(إنّ الشيطان) أي: جنس الشياطين أو رئيسهم، فغيره أولى، (يَفِرُّ) بتشديد الراء من الفرار، وقال المصنف: "بفتح الياء وكسر الفاء، أي: يهرب" (^١) (من البيت الذي يقرأ) بصيغة المفعول، أي: [يُتْلَى] (^٢) فيه (البقرة) أي: سُورتها.
قال المصنف: "يدل على جواز إطلاق مثل ذلك على سور القرآن، فيقال: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، دون قوله: سورة كذا، كما يجوز سورة الفاتحة وسورة آل عمران من غير كراهة. وكرهه بعضهم، وقال: إنما يقال السورة التي يذكر فيها آل عمران، والصحيح -بل الصواب- هو الأول" (^٣)، انتهى. والفرار يجوز أن يحمل على ظاهره، وأن يؤول بعدم الإغواء، واليأس عن الإضلال.
(م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة (^٤).
(اقرءوها) أي: "اقرءوا سورة البقرة" كما في "المشكاة"، (فإن
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "تتلى".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٤) أخرجه مسلم (٧٨٠) والترمذي (٢٨٨٠) والنسائي في "الكبرى" (٨٠١٥، و(١٠٨٠١).
[ ٣ / ١٤١٧ ]
أخذها) بحفظ لفظها ومبناها، ومراعاة معناها، (بركةٌ) أي: خيرٌ كثيرٌ، (وتركها) بالنصب، وفي نسخة بالرفع، وإهمالها -بأحد احتماليها- (حسرةٌ) أي: ندامةٌ عظيمةٌ. (ولا يستطيعها) بصيغة التذكير والتأنيث، أي: ولا يقدر على تحصيلها (البَطَلَةُ) قال المصنف: "بفتح الباء والطاء واللام، قيل هم: السحرة، يقال: "أبطل" إذا جاء بالباطل، ويحتمل أن يُراد: الشجعان من أهل الباطل" (^١)، انتهى.
وكأنه أُخذ من البَطَل، بفتحتين، بمعنى: الشجيع، وجمعه: الأبطال، بمعنى: الشجعان، والأظهر أن يقال المرادب "البطلة": أصحاب البطالة والكسالة، وأرباب السّعة والغفلة.
وقال المظهر: "البطلة جمع باطل، والباطل: ضد الحق، [والباطل] (^٢) كسلان أيضًا، فيحتمل أن يكون معناه: لا يقدر الكسلان أن يتعلم سورة البقرة لطولها، ويحتمل أن يكون معناه: أن أهل السحر والباطل لا يجدون التوفيق لتعلمها ودرايتها".
(م) أي: رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي (^٣).
(لكل شيءٍ سنامٌ) بفتح السين، أي: رفعةٌ وعُلُوٌّ، استعير من سنام الجمل، ثم كثر استعماله فيها حتى صار مثلًا، كذا حققه الطيبي.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "والبطال".
(٣) أخرجه مسلم (٨٠٤)
[ ٣ / ١٤١٨ ]
(وسنام القرآن البقرة) قال المصنف: "أي: أرفعه وأعلاه، وسَنام كل شيء أعلاه، يحتمل أن يراد: طولها، وأن يراد: ما جمعته من الأحكام، وأن يراد: نظم آيها، ويحتمل أن يراد ذلك كله" (^١).
(ت، مس، حب) أي رواه: الترمذي، والحاكم، وابن حبان، عن أبي هريرة (^٢).
(من قرأها ليلًا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليالٍ، ومن قرأها نهارًا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيامٍ. حب) أي: رواه ابن حبان عن سَهْل بن سعد، ولفظ "الجامع": "إن لكل شيءٍ سَنامًا، وسنامُ القرآن البقرةُ، لا يقرَؤُها … لحديث. رواه: ابن حبان، والطبراني، والبيهقي، والضياء، عن سهل بن سعد" (^٣).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٧٨)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير. والحاكم (١/ ٥٦٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والشيخين لم يخرجا عن حكيم بن جبير لوهن رواياته، إنما تركوه لغلوه في التشيع انظر "الأحاديث الضعيفة" (١٣٤٨)
(٣) أخرجه أبو يعلى (٧٥٥٤)، والطبراني في "معجمه الكبير" (٦/ ١٦٣) رقم (٥٨٦٤)، وابن حبان (٧٨٠) والبيهقي في "الشعب" (٢١٦١). ذكره "العقيلي": (٢/ ٦) في ترجمة خالد بن سعيد المديني عن أبي حازم وقال: لا يتابع على حديثه، وقال العقيلي: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح بخلاف هذا اللفظ وأما في تمثيل القرآن فليس فيه شيء يثبت مسندًا. =
[ ٣ / ١٤١٩ ]
(أُعْطِيت) على صيغة المجهول، (البقرةَ) بالنصب على المفعول الثاني، أي: سُورتها، (من الذكر الأول) أي: اللوح المحفوظ، أو الكتب السماوية السابقة في النزول، كذا ذكره بعض الشراح، وقال المصنف: "يحتمل أن يعني اللوح المحفوظ" (^١)، قال الحنفي: "يحتاج إلى بيان".
قلتُ: بيانه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، فقال البيضاوي: "أي: في كتاب داود من بعد التوراة"، وقيل: "المراد بالزبور: جنس الكتب المنزلة، وبالذكر: اللوح المحفوظ".
زاد صاحب "المدارك": "لأن الكل أخذوا منه، ودليله قراءة حمزة وخلف بضم الزاي، على جمع: الزبر، بمعنى: المزبور".
