قال الكرماني: "التهجد التيقظ من النوم بالليل، والهجد النوم، فمعناه التجنب عن النوم، كما يقال: "حُرِجَ إذا أَثِم وتَحَرَّجَ إذا تورَّع عن الإثم"، وزاد في "السلاح": "التجنب بالتكلف، وقيل: "الهجد من الأضداد، فالتاء للطلب حينئذٍ، والمراد به اليقظة ضد النوم".
(أفضل الصلاة) مبتدأ واللام للجنس، أي: أفضل أنواع الصلوات (بعد المكتوبة) أي: إلا المفروضة، (الصلاةُ في جوف الليل) قال المؤلف: "أي: وسطه وجوف الليل الآخر، أي: ثلثه الآخر، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل" (^١)، انتهى.
وليس المراد بقوله "وسطه" وسطه الحقيقي كما يتوهم، بل المراد: جميع أجزاء الليل، لكن بقيد [النوم] (^٢) قبله [بعد] (^٣) أداء العشاء، ثم قوله: "وجوف الليل الآخر أي: ثلثه الآخر" خلاف الظاهر، فإن المتبادر من آخر الليل نصفه الأخير، ثم تفسيره بقوله: "وهو الجزء الخامس من أسداس الليل" غير مستقيم، بل الجزآن الأخيران من الأسداس هما الثلث الآخر.
هذا، وقيل: "فيه حجة لأبي إسحاق المروزي من الشافعية علي أن
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "نوم".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "وبعد".
[ ٢ / ٦١٢ ]
صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب"، وقال أكثر العلماء: "إن الرواتب أفضل والأول أقوى، لنص هذا الحديث".
وأجيب بأن معناه من أفضل الصلاة، لكنه خلاف سياق الحديث، والأولى أن يقال: إن الرواتب آكد بالنسبة إلى آحاد الأمة، وإن صلاة الليل أفضل من حيثية زيادة المشقة، ويؤيده ما ورد موقوفًا عن ابن عباس -على ما ذكره صاحب "النهاية"-: ""أفضل العبادات أحمزها" أي: أقواها وأشدها" (^١).
(م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة (^٢).
(أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته) أي: في مكان مخفي، لبعده عن الرياء والسمعة، وقربه إلى الإخلاص ودفع الشهرة، (إلا المكتوبة) لأن إظهار الفرائض من شعائر الدين والملة، وألحق بها السنن الرواتب في هذا الزمان لدفع التهمة، من أن يكون من أهل البدعة المخالفين لأهل السنة والجماعة. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن زيد بن ثابت (^٣).
_________________
(١) "النهاية" (١/ ٤٤٠)
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢)، ومسلم (١١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢٩) والترمذي (٤٣٨) والنسائي (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وابن ماجه (١٧٤٢) وأحمد (٢/ ٣٠٣).
(٣) أخرجه البخاري (٧٣١) ومسلم (٧٨١) (٢١٤) وأبو داود (١٤٤٧) والترمذي (٤٥٠) والنسائي (٣/ ١٩٧ - ١٩٨)، وأحمد (٥/ ١٨٤) وابن خزيمة (١٢٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٠٩).
[ ٢ / ٦١٣ ]
(صلاة الليل) أي: من النوافل. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن ابن عمر، (والنهار. أ) أي: رواه أحمد عنه، لكن بزيادة قوله: "والنهار"، والخبر للحديثين قوله: (مثنى مثنى. خ، م، أ) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأحمد عنه أيضًا (^١).
_________________
(١) حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" أخرجه البخاري (٩٩٠)، ومسلم (١٤٥ - ٧٤٩)، وأبو داود (١٣٢٦)، والنسائي (٣/ ٢٢٨) رقم: ١٦٧٠ - ١٦٧٤)، من حديث ابن عمر. أما حديث: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فأخرجه: أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (٣/ ٢٢٧) وابن ماجه (١٣٢٢)، وأحمد (٢/ ٢٦، ٥١)، والطيالسي (١٩٣٢)، وابن خزيمة (٢/ ٢١٤ رقم: ١٢١٠)، وابن حبان (٢٤٨٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٣٤)، وابن الجاورد في "المنتقى" (٢٧٨)، والدارقطني (١/ ٤١٧) والبيهقي (٢/ ٤٨٧): كلهم من طريق شعبة عن يعلى عن عطاء عن علي البارقي عن ابن عمر به. وقال الأثرم عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلي بالنهار أربعا فلا بأس وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل، قال: وقد صح عن النبي ﷺ أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرها إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة علي الوصل، إلا أنا نختار أنه يسلم من كل ركعتين، لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقا. وسكت عنه الترمذي إلا أنه قال: اختلف أصحاب شعبة فيه، فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ ولم يذكروا فيه صلاة النهار. =
[ ٢ / ٦١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ، وقال في "سننه الكبرى": إسناده جيد إلا أن جماعة من أصحاب عمر خالفوا الأزدي فيه، فلم يذكروا فيه النهار، منهم سالم ونافع وطاووس، ثم ساق رواية الثلاثة. قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ١٤٤): والحديث في "الصحيحين" من حديث جماعة عن ابن عمر ليس فيه ذكر النهار. وقال صاحب "التمهيد" (١٣/ ١٨٥): وكان يحيى بن معين يخالف أحمد في حديث علي الأزدي ويضعفه، ولا يحتج به، ويذهب مذهب الكوفيين في هذه المسألة ويقول: إن نافعا وعبد الله بن دينار وجماعة رووا هذا الحديث عن ابن عمر لم يذكروا فيه "والنهار". وقال الدارقطني في "العلل": ذكر النهار فيه وهم. وقد بسط القول في تضعيف هذه الزيادة ابن تيمية في "الفتاوى" …، قال الحافظُ في "الفتح" (٢/ ٤٧٩): أكثرُ أئمة الحديث أعلوا هذه الزيادة وهي قوله: "والنهار" بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائي علي راويها بأنه أخطأ فيها، وقال يحيى بنُ معين: من علي الأزدي حتى أقبلّ منه؟ وادعى يحيى بنُ سعيد الأنصاري، عن نافع أدق ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصلُ بينهن، ولو كان حديث الأزدي صحيحا لما خالفه ابنُ عمر، يعني مع شدة إتباعه رواه عنه محمد بن نصر في "سؤالاته"، لكن روى ابنُ، وهب بإسناد قوي عن ابن عمر قال: "صلاة الليل النهار مثنى" موقوف أخرجه ابنُ عبد البر من طريقه، فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع فلا تكون هذه الزيادة صحيحة علي طريقة من يشترط في الصحيح ألا يكون شاذًا، وقد روى ابنُ أبي شيبة من وجه آخر عن ابن عمر أنه كان يُصلي بالنهار أربعا أربعًا، وهذا موافق لما نفله يحيى بن سعيد. =
[ ٢ / ٦١٥ ]
ثم قوله: "مثنى" يدل على أنها [اثنتين اثنتين] (^١)، ففائدة التكرار التأكيد على ما هو الظاهر، وسيأتي تحقيقه، وفي "الكشاف": "إنما لم ينصرف لتكرار العدل فيه"، وقال غيره: للعدل والوصف، وهو الأظهر، وعليه الأكثر، وبيانه أنه عدل عن اثنين اثنين إلى مثنى، وهو صفة لأنك تقول: مررت بالقوم مثنى، وقيل: إنما لم ينصرف لتكرر العدل فيه؛ فإنه عدل عن لفظ "الاثنين" إلى "مثنى"، وعن معنى "اثنين" إلى: "اثنين اثنين"، فإذا قلت: جاءت الخيل مثنى، فالمعنى: جاءوا مزدوجين".
قال المؤلف: "يعني ركعتين [ركعتين] (^٢) هذه رواية نافع وطاوس، وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر (^٣): "الليل والنهار"، وهو ثقة وزيادة الثقة مقبولة، والحديث ورد في النوافل، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقد صلى النبي ﷺ يوم الفتح وقت الضحى ثماني ركعات، يسلم بين كل
_________________
(١) = انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٦، ٢٥٧ رقم: ٦٦٩٠ - ٦٦٩٦) وعلل الدارقطني (١٣/ ٣٥ رقم السؤال: ٢٩٢٧) و"علوم الحديث" للحاكم ص (٥٨) و"السنن الكبرى" للبيهقي (١/ ١٧٩، رقم: ٤٧٢)، و"معالم السنن" للخطابي (١/ ٢٨٧). والبدر المنير لابن الملقن (٣/ ٤٥٨).
(٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ب): "اثنين اثنين"، وفي (ج): "اثنتين".
(٣) زيادة من "مفتاح الحصن الحصين".
(٤) بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: ""اقتصروا علي ذكر الليل"، ورواه علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر".
[ ٢ / ٦١٦ ]
ركعتين، وصلاة العيد ركعتان، وكذا الاستسقاء [وهما] (^١) من صلاة النهار" (^٢).
قلت: ما ذكره معارَض بما أخرجه أبو داود في "سننه"، والترمذي في "الشمائل"، عن أبي أيوب الأنصاري، عنه ﵇، قال: "أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم، [تفتح] (^٣) لهن أبواب السماء"، وفي لفظٍ للترمذي في "الشمائل": "قلت: يا رسول الله، أفيهن تسليم فاصل؟ قال: لا" وله طريق آخر (^٤).
قال محمد بن الحسن في "موطئه": "حدثنا بكر بن عامر البجلي، عن
_________________
(١) في "مفتاح الحصن الحصين": "وكلها".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "يفتح".
