(وتقدم سيد الاستغفار. خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن شداد بن أوس (^١).
(إني لأستغفر الله) أي: في اليوم سبعين مرة، وترك ذكره هنا اعتمادًا على ما بعده.
(ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس، هذا المقدار فقط من آخر الحديث (^٢).
وفي رواية له ولغيره بزيادة: (وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة. ص، طس) أي رواه: أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، (^٣) عنه أيضًا.
وفي رواية: "أكثر من سبعين مرة". (خ، س، ق، طس) أي رواه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني في "الأوسط"؛ كلهم عن أبي هريرة (^٤)، والنسائي عن أنس أيضًا (^٥).
وفي رواية: "مئة مرة". (طس، مص) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٢٦٦)، وأبو يعلى (٢٩٣٤)، وابن حبان (٩٢٤)، والضياء (٧/ ٥٢)، رقم (٢٤٥٢).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٨٧٧).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٠٧) والترمذي (٣٢٥٩) والنسائي في الكبرى (١٠٢٧٠).
(٥) أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٣٢) و(٤٣٣)، والبزار (٣٢٤٥) و(٣٢٤٦)، وابن حبان (٩٢٤).
[ ٣ / ١٣٦٦ ]
وابن أبي شيبة، عنه أيضًا (^١).
هذا، ويحتمل أن الاستغفار له ﷺ من الأمور المباحة من أكل، أو شرب، أو جماع، أو نوم، أو راحة، أو مخالطة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة أعدائهم تارة، ومداراتهم أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه من الاشتغال بذكر ذي الجلال على وجه الكمال، ومن التضرع إليه، ومن الحضور والاستغراق لديه، ومن المشاهدة والمراقبة عليه، فيرى ذلك بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومجلس الأنس ذنبًا، حتى يعد الصوفية الشعور بالأمور النفسية نوعًا من الشرك، وإثبات الاثنينية؛ فقال بعض أصحاب الأحوال: "وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وإنما الكمال هو البقاء بالمولى بعد الفناء عن السوى، وهو حقيقة معنى "لا إله إلا الله"".
ولا يبعد أن يكون استغفارُه تشريعًا لأمته، أو من ذنوب الأمة، فهو بمنزلة الشفاعة.
(توبوا إلى ريكم، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة) الظاهر أن المراد بها -وكذا بالسبعين- الكثرة. (عو) أي: رواه أبو عوانة عن ابن عمر، والأغر المزني معًا. ورواه مسلم عنه أيضًا، وفي روايته: "وتوبوا إلى الله" والباقي سواء.
(ما أصر من استغفر، وإن عاد) وفي نسخة: "ولو عاد"، (في اليوم سبعين مرة. د) أي: رواه أبو داود عن أبي بكر الصديق ﵁، ورواه
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٢١٩) والطبراني (١٨٢٠).
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
الترمذي أيضًا (^١).
(إنه) أي: الشأن (ليُغانُ) بضم الياء؛ على أنه مبني للمفعول، وأسند إلى الظرف، وهو قوله: (على قلبي) فمحله الرفع على كونه نائبًا للفاعل، والجملة خبر لـ"إن"، ومفسر لضمير الشأن، واللام لتأكيد البيان، والمعنى: لَيُحْجَبُ وَيُغَطَّى على قلبي حتى يشتغل عن ربي، فإن الغين لغة في الغيم، ويقال: غِينَ على كذا غطي عليه.
وخلاصة المرام في هذا المقام: أن ملاحظة غين الأغيار مانعة عن مطالعة شهود عين الأخيار، كما قال العارف ابن الفارض (^٢):
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٥٩)، وأبو داود (١٥١٤). وإسناده ضعيف؛ لأن فيه مولى أبي بكر مجهول وكذلك حسن بن اليزيد قال عنه الحافظ في "التقريب" لين الحديث (ت ١٣٧٠).
(٢) ابن الفارض: هو أبو حفص وأبو القاسم عمر بن علي بن المرشد بن علي، حموي الأصل، مصري المولد والدار والوفاة، ولد في الرابع من ذي القعدة سنة ٥٧٦ هـ، وتوفي في الثاني من جمادى الأولى سنة ٦٣٢ هـ. قال الذهبي عنه: شاعر الوقت، شرف الدين عمر بن علي بن مرشد، الحموي ثم المصري، صاحب الاتحاد -وحدة الوجود- الذي قد ملأ به "التائية" .. فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال، اللهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى، في أئمة الدين، ألا تغضبون لله؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله. وقال في "ميزان الاعتدال": حدث عنه القاسم بن عساكر، ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة، فتدبر نظمه ولا تستعجل، ولكنك حسن =
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
وَلَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إِرادةٌ … على خاطِرِي سَهْوًا حكمتُ بِرِدَّتِي
فلا فَرْقَ بين العين والغين إلا مشاهدة الوحدة الأصلية الذاتية، والكثرة العارضة الحاصلة في الكمية، فإن الغين المعجمة مع زيادتها بالنقطة الحسية وصلت إلى المرتبة المزية المعنوية الألفية.
والحاصل أن الغين نقاب لطيف نوراني بخلاف الرين فإنه حجاب كثيف ظلماني؛ ولذا قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥].
هذا، وقد قال المصنف موافقًا لما في "النهاية": "الغين بالنون: غشاءٌ رقيقٌ يكون دون الغيم بالميم، والمغيم فوقه، يقال: غيمت السماء إذا أطبق عليها الغيم، والرين بالراء والنون فوقه، وهو الطبع والختم والسد، وقيل: الغين شجر ملتف، يريد ﷺ ما يغشاه من السهو ونحوه الذي لا
_________________
(١) = الظن بالصوفية، وما ثم إلا زي الصوفية وإشارات مجملة، وتحت الزي والعبارة فلسفة وأفاع فقد نصحتك، الله الموعد. ومن شعره "التائية" وأبياتها تطفح بالكفر والقول بوحدة الوجود، يدعي ابن الفارض أن النبي ﷺ هو الذي اختار له اسمها- كما هو مذكور في "ديباجة ديوانه"-: سأل النبي ﷺ ابن الفارض مرة أخرى في المنام عن قصيدته "التائية الكبرى": "ماذا سماها؟ "، فأجابه بأنه سماها "لوائح الجنان وروائح الجنان"، فقال له النبي: لا، بل سمها "نظم السلوك" .. انظر: "سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ٣٦٨)، "ميزان الاعتدال" (٣/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابن الفارض والحب الإلهي للدكتور محمد مصطفي حلمي (ص ٤١).
