قال ميرك شاه: "وقع هنا في أصل السماع بخط [المخدومي] (^١): الحضرة [الأصلية] (^٢): "كذا معلمًا بعلامة خ صح"، وفي بعض النسخ: "فصل الذكر"، أي: بالصاد المهملة، وفي بعضها: "فضل الذكر"، وفي أكثر النسخ لم يذكر، يعني: الذكر مطلقًا، والمطابق لمقابلة هذه النسخ أن يكون فيما تقدم الدعاء وحده [في] (^٣) نسخة أيضًا، لكن لم يوجد، والله أعلم".
(يقول الله) هذا حديث قدسي، والفرق بينه وبين القرآن أن الثاني منزل بلفظه مع جبريل، والأول قد يكون بإلهام وهو مفوض إليه ﷺ في التعبير عنه، وهنا أتى بلفظ المقول، حيث قال: (أنا عند ظن عبدي بي) أي: عند يقينه بي، وعلمه بأن مصيره إليَّ، وحسابه علي، وأن ما قضيت له من خير أو شر، فلا مردَّ له لدي.
وقال المؤلف: "أي: في الرجاء، وأمل العفو" (^٤).
قلت: ويؤيده ما أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي هريرة،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "المخذومي".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج) و(د): "الأصيلية".
(٣) من (ج) فقط.
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
[ ١ / ١٥٤ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "أمر الله تعالى بعبد إلى النار، فلما وقف على شفيرها التفت، فقال: أما والله يا رب إن كان ظني بك لحسن، فقال الله تعالى: ردوه، أنا عند ظن عبدي بي" (^١)، ذكره السيوطي في "بدور السافرة في أحوال الآخرة".
(وأنا معه إذا ذكرني) "أي: بالرحمة والتوفيق والإعانة والنصرة" (^٢)، ذكره المؤلف (فإن ذكرني في نفسه) أي: في سره، وهو يحتمل أن يكون ذكرًا قلبيًّا أو لسانيًّا إخفائيًّا (ذكرته في نفسي) أي: في ذاتي من غير إطلاع حاله على غيري من مخلوقاتي، وقيل: "المعنى: أُخْفِي ثوابه على منوال عمله، وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى أحد من خلقي، ويؤيده قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦]، أي: جزاءً وفاقًا، حيثما كانوا يُخفون أعمالهم، فأخفى الله ما [خبِّئ] (^٣) لهم، وقد قرأ، حمزة بسكون الياء في
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٧٩٩) قال المنذري (٤/ ١٣٦): رواه البيهقي عن رجل من ولد عبادة بن الصامت لم يسمه عن أبي هريرة. وقال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٦١٥٠) منكر.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
(٣) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب): "عد"، وفي (د): "عين"، وفي (هـ): "أعد".
[ ١ / ١٥٥ ]
﴿أُخْفِيَ﴾، وهو [أدل على المقصود] (^١).
ويؤيده الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، وفيه دليل على أن الذكر القلبي أفضل، [ثم] (^٢) اللساني الإخفائي؛ لما ورد من: "أن الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحَفَظَةُ سبعون ضعفًا"، وورد: "خير الذكر الخفيُّ" (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "أولى بالمقصود".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "من".
(٣) أخرجه وكيع في الزهد (٣٣٣)، وعنه ابن أبي شيبة (٣٤٣٧٧)، وأحمد في "المسند" (١/ ١٧٢)، وعبد بن حميد في المسند (١٣٧)، وأبو عوانة في "الصحيح" كما في "إتحاف المهرة" (٥/ ١٢٢) وغيرهم. وهذا إسناد ضعيف غريب منقطع! وابن أبي لبيبة: ضعفه الدارقطني، وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء"، وقال الحافظ في "التقريب": "ضعيف كثير الإرسال". قال ابن أبي حاتم: "محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة ويقال ابن أبي لبيبة. سمعت أبي يقول محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة لم يدرك سعدًا المراسيل (٣٣٦). قال الذهبي: فيه انقطاع بين محمد وسعد "معجم الشيوخ الكبير" (٢٦٩). قال النووي في: "مسألة: في الحديث" خير الذكر الخفي، وخير المال ما يكفي هل هو ثابت وما معناه؟ الجواب: ليس بثابت، ومعناه؛ أن الذكر الخفي أبعد من الرياء والإعجاب =
[ ١ / ١٥٦ ]
ثم فيه جواز إطلاق النفس على الله باعتبار ذاته، خلافًا لمن منع وحمله على المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، لكن يرد عليه قوله: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". ولعل وجه المنع أنه مأخوذ من النَّفَسِ، وهو تعالى منزه عن [التنفس] (^١)، والأظهر أنه مأخوذ من النَّفِيس، فيجوز إطلاقه عليه بهذا المعنى، والله أعلم (^٢).