(٤) أخرجه أبو داود (١٢٧٠)، وابن ماجه (١١٥٧) وهو حديث حسن لغيره كما في "صحيح الترغيب" (٥٨٥). عدا قوله: "ليس فيهن تسليم" فهي ضعيفة كما في "ضعيف الترغيب" (٣٢٠). وفي سنده عُبيدة بن مُعَتّب الكوفي، قال أبو داود: عُبيدة، ضعيف، وقال المنذري: لا يحتج بحديثه وهو بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة وقد ضَعّف الحديثَ يحيى بن سعيد القطان وغيره من الحفاظ. وقال الحافظ: عُبيدة بن معتَّب الضبّي، أبو عبد الرحيم الكوفي الضرير، ضعيف واختلط بآخره، وماله في البخاري سوى موضع واحد في "الأضاحي" التقريب (٤٤٤٨)، وراجع المجروحين (٢/ ١٧٣). انظر: مختصر سنن أبي داود (٢/ ٧٩).
[ ٢ / ٦١٧ ]
إبراهيم -أي: النخعي- والشعبي، عن أبي أيوب الأنصاري: "أنه ﵇ كان يصلي أربعًا إذا زالت الشمس، فسأله أبو أيوب عن ذلك، فقال: إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة، فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير، قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: نعم، قلت: أيفصل بينهن بسلام؟ قال: لا" (^١).
وروى أبو يعلى الموصلي في "مسنده" عن عائشة (^٢): "كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربع ركعات لا يفصل بينهن".
وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحها"، والترمذي، عن ابن عمر (^٣)، قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا"، والمتبادر منه أن يكون بسلام واحد.
وفي "الصحيحين" عن عائشة في صلاة الليل (^٤): "كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن … " الحديث، فهذا الفصل يفيد المراد، وإلا لقالت: ثمانيًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن.
ثم اعلم أن أبا حنيفة علي أن الأربع في النفل أفضل: ليلًا كان أو نهارًا،
_________________
(١) الموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني (٢٩٦) وانظر الدراية لابن حجر (١٤٨).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٤٣٦٦).
(٣) أخرجه الترمذي (٤٣٠)، وأبو داود (١٢٧١) وإسناده حسن، كما قال النووي في خلاصة الأحكام (١/ ٥٣٩ رقم ١٨٢٢). وانظر كلام المنذري في أبي المثنّى في مختصر سنن أبي داود (٢/ ٧٩ - ٨٥)، ووثقه الحافظ كذلك، التقريب (٦٦٨٦).
(٤) أخرجه البخاري (٣٥٦٩) ومسلم (٧٣٨).
[ ٢ / ٦١٨ ]
وقال أبو يوسف، ومحمد: "الأربع في النهار أفضل"، وصلاة الليل مثنى اعتبارًا بالتراويح، فإن الإجماع علي الفصل فيها، وللحديث المذكور في الصحيحين: "صلاة الليل مثنى مثنى".
قال المحقق ابن الهمام عند قول صاحب "الهداية" للشافعي: "قوله ﵇: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن عمر، وفيه شعبة، قال الترمذي: "اختلف أصحاب شعبة فيه، فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر، عنه ﵇، ولم يذكروا فيه: "صلاة النهار""، وكذا هو في "الصحيحين".
وقال النسائي: "هذا الحديث عندي خطأ"، ورواه الحاكم في كتابه في "علوم الحديث" بسنده ثم قال: "رجاله ثقات، إلا أن فيه علة يطول بذكرها الكلام"، انتهى (^١).
ثم قال-[أي] (^٢) ابن الهمام-: "فالأولى في التقرير -إن شاء الله تعالى- وجهان:
أحدهما: أن مقتضى لفظ الحديث حصرُ المبتدإ في الخبر، لأنه حكم على العام، أعني صلاة الليل والنهار، وليس بمراد وإلا لكانت كل صلاة تطوع لا تكون إلا ثنتين شرعًا، والاتفاق على جواز الأربع أيضًا، وعلى كراهة الواحدة والثلاث في غير الوتر، وإذا انتفى كون المراد أن الصلاة
_________________
(١) وقد سبق الكلام علي هذه العلل في تخريج الحديث سابقا.
(٢) زيادة من (ج) فقط.
[ ٢ / ٦١٩ ]
لا تباح إلا ثنتين، أو لا تصح إلا ثنتين، لزم كون الحكم بالخبر المذكور، أعني "مثنى" إما في حق الفضيلة بالنسبة إلى الأربع، أو في حق الإباحة بالنسبة إلى الفرد، وترجيح أحدهما بمرجح، وفعله ﵇ ورد على كلا النحوين، لكنا علقنا زيادة فضيلة الأربع [لأنها] (^١) أكثر مشقة على النفس؛ بسبب طول تقيدها في مقام الخدمة، ورأيناه ﵇ قال: "إنما أجرك على قدر نصبك"، فحكمنا بأن المراد الثاني، أي: مثنى، لا واحدة أو ثلاثًا.
وثانيهما: أن المراد به أن كل مثنى من التطوع صلاة على حدتها، ومثنى معدول عن العدد المكرر وهو اثنان اثنان، فمؤداه حينئذٍ: اثنان اثنان صلاة على حدة، ثم اثنان اثنان صلاة على حدة، وهلم جرًّا.
وهذا معنى أربع صلاة على حدة، أربع صلاة أخرى على حدة وهلم جرًّا، بخلاف ما لو لم يكرر لفظ "مثنى"، وقال: "الصلاة مثنى" مقتصرًا عليه، فإن المعنى حينئذٍ: الصلاة [اثنين اثنين] (^٢) وهلم جرّا، فيفيد أن كل اثنتين صلاة على حدة.
وسبب العدول عن أربع أربع، وهو أكثر استعمالًا، وأشهر معنًى، إلى إفادته بذلك قصد إفادة كون الأربع مفصولة بغير سلام، وذلك حينئذٍ ليس إلا [التشهد] (^٣) لا مخلوطة.
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "بأنها".
(٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ب) و(ج): "اثنتين اثنتين".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "للتشهد".
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وقد وقع في بعض الألفاظ موصولًا بما يحسن في الاستعمال موقعه، تفسيرًا على ما قلناه، وهو ما أخرجه الترمذي، والنسائي، عن الفضل بن العباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين"".
(وكان إذا قام من الليل [يتهجد]) (^١) أي: يريد أن يتهجد، يعني: يصلي صلاة التهجد، (قال) أي: قبل الشروع، وجملة "يتهجد" حال من الضمير في "قام"، و"قال" في موضع النصب على أنه خبر "كان"، ويحتمل أن يكون "قال" جواب "إذا"، والجملة الشرطية خبر "كان".
وقال المؤلف: "يتهجد، أي: يسهر، يقال: هجد وتهجد إذا سهر، وهجد وتهجد إذا نام، فهو من الأضداد" (^٢)، انتهى. والتحقيق ما قدمناه.
وفي حديث يحيى بن زكريا ﵉: "فنظر إلى متهجدي عباد بيت المقدس" أي: المصلين بالليل، والأظهر أن يقال: "يتهجد" استئناف تعليل، أي: وكان إذا قام من الليل [ليتهجد] (^٣)، قال:
(اللهم لك الحمد) أي: على النوم واليقظة، [و] (^٤) على سائر الأحوال المختلفة، (أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن) قال المؤلف: "أي: مدبر أمور خلقه" (^٥)، انتهى.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "متهجدًا".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٣) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب) و(ج): "يتهجد".
(٤) زيادة من (أ) و(د) فقط.
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
[ ٢ / ٦٢١ ]
"وفي رواية: "قيام" وفي أخرى: "قيوم"، وهي من أبنية المبالغة، وأصلها من الواو: قَيْوَام، وقَيْوم، وقَيْوُوم، بوزن فَيْعَال، وفَيْعِل، وفَيْعُول، ومعناها: القائم بأمور الخلق، ومدبر العالم في جميع أحواله، ومنه: قيم الطفل، والقيوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء، ولا دوام وجوده إلا به" (^١)، كذا في "النهاية"، وروعي في قوله: "ومن فيهن" تغليب العقلاء، والضمير إلى مجموع السماوات والأرض كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩].
(ولك الحمد أنت [ملك] (^٢) السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن) أي: بك يهتدي من فيهما، وقيل: "معناه أنت منزه عن كل عيبٍ"، وقيل: "هو اسم مدح يقال: فلان نور البلد، أي: [مزينه] (^٣) "، وقالَ المؤلف: "أي: منورهما، أي: خالق نورهما" (^٤)، انتهى.
وقال الغزالي: " [إن] (^٥) النور [من] (^٦) هو ظاهر بنفسه، ومنور لغيره"، فالإضافة بمعنى "في" باعتبار ظهور نوره فيهن.
_________________
(١) "النهاية" (٤/ ١٣٤).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): "مالك".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "زينته".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب). وقد سبق الكلام عن النور.
(٥) زيادة من (ج) فقط.
(٦) زيادة من (أ) و(ب) فقط.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
(ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق) الحق: ضد الباطل، ويطلق على واحد الحقوق، قال المؤلف: "أي: المتحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق"، وعرف "الحق" في الموضعين بمعنى الحصر، ونكر الباقي لأن كلا منهما حق في نفسه" (^١).
(ولقاؤك حق) أي: البعث، أو رؤية الله تعالى، قال المؤلف: "يعني: البعث، وأخطأ من فسره بالموت" (^٢)، انتهى. ولا يخفى أن خطأه غير ظاهر؛ إذ اللقاء بمعنى الملاقاة، وهو لا يكون إلا بالموت، ويؤيده: "من أحبّ لقاء الله، أحبّ الله لقاءه … " الحديث، وقد فسر بالموت، ويقويه ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، الآية، مع أن إرادة البعث تتكرر مع قوله: "والساعة حق"، والتأسيسُ أولى من التأكيد، عند أرباب التأييد.
فإن قلتَ: ذلك داخل تحت الوعد، قلتُ: الوعد مصدر، والمذكور بعده هو الموعودُ، [وهو] (^٣) تخصيص بعد تعميم، كما أن قوله: (وقولك حقٌّ) بعد الوعد تعميمٌ بعد تخصيصٍ.
فإن قلتَ: القول يوصف بالصّدق، فيقال: هو صدق وكذب؛ ولذا قيل: "الصدق هو بالنظر إلى القول المطابق للواقع، والحق بالنظر إلى الواقع
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٣) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب): "أو هو"، وفي (ج): "أو".
