر) أي: مما [يؤدي] (^٣) إليه.
(خ، ت، س) أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، عن سعد (^٤).
(رب قني عذابك يوم تبعث) أي: تحيي (عبادك)، وفي "الحاشية": أو تجمع مرموزًا عليه بـ"الميم" و"عه" فقوله: (عو، م، عه) أي رواه: أبو
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "نفس منتهية".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "وسكون".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "يئول".
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٢٢) والترمذي (٣٥٦٧)، والنسائي (٨/ ٢٥٦، ٢٦٦).
[ ٢ / ٨٠٨ ]
عوانة، ومسلم، والأربعة؛ كلهم عن البراء بن عازب (^١).
واختياره لفظ أبي عوانة وَتَرْكِ لفظ الخمسة مما لا يظهر له وجهٌ وجيهٌ أصلًا، مع أن البدث والجمع متغايران معنًى، ولو كانا متحدين اعتبارًا ومآلًا.
(اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني. عو) أي: رواه أبو عوانة عن سعد.
(اللهم رب جبريل وميكائيل) تقدم ضبطهما، (وإسرافيل، أعذني من حرّ النار) أي: وبردها، فهو من باب الاكتفاء، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد، [أو المراد] (^٢) بحرها: شدة عذابها الشامل لنارها وزمهريرها، كما قيل في حديث: "من صبر على حر مكة ساعةً، تباعد من نار جهنم مئتي سنةٍ" كما في "المدارك" (^٣)، ولعل
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٠٩) وأبو داود (٦١٥)، والنسائي في "المجتبى" ٢/ ٩٤، وفي "الكبرى" (٨٩٦)، وابن خزيمة (١٥٦٣) و(١٥٦٤) و(١٥٦٥)، وأبو عوانة (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١).
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "والمراد".
(٣) أخرجه الفاكهي في تاريخه [٢/ ٣١٠ - ٣١١] رقم ١٥٦٥، وأبو الشيخ -كما في الجامع الكبير [١/ ٧٩٢]، بإسناد فيه عبد الرحيم بن زيد العمي -وهو متروك-، عن أبيه -وليس بالقوي- عن ابن المسيب، عن أبي هريرة به مرفوعًا، وأخرجه الفاكهي من طريق آخر عن عبد الرحيم، فأسقط منه ابن المسيب وأبا هريرة بصورة المعضل، رقم ١٥٦٦. وفي الباب عن ابن عباس =
[ ٢ / ٨٠٩ ]
تخصيص الحر لكونه أكثر، (وعذاب القبر. طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن عائشة (^١).
(اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) سبق معناه. (د، م، ت، حب) أي رواه: أبو داود، ومسلم، والترمذي، وابن حبان، عن علي (^٢).
_________________
(١) = عند العقيلي في الضعفاء الكبير [١/ ٢٢٦]، من طريق الحسن بن رشيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا، وفيه: تباعدت عنه النار سبعين خريفا، ضعف العقيلي الحسن بن رشيد وقال: هذا باطل، لا أصل له، وابن رشيد يحدث بالمناكير. قال السخاوي: ذكره أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة بغير إسناد، ثم الزمخشري في آل عمران من تفسيره، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٢٠١ رقم ٢١١): قال: غريب. انظر: المقاصد الحسنة للسخاوي (رقم: ١١٣٨). وقال الشارح في كتابه: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (برقم: ٤٩٧): قُلْتُ قَدْ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْمَدَارِكِ (واسمه: مدارك التنزيل والمشهور بتفسير النسفي (١/ ١٧٢) وَهُوَ إِمَامٌ جَلِيلٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ أَصِيلٌ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا. هذا منه في غاية الغرابة، لأنه لا يكفي ورود حديث في كتاب مؤلف من المؤلفين ليكون له أصل، خاصة مثل النسفي فهو ليس من أهل العلم بالحديث.
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٨٧٠).