قال المؤلف: "قالوا: النفس تطلق على الذات، وهو المراد في
_________________
(١) = ونحوهما، وهذا محمول على من كان في موضع يخاف فيه الرياء والإعجاب أو نحوهما، فإن كان خاليًا في برية أو غيرها، وأمن ذلك فالجهر أفضل. المسائل المنثورة "فتاوى النووي" مسألة ٣٤٠ - جمع تلميذه علاء الدين بن العطار.
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و(هـ): "النَّفَس".
(٣) عدَّ كثير من أهل السنة "النفس" من صفات الله تعالى. انظر الفقه الأكبر بشرح القاري (ص ٥٨)، وكتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ١١، ١٢)، وأقاويل الثقات (ص ١٨٦)، وقطف الثمر (ص ٦٦)، وذهب شيخ الإسلام أن المراد من النفس هو ذات الله وعينه لا صفة له. انظر مجموع الفتاوى (٩/ ١٩٢، ١٩٣، ٤/ ١٩٧، ١٩٦)، وكذا البخاري فإنه ذكر نصوص النفس بدون التصريح أنها صفة، ومراده أنه يجوز إطلاق النفس على الله لورود النص هكذا فسر مراده الهاشمي في شرحه لكتاب التوحيد (ص ٧٠)، وللشيخ عبد الله الغنيمان كلام حسن وفق بين قولي أهل السنة في "النفس". انظر شرحه لكتاب التوحيد (١/ ٢٤٩، ٢٥٥).
[ ١ / ١٥٧ ]
الحديث والقرآن في حق الله تعالى" (^١).
(وإن ذكرني في ملإ) بفتحتين، أي: في جماعة، وفي "النهاية": "الملأ: أشراف الناس ورؤَساؤُهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم". وهو يحتمل أن يكون ذكره خفية أيضًا، كما يشير إليه حديث: "ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارِّين"، ويحتمل أن يكون المعنى: مع ملإ، وهو لا يفيد الجهر الخارج عن الحد، فإنه ﷺ قال لبعض الصحابة حين رفعوا أصواتهم بالذكر على وجه المبالغة: "أربعوا أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا".
(ذكرته في ملإ خير منه) أي: من ملئه، ولعله على حذف المضاف، أو على إرادة لفظ الملإ؛ فإنه مفرد اللفظ جمع المعنى ليس له مفرد من لفظه، لكن قال ميرك: "كذا وقع في أصل السماع وجميع النسخ الحاضرة "منه" بضمير الواحد، والذي في الأصول من البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه "منهم" بضمير الجمع"، انتهى. ولعله لم يذكر ميرك النسائي نسيانًا، أو وجد فيه بلفظ المفرد، لكن كان عليه [أن يقدم] (^٢) النسائي على البخاري.
قال المؤلف: "فيه دليل على جواز [ذكر الجهر] (^٣)، خلافًا لمن منعه،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "تقديم".
(٣) في "مفتاح الحصن الحصين": "الذكر جهرًا".
[ ١ / ١٥٨ ]
واستدل به المعتزلة على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ولا دليل فيه؛ لأن الأنبياء لا يكونون غالبًا في الذاكرين، وقيل: "لأن تفضيلهم بالنسبة إلى من هو معهم ﷾"" (^١)، انتهى.
وقيل: "المراد بالملإ الملائكة المقربون وأرواح الأنبياء والمرسلين، فلا دلالة على كون الملك أفضل من البشر".
(الحديث) بالنصب، ويجوز رفعه وجره كما سبق في الآية، وفيه إيماء إلى أن الحديث له تتمة، وهو قوله: "وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (^٢).
والباع والبوع بالضم والفتح بمعنى طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره.
والهرولة: ضرب من المشي بينه وبين العَدْو.
(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة (^٣)، وسقط رمز الترمذي من "نسخة الجلال".
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٣٨٢١).
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٠٥) وفي "خلق أفعال العباد" (٥٥) ومسلم (٦٩٠٢) وفي (٦٩٠٣ و٦٩٣٠) (٧٠٥٢) وابن ماجة (٣٨٢٢) والترمذي (٣٦٠٣). والنسائي في "الكبرى" (٧٦٨٣).