[ ٢ / ٦٢٣ ]
المطابق للقول"، قلت: قد يقال أيضًا [قول] (^١) ثابت، ثم إنهما متلازمان.
فإن قلتَ: لِمَ عرف "الحق" في الأولين، ونكر في البواقي؟ قلت: المعرف بلام الجنس والنكرة تقرب بينهما المسافة، بل صرحوا: أن مؤداهما واحد لا فرق بينهما، إلا بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليه، وإن لم تكن إلا معلومة.
والحاصل: أنه تفنن في العبارة، لكن المعلومة قدمت على المجهولة في الجملة؛ لأنها أوقع في المتخيلة.
هذا، وفي "صحيح مسلم": "وقولك الحق" بالتعريف أيضًا، وقال الخطابي: "عرفهما للحصر لأن الله تعالى هو الحق الثابت الباقي، وما عداه في مدحض الزوال والفناء، وكذا وعده مختص بالإنجاز دون غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم".
(والجنة حق، والنار حق) فيه إيماءٌ إلى أنهما مخلوقتان موجودتان، (والنبيون حق، ومحمد حق) خَصَّ محمدًا من بين النبيين، وعطف عليهم، إيذانًا بالتغاير، وأنه فائقٌ عليهم بأوصافٍ مختصة به، فإنّ تغايرَ الوصف بمنزلة تغاير الذات، ثم جرد [عن] (^٢) ذاته كأنه غيرُه، ووجب عليه الإيمانُ به، وتصديقُه على أن التحقيق: أنه يجب عليه [التصديق
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "قوله".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "من".
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الإيماني] (^١) بأنه حق، كما ذكره بعض المحققين.
(والساعة حقٌّ) في "النهاية": "إن الساعة لغة تطلق على جزء قليلٍ من النهار أو الليل، ثم استعيرت للوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعةٌ خفيفةٌ يحدث فيها أمر عظيمٌ، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه تسمى ساعة" (^٢)، انتهى.
وحاصله: أنها ساعة بغتة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [الزخرف: ٦٦]، فاللام للعهد، وقيل: "لطول زمن القيامة سميت ساعة تسمية بالضد، كإطلاق الكافور على الزنجي".
(اللهم لك أسلمت) "أي: استسلمت وانقدت" (^٣)، ذكره المصنف، (وبك آمنت) "أي: صدقت بك، وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت" (^٤)، قاله المؤلف، (وعليك توكلت) أي: اعتمدت عليك، وفوضت أمري إليك، قاطعًا للنظر من الأسباب العادية، والأحوال الكسبية، (وإليك أنبْتُ) من الإنابة، بمعنى: الرجوع، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، قال المؤلف: "أي: أطعت فرجعت إلى
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (ب): "التصديق الإيمان"، وفي (أ): "بالتصديق الإيماني".
(٢) "النهاية" (٢/ ٤٢٢)
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
عبادتك، وأقبلت عليها، وقيل: "رجعت إليك في تدبيري، أي: فوضت إليك [أمري] (^١) " (^٢).
(وبك خاصمت) أي: جادلت وقاومت خصمي وخصمَك، وقال المصنف: "أي: بما أعطيتني من البراهين والقوة خاصمت من عاند فيك، وكفر بك، وقمعته بالحجة والسيف" (^٣).
(وإليك حاكمت) أي: رافعت قضية الخصومة إلى حكمك، ورضيت بأمرك ونهيك، وقال المؤلف: "أي: كل من جحد الحق حاكمته إليك، لا إلى غيرك مما كانت يتحاكم إليه الجاهلية من: صنم، وكاهن، وغير ذلك" (^٤)، انتهى.
وقدم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادة الحصر.
وزاد أبو عوانة: (أنت ربنا وإليك المصير) فيكتب رمزه فوقه، (فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت) أي: أخفيت، (وما أعلنت) قال المصنف: "قاله تواضعًا وليقتدى به" (^٥)، انتهى. أو نظرًا إلى ما قيل من:
_________________
(١) زيادة من (أ) فقط.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٨/ ب).
[ ٢ / ٦٢٦ ]
"أن حسنات الأبرار سيئات المقربين"، أو المراد به: ما وقع على خلافِ الأولى، أو عدَّ المباحات من الغفلات، أو اعتبر التقصير في الطاعات من جملة السيئات، قال تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣]، وقد ورد: "ما عبدناك حق عبادتك".
وزاد البخاري في رواية: (وما أنت أعلم به مني) فيشار إليه بكتابة رمزه عليه.
(أنت المقدم) أي: مَن تشاء، بما تشاء، على ما تشاء، (وأنت المؤخر) أي كذلك، قال ابن بطّال (^١): "معناه أنه ﷺ أخّر عن غيره في البعث، وقدّم عليهم يوم القيامة بالشفاعة وغيرها، كقوله: "نحن الآخرون السابقون"، وفي رواية مسلم زيادة: (أنت إلهي) فينبّه عليه بالرمز إليه، (لا إله إلا أنت. ع، عو) أي رواه: الجماعة، وأبو عوانة؛ كلهم عن ابن عباس (^٢).
(ولا حول ولا قوة إلا بالله. خ) أي: رواه البخاري عنه، فهو من زياداته على رواية الجماعة، ووقع في نسخة هنا رمز العين بدل الخاء، فيكون إشارة إلى أن هذه الزيادة لم يروها أبو عوانة، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: شرح ابن بطال (٣/ ١١٠).
(٢) أخرجه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩)، وأبو داود (٧٧١)، والترمذي (٣٤١٨)، والنسائي ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠، وفي "عمل اليوم والليلة" (٨٦٨)، وابن السني (٧٦٠)، وابن ماجه (١٣٥٥)، وأحمد ١/ ٢٩٨ و٣٠٢ و٣٥٨، والطبراني في "الدعاء" (٧٥٣ - ٧٥٧)، وأبو يعلى (٢٤٠٤) وأبي عوانة (٢٢٢٧).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
(سمِع الله) أي: استجاب (لمن حمده) [وقُبِل ثناؤه] (^١)، وأجاب دعاءه، وقيل: "اللام زائدة"، أي: سمع الله حمد من حمدَه، [و] (^٢) أجابه وقبله، ويشير إليه قول المصنف: "أي: أجاب حمده وتقبَله" (^٣)، انتهى.
والسمع والسماع يتعدى إلى مفعولين تارةً، وإلى مفعولٍ أخرى، وباللام أيضًا ومنه: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وبـ "إلي" ومنه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨]، ثم الضمير راجع إلى الله، وفي نسخة بالسكون للوقف، وقيل: "على أنه هاء السكت فالمفعول محذوفٌ"، وهو تكلّف مستغنًى عنه على ما هو معروف.
(الحمد لله رب العالمين. ت) أي: رواه الترمذي عن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: "كنت أبيت عند، رسول الله ﷺ فأعطيه وَضوءه، فأسمعه الهَويّ من الليل، يقول: سمع الله لمن حمده، وأسمعه الهوي من الليل، يقول: الحمد لله رب العالمين"، رواه الترمذي، وفي رواية النسائي، وابن ماجه: "يقول: سبحان الله رب العالمين، ثم يقول: سبحان الله وبحمده"، هكذا أورده صاحب "السلاح".
وأورد صاحب "المشكاة" رواية النسائي، ثم قال: "وروى الترمذي نحوه"، ويفهم من كلامهما: أن أبا داود لم يخرج هذا الحديث، وهو
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "وقَبِلَ ثَناءَه".
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "أو".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ بقوله:
(سبحان الله رب العالمين، سبحان الله وبحمده. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عنه أيضًا، كذا ذكره ميرك (^١).
وأقول: المنطوق معتبر دون المفهوم، مع أن المثبت مقدّم على النافي، وزيادة الثقة مقبولة.
(وقعد) أي: النبي ﷺ (الثلث الأخير) أي: في الثلث الأخير (من الليل) كذا في "أصل الأصيل"، فـ "من" بيانٌ للثلث وهو ظاهر، وفي "أصل الجلال": "من النوم"، فـ "من" متعلقة بـ "قعد"، أي: جلس قائمًا من النوم، (فنظر إلى السماء، فقال) أي: فقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] أي: في إيجادهما وإبداعهما، أو في المخلوقات الكائنة فيهما، (﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾) أي: في تعاقبهما أو تخالفهما، ظلمةً ونورًا، وبردًا وحرًّا، [أو] (^٢) في تفاوتهما طولًا وقِصرًا (﴿لَآيَاتٍ﴾) أي: دلالات واضحات، وبينات لائحات، (﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾) أي: لأصحاب العقول السليمة، وأرباب البصائر القويمة.
وفي رواية للبخاري زيادة: (العشر الأواخر من آل عمران حتى ختمها) وهذا هو المفهوم من كلام صاحب "السلاح".
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٤١٢) وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي (٣/ ٢٠٩) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "و".
[ ٢ / ٦٢٩ ]
(ثم قام فتوضأ، واستنّ) بتشديد النون، أي: استاك بعد قيامه من النوم، أو في أثناء وضوئه عند إرادة المضمضمة، أو عند قيامه للصلاة، ولا منع من الجمع كما هو مفادٌ من الواو، (فصلئ إحدى عشرة ركعة) بسكون الشين، ويكسر عند بني تميم، فيكون التهجد ثماني ركعات، والوتر ثلاث، والحمل على هذا لكونه المتفق على جوازه، الأفضل عند الكل أولى من الحمل على جعل الوتر ركعة واحدة مع الخلاف في صحته، ولما ورد النهي عن [البتيراء] (^١).
وفي "شرح الهداية" لابن الهمام: "قال الشعبي: سألت عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ، فقالا: ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر"، ثم الأولى أن يصلي أربعًا بتسليمة، ثم ركعتين بتسليمة، ثم أربعًا وهكذا، جمعًا بين الأحاديث الواردة، والروايات المختلفة عن الأئمة.