[ ٣ / ١٣٦٩ ]
يخلو منه بشر؛ لأنه ﷺ كان قلبه مشغولًا بالله ﷿، فإن عرض له وقتًا عارضٌ بشري يشغله من أمور الأمة ومصالحها، عدّ ﷺ ذلك ذنبًا [فتضرع] (^١) إلى الاستغفار" (^٢).
(وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) جملة أخرى معطوفة أو حالية.
(م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن الأغر المزني، وقيل: الجهني، له صحبة، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث، ذكره ميرك (^٣).
(والذي نفسي بيده، لو أخطأتم) أي: إن أذنبتم ذنوبًا كثيرةً (حتى تملأ خطاياكم) أي: سيئاتكم من كثرتها أو عظمتها، (مما بين السماء والأرض) أي: كمية أو كيفية، (ثم استغفرتم الله) أي: ظاهرًا وباطنًا، (لغفر لكم) فإنه مقتضي صفتي الغفار والغفور؛ ولذا قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، ولاستلزام هذه الصفة الإلهية وجود المعصية في الأفراد البشرية.
قال: (والذي نفس محمد بيده) أي: تحت قدرته، وفي تصرف إرادته، (لو لم تخطئوا) أي: سواء أن تستغفروا أو لا تستغفروا، (لجاء الله بقوم
_________________
(١) في "مفتاح الحصن الحصين": "فيفزع".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٠٢)، وأبو داود (١٥١٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤٤٢).
[ ٣ / ١٣٧٠ ]
يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم) وهذا أحد معاني الحديث القدسي، والكلام الإنسي: "غلبت رحمتي -أو: سبقت رحمتي- غضبي".
ثم اعلم أنه ضبط قوله: "لو لم تخطئوا" بضم حرف المضارعة وكسر الطاء وضم الهمزة، على ما في أكثر النسخ المصححة والأصول المعتبرة، وهو المطابق لما في اللغة [المشتهرة] (^١)، وفي بعض النسخ بضم التاء والطاء من غير همزة، وهو تصحيح الأصيل، والأول تصحيح الجلال، والله أعلم بالحال.
وقد ذكر المصنف في "تصحيح المصابيح" عند شرح قوله: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي": "أنه بضم التاء وكسر الطاء وبالهمزة، هذه الرواية المشهورة، ويجوز فيها حذف الهمزة وضم الطاء تخفيفًا، وهو أيضًا لغة مشهورة، وحكي فيها فتح التاء وفتح الطاء، يقال فيها: خطأ يخطأ إذا فعل ما يأثم به"، انتهى.
وفي "التاج": "خطأ السهم من باب سأل، لغة في "خطئ" من باب علم".
وفي "القاموس": "الخَطْءُ وَالْخَطَأُ والخَطَاءُ: ضد الصواب، وقد أخطأ وخطئ وأخطيت لُغَيَّةً أو لُثْغَةٌ، والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه، وخطئ من ذنبه وأخطأ: سلك سبيل خطأ عامدًا أو غيره"، انتهى (^٢).
وفي قوله: "لُغَيَّةً أو لثغة" ردٌّ على قول المصنف: "إنه لغة مشهورة"، ثم
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "المشهورة".
(٢) القاموس (ص ٣٩).
[ ٣ / ١٣٧١ ]
قوله: "فيغفر لهم" بصيغة المجهول في "أصل الجلال"، وبالمعلوم عند "الأصيل" وهو الأظهر.
(أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري (^١).
(والذي نفسي) وفي نسخة: "نفس محمد [بيده] (^٢) "، (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء) أي: الله، (بقومٍ) الباء للتعدية فيهما أي: لأذهبكم وأفناكم، وأظهر قومًا آخرين (يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) بالوجهين السابقين.
ولعل السر في هذا أن الملائكة معصومون عن المعصية والشياطين غير مستغفرين عن السيئة وغير قابلين للمغفرة، فلا بد من برزخٍ جامع بين حصول المعصية ووصول المغفرة، وهذا حال عوام المسلمين، فإن الأنبياء معصومون كالملائكة، والكفار لا يقبلون الغفران كالشياطين المردة. (م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة (^٣).
(من استغفر الله) أي: بصدق الرغبة، (غفر الله له) أي: البتة. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن ابن عمر (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٨)، وأبو يعلى (٤٢٢٦). قال الهيثمي (١٠/ ٢١٥): رجاله ثقات.
(٢) من (أ) و(ج) فقط.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٤٩).
(٤) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٩٨٨) والترمذي (٣٤٧٠) وقال الألباني: ضعيف جدًّا (الضعيفة ٤٠٦٧).
[ ٣ / ١٣٧٢ ]
(من أحبّ أن تسرّه) أي: تعجبه وتفرحه (صحيفته) أي: ما في صحيفة أعماله" (فليكثر فيها من الاستغفار) أي: لئلا يكون من أهل الإصرار، وليكون استغفاره محوًا لذنوبه فيصير من الأخيار الأبرار.
(طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن الزبير بن العوام (^١).
(ما من مسلم يعمل ذنبًا إلا وقف الملك) بصيغة الفاعل من الوقوف، بمعني: التوقف، وفي نسخة على البناء للمجهول من الوقف، بمعني: الحبس، أي: منع الملك، (الموكل بإحصاء ذنوبه ثلاث ساعات).
(فإن استغفر الله من ذنبه ذلك) أي: الواقع حينئذٍ، (في شيء من تلك الساعات) متعلق بـ "استغفر"، (لم يوقفه) من الإيقاف، بمعني: الإعلام، أي: لم يعلمه الله تعالى، أو الملك الموكل بإحصاء الذنوب المسلم، (عليه) أي: على ذلك الذنب.