[ ١ / ١٥٩ ]
(ألا أخبركم) يحتمل أن تكون "ألا" للتنبيه، و"أخبركم" استئناف بيان، والأظهر أنه مركب من "لا" النافية واستفهام التقرير، كما يدل عليه قولهم الآتي: "بلى" (بخير أعمالكم) أي: بأفضلها (وأزكاها) أي: أطهرها وأنماها (عند مليككم) مبالغة مالك، ومنه قوله تعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وهو ظرف لهما أو للأخير، والمعنى: عند ربكم وفي حكمه؛ لأن العبرة بما عنده سبحانه، (وأرفعها) أي: أكثرها رفعة بمقتضى السببية (في درجاتكم) أي (^١): في الجنة العالية، (وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق) بكسر الراء ويسكن، أي: الفضة، أي: من صرفهما في سبيله مع ابتغاء مرضاته، وهو تخصيص بعد تعميم الأعمال، أو يخص الأعمال بما عدا إنفاقَ المال والقتال؛ لقوله: (وخير لكم من أن تلقَوا عدوكم) أي: بأن تستقبلوا الكفار بالجهاد (فتضربوا أعناقهم) أي: فتقتلوا بعضهم (ويضربوا) أي: بقيتهم (أعناقكم) أي: كلكم أو بعضكم.
(قالوا) أي: بعض الصحابة (بلى) أي: أخبرنا، وزاد في نسخة: "يا رسول الله" (قال: ذكر الله) أي: هو ذكركم له سبحانه؛ لما يترتب عليه من ذكره إياكم، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
_________________
(١) بعدها في (هـ): "في منازلكم".
[ ١ / ١٦٠ ]
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب "القواعد": "هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر التعب في جميع العبادات، بل قد يأجر الله تعالى على قليل من الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها، فإن الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف".
قال الحنفي: "ولا يناسبه ما وقع من حديث ابن عباس: "سئل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أحمزها" (^١) -أي: أشدها وأقواها- وهذا الحديث مذكور في الكتب الكلامية في بحث تفضيل الأنبياء على الملائكة".
قلت: هو منسوب في "النهاية" إلى ابن عباس موقوفًا، وضبطه بالمهملة والزاي، وذكره الجلال السيوطي في "الدرر المنتثرة" بلفظ: "أفضل العبادات أشدها"، وقال: "لا يعرف"، وكذا ذكره الزركشي أنه لا يعرف، أي: عن النبي ﷺ، أو عن ابن عباس موقوفًا بسند معروف، وعلى تقدير صحته يحمل على ما لم يكن فيه نصٌّ من الشارع.
ثم اعلم أن خيرية الذكر وأرفعيته لأجل أن سائر العبادات المالية والبدنية الشاقة؛ من إنفاق الذهب والفضة، وملاقاة العدو والمقاتلة،
_________________
(١) قال الزركشي في "الأحاديث المشتهرة": "لا يُعرف له أصل". وقال المزي: "هو من غرائب الأحاديث، ولم يرو في شيء من الكتب الستة". وقال ابن القيم في "مدارج السالكين": "لا أصل له". انظر: مدارج السالكين (١/ ١٠٦)، و"المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" (ص ٧٠)، "المقاصد الحسنة" (ص ١٣٠).
[ ١ / ١٦١ ]
إنما هي وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلى الله تعالى، والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب الأعلى، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، و"أنا جليس من ذكرني".
فالذكر لب العبادات والطاعات، وأفضل أنواعها القرآن؛ لما ورد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الرب ﵎: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام، كفضل الله تعالى على خلقه (^١) ".
ففيه إيماء إلى أن ذكره بكلامه القديم أفضل من ذكره بكلام [الحادث] (^٢)، وأيضًا القرآن مشتمل على الذكر مع زيادة ما يقتضيه من الفكر والتأمل في لطف مبانيه، وحسن معانيه، والعمل بما فيه، فلا شك أنه يكون حينئذٍ أفضل من مجرد الذكر، ولو ورد: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" (^٣)، مع أنه من جملة القرآن؛ ولذا جاء في كثير من الأحاديث ما يدل
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٤) وقال صحيح الإسناد ورده الذهبي في التلخيص قال: قابوس لين. وقابوس بن أبي ظبيان قال عنه الحافظ في "التقريب": وفيه لين "التقريب" (٥٤٨٠).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "حادث".
(٣) أخرجه ابن ماجة (٣٨٠٠) والترمذي (٣٣٨٣)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٣١) وقال قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، وقد روى علي بن المديني، وغير =
[ ١ / ١٦٢ ]
على أن تعلم العلم وتعليمه أفضل من الذكر المجرد، بل من سائر الطاعات والعبادات:
منها: حديث ابن عبالس: "تدارس العلم ساعة من الليل [خير] (^١) من إحيائها" (^٢)، وحديث عائشة: "فضل في علم خير من فضل في عبادة" (^٣)،
_________________
(١) = واحد، عن موسى بن إبراهيم هذا الحديث. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٤٣) ربما وقفه على جابر وقد روى من غير هذا الوجه عن جابر مرفوعًا. والحديث احتج به: ابن رجب في "كلمة الإخلاص" (ص ٦٢). قال المنذري: رواه ابن ماجه والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم كلهم من طريق طلحة بن خراش عنه وقال الحاكم صحيح الإسناد "الترغيب والترهيب" (٢/ ٢٦٧). والحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٠٧): صححه ابن حبان والحاكم. وفي "نتائج الأفكار" (١/ ٥٨) قال: حسن. وقال الحافظ في "النتائج" (١/ ٥٩): ولم أقف في موسى على تجريح ولا تعديل إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات. قال يخطئ وهذا عجيب منه لأن موسى مقل فإذا كان يخطئ من قلة روايته فكيف يوثق ويصحح حديثه فلعل من صححه أو حسنه تسمح لكون الحديث من فضائل الأعمال.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ): "أفضل".