(ثم أذن بلال) أي: أذان الصبح، (فصلى) وفي "أصل الأصيل": "ثم صلى" (ركعتين) أي: سنة الصبح، (ثم خرج) أي: إلى المسجد (فصلى الصبح) أي: فرضه بجماعة. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري،
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب): "التبيراء"، وفي (د): "البيترا"، وكتب بجوارها في حاشية (ج): "البتيراء: تصغير الأبتر، والمراد: الصلاة المقطوعة عن القعدة والتسليم، كقطع الشفعة بركعة واحدة، أو ببعضها، أو بتمامها، وببعض الثانية".
[ ٢ / ٦٣٠ ]
ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن ابن عباس. (^١)
(وكان يصلي من الليل) أي: أحيانًا (ثلاث عشرة ركعة، يوتر) أي: يصلي الوتر على ما في "المغرب"، (من ذلك) أي: من مجموع ما ذكر (بخمسٍ) أي: بخمس ركعاتٍ (لا يجلس في شيء) أي: بقصد السلام وقطع المرام (إلا في آخرهن) وحاصله: أنه يوقع الوتر -وهو الثلاث- بعد الشفع الذي قبله، فكأنه أوتر بخمسٍ. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن عائشة (^٢).
وقال ابن الهمام (^٣): "لا خلاف بينهم في إباحة الثمان بتسليمةٍ ليلًا،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٣) (٩٩٢) (٤٥٧١) (٤٥٧٢)، (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣)، وأبو داود (١٣٦٧)، وفي الأدب (٥٠٤٣)، والنسائي (٣/ ٢١٠)، وابن ماجه (١٣٦٣)، وابن حبان في صحيحه -الإحسان- (٢٦٣٦).
(٢) أخرجه مسلم (٧٣٧). وأبو عوانة (٢٢٩٦ - ٢٢٩٨) وأبو داود (١٣٣٨). والترمذي (٤٥٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٤٠). وفي الكبرى (٤٢٠ و٤٣٤) و(١٤١١ و١٤٢٤). وابن ماجه (١٣٥٩). والدارمي (١٥٨١). وابن خزيمة (١٠٧٦ و١٠٧٧). وابن حبان (٢٤٣٧ - ٢٤٤٠). ولم أجد عند البخاري هذا اللفظ والذي عنده: كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر. أخرجه البخاري (١١٤٠)، ومسلم (٧٣٨)، وأبو داود (١٣٤٠)، والنسائي (٣٩٢).
(٣) فتح القدير (١/ ٤٤٧).
[ ٢ / ٦٣١ ]
وكراهة الزيادة عليها في رواية"، وقال السرخسي: "الأصح أنها لا تكره الزيادة على الثمان أيضًا".
وبما في "صحيح مسلم" عن عائشة، في حديثٍ طويلٍ قالت "كنا نعد له سواكه وطهوره، ويبعثه الله ما شاء أن يبعثه، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا في الثامنة، فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه" (^١) يترجح ما صححه السرخسي، لكنه يقتضي عدم القعود فيها أصلًا إلا بعد الثامنة، [وكلمتهم] (^٢) على وجوب القعدة على رأس الركعتين من النفل مطلقًا، حتى لو قام إلى الثالثة ساهيًا عن القعدة يعود ولو بعد تمام القيام، ما لم يسجد لدليل آخر يأتي في محله".
(وكان) أي: أحيانًا (يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر بواحدة) أي: ملحقة بالشفع الذي قبلها. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عنها أيضًا (^٣).
قال ابن الهمام: "ظاهر كلام "المبسوط" أن منتهى تهجده ﵇ ثمان ركعات، وأقله ركعتان، فإنه قال: رُوِيَ: "أنه ﷺ كان يصلي من الليل
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٥٠)، وأبو داود (١٤٣٨)، والترمذي (٤٦٧).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "وكلهم".
(٣) أخرجه البخاري (٦٣١٠) ومسلم (٧٣٦).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث عشرة ركعة"، فالذي قال: خمس ركعات؛ ركعتان صلاة الليل، وثلاث وتر، وهكذا البقية، لكن في رواية أبي داود قالت عائشة: "لم يكن يوتر بأقل من سبع" (^١).
وروى الترمذي، والنسائي، من حديث أم سلمة، قالت: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بسبعٍ" (^٢).
بقي أن صفة صلاة الليل في حقّنَا السُّنِّيَّة أو الاستحباب، [تتوقف على] (^٣) صحتها في حقه ﵇، فإن كانت فرضًا في حقه ﵇، فهي مندوبةٌ في حَقِّنا" لأن الأدلة القولية فيها إنما تفيد الندب، والمواظبة الفعلية ليست على تطوع لتكون سنة في حقنا، وإن كانت تطوعًا فسنة لنا.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب طائفة إلى أنها فرض عليه، وعليه كلام الأصوليين من مشايخنا، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، وقالت طائفة: تطوع، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾، والأولون قالوا: لا منافاة، لأن المراد بالنافلة الزائدة،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٣٦٢) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٨٥)، والبيهقي (٣/ ٣٥) وصححه الألباني في "المشكاة" برقم (١٢٦٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٤٥٧)، وقال: حديث حسن، والنسائي ٣/ ٢٤٣ بلفظ "أوتر بتسع"، وقال الألباني في "صحيح الترمذي": صحيح الإسناد.
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "يتوقف في".
[ ٢ / ٦٣٣ ]
أي: زائدة على ما فرض على غيرك، أي: تهجد فرضًا زائدًا لك على ما فرض على غيرك، وربما يعطي التقييد بالمجرور ذلك، فإنه إذا كان النفل المتعارف يكون كذلك له ولغيره.
وأسند عن مجاهد، والحسن، وأبي أمامة: أن تسميتها نافلة، باعتبار كونها في حقه ﵇ عاملة في رفع الدرجات، بخلاف غيره فإنها عاملة في تكفير السيئات، لكن في مسلم، وأبي داود، والنسائي (^١)، عن سعيد بن هشام، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلي، قالت: فإن خُلُق نبي الله كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى أموت، ثم بدا لي فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ، فقالت: ألست تقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، وصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته … " الحديث، فهذا يقتضي أنه نسخ وجوبه عنه ﵇.
(وإذا قام لصلاة الليل كبر) أي قال: الله أكبر (عشرًا، وحمد) بفتح فكسر، وفي نسخة بتشديد ميم مفتوحة، أي قال: الحمد لله (عشرًا،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٤٦)، وأبو داود (١٣٤٢) و(١٣٤٣) و(١٣٤٤) و(١٣٤٥)، وابن خزيمة (١١٧٠)، وأبو عوانة (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢ و٣٢٣ - ٣٢٥).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وسبح) أي قال: سبحان الله (عشرًا، واستغفر) أي: الله (عشرًا. د، س، ق، مص، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن حبان، عن عائشة أيضًا (^١).
(وقال: اللهم اغفر لي) أي: ذنبي، (واهدني) أي: إلى شرائع ديني، (وارزقني) أي: حلالًا طيّبًا، (وعافني) من البلايا الدنيوية المانعة من العطايا الأخروية. (د، سى، ق، مص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن عائشة أيضًا.
(عشرًا. حب) أي: رواه ابن حبان زيادة "عشرًا" عنها أيضا، وكان الأظهر أن يذكر المصنف رمزه أولًا مع ما قبله أيضًا، وفي "نسخة الجلال" وقع "حب" قبل "مص" أيضًا.
(ويتعوذ بالله من ضيق المقام) بكسر الضاد، وقد يفتح، (يوم القيامة)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٨٥)، والنسائي (٨/ ٢٨٤). وفي إسناده شريق الهوزني: لا يعرف، كما قال الذهبي في (الميزان ٢/ ت ٣٦٩١) وكذلك فيه علة أخرى: بقية بن الوليد وهو مدلس ولكن أخرجه أبو داود (٧٦٦) من طريق آخر عنها دون قوله: (وقال: سبحان الملك القدوس عشرا)، دون الاستعاذة من ضيق الدنيا وإسناده صحيح. وله طريق عند ابن ماجه (١٣٥٦) من طريق عاصم بن حميد عن عائشة وإسناده حسن، من أجل معاوية بن صالح، فإن حديثه لا يرتقي إلى الصحة. وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن "نتائج الأفكار" (١/ ١٢٠) قال الألباني في "صحيح أبي داود" (٤٢٤٢): حسن صحيح.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
قال المؤلف: "أي: مقام يوم القيامة الذي يضيق بأهله، حتى يتمنَّوُا الذهاب إلى النار من هوله وشدته" (^١). (د، س، ق، مص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عنها أيضًا، (عشرًا. حب) أي: رواه ابن حبان مع ما قبله عنها أيضًا.
وفي "الأذكار": "روينا في "سنن أبي داود" عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا هَبَّ من الليل- أي: استيقظ من نوم الليل، والإضافة بمعنى في- كبر عشرًا، وحمد عشرًا، وقال: سبحان الله وبحمده عشرًا، وقال: سبحان الملك القدوس عشرًا …، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، ومن ضيق يوم القيامة عشرًا، ثم يفتتح الصلاة" (^٢)، وقال المصنف في "تصحيح المصابيح": "رواه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وألفاظهم قريبة".
(وإذا افتتح صلاة الليل) أي: أراد افتتاحها (قال: اللهم رب جبريل) بكسر الجيم، [ويفتح] (^٣)، وبفتح الجيم والراء فهمز مكسور مع ياء، وبدونها؛ أربع قراءات متواترات (وميكائيل) بهمز فياء، وبحذفه، وبإسقاطهما؛ ثلاث قراءات، (وإسرافيل) قال المظهري: "وجه إضافة الرب إلى هؤلاء الملائكة مع أنه تعالى رب كل شيء، لبيان تشريف هؤلاء، وتفضيلهم على غيرهم"،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٢) انظر: "الأذكار النووية" (صـ ١٦).