ويجوز أن يكون بالتشديد من التوقيف، ففي "المغرب": "وقّفه أي: عرفه إياه، من وقفت القارئ توقيفًا: إذا أعلمته موضع الوقوف، ومنه: أوقفته على ذنبه، أي: عرفته إياه".
وفي "القاموس" (^٢): "وقفته أنا: فعلت به ما وقف كوقفته وأوقفته،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨٤٣)، ورجاله ثقات كما في "المجمع" (١/ ٢٠٨). انظر "الأحاديث الصحيحة" (٢٢٩٩). والحديث حسن كما في "صحيح الترغيب" (١٦١٩).
(٢) القاموس (١/ ٨٦٠).
[ ٣ / ١٣٧٣ ]
وفلانًا على ذنبه: أطلعته، والدار: حبسه كأوقفه، وهذه رديئةٌ".
(ولم يعذب) بصيغة المجهول، أي: لم يعاقب المسلم، وفي نسخة: "ولم يعذبه" (يوم القيامة. مس) أي: رواه الحاكم عن أم عصمة العَوْصِية (^١) بفتح العين وسكون الواو وبالصاد المهملة، نسبة إلى عَوْص بن عوف بن عذرة، بطن من كلب (^٢)، كذا في هامش "أصل الأصيل".
قال صاحب "السلاح ": "وكانت قد أدركت رسول الله ﷺ"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
(إن إبليس قال لربه ﷿ إيماء إلى صفة جلاله من العزة والغلبة، والكبرياء والعظمة، المقتضية لخلق أهل الضلالة، وإبقاء أسباب الغواية.
(وعزتك وجلالك) كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ [ص: ٨٢] وفي موضع: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [اأعراف: ١٦]، (لا أبرح) أي: لا أزال لكوني مظهر الجلال، ومظهر الضلال، (أغوي بني آدم) أي: أضلهم بخلاف الملائكة فإنه لا يقدر عليهم بالكلية.
وأما الشياطين فهم مجبولون على المعصية، قال المصنف: "بضم الهمزة، وكسر الواو: أضلهم" (^٣) (ما دامت الأرواح فيهم) أي: فإنه حينئذٍ
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٧٦٥).
(٢) الإصابة (١٤/ ٤٤٨).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب).
[ ٣ / ١٣٧٤ ]
وقت التكليف.
(فقال له ربه: فبعزتي وجلالي) ولعل ذكرهما للمشاكلة، وإلا فمقتضى ظاهر معنى المقابلة أن يقول: "فبرحمتي وجمالي"، (لا أبرح أغفر) أي: "لهم" كما في "أصل الأصيل"، (ما استغفروني).
ويحتمل -الله أعلم- أن التعبير بالعزة والجلال هنا للإشعار بأن -عزته وجلاله اقتضى ارتكاب الذنوب ومباشرة العيوب، ومع هذا جلاله متضمن لجماله لظهور كماله على ما ورد من حديث: "سبقت -أو غلبت- رحمتي غضبي". (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى، عن أبي سعيد الخدري (^١).
(وتقدم حديث الرجل الذي جاء النبي) أي: أتاه، وفي نسخة: "جاء إلى النبي"، (ﷺ فقال: واذنوباه!) بسكون الهاء [وسبق] (^٢) بيانه، (فقال: أين أنت من الاستغفار؟ مس) أي: رواه الحاكم عن جابر (^٣).
(وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: واذنوباه!) بسكون الهاء بعد زيادة
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٩)، وعبد بن حميد (٩٣٢)، وأبو يعلى (١٣٩٩)، والحاكم (٤/ ٢٩٠)، وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه أيضا: الطبراني في الأوسط (٨٧٨٨). قال الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٧): رواه أحمد، وأبو يعلى بنحوه، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى.
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي ب (ب): "وتقدم".
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٧٥ ]
الألف في آخر المندوب لمد الصوت المطلوب في الندبة حال الوقف لبيان المدة دون الوصل إلا لضرورة الشعر، واختص المندوب وهو المتفجع عليه ثبوتًا بـ "وا" ممتازًا به عن المنادى لعدم دخوله عليه بخلاف "يا" فإنه مشترك بينهما فيقال: يا حسرتاه، ويا مصيبتاه!.
(واذنوباه!) التكرير للتأكيد أو للتكثير، ويؤيده قوله: (فقال: قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجي عندي من عملي) أي: من عباداتي، (فقالها) أي: الكلمات، (ثم قال: عد) بضم فسكون، أمر من العود، أي: قل مرة أخرى (فعاد) أي: فقالها ثانيًا (ثم قال: عد، فعاد، فقال: قم فقد غفر الله لك) رواه الحاكم عن جابر بن عبد الله الأنصاري (^١).
(ما من حافظَيْن) أي: من الملائكة، (يرفعان إلى الله في يومٍ) وكذا في ليلة، ولعل وجه تخصيصه وقوع أكثر الأعمال فيه، ولذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، أو هو من
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٣)، وقال: حديث رواته عن آخرهم مدنيون ممن لا يعرف واحد منهم بجرح ولم يخرجاه، وقال الذهبي: سمعه إبراهيم بن المنذر وهو مدنيون ولم يجرحوا، أما قول الحاكم: حديث رواته عن آخرهم مدنيون ممن لا يعرف واحد منهم بجرح ولم يخرجاه، فلا يكفي للاحتجاج بالرواة، فكونهم لم يعرفوا بجرح فكذا لم يعرفوا بتوثيق فهم في تعداد المجاهيل، والجهالة جرح، سيما مع التفرد، ومع ذلك فشيخ الحاكم لا يوثق بنقله. فهذا الحديث بعيد عن الصحة أما من ناحية الدعاء به ففي الصحيح غنية عنه. والحديث في "ضعيف الترغيب" (١٠٠٧).
[ ٣ / ١٣٧٦ ]
باب الاكتفاء، أو ترك ذكر الليل للمقايسة.
(صحيفةً) أي: لأعمال بني آدم، (فيرى) أي: الله، بأن يتعلق علمه التنجيزي الظهوري على وفق علمه الأزلي البطوني فينظر صاحبها، (في أول الصحيفة، وفي آخرها استغفارًا) وفي نسخة بصيغة المجهول في "فَيَرَى"، وبرفع "استغفار".