(مس) أي: رواه الحاكم عن معقل بن يسار، وقال: "صحيح الإسناد" (^٢).
_________________
(١) = وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣١٢): رواه الطبراني وفيه سعيد بن خالد الخذاعي المدني وهو ضعيف. قلت كذا قال وصوابه: خالد بن سعيد. ونقله الحافظ في "اللسان" في ترجمته (٢/ ٣٧٦) وزاد: وذكره ابن حبان في الثقات (٢: ٧٢) وهو خالد بن سعيد بن مريم التيمي. وقد جهله ابن القطان. وقال ابن المديني لا نعرفه. انظر "الأحاديث الضعيفة" (١٣٤٩).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٥٩) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٥٠) والسلسلة الضعيفة (٢٨٨٦).
[ ٣ / ١٤٢٠ ]
(اقرءوا الزهراوين) الزهراء تأنيث الأزهر، بمعنى: المضيء، وقوله: (البقرة وآل عمران) بالنصب على البدلية، وفي نسخة: بالرفع، قال المصنف: "أي: المنيرتين، وسُميت البقرة وآل عمران "الزهراوين"؛ لنورهما وهدايتهما وعظم أجرهما" (^١)، انتهى.
وقيل: "لاشتهارهما شبهتا بالشمس والقمر"، فقال ابن السّكيت: "الأظهر أن الشمس والقمر من قولهم: زهرت النار: أشرقت وأضاءت".
(فإنهما) أي: السورتين (تأتيان) بصيغة التأنيث على ما في الأصول المعتمدة، ووقع في "أصل الجلال" بالتحتانية على التذكير، ووجهه غير ظاهر.
والظاهر أنه تصحيف؛ فإنه وإن كان يمكن التغليب باعتبار لفظ المذكر في آل عمران على البقرة، لكنه غير مستقيم باعتبار ما بعده من الصفات المؤنثة، والمعنى: تحضران باعتبار ثوابهما، أو تَصَوُّرهما وتجليهما.
(يوم القيامة كأنهما) وفي نسخة: "كأنما" (غمامتان) أي: قطعتان من الغمام، بمعنى: السَّحَاب (أو كأنهما غيايتان) بالتحتانيتين بدل الميمين، فقال المصنف: "الغمامة والغياية: كل شيءٍ أظل الإنسان فوق رأسه من سحابةٍ وغيرها، قالوا المراد: ثوابهما يأتي كغمامَتَيْن" (^٢)، انتهى.
وفيه أنه إذا كانا مترادفيق فكيف يؤتي بـ "أَوْ" بين المتعاطفين مع أنه مخالف للغة؛ فإن الغمامة على ما في "القاموس": "هي السَّحابَة البيضاء،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
[ ٣ / ١٤٢١ ]
والغياية: ما أظل فوق رأسك من سحابة أو غيرها"، فـ "أَوْ" للتخيير في التشبيه، ويحتمل أن يكون للشك، وأن يكون للتنويع باختلاف أنواع القرَّآء وأصناف القراءة.
ويناسبه ما في "القاموس" من أن: "الغياية: ضوء شُعاع الشمس"، ولا يبعد حينئذٍ أن يكون "أو" بمعنى: "بل"، لكن يُؤيّد إرادة التنويع قوله: (أو كأنهما فِرْقَان) بالكسر، أي: فَوجَان (من طيرٍ صواف) جمع: صافّةٍ بتشديد الفاء، وهي: "الجماعة التي [تقف] (^١) على الصفّ، وجماعة الطير ترفع أجنحتها بعضها على بعض، والطير جمع طائرٍ، وقد يُطْلق الطير على الواحد"، كذا ذكره المظهر.
(تُحاجَّان) بضم أوله وتشديد جيمه، أي: تجادلان وتخاصمان، بمعنى: أنهما تشفعان وتدفعان (عن أصحابهما).
وقال المصنف: ""فِرقان": بكسر الفاء وإسكان الراء: تثنية فِرق، ومعناه: القطيع والجماعة، أي: قطيعان من الطير، وقوله: "صوافّ"، أي: باسطات أجنحتها في الطيران، يقيمان الحجة لقارئهما، [فتجادلان] (^٢) عنه" (^٣)، انتهى.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "تصف".
(٢) كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "فَتُحاولان".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ ب).
[ ٣ / ١٤٢٢ ]
والظاهر أن الضمير في "تُحاجّان" إلى السورتين في أي صُورة من الصور الثلاثة على وفق مراتب أصحابهما وأحبابهما.
فالأول: لمن يقرأهما ولا يفهم معناهما. والثاني: لمن جمع بينهما.
والثالث: من ضم إليهما تعليم غيره لهما.
وقيل المعنى: "أنهما تدفعان الجحيم والزبانية عن أربابهما في العقبى، والأعداء وأنواع البلاء عن أصحابهما في الدنيا".
وقيل: "جعل صورتهما كالغمامتين ونحوهما؛ لأجل أن يكون لهما عظمٌ في قلوب أعداء قارئهما، ويحتمل أن يكون لأجل إظلالِ قارئهما يوم القيامة"، قال المظهر: "وهو الأظهر"، وأقولُ: لا منافاة بين الإظلال والإجلال.
(م) أي: رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي (^١)، ورواه أحمد عن بريدة بلفظ: "تظلان صاحبهما يوم القيامة" (^٢)، على ما في "البُدُور السَّافرة في أحوال الآخرة".
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٠٤).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٢).
[ ٣ / ١٤٢٣ ]