(٣) أخرجه مسلم (٧٧١) وأبو داود (١٥٠٩)، والترمذي (٢٦٦) و(٣٤٢٢) والنسائي (٢/ ١٢٩ - ١٣٠ و١٩٢ و٢٢٠) وابن حبان (١٧٧١) و(١٧٧٢) و(١٧٧٤).
[ ٢ / ٨١٠ ]
(اللهم أعني على ذكرك) أي: الشامل للقرآن وغيره من الأذكار (وشكرك) أي: شكر نعمك الظاهرية والباطنية، والدنيوية والأخروية، التي لا يمكن إحصاؤها، (وحسن عبادتك) أي: من القيام بشرائطها وأركانها، وسننها وآدابها، وخضوعها وخشوعها، وحصول الإخلاص فيها، والاستغراق والتوجه التام الحاصل بها. (د، س، حب، مس، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، عن معاذ بن جبل (^١).
(اللهم ربنا ورب كل شيء) بالنصب فيهما على أنه وصفٌ، أو منادًى ثانٍ، (أنا شهيد أنك) أي: [أشهد] (^٢) بأنك (الرب) أي: رب كل شيء، أو الرب المطلق، (وحدك لا شريك لك) أي: ليس في الربوبية أحدٌ غيرك.
(اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدًا ﷺ عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم) بالنصب على أنه تأكيد، ويجوز رفعه على أنه مبتدأ، خبره: (إخوة) والكل خبر "أن"، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ﴾ [آل عمران: ١٥٤] قرأ الجمهور بالنصب،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٩)، والبزار في "مسنده" (٢٦٦١)، وابن خزيمة (٧٥١)، وابن حبان (٢٠٢٠) (صحيح أبي داود ١٣٦٢).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "شهيد".
[ ٢ / ٨١١ ]
وأبو عمرو بالرفع.
ثم قوله: "إخوة" إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وإشعار بأن الاعتبار للأحساب دون الأنساب، خلاف ما في الجاهلية من التفاخر بالأنساب، والتنابز بالألقاب.
(اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصًا) بكسر اللام في أكثر النسخ، وفي نسخة بفتحها، وهو الأكمل، (لك، وأهلي) عطف على الضمير المنصوب في "اجعلني"، أي: واجعل أهلي مخلصًا أيضًا، مصروفًا إلى طاعة لك (في كل ساعة) أي: نَفَسٍ، (في الدنيا والآخرة) أي: في أمورهما، بحيث لا توجد ساعة بلا صرف طاعة، سواء كانت تلك الساعة مشغولة بأمر الدنيا أو العقبى، تكون مقرونة بالإخلاص الموجب للخلاص، فاندفع ما توهم الحنفي حيث قال: "يستفاد منه تحقق عدم الإخلاص في الآخرة".
(ذا الجلال والإكرام) أي: صاحب صفتي الجلال والجمال، على وجه الكمال، (اسمع) أي: ثنائي (واستجب) أي: دعائي.
(الله أكبر الأكبر) بالرفع، وكرر للتأكيد، وإيماء إلى أنه الأكبر سواء عُرِّفَ أو نُكِّرَ، وفي نسخة صحيحة بالجر على أن المراد به: أنه أكبر من كل أكبر، فاللام فيه للجنس، (حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الأكبر. س، د، ي) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن السني، عن زيد بن أرقم،
[ ٢ / ٨١٢ ]
لكن في "سلاح المؤمن" نقلًا عن أبي داود، والنسائي، وقال: "اللفظ للنسائي": "الله الأكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله [الأكبر] (^١) الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله الأكبر الأكبر" (^٢).
(اللهم إني أعوذ بك من الكفر) أي: الشرك أو الكفران، (والفقر) أي: القلبي، أو الافتقار إلى أفراد الإنسان، (وعذاب القبر. س، مس، مص، ي) أي رواه: النسائي، والحاكم، وابن أبي شيبة، وابن السني؛ كلهم عن أبي بكرة الثقفي (^٣).
(اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري) أي: عاصمه، فهو من قبيل وضع المصدر موضع الاسم مبالغةً، كرجل عدل، وفيه إيماء إلى الحديث المشهور: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "أكبر"، وفي (ب): "الأكبر الله".