(إلا قال ﵎: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة) أي: من الذنوب والعيوب، فينبغي أن يستغفر ربه أول ما يستنبه عن نومه كما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وآخر ما يريد أنه يرقد ليكون إشارةً إلى خاتمة خيرٍ من الاستغفار وسائر الأذكار. (ر) أي: رواه البزار عن أنس ﵁ (^١).
(من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب الله بكل مؤمن ومؤمنة حسنةً) أي: في مقابلة استغفاره لهم. (ط) أي: رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت (^٢).
_________________
(١) أخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (٣٢٥٢)، وقال: قال البزار: لا نعلم رواه عن الحسن، عن أنس إلا تمام، وهو صالح، ولم يرو هذا الحديث غيره، ولم يتابع عليه، تفرد به أنس. وهو في "ضعيف الترغيب" (٤٠١) انظر "الأحاديث الضعيفة" (٢٢٣٩).
(٢) أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (٢١٥٥). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢١٠): رواه الطبراني، وإسناده جيد.
[ ٣ / ١٣٧٧ ]
(وتقدم: من لزم الاستغفار) أي: وترك الإصرار، (ومن أكثر منه) أي: من الاستغفار، (جعل الله له من كل ضيقٍ) أي: من كل أمرٍ شديدٍ دينيٍّ أو دنيوي، [(مخرجًا)] (^١) أي: مخلصًا ومنجىً ومناصًا.
(الحديث. د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن ابن عباس (^٢).
(وتقدم: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم … الحديث. ط) أي: رواه الطبراني عن أبي ذر (^٣).
(وتقدم حديث الرجل الذي جاءه ﵇ فقال: يا رسول الله، أحدنا يذنب؟ قال: يكتب عليه. ثم يستغفر) أي: "منه" كما في نسخة، (قال: يُغفر له) بصيغة المجهول، وقيل بالمعلوم، وفي نسخة: "قال: ثم يغفر له".
(طس، ط) أي: رواه الطبراني في "الأوسط"، و"الكبير" جميعًا عن عقبة بن عامر (^٤).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): "فرجًا".
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه الروياني في مسنده (١٧٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢٨٧/ ٧٩١)، والأوسط ٨٦٨٩، وفي الدعاء (١٧٨١) والحاكم (١/ ٩٥). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٠٠): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن. قال الحافظ في "الأمالي المطلقة" (ص ١٣٤) قال: هذا حديث حسن =
[ ٣ / ١٣٧٨ ]
(يقول الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني) أي: بلسانك، (ورجوتني) أي: بجنانك، (غفرت لك على ما كان منك) أي: من تقصيرٍ في أركانك، أو تكاسل في إحسانك، (ولا أبالي) أي: من أحدٍ؛ لأنه لا يسأل عما يفعل، ولا معقب لحكمه، والشرك مستثنًى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [أي: إلا بالتوبة] (^١) ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] أي: بالتوبة وبدونها.
(يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك) أي: وصلت من كثرتها أو عظمتها، (عَنَان السماء) بفتح أوله، أي: ما عنَّ لك منها وظهر إذا رفعت رأسك إليها، وقال المصنف: "بفتح العين: السحاب، يريد المبالغة في الكثرة" (^٢).
(ثم استغفرتني) أي: ظاهرًا وباطنًا، (بالتوبة غفرت لك) وهذا شامل لجميع المذنبين من الظالمين، والأول للمقصرين من السابقين، ثم أشار إلى مرتبة المخلصين المقتصدين بقوله: (يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض) بضم القاف، أي: ما يقارب مِلْأَهَا، مصدر قارب يقارب" (^٣)، انتهى.
وفيه: أن مصدر "قارب" إنما يكون بكسر القاف كقاتل قتالًا، وأما
_________________
(١) = صحيح … رجاله رجال الصحيح من الليث فصاعدا لكن عبد الله بن صالح وإن كان البخاري يعتمده فإن حفظه ساء في الآخرة ولم أره إلا من طريقه.
(٢) من (أ) و(د) فقط.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب، ١٧/ أ).
[ ٣ / ١٣٧٩ ]
الفُعال بالضم فهو للمبالغة كعجاب مبالغة عجيب، وأيضًا هو معارض لقوله: "ما يقارب ملأها" فإنه المعنى الإسمي لا المصدري.
وقال صاحب "السلاح": "بضم القاف، أي: ما يقرب ملأها، وحكى فيه صاحب "المطالع" الكسر"، انتهى.
والظاهر أن مراد صاحب "المطالع" أن الكسر لغة في ذلك المعنى لا أنه بمعنى المصدر؛ لأن معناه في هذا المقام لا يظهر، وقد ذكر النووي في "رياض الصالحين" أن قُراب الأرض: "بضم القاف، وروي بكسرها، والضم أشهر، وهو ما يقارب ملأها".
وفي "القاموس" (^١): "أن القَراب كـ "سحاب" بمعنى: القرب، وقراب الشيء بالكسر وقرابه بالضم: ما قارب قدره".
وقوله: (خطايا) تمييز، (ثم لقيتني) أي: يوم القيامة أو عند الموت؛ فإن: "من مات فقد قامت قيامته"، (لا تشرك بي) حال أو استئناف بيان، (شيئًا) أي: من الإشراك أو من الأشياء، (لآتيك) بالمد على صيغة المتكلم المضارع من الإتيان، وفي نسخة: "لأتيتك" أي: لأجيئك أو لجئتك، (بقرابها مغفرة. ت) أي: رواه الترمذي عن أنس (^٢)، وكذا أحمد،
_________________
(١) القاموس المحيط (ص ١٢٣).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، وفيه كثير بن فائد قال عنه الحافظ في "التقريب" مقبول (ت ٥٦٥٥)، وإسناده حسن بشواهده وعند الطبراني في الكبير (١٢٣٤٦) من رواية ابن عباس. انظر "الأحاديث الصحيحة" (١٢٧). والحديث حسن لغيره كما في "صحيح الترغيب" (١٦١٩) و(١٦٣٠).