(٣) زيادة من (ب) فقط.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
انتهى. والظاهر أن مراتب فضلهم على ترتيب ذكرهم.
وقال المؤلف: "خصهم بالذكر، وكذلك قوله: "رب العرش العظيم"، ونحو ذلك من دلائل العظمة" لعظمة شأنه تعالى؛ فإنه ربّ كل شيء" (^١)، انتهى.
وقد يقال: "إن حياة القلب بالهداية، وهؤلاء الثلاثة موكلون بالحياة؛ فجبريل: موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل: بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان، وإسرافيل: بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى [أجسادها] (^٢)، فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثيرٌ عظيمٌ في حصول الحاجاتِ ووصول المهماتِ.
(فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما ومخترعهما، (عالم الغيب) أي: ما غاب عن العباد، (والشهادة) أي: ما ظهر في البلاد، (أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) أي: من الحق، فتثيب موافقه وتعاقب مخالفه، (اهدني لما اختلف فيه من الحق) بيان لـ "ما"، قال المصنف: "أي: ثبتني عليه، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (^٣)، (بإذنك) أي: بتوفيقك وتيسيرك، والهداية يتعدى بنفسه، كـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب): "أجسادهم"، وفي (د): "الأجساد".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
الْمُسْتَقِيمَ﴾، وباللام كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وبـ ﴿إِلَى﴾ كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] و"إنك" بالكسر، على أنه استئناف مبين، وفي نسخة بالفتح على التعليل.
وقال الطيبي: "اللام بمعنى إلى، يقال: هداه لكذا، وهداه إلى كذا، و"ما" موصولة، أي: الذي اختلف فيه عند مجيء الأنبياء، وهو الطريق المستقيم الذي دعوا إليه، فاختلفوا فيه".
(م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان، عن عائشة أيضًا (^١).
(وإذا صلى الوتر ثلاثًا) قَيْد واقعي؛ إذ لم يثبت صريحًا أنه ﵇ صلى الوتر ركعة، أو أكثر من ثلاث، مع ثبوت أنه ﷺ صلى الوتر ثلاثًا، وأجمعوا على جوازه بل على كونه أفضل، (فيقرأ) أي: مصلى الوتر استحبابًا (في الأولى) أي: بعد الفاتحة، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) أي: " ﴿الْأَعْلَى﴾ " كما في نسخة، (وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. د، ت، س، أ، ق، حب، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وابن ماجه، وابن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٧)، والترمذي (٣٤٢٠)، والنسائي (٣/ ٢١٢ - ٢١٣)، وأحمد (٦/ ١٥٦).
[ ٢ / ٦٣٨ ]
حبان، وابن السني، لكن أبو داود عن أبي بن كعب (^١)، والترمذي عن ابن عباس (^٢)، وابن ماجه عنهما، والنسائي وأحمد عن عبد الرحمن بن أبزى
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد (١٧٦)، وأبو داود (١٤٢٣ و١٤٣٠)، وابن ماجة (١١٧١) و(١١٨٢) وعبد الله ابن أحمد (٥/ ١٢٣) والنسائي (٣/ ٢٣٥ وفي ٣/ ٢٤٤، وفي "الكبرى" (٤٤٦، ١٤٣٣، ١٤٣٦) وفي "عمل اليوم والليلة" ٧٢٩ و٧٣٤ و٧٤٠) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، فذكره. قال النسائي، عقب رواية سفيان، عن زبيد: وقد روى هذا الحديث غير واحد، عن زبيد، فلم يذكر أحد منهم فيه، أنه يقنت قبل الركوع. وأخرجه أحمد (٣/ ٤٠٦ و٤٠٧) وعبد بن حميد (٣١٢)، والنسائي (٣/ ٢٤٤ و٣/ ٢٤٥، و٣/ ٢٥٠، ٣/ ٢٥١،)، وفي "الكبرى" (٤٤٧ و١٤٣٩، ١٤٣٤ وفي ١٤٥٠ و١٤٥٢، وفي "عمل اليوم والليلة" (٧٣٠ و٧٣١ و٧٣٦ و٧٣٧ و٧٣٨) ٧٤١ و٧٤٢ و٧٤٣)، والطبراني في "معجمه الأوسط" (١٦٦٥) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، ليس فيه: أبي بن كعب. وأخرجه النسائي (٣/ ٢٤٥، و٢٤٦، و٢٤٩ و٢٥٥)، وفي "الكبرى" ١٤٣٥ - ١٤٣٨، ١٤٣٧ وفي "عمل اليوم والليلة" (٧٣٣ - ٧٣٥، ٧٣٩) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، ليس فيه: ذر، ولا أبي بن كعب. وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (٤/ ٣٣٨) وأما حديث عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، فرواه أحمد فيه والنسائي بإسناد جيد وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتا عليه (٢/ ٣٦١).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٩٩ و٣٠٠ و٣٠٥ و٣١٦ و٣٧٢)، وعنه ابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٥٨/ ٦٧٢)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٦٩٥٠ =
[ ٢ / ٦٣٩ ]
أيضًا، وابن حبان عنه فقط، كذا ذكره ميرك.
وفي نسخة: "رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي، والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن ابن عباس، والنسائي وأحمد عن ابن أبزى".
(والمعوذتين) بكسر الواو، وفي نسخة بفتحها. (د، أ، ق، ت، حب) أي رواه: أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، والترمذي، وابن حبان؛ كلهم عن عائشة (^١)، وفي عطفه بالواو إشعار بأنهما منضمتان في هذه الرواية إلى
_________________
(١) = (٦٩٥١ و٦٩٥٢)، والدارمي (١٥٨٦ و١٥٨٩) وابن ماجة (١١٤٥)، والترمذي (٤٦٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٦، وفي "الكبرى" ٤٣٥ و١٤٣١١٤٣٠ و(١٣٤٢) عن سعيد بن جبير، فذكره. وأخرجه النسائي (٣/ ٢٣٦)، وفي "الكبرى" (٤٣٦ و١٤٣٢) عن ابن عباس، أنه كان يوتر بثلاث. فذكره موقوفا. قال الترمذي: "وفي الباب عن علي وعائشة وعبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب، ويروى عن عبد الرحمن بن أبزى عن النبي ﷺ. وذكر ابن الملقن في "البدر المنير" (٤/ ٣٣٨): "حديث ابن عباس وقال رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح عنه". قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ١١٩) قال النووي في "الخلاصة": بإسناد صحيح وسكت الترمذي عنه. وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" (٢/ ٣٥٩).
(٢) أبو داود (١٤٢٤). والترمذي (٤٦٣)، وابن ماجه (١١٧٣. وأحمد ٦: ٢٢٧ والحاكم (٢/ ٥٦٦/ ٣٩٢١) وعنه البيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٨). ورواه ابن =
[ ٢ / ٦٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = راهويه (١٦٧٨) عن خصيف عن عبد العزيز بن جريج قال سألنا عائشة بأي شيء كان يقرأ رسول الله ﷺ في الوتر فقالت كان يقرأ في الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد والمعوذتين وقال الترمذي: حسن غريب. وفيه نظر خصيف ضعيف. قال الحافظ في "التلخيص الحبير" (٢/ ٤٧): وفيه خصيف وفيه لين وعبد العزيز بن جريج مختلف في سماعه من عائشة. قال العلائي في "جامع التحصيل" (ص ٢٢٨): عبد العزيز بن جريج قال حرب بن إسماعيل ذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لم يلق عائشة ﵂ وروى محمد بن سلمة عن خصيف عن عبد العزيز بن جريج أنه قال: سألت عائشة بأي شيء كان يوتر النبي ﷺ … الحديث وهو في مسند أحمد وكتب أبي داود والترمذي وابن ماجة ولكن خصيف متكلم فيه. ذكره "العقيلي" قال: (٣/ ١٢) عبد العزيز بن جريج عن عائشة في الوتر حدثني آدم بن موسى قال سمعت البخاري قال عبد العزيز بن جريج عن عائشة في الوتر روى عنه ابنه عبد الملك ولا يتابع عليه وهذا الحديث. حدثناه الحسن بن على بن زياد قال حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء قال حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرت عن عائشة أن النبي ﷺ كان فذكر نحوه. حدثنا أحمد بن محمد بن موسى قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن خصيف عن عبد العزيز بن جريج عن عائشة عن =
[ ٢ / ٦٤١ ]
الإخلاص في الثالثة، ويمكن أن تكون الواو بمعنى "أو"، [فتفيد] (^١) أنهما تقرآن بدل [الإخلاص] (^٢).
(ويفصل بين الشفع) أي: الواقع قبل الوتر (والوتر) أي: وبين الوتر، إيماء إلى أنه صلاة مستقلة آكد مما قبلها، سواء قلنا بوجوبها على مذهب
_________________
(١) = النبي ﷺ نحوه. حدثنا يحيى بن عثمان قال حدثنا أبو صالح الحراني قال حدثنا محمد بن سلمة قال حدثنا خصيف عن عبد العزيز بن جريج قال قدمت علينا عائشة بمكة فسألتها عن وتر النبي ﷺ. وقال العقيلي: "الرواية عن أبي بن كعب وابن عباس في الوتر أصح من هذه الرواية وأولى". قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٨٤) وقال فيه: حسن غريب، وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري هذا الحديث، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ. انتهى كلام الترمذي. فأقول: إنما لا يقال: هذا الحديث صحيح، لمكان خصيف بن عبد الرحمن ابن أبي عون الجزري، فإن حفظه رديء سيئ. وفيه مع ذلك قول عبد العزيز بن جريج: سألنا عائشة، فقد زعم قوم أنه لم يسمع منها. وممن قال ذلك أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي ذكره عنه المنتجالي في كتابه صحيحا عنه، ولو جاء قوله: سألنا عائشة عن غير خصيف ممن يوثق به، صح سماعه منها. وإلي ذلك فإنه -أعني عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك- لا يتابع على حديثه. قاله البخاري.
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "فيفيد".