(٣) أخرجه الدارمي (٢٧١) وضعفه الألباني في المشكاة (٢٥٦).
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٣٦٧). وأخرجه أيضًا: ابن حبان في الضعفاء (٢/ ٢٦٩، ترجمة ٩٥٥) محمد بن عبد الملك أبو عبد الله الأنصاري، وقال: كان ممن يروى الموضوعات عن الأثبات. وابن عدي =
[ ١ / ١٦٣ ]
وحديث عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في مسجده، فقال: كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلمًا ثم جلس فيهم" (^١).
ومنها: ما رواه الحسن البصري مرسلًا، قال: "سئل رسول الله ﷺ عن رجلين كانا في بني إسرائيل، أحدهما كان عالمًا يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول الله ﷺ: فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على الذي يصوم النهار ويقوم الليل؛ كفضلي على أدناكم" (^٢)،
_________________
(١) = (٦/ ١٦٠ ترجمة ١٦٤٩) محمد بن عبد الملك الأنصاري، وقال بعد أن ذكر الحديث وغيره: هذه الأحاديث عن الزهري عن عروة عن عائشة بهذا الإسناد مناكير.
(٢) أخرجه الطيالسي (٢٢٥١)، والبزار (٢٤٥٨)، والحارث كما في البغية (٤٠) وابن ماجه (٢٢٩)، قال البوصيري (١/ ٣٢): هذا إسناد فيه بكر وداود، وعبد الرحمن، وهم ضعفاء. وفي الحديث أن النبي ﷺ دخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلمون … فذكره.
(٣) أخرجه الدارمي (٣٥٢) قال: أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن =
[ ١ / ١٦٤ ]
وفيه غاية من المبالغة؛ لأنه لو قال: على أعلاكم، لكان كفى به فضلًا، والخطاب إلى الصحابة، ولو جُعِلَ للأمة فهو أبلغ في مزية الرتبة.
(ت، ق، مس، أ) أي أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد عن أبي الدرداء (^١).
(مما صدقة أفضل من ذكر الله) "ما" نافية، بمعنى "ليس"، و"أفضل" منصوب على أنه خبرها، و"مِن ذِكْر الله" صلة ["أفضل"] (^٢)، ثم الصدقة: العطية التي يراد بها المثوبة من عند الله، سميت بها لأنه يظهر بها صدق رغبة صاحب الصدقة في تلك المثوبة، ولعله ﷺ جعل الذكر صدقة غير متعارفة، ثم رجحه على الصدقة المتعارفة، فكأن الذاكر بذكره يحسن إلى نفسه، ويريد المثوبة من ربه.
وقيل: "المراد بالصدقة هنا مطلق الأعمال الصالحة، ففي الجملة فيه
_________________
(١) = الحسن وهذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع: ما عرفنا للأوزاعي رواية عن الحسن وهو مرسل أيضًا.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٥)، وابن ماجة (٣٧٩٠)، والترمذي (٣٣٧٧) والحاكم (١/ ٤٩٦) قال أبو عيسى الترمذي: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا بهذا الإسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال ابن عبد البر: وهو مسند جيد، عن أبي الدرداء، وعن النبي ﷺ. وحسنه البغوي في شرح السنة، والمنذري في الترغيب والترهيب.
(٣) كذا في (أ) و(هـ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "أفعل".
[ ١ / ١٦٥ ]
تسلية للذاكرين من الفقراء الصابرين". (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس (^١).
(إن لله ملائكة) أي: جماعة من المقربين، قال المؤلف: "هؤلاء الملائكة غير الحَفَظة المراقبين مع الخلائق، بل هم سيّارة لا وظيفة لهم، ومقصودهم حِلَقُ الذِّكْر" (^٢).
(يطوفون) أي: يدورون (في الطرق) أي: طرق تحصيل الذكر، (يلتمسون أهل الذكر) أي: يطلبونهم؛ ليزوروهم ويدعوا لهم، (فإذا وجدوا) أي: بعضهم (قومًا يذكرون الله ﷿ تنادوا) أي: نادى بعضهم بعضًا (هلمّوا) أي: تعالوا (إلى حاجتكم) وفي رواية الترمذي: "بغيتكم"، أي: مبتغاكم ومطلوبكم، قال العسقلاني: "هلموا -في هذا الحديث- ورد على لغة أهل نجد"، انتهى (^٣).