[ ٣ / ١٣٨٠ ]
والدارمي، عن أبي ذر (^١).
(إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه) أي: لملائكته أو في ذاته، (أَعِلَمَ عبدي) بهمزة الاستفهام التقريري قبل الفعل الماضي، وفي "أصل الجلال" بلا استفهام، والمعني: قد علم عبدي (أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟) أي: يعاقب فاعله إن شاء أو إن لم يتب.
(غفرت لعبدي) أي: حيث تاب كما يدل عليه قوله: (ثم مكث) بفتح الكاف وضمها كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أي: لبث، (ما شاء الله) أي: من الزمان، (ثم أصاب ذنبًا، فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي).
قال القرطبي: "فائدةُ هذا الحديث: أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبحَ من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة= لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم، والإلحاح في سؤاله، والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه".
(فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي).
قال النووي: "في هذا الحديث: أن الذنوب ولو تكررت مئة مرة، بل
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٥٤).
[ ٣ / ١٣٨١ ]
ألفا وأكثر، وتاب في كل مرة قبلت توبته، ولو تاب من الجميع توبةً واحدةً صحت توبته"، انتهى.
وقوله: (ثلاثًا) ليس ظرفًا لقوله: "غفرت" كما [يتبادر إلى] (^١) وهم من لا فهم له، بل بيان لما وقع من تكرار السؤال والجواب في الحديث بين العبد والرب.
وقوله: (فليعمل ما شاء) مترتب على عادته المعروفة من الوقوع في المعصية والرجوع إلى التوبة، وليس المراد به الأمر على وجه الإباحة بالمخالفة، بل قد يطلق الأمر للتلطف وإظهار العناية والشفقة، كما تقول لمن تراقبه وتتقرب إليه وهو يباعد عنك ويقصر في حقك: "افعل ما شئت، فلست أعرض عنك، ولا أترك ودادك".
وهو في الحديث بهذا المعنى، أي: إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل ثم استغفرت عنه غفرت لك، فإني أغفر الذنوب جميعًا ما دمت تائبًا عنها، مستغفرًا إياها.
(خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة (^٢).
(طوبى) فُعْلَى من الطيب، قلبت ياؤه واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها؛ ففي "الصحاح": "يقال: طوبى لك وطوباك".
_________________
(١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): "يتبادر إليه"، وفي (ج): "تبادر إلى".
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٩).
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
قلت: وفي التنزيل ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩]؛ فقيل: "طوبى: اسم شجرة في الجنة"، وقيل: " [اسم] (^١) الجنة" على ما ذكره في "النهاية"، وقيل: كلمة إنشاء لأنه دعاء معناه: أصاب خيرًا". والأظهر أن معناه: الحالة الحسنى.
(لمن وجد) أي: صادف، (في صحيفته استغفارًا كثيرًا) قال السبكي الكبير: "الاستغفار: طلب المغفرة باللسان أو بالقلب أو بهما.
فالأول: فيه نفع؛ لأنه خير من السكوت، ولأنه يعتاد فعل الخير.
والثاني: نافع جدًّا.
والثالث: أبلغ منه لكنهما لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة، فإن العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه … ".
إلى أن قال: "والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ، لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ: "أستغفر الله" معناه التوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة".
ثم قال: "وذكر بعض العلماء: أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، والمشهور أنه لا يشترط"، كذا ذكره ميرك عن الشيخ.
قلت: الآية دالة على أن الاستغفار غير التوبة، وأنها تتم بدونه لعطفها عليه بـ "ثم" المشير بها إلى أنها أعلى مرتبة منه ومغايرةً له، فمعنى الآية: استغفروا بلسانكم وتوبوا إليه بجنانكم، فإن الجمع بينهما أولى في مرتبة إحسانكم.
_________________
(١) من (ج) و(د) و"النهاية" فقط.
[ ٣ / ١٣٨٣ ]
(ق) أي: رواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن بسر -بضم الموحدة وسكون السين المهملة- بإسناد صحيح، ورواه النسائي أيضًا في "عمل اليوم والليلة"، ورواه البيهقي أيضًا (^١).
(وتقدم حديث الذي شكى إليه ﵇ ذَرَب لسانه) بفتحتين أي: حِدّته، وفي "السلاح": "بفتح الذال المعجمة والراء: هو الفحش".
(فقال: أين أنت من الاستغفار؟) أي: حيث إنه يصلح لرفعه ودفعه. (مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني، كلاهما عن حذيفة (^٢).
(وكيفية الاستغفار) أي: الوارد على طريق الاختصار، (أستغفر الله، أستغفر الله) أي: على قصد التكرار والإكثار.
(مو م) أي: رواه مسلم موقوفًا عن الأوزاعي، قال ميرك: "ثقة فقيه كوفي، من كبار أتباع التابعين، واسمه عبد الرحمن بن عمرو" (^٣).
وقد سبق رواية مسلم، والأربعة، عن ثوبان مرفوعًا: "أنه ﵇ قال
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٨١٨) عن عبد الله بن بسر، وأخرجه أبو نعيم (١٠/ ٣٩٥) عن عائشة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٣٠). قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٣٠٩): رواه ابن ماجه بإسناد صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٥٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٥٠)، والطبراني في "الدعاء" (١٨١٣)، (١٨١٥)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٦٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦٧).
(٣) أخرجه مسلم (٥٩١) ولأبي داود (١٥١٣)، والترمذي (٣٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (٣/ ٦٨ - ٦٩).
[ ٣ / ١٣٨٤ ]
بعد فراغ صلاته: أستغفر الله ثلاث مرات" فلا وجه لنسبته إلى الأوزاعي.
(من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيّوم) بنصبهما صفة أو مدحًا، وفي نسخة برفعهما بدلًا من الضمير، أو على المدح، أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوف.
(وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف) بفتح الزاي وسكون الحاء وبالفاء، أي: فر من الجهاد ولقاء العدو في الحرب، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو، أي يمشون، يقال: "زحف إليه زحفًا، إذا مشى نحوه"، كذا في "النهاية" (^١)
والتحقيق: أن أصلَه من زحف الصبي قبل أن يمشي، ولما كان سير الجيش الكبير والجمع الكثير، يُرى في بادئ الرأي أنه بطيء= أطلق عليهم الزحف.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثم رأيته في "النهاية": "الزحف: الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، من زحف الصبي، إذا دبّ على استه قليلًا قليلًا".
وقال المظهر: "هو اجتماع الجيش في وجه العدو، أي: من حرب الكفار له من حيث لا يجوز الفرار بأن لا يزيد العدو على مثلي عدد المسلمين".
(د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي؛ كلاهما عن زيد مولى النبي ﵇، قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"،
_________________
(١) النهاية (٢/ ٢٩٧).
[ ٣ / ١٣٨٥ ]
يعني: من طريق بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي، عن جدي، أنه سمع رسول الله ﷺ (^١).
قال الحافظ المنذري: "إسناده جيد متصل، فقد ذكر البخاري في "تاريخه" أن بلالًا سمع أباه يسارًا، وأن يسارًا سمع من أبيه زيدٍ مولى رسول الله ﷺ، وقد اختلف في يسارٍ والد بلال أنه بالباء الموحدة، أو بالياء المثناة التحتانية، وذكر البخاري في "تاريخه" أنه بالموحدة، والله أعلم".
وقال المصنف في "تصحيح المصابيح": "ليس زيد هذا زيد بن حارثة والد أسامة، بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث، ذكره البغوي في "معجم الصحابة"، وقال: "لا أعلم له غير هذا الحديث"".
وقال العسقلاني في "التقريب": "زيد والد يسار مولى النبي ﷺ: صحابي له حديث، وذكر أبو موسى المديني أنه كان عبدًا نوبيًّا".
(ثلاث مرات. ت (^٢)، مو ط) رواه الترمذي من حديث زيد المذكور
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٧٧) وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو داود (١٥١٧) وابن سعد (٧/ ٦٦)، والطبراني (٥/ ٨٩) رقم (٤٦٧٠)، قال المنذري: وذكره البغوي في معجم الصحابة: بالباء، وقال: لا أعلم لزيد مولى رسول الله ﷺ غير هذا الحديث، وذكره البخاري في تاريخه: بالباء، وذكر أن بلالًا سمع من أبيه يسار وأن يسارًا سمع من أبيه زيد الله أعلم " الترغيب والترهيب" (٢/ ٤٧٠). وانظر: تعقب الناجي على المنذري في عجالة الإملاء (٤/ ٥٧٨) ويسار بن زيد أبو بلال مولى النبي ﷺ ذكره ابن حبان في الثقات، وسكت عنه أبو حاتم، وقال الذهبي: لا يعرف. وقال الحافظ في "التقريب": مقبول (ت ٧٨٥٣).
(٢) بعدها في (أ) و(ج) و(د) و(م): "حب"، ولم يذكره المؤلف فيمن خرجوا الحديث.
[ ٣ / ١٣٨٦ ]
مرفوعًا، ورواه الطبراني موقوفًا من قول ابن مسعودٍ.
وقال صاحب "السلاح": "ورواه الحاكم من حديثه، وقال: "صحيح على شرطهما"". (^١)
وقال ميرك: "ورواه الحاكم عن ابن مسعودٍ، وقال: "على شرطهما" إلا أنه قال: "يقولها ثلاثًا"".
وقال صاحب "السلاح": "رواه الترمذي من حديث أبي سعيدٍ، وقال فيه: "ثلاث مراتٍ"". (^٢)
وقال ميرك: "رواه الترمذي من حديث أبي سعيد بلفظ: "من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت عدد ورق الشجر، وإن كانت عدد رمل عالج، وإن كانت عدد أيام الدنيا"، وليس فيه ذكر الفرار من الزحف، ثم قال الترمذي بعد إيراده: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"".
(خمس مرات، غفر له وإن كان) أي: ولو كان (عليه) أي: من الذنوب (مثل زبد البحر) أي: في الكثرة والعظمة، وهو بالرفع على أنه اسم "كان"،
_________________
(١) وصححه الحاكم (١/ ٥١١)، انظر "الأحاديث الصحيحة" (٢٧٢٧). والحديث صحيح لغيره كما في "صحيح الترغيب" (١٦٢٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٩٤) فيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، وشيخه عطية العوفي وهما ضعيفان، وأخرجه أحمد (٣/ ١٠)، وأبو يعلى (١٣٣٩). والحديث في "ضعيف الترغيب" (٣٤٩).
[ ٣ / ١٣٨٧ ]
وخبره "عليه" مقدّم. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي سعيد (^١).
(وإن كنّا) مخففة من الثقيلة بقرينة اللام في قوله: (لنَعُدّ) بفتح النون وضم العين وتشديد الدال، أي: لنحصي، (لرسول الله ﷺ) أي: لقوله، (في المجلس الواحد: ربّ اغفر لي) وهو منصوب المحل على أنه مفعول، والمعني: اغفر لي فيما مضي (وتب علي) أي: وثبتني على التوبة فيما يبقى، أو وارجع على بالرحمة بتوفيق الطاعة، (إنك أنت التواب) أي: وهَّاب التوبة وموفقها، وقابلها ومثبتها.
(الرحيم. د، حب) أي: كثير الرحمة على أهل الطاعة والراجعين عن المعصية والغفلة وهو رواية أبي داود وابن حبان المرموزين فوقه على النسخ المصححة، و"الغفور" (^٢) بدلًا عنه برواية الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، على ما رمز رموزهم فوقه في الأصول المعتمدة، فهذا خلاف عارضٌ في أثناء الحديث، وتتمته المتفق عليها: (مئة مرة) لنعد على المفعول المطلق.
(عه، حب) أي رواه: الأربعة، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عُمَر، قال الترمذي: "حسن غريب صحيح" (^٣).
(وما أحسن قولَ الربيع) بالراء والموحدة على وزن البديع، (بن خُثَيم)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٦٠).
(٢) كتب بعدها في (م) الرموز: "ت، س، ق"، وهي مثبتة في حاشية (ج).