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "الإخلاصين".
[ ٢ / ٦٤٢ ]
أبي حنيفة، أو بسنيتها على مذهب صاحبيه وسائر العلماء.
(بتسليمة يسمعها) أي: من خلفه، وهو من السماع، وفي نسخة من الإسماع، وفيه تنبيه نبيه على أن ما قبل الشفع الذي يليه الوتر الذي هو ثلاث عندنا، يجوز له أن يفصل بين كل شفع وشفع، ويجوز أن يصل بينهما، أو بين الكل مما قبل الوتر، على ما سبق تحقيقه. (أ) أي: رواه أحمد عن ابن عمر (^١).
(أو لا يسلم) فـ "أو" للتنويع، وفي نسخة: "ولا يسلم"، وهو المطابق للرواية والدراية، (إلا في آخرهن) أي: في آخر [الركعات] (^٢) الثلاث [من] (^٣) الوتر. (س، ي) أي رواه: النسائي، وابن السني؛ كلاهما عن عبد الله بن أبزى، والنسائي من حديث أُبَيٍّ أيضًا (^٤).
(أو يوتر بواحدة) أي: منضمة إلى شفع قبلها. (خ، م) أي رواه:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٧٦). وقد ثبت مثل هذا عن ابن عمر موقوفا، فقد أخرج مالك في "الموطأ" (١/ ١٢٥) ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٩٩١)، والطحاوي (١/ ٢٧٩). وأخرجه الطحاوي ١/ ٢٧٩ من طريق سعيد بن منصور، عن هشيم، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: صلي ابن عمر ركعتين ثم قال: يا غلام أرحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة. قال الحافظ: إسناده صحيح.
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "ركعات".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "في".
(٤) أخرجه النسائي (١٧٠١)
[ ٢ / ٦٤٣ ]
البخاري، ومسلم؛ كلاهما عن عائشة وابن عمر جميعًا.
(أو بخمس) أي: منها ثلاث وتر، (أو بسبع) كذلك، ولعل بعض الرواة أطلق الوتر على جميع صلاة التهجد، الواقعة قبل الوتر للمشارفة. (قط، سني) أي رواه: الدارقطني، والبيهقي في "السنن الكبير" له، عن أبي هريرة.
(أو بتسع، أو بإحدى عشرة ركعة، أو أكثر من ذلك) أي: ثلاث عشرة ركعة، ولا يثبت ما عدا ذلك، مع أن في ذلك خلافًا؛ إذ قال بعضهم: "من جملتها ثلاث الوتر، وسنة الفجر". (سني) أي: رواه البيهقي في "السنن الكبير" عنه أيضًا (^١).
(وَيَقْنُتُ) بضم النون، أي: يدعو، قال ميرك: "لفظ القنوت يرد لمعانٍ متعددةٍ، والمراد هنا: الدعاء مطلقًا، وإما مقيدًا بالأذكار المشهورة، وهي: اللهم اهدنا … " إلى آخره، (في الأخيرة)، وفي نسخة وهي "أصل الأصيل ": ["الآخرة"، أي: في الركعة الأخيرة] (^٢) من الفجر وهو مختار الشافعية، أو من الوتر وهو مختار الحنفية، وقال النووي في "الأذكار": "ولنا وجهٌ، [وهو] (^٣): أنه يقنت في الوتر في جميع السَّنة، وهو مذهب أبي
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤)، وابن حبان (٤/ ١٨٥ رقم ٢٤٢٩)، والبيهقي (٣/ ٣١)، انظر: البدر المنير (٤/ ٣٠٢).
(٢) كذا في (أ)، وفي (ب): "الأخيرة" فقط، وفي (ج) و(د): "الأخيرة، أي: في الركعة الأخيرة".
(٣) زيادة من (ب) فقط.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
حنيفة" (^١)، انتهى. والمشهور من مذهب الشافعي تخصيص القنوت في الوتر بالنصف الأخير من رمضان.
(إذا رفع رأسه من الركوع) هذا موافق لمذهب الشافعي، وعندنا قبل الركوع، لحديث أخرجه ابن ماجه، والنسائي، وغيرهما: "أنه ﷺ قنت قبل الركوع في الوتر"، وأما قنوت الفجر فمنسوخٌ عندنا، كما حققناه في "المرقاة شرح المشكاة". (مس) أي: رواه الحاكم عن الحسن بن علي.
(فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت) أي: اجعلني من جملة الذين هديتهم، وأهديتهم إلى الصراط المستقيم (وعافني فيمن عافيت) أي: أعطني العافية فيمن عافيتهم من الآفات الدينية، والمحن الدنيوية (وتولني) أمر مخاطب من "تولى"، إذا أحب عبدًا، وقام بحفظه وحفظ أموره، قاله المظهري، (فيمن توليت) أي: فيمن اخترتهم بالولاء.
(وبارك) أي: أوقع البركة والزيادة (لي فيما أعطيت) أي: فيما أعطيتني من خير الدارين، وفي "النهاية": "أي: أثبت لي وأدم ما أعطيتني من التشريف، والكرامة، وغيرهما، وهو من بَرَك البعير، إذا ناخ في موضعه فلزمه، ويطلق من البركة أيضًا على الزيادة، والأصل الأول" (^٢).
(وقني شر ما قضيت) أي: احفظني سوء ما قدرت على في حكمك، كما قيل: "أفر من قضاء الله تعالى إلى قدره"، (إنك) وفي رواية الترمذي
_________________
(١) "الأذكار النووية" (صـ ٤٨).
(٢) "النهاية" (١/ ١٢٠) مادة (ب ر ك).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
والحاكم: "فإنك" (تقضي) أي: تحكم بما تشاء، (ولا يقضى عليك) بصيغة المجهول، أي: لا يقع حكم أحد عليك، فلا يجب شيء عليك إلا ما أوجبته عليك، بمقتضى وعدك، (وإنه لا يذل من واليت) الذل ضد العز، والموالاة ضد المعاداة، وفي رواية النسائي زيادة: (ولا يعز من عاديت)، وهو تصريح بما علم ضمنًا، (تباركت ربنا وتعاليت) أي: تعظمت وترفعت عن فهم المخلوقين، وفي رواية ابن حبان زيادة: (نستغفرك ونتوب إليك) وهو موجود في "أصل الأصيل".
(عه، حب، مس، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم من حديث الحسن بن علي (^١)، إلا أن قوله: "إذا رفع
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨)، وابن ماجه (١١٧٨). وأخرجه الدولابي في الكنى والأسماء (١/ ١٦١) مختصرًا، وابن خزيمة (٢/ ١٥١، ١٥٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٠٩، ٤٩٨). وقال ابن خزيمة (٢/ ١٥٢): وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء ولم يذكر القنوت ولا الوتر. قال الترمذي (٤٦٤): "هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان، ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر شيئا أحسن من هذا. الترمذي (٢٥١٨): "وفي الحديث قصة. وأبو الحوراء السعدي اسمه: ربيعة بن شيبان. وهذا حديث صحيح حدثنا بندار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن بريد، فذكر نحوه =
[ ٢ / ٦٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن خزيمة (١٠٩٥): وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج، عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر. ابن خزيمة (١٠٩٦) وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد، أو دلسه عنه، اللهم إلا أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عمن روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه، ولو ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي، ولست أعلمه ثابتا. قال ابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ٢١٦) قال هذا القائل: شعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا نعلم أسمع هذا الخبر من بريد، أو دلسه عنه؟ وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٣/ ١٣٠/ ٣٩٩٦) ورواه العلاء بن صالح، عن بريد بن أبي مريم، بإسناده ومعناه، وزاد فيه قال: فذكرت ذلك لمحمد ابن الحنفية، فقال: إنه الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته. ورواية ابن الأعرابي في "معجمه" (٢٢٨٣) نا محمود بن محمد الحلبي، نا أبو صالح الفراء محبوب بن موسى، نا أبو إسحاق الفزاري، عن الحسن بن عبيد الله، زاد فيه: فإن الخير عادة، والشر لجاجة، ولم أرها لغيره. وجعل الدعاء عند انقضاء الصلوات. قال النووي: رواه الثلاثة بإسناد صحيح. خلاصة الأحكام ١٤٤٩). قال ابن عبد الهادي: وهو مما ألزم الشيخان تخريجه. "المحرر" (٢٥٩). قال ابن الملقن: هذا الحديث صحيح. "البدر المنير" (٣/ ٦٣٠). =
[ ٢ / ٦٤٧ ]
رأسه من الركوع" من مختصات الحاكم، ورواه: أحمد، والبيهقي أيضًا، لكن البيهقي ذكر: "أن محمد بن الحنفية قال: إن هذا الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته".
وفي "الأذكار": "عن الحسن بن علي، قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر -وفي رواية: في قنوت الوتر-: اللهم اهدني … " (^١) إلى آخره، واللفظ لأبي داود، إلا قوله: "ولا يعز من عاديت"، فإنه في رواية
_________________
(١) = وقال ابن الملقن: رواه الأربعة بإسناد على شرط الصحيح وحسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط الشيخين "تحفة المحتاج" (٤٥٤). قال العراقي: إسناده صحيح. "تخريج الإحياء" (١/ ٤٢١). قال الحافظ ابن حجر في "النتائج" (٢/ ١٤٨): قال الترمذي هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه عن أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان … وهو بصري ثقة. والراوي عنه بريد بن أبي مريم … وبريد بصري ثقة وهو تابعي أيضا ورواية أبي إسحاق عنه من رواية الأقران بل أبو إسحاق أكبر فيه. وقد رواه عن بريد أيضًا ابنه يونس بن أبي إسحاق، وصاحبه شعبة، وقال ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار (٧٠٠) أبو الحوراء السعدي بن شيبان من صالحي أهل البصرة لا يوجد له راوٍ ثقة إلا بريد بن أبي مريم. وانظر نتائج الأفكار لابن حجر ٢: ١٣٤ - ١٦٧ باب القنوت في الصبح، ومحمد بن عمر بازمول في رسالته: (الأحاديث، والآثار الوارد في قنوت الوتر رواية ودراية).