يعني: والقرآن جاء بلغة أهل الحجاز، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، فأهل نجد يصرفونها على ما في "الصحاح"، وفي "النهاية": "أهل الحجاز يطلقونه على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، بلفظٍ واحدٍ، وبنو تميم تثني، وتجمع، وتؤنث، وتذكر" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٧٣) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا. (مجمع الزوائد ١٠/ ٧٤).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
(٣) فتح الباري (١١/ ٢١٢).
(٤) النهاية (٥/ ٢٧٢).
[ ١ / ١٦٦ ]
وأصل "هلمّ" هَا لُمَّ، أي: من لمّ الله شعثك، أي: جمع تفرقك، كأنه أراد: لُمَّ نفسك إلينا، أي: اقرب لدينا، و"ها" للتنبيه، وإنما حذف ألفها للتخفيف وكثرة الاستعمال، فجعلا اسمًا واحدًا.
(قال) أي: النبي ﷺ (فيحفونهم) بضم الحاء [المهملة] (^١) وتشديد الفاء، أي: يحيطونهم (بأجنحتهم) فالباء للاستعانة، أو للتعدية، فالمعنى: يديرون أجنحتهم حول الذاكرين. وقال المؤلف: "أي: يطوفون بهم، ويستديرون حولهم" (^٢).
(إلى السماء الدنيا) أي: إلى نهاية غايتها، فيكونون متشبهين بالملائكة الحافّين من حول العرش؛ يسبحون بحمد ربهم.
(الحديث) [بالتثليث] (^٣)، وتمامه على ما رواه البخاري: "فيسألهم ربهم -وهو أعلم منهم-: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول ﷿: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: فيقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول:
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "بالمثلثة".
[ ١ / ١٦٧ ]
فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها] (^١) كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طَلَبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: يقول: فمم يتعوذون؟ [قالوا] (^٢): يتعوذون من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال يقولون: لا، والله [يا رب] (^٣) ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها] (^٤) كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدَّ لها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: فيقول مَلَك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة! قال: [يقول] (^٥): هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
(خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة (^٦)، ولفظه للبخاري. ولفظ مسلم: "إن لله ملائكة سيارة فُضْلًا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكرٌ، قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا". ولفظ الترمذي: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض فُضْلًا عن الناس".
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "قال"، وفي (هـ): "قال: فيقولون".
(٣) من (هـ) فقط.
(٤) من (هـ) فقط.
(٥) من (ج) فقط.
(٦) أخرجه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩) والترمذي (٣٦٠٠)
[ ١ / ١٦٨ ]
(مثل الذي يذكر ربه) أي: دائمًا أو أحيانًا (والذي لا يذكر ربه) أي: مطلقًا أو أحيانًا، في حال ذكرهما وغفلتهما (مثل الحي والميت).
والحاصل: أن الذكر حياة [قلب] (^١) السالك، والغفلة [موته] (^٢)، ويمكن أن يراد بهما المؤمن والكافر، وكان [النبي] (^٣) ﷺ إذا رأى عكرمة بن أبي جهل قرأ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] (^٤)، فيفيد الحديث أن الذكر شكر وإيمان، والغفلة كفر وكفران.
(خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم عن أبي موسى الأشعري، ولفظه للبخاري (^٥). ولمسلم: " [مثل] (^٦) البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت"، أي: مثل قلبهما، أو مثل مكانهما؛ ولذا ورد: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" (^٧)، أي: خالية عن الذكر.
وقيل: "الحي ظاهره مزين بنور الحياة، والتصرف التام فيما يريد،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "لقلب".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "موت".
(٣) من (د) فقط.
(٤) لم أقف عليه وأورده الشارح في المرقاة (٧/ ٢٩٦٦)
(٥) أخرجه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (٧٧٩).
(٦) من (هـ) و"صحيح مسلم" فقط.
(٧) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٧)، وأبو داود (٢٠٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٦٢). صححه النووي في "الأذكار" (ص ٩٣)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٧٢٢٦).
[ ١ / ١٦٩ ]
وباطنه منور بنور العلم والإدراك. وكذا الذاكر [مزين ظاهره] (^١) بنور الطاعة، وباطنه بنور المعرفة [والعلم] (^٢)، وغير الذاكر ظاهره عاطل، وباطنه باطل، كالميت". وقيل: "موقع التشيبه النفع لمن يواليه، والضر لمن يعاديه، وليس ذلك في الميت".