(٣) أخرجه أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤) وقال حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في الكبرى (١٠٢٩٢)، وفي عمل اليوم والليلة (٤٥٨)، وابن ماجه (٣٨١٤)، والبغوي (١٢٨٩)، راجع الصحيحة (٥٦٦).
[ ٣ / ١٣٨٨ ]
بضم المعجمة وفتح المثلثة: ابن عائذ بن عبد الله أبو يزيد الكوفي ثقة عابد (^١)، قال له ابن مسعود: "لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك" (^٢)، كذا في "التقريب" للعسقلاني. ﵁ كذا في النسخ الحاضرة كلها مع أنه ليس من الصحابة.
ولعل المصنف دعا له بهذا الدعاء لكمال رضاه عنه في قوله: (لا يقل أحدكم) أي: بلسانه من غير مواطأة جنانه، (أستغفر الله) أي: لئلا يكون كالمستهزيء بربه، (وأتوب إليه) فإنه بمجرد هذا اللفظ يكون من توبة الكذّابين، (فيكونَ) بالنصب على جواب النفي، والضمير لقوله المركب من الجملتين، (ذنبَا) أي: من جهة إخبار استغفاره، (وكذبًا) أي: من جهة دعوى توبته، وهو بفتح الكاف وكسر الذال، وفي نسخة صحيحة بكسر فسكون، ويمكن أن يكون قوله: "كذبًا" عطف تفسير لـ "ذنبًا".
(بل يقول: اللهم اغفر لي) أي: ليكون نصًّا في طلب المغفرة، ويخرج عن كونه إخبارًا، وكذا في قوله: (وتب على) أي: بتوفيق الطاعة،
_________________
(١) الربيع بن خُثَيم بن عائذ بن عبد الله بن موهب الثوري أبو يزيد الكوفي. ثقة عابد مخضرم، روى عن النبي ﷺ مرسلًا، وعن ابن مسعود وغيره، وعنه ابنه عبد الله ومنذر الثوري والشعبي وهلال بن يساف وإبراهيم النخعي وبكر بن ماعز وغيرهم. روى الإمام أحمد في الزهد عن ابن مسعود أنه كان يقول للربيع: والله لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك. مات سنة إحدى وقيل ثلاث وستين. أخرج له الشيخان وغيرهما. انظر ترجمته في: (التهذيب ٣/ ٢١٠).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٩٩).
[ ٣ / ١٣٨٩ ]
وبالرجوع على [بالرحمة] (^١).
(وليس) أي: معنى هذا القول، (كما فهم بعض أئمتنا) وهو الإمام النووي (^٢) على ما سيأتي، (أن الاستغفار على هذا الوجه يكون كذبًا) أي: فقط، (بل هو ذنب) أي: إثم آخر أيضًا، وإلا فكل كذب ذنب، (فإنه إذا استغفر من قلبٍ لاهٍ لا يستحضر طلب المغفرة، ولا يلجأ إلى الله بقلبه، فإن ذلك ذنب عقابُه الحرمان).
أقول: قد تقدم عن السبكي أن الاستغفار على كل حالٍ له نفعٌ. نعم، مع حضور القلب مع الرب نور على نور، فترك الكمال لا يعد ذنبًا، فإن العلماء أجمعوا على أن من ذكر الله أو استغفره بلسانه من غير إحضار جنانه لا يكون مذنبًا، بل يكون عابدًا باعتبار بعض أعضائه، وكذلك الجمهور من العلماء على عدم اشتراط حضور القلب في الصلاة إلا في مبدئها حال النية.
ثم قول المصنف: (وهذا كقول رابعة (^٣): استغفارنا يحتاج إلى استغفارٍ كثيرٍ) صحيحٌ، لكن ليس مما يدل على أنها عدت الاستغفار اللساني ذنبًا شرعيًّا، بل أرادت به أن حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقربين؛ فإن الغفلة عندهم معصية بل جعلها بعضهم كفرًا، وقد علم كل أناس مشربهم، كما يعلم كل طائفة من العلماء مذهبهم.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "بالمرحمة".
(٢) الأذكار (ص ٦٣٧).
(٣) الأذكار (ص ٦٣٧).
[ ٣ / ١٣٩٠ ]
وهنا مسلك دقيق للصوفية حيث قالوا: "إن الاستغفار من الذنب ذنبٌ آخرُ لتضمنه دعوى الوجود والقدرة والفعل لما سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
(وأما إذا قال: أتوب إلى الله، ولم يتب فلا شك أنه كذب) أقول: وكذا إذا قال: أستغفر الله، ولم يطلب المغفرة بأن يكون خالي الذهن، فلا شك أنه كذب، وأما إذا أريد بهما الدعاء -وإن كان بلفظ الإخبار- فلا يكون ذنبًا، ولا كذبًا، فيوافق حينئذٍ قوله: (وأما الدعاء بالمغفرة والتوبة فإنه وإن كان غافلا) أي: لاهيًا غيرَ مستحضر لطلب المغفرة، وحصول التوبة، ويستحق عليه المقت في الجملة، (فقد يصادف وقتًا) أي: يجد زمانًا لإجابة الدعاء ضمنًا، (فيقبل) بصيغة المجهول أي: فيقبل حينئذٍ دعاؤه، وإن لم يكن مقيّدًا بحضور قلبه وسائر شروطه.
(فمن أكثر طرق الباب) أي: دقه للدخول وملازمة الوصول (يوشك أن يلج) أي: يقرب أن يدخل إلى الباب، ويصل إلى مرتبة الثواب، وحسن المآب كما قيل: "من لج ولج".
وفيه: أن هذا المعنى يعم الدعاء والذكر والصلاة والتلاوة وسائر الوسائل مما دُوِّن فيه الرسائل، ويقصده كل طالب وسائل، سواء يكون بلفظ الإخبار أو على جهة الإنشاء.