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٠٨)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٢٩) -وهو في "عمل اليوم والليلة" (١٠١) - وأبو يعلى (٧٢١٦)، والطبراني في "الكبير" (٥١٢٢)، وابن السني (١١٤)، والبيهقي في "الشعب" (٦٢٢)، وفي "الأسماء والصفات" (٢٧٢)، وفي "الدعوات الكبير" (٩٤) إسناده ضعيف لضعف داود الطفاوي - وهو ابن راشد- قال ابن معين: ليس بشيء. وذكر له العقيلي في "الضعفاء" حديثا باطلا لا أصل له، ولجهالة أبي مسلم البجلي. قال الذهبي في "الميزان": لا يعرف.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٩٠). والحاكم (١/ ٢٥٢)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٢٢) و(٥٧٢) و(٦٥١)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٩). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢١٠).
[ ٢ / ٨١٣ ]
الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" وهو المسمى بـ"حكم الإسلام"، والعصمة هي المنع والحفظ على ما في "الصحاح".
(وأصلح لي دنياي) بفتح الياء من غير همز، أي: أمورها الضرورية (التي جعلت فيها معاشي) (^١) أي: سبب عيشي وحياتي إلى وقت مماتي، وسيجيء في بعض الروايات زيادة: "وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي"، أي: مرجعي ومآبي.
(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك) (^٢) بفتح النون وكسر القاف، وبكسر أوله وسكون ثانيه وهو الأشهر، أي: عقوبتك.
ففي "الصحاح" (^٣): "انتقم الله منه، أي: عاقبه، والاسم: النَّقِمَةُ، والجمعُ: نَقِمَاتٌ وَنَقِمٌ، مثل: كَلِمَةٌ وَكَلِمَاتٌ وَكَلِمٌ، وإن شئتَ سَكَّنْتَ القَافَ وَنَقَلْتَ حَرَكَتَهَا إلى النُّونِ، فَقُلْتَ: نِقْمَة، والجمع نِقَمٌ، مثل: نِعْمَةٌ وَنِعَمٌ".
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٦)، وأبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩٣) وقال: حسن. والنسائي (١١٣٠)، وابن ماجه (٣٨٤١).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٤٥).
[ ٢ / ٨١٤ ]
وفي "القاموس" (^١): "النقمة بالفتح وبالكسر، وكفرحة: المكافأة بالعقوبة"، انتهى. والرواية بالوجهين السابقين.
(وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) (^٢) وفي "الحاشية": "ولا راد لما قضيت"، مرموزًا عليها برمز ابن حبان، وفي بعض النسخ رمز "طب" للطبراني في "الدعاء"، وهو غير ظاهر؛ إذ لم يذكر بعد في الرموز الآتية.
(ولا ينفع ذا الجد منك الجد. س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان، عن صهيب بن سنان الرومي، وقال ميرك: "عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه: أن كعبًا حلف بالذي فلق البحر لموسى: "أنا نجد في التوراة، أن داود نبي الله ﵇ كان إذا انصرف من صلاته، قال: اللهم أصلح لي ديني … " إلى آخره.
قال: وحدثني كعب، أن صهيبًا حدثه: "أن محمدًا ﷺ كان يقولهن عند انصرافه من الصلاة"، رواه النسائي -واللفظ له-، وابن حبان في "صحيحه" بمعناه كذا في "سلاح المؤمن"، وأظن أن قوله: "في التوراة"، وَهم من بعض الرواة، والصواب في الزبور، فتأمل".
قلت: تأملنا فوجدنا أن قوله: "في التوراة" هو الصواب، وغيره وهم، فإن كعبًا كان يهوديًّا وكتابهم التوراة، وأيضًا يتصور أن يوجد فيها أن داود
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط (ص: ١١٦٤).
(٢) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة.
[ ٢ / ٨١٥ ]
كان يقول كذا، ولا يتصور أن يوجد في الزبور الذي نزل على داود أنه كان يفعل كذا.