وروى البيهقي في "شعب الإيمان" مرفوعًا: "مثل المؤمن كالبيت الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مونقًا -أي: معجبًا- ومثل الفاجر كمثل القبر المشرف المجصص، يعجب من [رآه] (^٣) وجوفه ممتلئ نَتْنًا" (^٤).
(لا يقعد قوم يذكرون الله) وفي نسخة: "تعالى" (إلا حفّتهم) بتشديد الفاء، أي: طافت بهم (الملائكة) اللام للعهد، والمراد بهم الملتمسون، (وغشيتهم) بكسر الشين، أي: غطتهم (الرحمة، ونزلت عليهم السكينة) أي: السكون، والوقار، والطمأنينة. وقال المؤلف: "أي: الرحمة، وقيل: "الوقار والسكون والخشية"، وقيل غير ذلك" (^٥).
ثم يجوز أن يُقْرَأَ: "عليهم السكينة" بكسر الهاء والميم، وبضمهما،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "ظاهره مزين".
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "يراه".
(٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٥٤٠) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٢٣٠) قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، إبراهيم هذا هو ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك.
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
[ ١ / ١٧٠ ]
وبكسر فضم، وهو الأشهر.
(وذكرهم الله) أي: للمباهاة (فيمن عنده) أي: [من] (^١) الملائكة المقربين الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. [وجه] (^٢) المفاخرة بهم أنهم مع موانعهم من النفس والشيطان وسائر العلائق والعوائق= لا يغفلون عن ذكره، ويقومون بوظيفة شكره. (م، ت، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا (^٣).
(يا رسول الله) وفي رواية الترمذي: "أن رجلًا قال: يا رسول الله" (إن شرائع الإسلام) بهمز قبل العين، أي: شعائره وعلاماته من النوافل الدالة على صدق إسلام المسلم (قد كثرت عليّ) بفتح المثلثة، أي: غلبت عليّ لكثرتها، وفي نسخة بضمها، أي: تعددت وبلغت حَدَّ الكثرة التي عجزت عن عهدة جميعها، وتحيرت في اختيار بعض أفرادها، حيث لم أعرف [منها] (^٤) ما أفضلها.
(فأنبئني) و[معناه] (^٥) لفظ الترمذي: "فأخبرني" (بشيء) أي: معتبر
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "في".
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "ووجه".
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٠٠)، والترمذي (٣٣٧٨)، وابن ماجه (٣٧٩١٩).
(٤) من (أ) فقط.
(٥) من (ج) و(د) فقط.
[ ١ / ١٧١ ]
من الشرائع، وقيل: "معناه: بعمل قليل له ثواب جزيل"، وفيه: أنه لا يطابق الجواب الجميل (أتشبّث) بتشديد الباء الموحدة ورفع المثلثة، أي: أتعلق [وأتمسك] (^١) (به) فهو صفة لـ"شيء"، وفي نسخة بالجزم على أنه جواب الأمر (قال: لا يزال لسانك) أي: [القلبي] (^٢) الملائم لقوله: "لا يزال"، أو [اللساني] (^٣) مبالغة، أو بحسب الوسع والطاقة، أو الجمع بينهما؛ فهو نور على نور، وسرور على سرور (رطبًا) أي: لينًا ملازمًا قريبًا للعهد (من ذكر الله)، وهذا المعنى هو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١].
(ت، ق، حب، مس، مص) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن بُسْر، بضم موحدة وسكون مهملة (^٤).
(آخر كلام فارقت عليه رسول الله ﷺ) أي: حين أرسلني إلى اليمن
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "القلب".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "اللسان".
(٤) أخرجه ابن ماجه (٣٧٩٣)، والترمذي (٢٣٢٩) و(٣٣٧٥)، (١٣٥٧)، وابن حبان (٨١٤)، والحاكم (١/ ٤٩٥). قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. قال النووي في "الرياض" (١/ ٤١٣) وفي "الأذكار" (١/ ١٤): قال الترمذي: حديث حسن. قال الحافظ في "نتائج الأفكار" (١: ٩٠) حسن.
[ ١ / ١٧٢ ]
(أن قلت) "أن" مصدرية، أي: قولي هذا: (أيّ الأعمال) أي: أي نوع من أنواعها (أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى) الواو للحال، والمعنى: هو موتك بعد دوام حياتك حال ملازمتك [ذكر] (^١) الله تعالى.
قال المؤلف: "قوله: رطب، أي: لين ملازم، يريد: قرب العهد"، انتهى.
وفيه إيماء إلى أن زبدة الأعمال هو ذكر الله تعالى، وأن مداره على حسن الخاتمة، كما يدل عليه ما ورد: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة"، = وإشعارٌ بأن ملازمة الذكر في حال الحياة سبب لحصوله وقت الممات؛ لما روي: "كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون".