(ويوضح ذلك) أي: يبين ما قررناه، ويعين ما حررناه، (إكثاره ﷺ في المجلس الواحد منه) أي: من قوله أستغفر الله، (مئة مرة) أي: لما كان
[ ٣ / ١٣٩١ ]
له من حضور القلب مع شهود الرب، (وقطعه) أي: وقطع حكمه، المن قال: أستغفر الله وأتوب إليه بالمغفرة وإن كان قد فر من الزحف، مرة أو ثلاث مرات) أي: باختلاف الروايات.
ولا شك أن كون الاستغفار والتوبة على وجه الكفارة إنما يكون مشروطًا بالاستحضار دون الغفلة وأما كونه بدونه ذنبًا فلا دلالة عليه، ولا إشارة إليه، فالأمر موقوف لديه.
(فها) أي: فخذ أو فتنبه، (قد كشف لك الغطاء) بكسر الغين المعجمة، و"كشف" بصيغة المجهول أي: أزيل لأجلك الحجاب، ورفع لك النقاب، عن وجه الصواب في العطاء.
قال المنصف: "بيانه أن قول القائل: "أستغفر الله وأتوب إليه" لا بد أن يكون على حقيقته في استحضاره بقلبه لا بمجرد القول بحيث تكون التوبة بشروطها، وهي: الندم على ما تقدم منه، والإقلاع في الحال، والعزم على أن لا يعود. [وأضاف إليها بعضهم] (^١): مفارقة المكان الذي صدر عنه [فيه] (^٢) المعصية.
وزاد آخرون: هجر قرناءِ السوء الذين كانوا معه في المعصية. وشرط قوم: أن لا يعود بعدها إلى ذلك الذنب. فهذا يغفر له وإن كان قد فرَّ من
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "إليها واختار"، وفي "مفتاح الحصن الحصين": "وأضاف بعضهم".
(٢) كذا في (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ): "في".
[ ٣ / ١٣٩٢ ]
الزحف، وإن كان ذنوبه أكثر من زبد البحر، وأما الدعاء فلا يشترط فيه هذه الشروط" (^١).
قلت: وفيه بحثان:
أحدهما: أن التوبة بشروطها سبب تحقق المغفرة ووجوبها، لأنه لا يستحق المغفرةَ أحدٌ بدون وجودها، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذه المغفرة قد تكون بلا سبب، وقد توجد بسبب ذكر أو عبادة مع حضورٍ أو غفلةٍ، فإن فضل الله واسع، ورحمته عظيمة.
وثانيهما: أن الدعاء أيضًا له شرائط لقبوله، وأركان لحصول وصوله، فلا كل دعوة مقبولة، ولا كل مسألة محصولة؛ فقد روى الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "اعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ"، وقال: "هذا حديث غريب" (^٢).
ولا يخفى أن الغرابة لا تنافي الحسن [والصحة] (^٣)، وأما ما قال صاحب "الأذكار": "إنه غريب ضعيف"، فلعل ضعفه من جهة أخرى،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ أ).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) وقال: حديث غريب، والحاكم (١/ ٤٩٣) وكذلك الطبراني في الأوسط (٥١٠٩)، وتفرد به صالح بن بشير المري وهو ضعيف كما قال الحافظ في التقريب (٢٨٤٥) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٤٥) وفي السلسلة الصحيحة (٥٦٤).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "ولا الصحة".
[ ٣ / ١٣٩٣ ]
مع أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا مع أن الإجماع على أن الاستجابة الكاملة إنما تكون مع الدعوة بوجود الشروط التامة.
(فاختر لنفسك ما يحلو) بالتذكير، وفي نسخة بالتأنيث (^١)، أي: ما يعجبك أو ما تستحسنه نفسك؛ ففي "الصحاح": "يقال: حَلَا عيني، وفي عيني، يحلو حلاوة، إذا أعجبك"، وقد أغرب الحنفي حيث قال: "إن كان بالياء آخر الحروف فهو من الحلاوة، يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، وإن كان بالتاء المثناة من فوقُ، فهو من قولهم: حلوته أحلوه حلوانًا"، ثم قال: "والحلوان مصدرٌ كالغفران، ونونه زائدة، وأصله من الحلاوة"، كذا في "النهاية" (^٢).
(وفي كتاب "الزهد" عن لقمان: عود لسانك [باللهم] (^٣) اغفر لي فإن لله ساعاتٍ لا يرد فيهن سائلًا) (^٤).
قلت: وكذلك ورد في الحديث: "إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها" (^٥)، وهو يعم الأدعية والأذكار، وسائر العبادات، على أي حالة من الحالات.
_________________
(١) أي: فاختر لنفسك ما تحلو.
(٢) النهاية (١/ ٤١٨).
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "يا اللهم".
(٤) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩٧١)
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٣٣) (٥١٩)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩١٧).
[ ٣ / ١٣٩٤ ]
وليس في هذا كله ما يناقض قول الإمام النووي حيث قال في "الأذكار": عن الربيع بن خثيم أنه: "لا تقل: أستغفر الله وأتوب إليه، فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم تفعل، بل قل: اللهم اغفر لي، وتب علي".
قال النووي: "هذا أحسن، وأما كراهة "أستغفر الله"، وتسميته كذبًا، فلا يوافق عليه، لأن معنى أستغفر الله: أطلب المغفرة من الله، وليس هذا كذبًا".
قال: "ويكفي في رده حديث ابن مسعود بلفظ: "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه، وإن كان فر من الزحف"، أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه الحاكم" (^١).
وقال ميرك: "هذا في لفظ: "أستغفر الله"، وأما "أتوب إليه" فهو الذي عني الربيع أنه كذبٌ، وهو كذلك إذا قاله، ولم يفعل التوبة كما قال، وفي الاستدلال للرد عليه بحديث ابن مسعود نظر؛ لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شرط التوبة، ويحتمل أن يكون مراد الربيع مجموع اللفظين لا خصوص "أستغفر الله"، فيصح كلامه كله".
قلت: ويدل عليه عدوله عنهما بقوله: "اللهم اغفر لي، وتب علي".
والتحقيق أنه لم يرد به الذنب الشرعي الحقيقي، بل قصد التقصير الطريقي، والتنبيه على أن الدعاء حال الغفلة، أولى من الأذكار بلفظ الإخبار، خصوصًا عن التوبة، والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٩٥ ]