فإن قيل: "التوراة نزلت قبل الزبور"، قلنا: فيكون إخبارًا عن الغيب الذي سيقع في مستقبل الزمان، والله المستعان.
(اللهم اغفر) أي: "لي" كما في نسخة (خطئي) بفتحتين وكسر همزة، وفي نسخة بألف فهمز، وهما لغتان مناسبتان لقوله: (وعمدي) (^١)، وفي نسخة: "وخطاياي"، أي: بصيغة الجمع للخطيئة، ففي "القاموس" (^٢): "الخطء والخطأ والخطاء: ضد الصواب، والخطيئة الذنب أو ما يتعمد منه، كَالخِطْءِ بالكسرة، والخطأ: ما لم يتعمد والجمع خطايا".
(اللهم اهدني لصالح الأعمال) أي: الأفعال الظاهرة، (والأخلاق) أي: الأحوال الباطنة، والإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف، فقول الحنفي: "أي: أحسنها وأكملها" ليس في محله، وإن ورد بلفظ: "أحسن الأعمال والأخلاق" في رواية أخرى، (لا يهدي) وفي نسخة: "إنه لا يهدي" (لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت) وفي رواية: "واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت". (ر) أي: رواه البزار عن ابن عمر (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩). من حديث أبي موسى.
(٢) انظر: القاموس المحيط (ص: ٣٩).
(٣) أخرجه البزار في حديث طويل (٥٣٦).
[ ٢ / ٨١٦ ]
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) تقدم مستوفًى. (عو، مس) أي رواه: أبو عوانة، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة (^١).
(اللهم اغفر لي خطاياي) أي: الصغائر (وذنوبي) أي: الكبائر (كلها) أي: جميع أنواع المعاصي (اللهم انعَشني) بفتح العين، أي: ارفعني (^٢)، (وأحيني) أي: حياة طيبة، مقرونة بالقناعة والكفاية، والطاعة والعافية، وفي رواية الطبراني، وابن السني بدل "وأحيني": "واجبرني" بضم الموحدة، بمعنى: أصلح شأني، (وارزقني) أي: حلالًا طيبًا، أو علمًا نافعًا، (واهدني لصالح الأعمال والأخلاق؛ إنه) بالكسر، ويجوز فتحه (لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت. مس، ط، ي) أي: رواه الحاكم عن أبي أيوب الأنصاري (^٣)، والطبراني وابن السني؛ كلاهما عن أبي أمامة الباهلي (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه قريبا.
(٢) في "الصحاح" للجوهري (٤/ ١٥٨): "نعشه الله ينعشه نعشًا، أي رفعه. ولا يقال: أنعشه الله".
(٣) أخرجه الحاكم (٣/ ٤٦٢).
(٤) أخرجه الطبراني (٨/ ٢٠٠)، رقم (٧٨١١). قال الهيثمي (١٠/ ١١٢): رجاله رجال الصحيح غير الزبير بن خريق، وهو ثقة. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٦٦).
[ ٢ / ٨١٧ ]
(اللهم أصلح لي ديني) أي: فإنه مدار أمري، (ووسع لي) أي: معيشتي (في داري) أي: في مسكني ومأواي، (وبارك لي في رزقي) ليكون كفاية، ويوجب قناعة، ويقتضي طاعة وعبادة. (أ، ط، ص) أي رواه: أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، عن أبي موسى (^١).
(سبحان ربك) الخطاب للنبي ﷺ، أو المراد به الخطاب العام، (رب العزة) بدل، أو صفة لـ"ربك"، وأضيف إلى العزة لاختصاصه بها، كأنه قيل: "ذي العزة"، بل ولا من عزة لأحد إلا وهومالكها وخالقها، والمعنى: أنه سبحانه لعزته وغلبته منزه (عما يصفون) أي: يذكرون له من الولد والصاحبة والشريك، وينعتونه بما لا يليق بذاته وصفاته، من الملاحدة والزنادقة، وكلمة "ما" مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة، والرابطة في الصلة أو الصفة محذوفة، (وسلام) أي: عظيم (على المرسلين) أي: بالأصالة، وعلى أتباعهم بالتبعية، (والحمد لله رب العالمين) أي: على جميع النعماء.