(حب، ر، ط) أي رواه: ابن حبان، والبزار، والطبراني في "الكبير" عن معاذ بن جبل (^٢).
(قلت) أي: وقت توجهي إلى اليمن، والظاهر أن هذا قاله أولًا ليقع ما سبق آخرًا: (يا رسول الله، أوصني، قال: عليك بتقوى الله) "عليك" اسم
_________________
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "لذكر".
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٢٠/ ١٠٦) رقم (٢٠٨) وابن حبان (٨١٨). قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد، وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وضعفه جماعة، ووثقه أبو زرعة الدمشقي وغيره، وبقية رجاله ثقات. "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٤).
[ ١ / ١٧٣ ]
فعل بمعنى خذ، أي: الزمها ودم عليها (ما استطعت) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأما قوله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فقيل: "منسوخ، والمحققون على أن حق [تقاته] (^١) تقواه هو ما يجب منها من استفراغ الوسع في القيام بالواجب، والاجتناب عن المحارم، فيرجع إلى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ".
وأما ما روي عن ابن مسعود في تفسيره: "هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"، فقد رواه الحاكم مرفوعًا، وكذا ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وصححه المحدثون (^٢)، فيكون محمولًا على
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٣/ ٧٢٢) رقم (٣٩٠٨). رواه الطبري في "التفسير" (٤/ ٢٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ ٩٢/ ٨٥٠١)، وعنه: رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٢٣٨)، وابن المنذر في "التفسير" (٧٦٨)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٩٤). وقد روي هذا الحديث عن زبيد بن الحارث واختلف عنه. فقيل: زبيد بن الحارث، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا ومرفوعًا. قال ابن رجب: "والموقوف أصح"، وقال: "المشهور وقفه"، والدارقطني في "العلل" (٥/ ٢٧٤ س ٨٧٦) وسئل عن حديث مرة الطيب، عن عبد الله في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. فقال: يرويه زبيد، عن مرة، عن عبد الله. =
[ ١ / ١٧٤ ]
حال الكمال، وقال بعض العارفين: "هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها".
(واذكر الله عند كل حَجَر وشَجَر) إيماء إلى ما قيل في مقام المشاهدة: وفي كلِّ شيءٍ له شاهدٌ دليلٌ على أنَّهُ واحدُ.
(وما عملتَ من سوء) أي: معصية أو غفلة، فـ"ما" موصولة متضمنة للشرط، و"من" بيانية، أو شرطية، و"من" زائدة أو تبعيضية (فأحدث) أي: جدِّد (لله) أي: خالصًا (فيه) أي: في حق ذلك السوء أو لأجله (توبة) أي: رجوعًا بالندامة.
(السر بالسر) أي: الرجوع المخفي في السوء المخفي، فـ"السر" منصوب على أنه بَدَلُ كُلِّ مِنَ "التوبة" وتفصيل لها، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: السوء المخفي يقابل [بالرجوع] (^١) المخفي.
وكذا قوله: (والعلانية بالعلانية) بتخفيف الياء خلاف السر، ويستفاد
_________________
(١) = وخالفه عمرو بن مرة، فرواه عن مرة، عن الربيع بن خثيم قوله، قيل للشيخ مرة الهمداني، قال: نعم هو مرة بن شرحبيل الطيب الهمداني نبيل جليل. وقال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح موقوف"، والله أعلم "التفسير" (٢/ ٧١). وقال الزيلعي روي موقوفا ومرفوعا كما قاله المصنف والأكثر على وقفه "تخريج الكشاف" (١/ ٢١٠).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "الرجوع".
[ ١ / ١٧٥ ]
منه أنه ينبغي أن تقع التوبة على منوال المعصية؛ إن سرًّا فسرًّا، وإن جهرًا فجهرًا، والظاهر أنه أمر استحباب، والسر فيه ظاهر. (ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن معاذ (^١).
(ما عَمِلَ آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) "ما" نافية، و"عملًا" مفعول مطلق، أو مفعول به، على أن "عَمِلَ" بمعنى كسب، أي: فعل عملًا من أعمال البر.
و"أنجى" أفعل تفضيل من الإنجاء، لا من النجاة؛ لأن النجاة بمعنى الخلاص، والمعنى هنا على التخليص، وهو معنى الإنجاء، وبناء أفعل التفضيل -على هذا الوزن- من باب الإفعال قياسي عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع، كقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأنت أكرم لي من فلان، وهو عند غيره سماعي مع كثرته. ونقل عن المبرّد والأخفش جواز بناء أفعل التفضيل من جميع المزيد فيه، كـ"أفعل" و"استفعل" وغيرهما، [كذا] (^٢) أفاده الشيخ الرضيّ.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ١٥٩) رقم (٣٣١) "معجمه الصغير" (٩٤٩)، وفي "الدعاء" (١٨٥٨). وقال الطبراني: لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد تفرد به يعقوب القمي. قال الهيثمي (١٠/ ٣٠١): فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وقد وثق هو وبقية رجاله.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "كما".