(٢) "الأذكار النووية" (صـ ٤٨).
[ ٢ / ٦٤٨ ]
النسائي، وفي رواية له: "وصلي الله على النبي""، انتهى.
وهذا معنى قول المصنف: (وصلى الله على النبي. س) أي: رواه النسائي عن الحسن بن علي أيضًا.
ثم اعلم أنه يستحب الجمع في قنوت الوتر بين هذا الدعاء والدعاء الآتي، وهو قوله: "اللهم إنا نستعينك … " إلى آخره، على ما صرح به بعض علمائنا، وينبغي تقديم هذا، لأنه الأصح.
وقال ابن الهمام: "الأولى أن يؤخره، لأن الصحابة اتفقوا على: "اللهم إنا نستعينك … "، لكن لو قرأ غيره جاز"، انتهى.
ولو قرأ مرة هذا ومرة ذاك جاز، وحاز فضيلة الجمع كما لا يخفى.
(اللهم اغفر لنا) أي: معشر الجماعة أو أهل البيت، (وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين) وفي "أصل الأصيل": "وللمسلمين" (والمسلمات) أي: الجامعين بين صفتي التصديق الباطني والانقياد الظاهري، فالتغاير باعتبار الوصفين، وإن كان كل منهما يطلق على الآخر شرعًا، لأنهما متلازمان اعتبارًا، ولو لم يلزم من الإسلام الإيمانُ لغًة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، والحاصل: أن عطفه [كالعطف] (^١) في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١].
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "كما يعطف".
[ ٢ / ٦٤٩ ]
(وألّف) أمر من التأليف، أي: أوقع الألفة الناشئة عن المحبة (بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم) أي: الحالات الواقعة بينهم؛ ليسلموا من الخطأ والفساد، فيما بين العباد والبلاد، وقيل: لفظ "ذات" مقحم فالمفعول محذوف، أي: وأصلح الأمور الدينية، والأحوال الدنيوية الكائنة فيما بينهم، وأغرب الحنفي حيث قال: "أي: أِّلفْ الصلاح والصلح بينهم"، انتهى.
وفي "المغرب" قال: "يعني الأحوال التي كانت بينهم، وإصلاحها بالتعهد والتفقد، ولما كانت ملابسة للبين وصفت به، فقيل لها: ذات البين، كما قيل للأسرار: "ذات الصدور" لذلك ".
(وانصرهم على عدوك وعدوهم) أي: الشيطان، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، وعلي أعدائك وأعدائهم من الكفار، فإن العدو يطلق على المفرد والجمع، مع قطع النظر عن إفادة الإضافة معنى الجنسية.
(اللهم العن الكفرة الذين يصدون) أي: يُعرضون ويميلون (عن سبيلك) أو يمنعون الناس عن طريقك، فإن "صد" جاء لازمًا ومتعديًّا، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، ومن الثاني: قوله سبحانه ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، والفرق بينهما بالمصدر، فتأمل، (ويكذبون) بالتشديد ويجوز تخفيفه، أي: ينسبون إلى الكذب (رسلك، ويقاتلون أولياءك) أي: المؤمنين.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
(اللهم خالف) أي: أوقع الخلاف (بين كلمتهم) ليقع التخالف بين جملتهم، فلا يتم أمرهم، ويتفرق جمعهم، (وزلزل أقدامهم) أي: حركها ولا تثبتها، (وأنزل بهم) من الإنزال، أي: أرسل عليهم (بأسك) أي: عذابك أو قهرك، وشدة آثار غضبك (الذي لا ترده عن القوم المجرمين) أي: الكاملين في الجرم، وهم الكافرون.
(بسم الله الرَّحمن الرحيم) كذا في رواية ابن السني هنا، وفيما بعد قبل قوله: "اللهم" الثاني أيضًا، وقد ورد في بعض الروايات أنهما سورتان من القرآن نسختا تلاوة.
(اللهم) أي: يا ألله (إنا) أي: معشر [المؤمنين] (^١) (نستعينك) أي: نطلب منك المعونة على الطاعة، وترك المعصية، والغلبة على النفس والشيطان، وسائر الكفرة والفجرة، (ونستغفرك) أي: نطلب منك المغفرة للذنوب، والسترة للعيوب.
(ونثني عليك) من باب الإفعال من الثناء، وهو المدح، أي: نوقع عليك الثناء، وفي رواية بزيادة "الخير"، وانتصابه على المصدر، كما في "المغرب"، أي: ثناء الخير، فيفيد نوعًا من التأكيد، (ولا نكفرك) من الكفران، وهو نقيض الشكر والعرفان، من قولهم: "كفرت فلانًا" على حذف المضاف، والأصل كفرت نعمته.
(نخلع) من خلع الفردس رسنه، أي: ألقاه، أي: نطرح، (ونترك من
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "المسلمين".
[ ٢ / ٦٥١ ]
يفجرك) أي: يعصيك ويخالفك، وفي "الأذكار": "أي يلحد في صفاتك" (^١)، انتهى. والفعلان موجهان إلى "من"، والعمل منهما لـ "نترك".
(اللهم إياك نعبد) أي: نخصك بالعبادة، (ولك نصلي) أي: لا لغيرك، (ونسجد) تخصيص بعد تعميم، (ولك) وفي نسخة: "وإليك" (نسعى) أي: نسرع، (ونحفد) أي: نقصد، قال المؤلف: "بفتح النون وكسر الفاء، أي: نسرع في العمل والخدمة" (^٢)، انتهى. وفي "المغرب" (^٣): "أي: نَعْمَل لك بطاعتك من الحفد، وهو الإسراع في الخدمة".
(ونخشى عذابك الجِدّ) بكسر الجيم، أي: الحق، كما في "الأذكار"، وهو الأمر الثابت خلاف الهزل والمزح، (ونرجو رحمتك، إن عذابك الجد بالكفار مُلْحق) بصيغة الفاعل، وفي نسخة بالمفعول، قال النووي (^٤): "كسر الحاء هو المشهور، ويقال بفتحها أيضًا، ذكره ابن قتيبة".
وقال المؤلف: "بضم الميم وكسر الحاء كذا رويناه، أي: من نزل به عذابك ألحقه بالكفار، وقيل: "بمعنى لاحق لغةً (^٥)، يقال: لحقته وألحقته، بمعنًى، مثل: تبعته واتبعته، ويروى بفتح الحاء على المفعول،
_________________
(١) "الأذكار النووية" (ص ٤٩).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٣) المغرب (ص ٣٩٥).
(٤) الأذكار (ص ١٣٥).
(٥) بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: "في الحق".
[ ٢ / ٦٥٢ ]
أي: إن عذابك ملحق بالكفار يصابون به" (^١).
(مو مص سني) أي رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن مسعود (^٢)، والبيهقي في "السنن الكبير" له من قول عمر بن الخطاب موقوفًا (^٣).
(وإذا سلّم منه) أي: من الوتر، (قال: سبحان الملك القدوس) "بضم القاف والدال المشددة، فعول من أبنية المبالغة، أي: الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، وقد تفتح قافه" (^٤)، ذكره المصنف، (ثلاث مرات، يمد صوته في الثالثة) ورواية ابن أبي شيبة: "في الآخرة"، (ويرفع) أي: صوته، والظاهر أنه عطف تفسيرٍ. (س، د، مص، قط) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن أبي شيبة، والدارقطني؛ كلهم عن أبي بن كعب (^٥).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٩٦٥)
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢١٠).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٥) أخرجه أبو داود (١٤٢٣ و١٤٣٠)، وابن ماجة (١١٧١) و(١١٨٢) وعبد الله بن أحمد (٥/ ١٢٣) والنسائي (٣/ ٢٣٥ وفي ٣/ ٢٤٤، وفي "الكبرى" ١٤٣٣، ٤١٦، ١٤٣٦، وفي "عمل اليوم والليلة" ٧٢٩ و٧٣٤ و٧٤٠) عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه، فذكره. قال النسائي، عقب رواية سفيان، عن زبيد: وقد روى هذا الحديث غير واحد، عن زبيد، فلم يذكر أحد منهم فيه، أنه يقنت قبل الركوع. وأخرجه أحمد (٣/ ٤٠٦ و٤٠٧) وعبد بن حميد (٣١٢)، والنسائي (٣/ ٢٤٤ و٣/ ٢٤٥، و٣/ ٢٥٠، ٣/ ٢٥١، وفي "الكبرى" ٤٤٧ و١٤٣٩، ١٤٣٤ =
[ ٢ / ٦٥٣ ]
(رب الملائكة) بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، وفي نسخة بالجر على أنه بدل من "الملك"، (والروح) "بضم الراء، قيل: "هو ملك عظيمٌ"، وقيل: "خلق لا يراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة"، ويحتمل أن يكون جبريل، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وقد يراد بالروح الذي يقوم به الجسد ويكون به الحياة، فقد ورد كذلك في القرآن والحديث" (^١)، كذا ذكره المصنف.
وقيل: "الروح ملك موكل على الأرواح، أو خلق أعظم من الملائكة"، وهو الملائم لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. (قط) أي رواه: الدارقطني عن أبي منضمًّا إلى ما سبق.
(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) أي: غضبك، وهذا راجع إلى صفة الذات (وبمعافاتك من عقوبتك) وهذا راجع إلى صفة الفعل،
_________________
(١) = وفي ١٤٥٠ و١٤٥٢، وفي "عمل اليوم والليلة" ٧٣٠ و٧٣١ و٧٣٦ و٧٣٧ و٧٣٨) ٧٤١ و٧٤٢ و٧٤٣، والطبراني في "معجمه الأوسط" (١٦٦٥) عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه، ليس فيه: أبي بن كعب. وأخرجه النسائي (٣/ ٢٤٥، و٢٤٦، و٢٤٩ و٢٥٠، وفي "الكبرى" ١٤٣٥ - ١٤٣٨، ١٤٣٧ وفي "عمل اليوم والليلة" ٧٣٣ - ٧٣٥) ٧٣٩) عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه؛ ليس فيه: ذر، ولا أبي بن كعب. وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (٤/ ٣٣٨) وأما حديث عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه؛ فرواه أحمد فيه والنسائي بإسناد جيد، وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتا عليه (٢/ ٣٦١).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فيكون الأول للصفة، والثاني لأثرها [المترتب] (^١) عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره، وهذا معنى قول بعض العارفين: "التوحيد إسقاط الإضافات" (^٢).