(ص، ي) أي رواه: أبو يعلى، وابن السني، عن أبي سعيد الخدري
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٩)، وأبو يعلى (٧٢٧٣)، والنسائي في "الكبرى" (٩٩٠٨) - وهو في "عمل اليوم والليلة" (٨٠) - ومن طريقه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٢٨) قال الهيثمي (١٠/ ١٠٩): رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح غير عباد بن عباد المازني وهو ثقة وكذلك رواه الطبراني. وقال المناوي (٢/ ١١٠): قال في الأذكار -يعني النووي-: إسناده صحيح.
[ ٢ / ٨١٨ ]
مرفوعًا (^١)، ولفظ أبي يعلى: "من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك … إلى آخره؛ فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر"، وإسناده ضعيف، ولفظ ابن السني: "أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من صلاته، لا أدري قبل أن يسلم أو بعد أن يسلم، يقول: سبحان ربك … " إلى آخره.
(وكان النبي ﷺ إذا صلى وفرغ من صلاته، مسح بيمينه على رأسه) أي: مقدّم رأسه، (وقال: باسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) برفعهما على البدلية من "هو"، وفي نسخة بجرهما على الوصفية لله، أو للموصول.
(اللهم أذهب) أمر من الإذهاب، أي: أزل (عني الهم) أي: الغم الذي يذيب البدن، (والحزن) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحتين، وقرئ بهما في القرآن، وهو تعميم بعد تخصيص.
أو الهم: ما يلحقه من لحوق الخوف، والحزن لما يصيبه من خوف الفوت، فكأنه قال: اللهم اجعلني من الذين لا خوف عليهم، أي: من لحوق العقاب، ولا هم يحزنون، أي: من فوات الثواب.
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (٩٥٤) وأبو يعلى في المسند (١١١٨) عن إسحاق عن حماد، والحارث في المسند -زوائد الهيثمي- (١٩٠) عن أبي النضر عن سفيان أو الأشجعي عن سفيان، والطيالسي في المسند (٢١٩٨) وهذا الإسناد ضعيف جدا فيه أبو هارون العبدي عمارة بن جوين -بجيم مصغر- مشهور بكنيته، متروك ومنهم من كذبه شيعي من الرابعة. (التقريب ٤٨٤٠).
[ ٢ / ٨١٩ ]
وقد أخبر الله سبحانه عن لسان أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، وإلا فما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.
(ر، طس، ي) أي رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، وابن السني، عن أنس، قال ميرك: "وإسناده ضعيف"، ولفظ ابن السني: "إذا قضى صلاته مسح جبهته بيده، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، أذهب عني … " إلى آخره (^١).
(ودبر صلاة الصبح، وهو) أي: المصلي (ثانٍ رِجْليه) أي: عاطفٍ رجليه في التشهد قبل أن ينهض، وسيأتي في حديث آخر: "قبل أن يَثني رجليه، قال"، وهذا ضد الأول في اللفظ، ومثله في المعنى، لأنه أراد قبل أن يصرف رجله عن حالته التي هي عليها في التشهد، كذا في "النهاية"،
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط (٢٤٩٩) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، والبزار بنحوه بأسانيد، وفيه زيد العمي، وقد وثقه غير واحد، وضعفه الجمهور، وبقية رجال أحد إسنادي الطبراني ثقات، وفي بعضهم خلاف. المجمع (١٠/ ١١٠). قال الحافظ في "النتائج" (٢/ ٢٨٥): قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث معاوية بن قرة تفرد به عنه زيد العمى وهو زيد بن الجوزي أبو الحواري وفيه لين انتهى. اتفقوا على ضعفه من قبل حفظه وسكت أبو نعيم عن الراوي عنه وهو أضعف منه بكثير والحديث ضعيف جدا بسببه، وقال الألباني في الضعيفة (١٠٥٨): ضعيف جدًّا. وانظر ما بعده.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
وقال الطيبي: "الواو للحال، أي: لم يعطفهما، ولم يغيرهما عن هيئة التشهد". (ت، س، طس، ي) أي رواه: الترمذي والنسائي عن أبي ذر (^١)، والطبراني في "الأوسط" وابن السني عن أبي أمامة (^٢).
(قبل أن يتكلم. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي ذر أيضًا.
(لا إلى إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت) وزاد النسائي والطبراني في "الأوسط": (بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي ذر أيضًا.
(مئة مرة. طس، ي) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن السني، عن أبي أمامة، وقال النو وي في "الأذكار": "روينا في "كتاب الترمذي" وغيره عن أبي ذر الغفاري، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في دبر صلاة الصبح، وهو ثَانٍ رِجْليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب له
_________________
(١) الترمذي (٣٤٧٠) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٢٧).
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧١٩٦)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٢٤)، فالحديث حسن لغيره كما في "صحيح الترغيب" (٤٧٢)، انظر "الأحاديث الصحيحة" (٢٦٦٤).
[ ٢ / ٨٢١ ]
عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجاتٍ، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، ووسواس من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه"، أي: يلحقه ويهلكه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى، قال الترمذي: "حسن"، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح"".
قال ميرك: "ورواه النسائي، وزاد فيه: "بيده الخير" بعد قوله: "يحيي ويميت"، وزاد فيه أيضًا: "وكان له بكل واحدة قالها عتق رقبة"، ورواه أيضًا من حديث معاذ، وزاد فيه: "ومن قالهن حين ينصرف من صلاة العصر أعطي مثل ذلك في ليلته".
ورواه أحمد من حديث عبد الرحمن بن غنم، وفي رواية تقديم قوله: "بيده الخير" على قوله: "يحي ويميت"، وفيه: "ولا يحل لذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملًا إلا رجلًا يقول أفضل مما قال"".
(اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا) أي: حلالًا، ملائمًا للقوة، معينًا على الطاعة، [مقيمًا] (^١) للعبادة، وقدم على ما بعده؛ لأنه أساس لهما، ولا يعتد بهما دونه، كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، (وعلمًا نافعًا) أي: شرعيًّا أعمل به (وعملًا متقبلًا) بفتح الموحدة، أي: مقبولًا، بأن يكون مقرونًا بالإخلاص. (صط، ي) أي
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ): "ومقيمًا"، وفي (د): "و".
[ ٢ / ٨٢٢ ]
رواه: الطبراني في "الصغير"، وابن السني؛ كلاهما عن أم سلمة (^١).
وفي "الأذكار": "رواه أحمد، وابن ماجه، وابن السني، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا".
(ودبر المغرب والصبح جميعًا: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد) زاد الترمذي: "يحيي ويميت"، وزاد أحمد، والطبراني: "بيده الخير"، (وهو على كل شيء قدير، عشر مرات. س، حب، أ، ط) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وأحمد، والطبراني؛ كلهم عن أبي أيوب الأنصاري (^٢)، وأحمد عن عبد الرحمن بن غنم أيضًا، والطبراني عن معاذ أيضًا (^٣).
(قبل أن ينصرف وَيَثْنِي) بفتح فسكون فكسر (رِجْليه) وهو عطف تفسير وسبق معناه، وقيل: "حال بتقدير المبتدإ"، وقوله: (منهما) على ما في بعض النسخ المصححة: متعلق بـ"ينصرف"، أي: قبل أن ينصرف
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٧٣٥) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ١١١). قال الألباني في مشكاة المصابيح (٣/ ٧٧٠) أسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣)، والترمذي (٣٥٥٣).
(٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (٧٠٦).
[ ٢ / ٨٢٣ ]
من المغرب والصبح، وفي نسخة: "منها"، أي: من الصلاة. (أ) أي رواه: أحمد عن عبد الرحمن بن غنم.