وجاء في رواية تقديم الجملة الثانية على الأولى (^٣)، وجعلها الغزالي (^٤) هو الأولى لمراعاة الترتيب في الترقي، الملائم لقوله: (وأعوذ بك منك) الدال على ملاحظة الذات من غير شعور الأفعال والصفات، وهذا غاية التوحيد، ونهاية التفريد الحاصل للمريد، المنعم عليه في مقام المزيد، وهو إجمال ما سبق من قوله: "لا ملجأ ولا منجا منك إلَّا إليك".
ونقل المصنف نكتةً لطيفةً، وحكمةً شريفةً، حيث قال: "قال [الخطابي] (^٥): إن في هذا معنًى لطيفًا، وهو أنه استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "المُرَتَّب".
(٢) قاله الجنيد كما في مرقاة المفاتيح (٤/ ١٥٨٤) ومعناه: فَهُوَ بَيَان تَوْحِيد الْأَفْعَال حَيْثُ يتَعَيَّن فِيهِ أَنْ يسْقط عَن نظره مُلَاحظَة الْأَسْبَاب والآلات ليتضح لَهُ أَنَّ الْخلق جَمِيعًا لَا يَمْلكُونَ لِأَنْفُسِهمْ ضَرًّا وَلَا نفعا وَلَا يملكُونَ موتًا وَلَا حَيَاة ولا نشورًا. انظر: الرد على القائلين بوحدة الوجود (ص: ١٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٨٣)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٦٦١)، وأبو يعلى في "المسند" (٤٥٤٧)، والطبراني في "الأوسط" (١٩٩٢)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧٦٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٢٧).
(٤) "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٨٥).
(٥) معالم السنن (١/ ١٨٥).
[ ٢ / ٦٥٥ ]
ضدان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ما لا ضد له، وهو الله تعالى، استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته، والثناء عليه، أعلمنا ذلك" (^١)، انتهى. أي: أعلمنا النبي ﷺ ما ذكر من المعني، وقيل: "أعلمنا الخطابي"، ولا يخفى أنه أمر مستدرك مستغنًى عنه.
(لا أحصي ثناء عليك) "أي: لا أطيق إحصاءه، وقيل: "لا أحيط به"، وقال الإمام مالك: "لا أحصي نعمتك وإحسانك، والثناء بهما عليك، كان اجتهدت في الثناء عليك" (^٢) " (^٣)، ذكره المصنف، (أنت كما أثنيت على نفسك) قال الطيبي: ""ما" موصولة، أو موصوفة، والكاف بمعنى المثل، أي: أنت الذات الذي له العلم الشامل والقدرة الكاملة، تعلم صفات كمالك، وتقدر أن تحصي ثناءً على نفسك، بالقول أو بالفعل، بإظهار فعله عن بث آلائه" (^٤)، انتهى.
قيل فيكون التركيب نظير قول علي ﵁:
أَنَا الّذِي سمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَره (^٥)
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٢) أورد هذا القول عن الإمامِ مالكٍ ﵀ الإمامُ النوويُّ في "شرحه على صحيح مسلم" (٤/ ٢٠٤).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ أ).
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (٣/ ١٠٢٥).
(٥) "ديوان علي" ﵁ (ص ٧٧).
[ ٢ / ٦٥٦ ]
ويمكن أن يقال: "أنت" مبتدأ خبره محذوف، أو الكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة، أي: أنت على الوجه الذي أثنيت به على نفسك، وقيل: "الكاف زائدة"، والمعنى: أنت الذي أثنيت على نفسك.
وقال المؤلف: "هذا اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على حقيقته، بل هو تعالى كما أثنى على نفسه؛ إذ كل ثناءٍ أثني به عليه - وإن بولغ فيه - فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبر، وفضله في حسانه أوسع، وبلغني أن بعضهم يقول: "أنت": تأكيد للكاف في "عليك"، والمعنى: لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك، ولا يخفى ما فيه؛ فقد روى النسائي في "اليوم والليلة" من حديث على ﵁، ولفظه: "لا أستطيع أن أبلغ ثناء عليك، ولكن أنت كما أثنيت على نفسك" (^١)، فبطل ذلك التمحل" (^٢)، انتهى.
ويعلم من هذا الحديث: أنه يطلق لفظ النفس على ذات الواجب تعالى، فلا وجه لما قاله بعض أرباب علم البديع (^٣) من أن إطلاق لفظ
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٩/ رقم: ١٠٦٦١)، ولفظه: "لا أستطيع ثناء عليك ولو حَرَصْتُ … ".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ ب).
(٣) أورده السيوطيُّ في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" (٤/ ١٣٦١، النوع الثالث والأربعون).
[ ٢ / ٦٥٧ ]
النفس عليه في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك﴾ [المائدة: ١١٦] على سبيل المشاكلة، لعدم الإذن الشرعي بإطلاق النفس على ذات الواجب تعالى، بناءً على أن أسماء اللَّه توقيفية.
(عه، طس، مص) أي رواه: الأربعة، والطبراني في "الأوسط"، وابن أبي شيبة، عن علي مرفوعًا، ولفظ الأربعة: "أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: اللهم … " إلى آخره، وفي إحدى روايات النسائي: "كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه"، وفيها: "لا أحصي ثناءً عليك ولو حَرَصْتُ، ولكن أنت كما أثنيت على نفسك" (^١).
(وإذا صلى ركعتي الفجر) أي: سنة الصبح (يقرأ) أي: بعد الفاتحة، (في الأولى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾).
قيل: الحكمة في اختيار هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من: عبادة اللَّد، وتوحيده، وتنزيهه، والرد على الكافرين فيما يعتقدونه ويدعون إليه، فكان الافتتاح به [أولى الصبح] (^٢) لتشهد الملائكة، كما ورد به: أنه كان
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٢٢)، والترمذي (٣٥٦٦)، والنسائي (٣/ ٢٤٨)، وابن ماجة (١١٧٩)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (١٩٩٢)، وابن أبي شيبة (٧٥١٦)؛ كلهم من حديث على به مرفوعًا. قال الترمذي: "وهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه من حديث حماد بن سلمة"، وقال الألباني في "الإرواء" (٤٣٥): "صحيح".
(٢) كذا في (د)، وفي (أ): "أولى للصبح"، وفي (ب) و(ج): "أول الصبح".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
يقرأ في سنة المغرب (^١)، وكذا في الركعتين الأخيرتين من الوتر (^٢)، وكذا في ركعتي الطواف (^٣)، وسنة الإحرام، وغيرها. (م، حب) أي رواه: مسلم، وابن حبان، عن أبي هريرة (^٤).
(أو في الأولى: "وقولوا آمنا باللَّه﴾ الآية) يعني: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤٣١)، وابن ماجة (١١٦٦) واللفظ له، كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". قال الترمذي: "حديث غريب من حديث ابن مسعود". حسنه الألباني "صحيح ابن ماجة" (١١٦٦).
(٢) أخرجه الدارمي في "المسند" (١٦٢٧، ١٦٣٠، ١٨٩٢)، وأحمد (١/ ٢٩٩)، والترمذي (٤٦٢)، وابن ماجة (١١٧٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٦)؛ كلهم من حديث ابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث: يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". وصححه الألباني في "صفة الصلاة" (٢/ ٥٣٩).
(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٠)، والترمذي (٨٦٩) واللفظ له، وابن ماجة (٣٠٧٤)؛ كلهم من حديث جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
(٤) أخرجه مسلم (٧٢٦) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، ولم أجده في المطبوع من "صحيح ابن حبان".
[ ٢ / ٦٥٩ ]
﴿وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية) يعني: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، [واختيارهما] (^١) أيضًا لاشتمالهما على التوحيد. (م) أي: رواه مسلم عن ابن عباس (^٢).
(ويقول) أي: بعد سنة الصبح (وهو جالسٌ) جملة حالية، وهي موجودة في رواية ابن السني دون الحاكم، كما يفهم من كلام صاحب "السلاح" (^٣).
(اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد) زاد ابن السني نعت (النبي ﷺ. أعوذ بك من النّار، ثلاث مرات. مس، ي) أي رواه: الحاكم، وابن السني، عن أسامة بن عمير (^٤).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "واختارهما".
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٧) من حديث ابن عباس به مرفوعًا.
(٣) "سلاح المؤمن" لابن الإمام (٦٤٧).
(٤) أخرجه الحاكم (٣/ ٦٢٢)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٠٣)؛ كلاهما عن أسامة بن عمير به مرفوعًا. وحسنه الألباني بشواهده في "السلسلة الصحيحة" (١٥٤٤).
[ ٢ / ٦٦٠ ]
(ثم ليضطجع) أي: في بيته من غير نومٍ (على شِقِّه الأيمن) أي: للاستراحة من تعب قيام الليل، ليكون على نشاطٍ في فرض الصبح. (د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي، عن أبي هريرة (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٣٢٩)، والترمذي (٤٤٠)؛ كلاهما من حديث عائشة به مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". قلت: وأما ما ذكره الشارح من أن الحديث عندهما "عن أبي هريرة" فغير صحيح، والصواب أنهما أخرجاه من حديث عائشة، وعليه فرمز المصنف للحديث بِرَمْزَيْ أبي داود والترمذي فيه قصور، إذ الحديث في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂. قال الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين. "صحيح أبي داود" (١٢٠٦).
[ ٢ / ٦٦١ ]