(وبعد صلاتي الصبح والمغرب) وفي نسخة: " [بعد] (^١) صلاة الصبح والمغرب"، أي: بعد كل منهما (أيضًا) أي: زيادة على ما سبق، (قبل أن يتكلم: اللهم أَجِرْنِي) من الإِجَارَةِ، أي: احفظني (من النار، سبع مرات. د، س، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، عن مسلم بن الحارث، ويقال: الحارث بن مسلم التميمي، والأول أصح (^٢).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "وبعد".
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٧٩) (٥٠٨٠). في إسناده الحارث بن مسلم وهو الراوي عن أبيه وهو مجهول، وصرح الذهبي في "الميزان" أنه مجهول، وقال أبو حاتم: لا يعرف حاله. ومع ذلك فقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار (٢/ ٣١٠)، وانظر: الضعيفة (١٦٢٤)، والصحيحة (٢٥٠٦). والخلاف في اسم التابعي هل هو مسلم أو الحارث وعلى كل هو مجهول كما قال الدارقطني: مسلم بن الحارث بن مسلم عن أبيه فقال مجهول لا يروي عن أبيه غيره: لكن حديثه ليس شديد الضعف والنكارة. وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٥٣) باسم مسلم والد الحارث له صحبة والحافظ في "الإصابة" … [جزء ٦ - صفحة ١٠٦]. مسلم بن الحارث بن بدل ويقال الحارث بن مسلم التميمي قال البغوي =
[ ٢ / ٨٢٤ ]
(وبعد صلاة الضحى: اللهم بك) أي: بحولك وقوتك، وعونك
_________________
(١) = سكن الشام وقال البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان إن له صحبة زاد البخاري والد الحارث وصحح البخاري والترمذي وغير واحد أن اسم الصحابي مسلم واسم التابعي ولده الحارث. والاختلاف فيه على الوليد بن مسلم فقال جماعة عنه عن عبد الرحمن بن حسان عن الحارث بن مسلم عن أبيه وقال هشام بن عمار وغيره عنه عن عبد الرحمن عن مسلم بن الحارث والراجح الأول لأن محمد بن شعيب بن سابور رواه عن عبد الرحمن كذلك وكذا قال صدقة بن خالد عن عبد الرحمن في حديث آخر أخرجه البخاري في التاريخ عن الحكم بن موسى عن صدقة ولفظه عن الحارث بن مسلم التميمي عن أبيه أن النبي ﷺ كتب له كتابا بالوصاة إلى من يعرفه من ولاة الأمر. وقال الحافظ: ومحصل ذلك الاختلاف في الصحابي هل هو الحارث بن مسلم أو مسلم بن الحارث وفي التابعي كذلك ولم أجد في التابعين توقيفًا إلا ما اقتضاه صنيع بن حبان حيث أخرج الحديث في صحيحه وقد جزم الدارقطني بأنه مجهول والحديث الذي رواه أصله تفرد به ما رأيته إلا من روايته وتصحيح مثل هذا في غاية البعد لكن بن حبان على عادته في توثيق من لم يرو عنه إلا واحد إذا لم سكن فيما رواه ما ينكر. وقال العلائي: مسلم بن الحارث وقيل الحارث بن مسلم عن النبي ﷺ في الدعاء بعد المغرب أخرجه أبو داود بالوجهين وقيل فيه عن أبيه عن النبي ﷺ فيكون الأول مرسلا والله أعلم. انظر: تهذيب الكمال … (٢٧/ ٤٩٨) لسان الميزان … (/ ٢/ ١٦٠) جامع التحصيل (ص ٢٧٩) تهذيب التهذيب (١٠/ ١١٣) "الإصابة" … (٦/ ١٠٦).
[ ٢ / ٨٢٥ ]
ونصرتك (أحاول) أي: أعالج أموري، وقال البيهقي: "أي: أطالب"، (وبك أصاول) أي: أدافع، وقال المؤلف: "أي: أسطو وأقهر" (^١)، (وبك أقاتل) أي: أخاصم وأجاهد. (ي) أي: رواه ابن السني عن صهيب.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
[ ٢ / ٨٢٦ ]