[ ١ / ١٧٦ ]
ثم "من" الأولى للتعدية، والثانية تفضيلية، و"آدمي" منسوب إلى آدم، والمعنى: ما عَمِلَ ولا يعمل فرد من أفراد بني آدم من الأنبياء، والأصفياء، وغيرهم من الأولياء والصلحاء= عملًا يكون أكثر إنجاءً من عذاب الله له يوم القيامة من ذكر الله.
قال الحنفي: "ولا شك أن آدم ﵇ أبا البشر داخل في هذا الحكم".
قلت: فالمراد بالآدمي النوع الإنساني، أو يحمل على التغليب، أو على دخوله بالأولى.
(ط، أ، مص) أي: رواه الطبراني في "الكبير"، وأحمد، وابن أبي شيبة، [عن معاذ] (^١)، فأما أحمد فقد انتهى حديثه، وأما حديثهما فله تتمة (^٢)،
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٧٣٣) وأحمد (٥/ ١٩٥) والطبراني في "الدعاء" (١٨٥٦)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٥٧/ ٦) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن تضرب. بسيفك حتى ينقطع ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع" واقتصر الطبراني على أوله. وطاووس لم يسمع من معاذ. وروي مرة أخرى عن يحيى بن سعيد فقال: عن أبي الزبير أنه بلغه عن معاذ، فذكره موقوفًا، وهو عند جعفر الفريابي في "الذكر" كما في "نتائج الأفكار" لابن حجر (١/ ٩٧).
[ ١ / ١٧٧ ]
وهي (قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله) بنصب الجهاد في الأصول المصححة عطفًا على "عملًا"، أي: ولا عَمِلَ الآدمي الجهادَ حال كونه أنجى له … إلى آخره، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: وليس الجهاد في [سبيله] (^١) أنجى له.
(قال: ولا الجهاد في سبيل الله) بالوجهين (إلا أن يضرب) أي: إلا أن يجاهد الكفار (بسيفه) أي: ونحوه من سلاحه (حتى ينقطع) من باب الانفعال، وفي نسخة صحيحة: "حتى يقتطع" من باب الافتعال، أي: [ينكسر] (^٢) السيف، وهو أقرب، وبالرواية الآتية أنسب، أو ينقطع الجهاد أو الكافر أو الضارب، وهو كناية عن الشهادة، وهو أظهر في مقام المبالغة في حصول السعادة.
وقال الحنفي: "حتى ينقطع المجاهد أو الكافر، أو الضرب أو السيف". كذا قاله في "أصل الأصيل"، وسائر الأصول المعتمدة خلافًا "لنسخة الجلال"، أي: قال ﷺ هذا القول، وهو "ولا الجهاد … " إلى آخره، أو "إلا أن يضرب"، أو "حتى ينقطع" (ثلاث مرات)، وأما على "نسخة الجلال" "فثلاث مرات" ظرف لـ"قال: ولا الجهاد … " إلى آخره، والمراد بالإعادة زيادة المبالغة.
قال المؤلف ﵀: "قوله "ولا الجهاد"، يعني -والله أعلم-:
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "سبيل الله".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "يتكسر".
[ ١ / ١٧٨ ]
الجهاد المجرد عن الذكر، [يبينه] (^١) قوله ﷺ (^٢): "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرْنَهُ"، أي: حال القتال، والقِرْن: بكسر القاف وإسكان الراء، هو الكفء في الشجاعة، فهذا المجاهد الذاكر أفضل من الذاكر بلا جهاد ومن المجاهد الغافل، [والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل] (^٣)، فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون" (^٤)، انتهى.
وكذا الحال في سائر الأعمال، قال الحنفي: "الاستثناء يدل على أن الجهاد الخاص -وهو أن يضرب بسيفه- أنجى من الذكر، وهذا لا يلائم ما سبق من قوله ﷺ: "ألا أخبركم بخير أعمالكم … " الحديث، وكذا لا يناسب ما ذكره المصنف آنفًا من أن المراد: الجهاد المجرد من الذكر؛ إذ لا شك في أنه لا جهاد مجردًا أصلًا أنجى من الذكر".
قلت: ليس مراد المصنف أن الجهادَ المجرّد أنجى من الذكر؛ إذ صرَّح بضده حيث قال: "والذاكر بلا جهادٍ أفضل من المجاهدِ الغافلِ"، وإنما أراد أنّ قوله: "ولا الجهاد" محمول على الجهاد المجرد، والمراد بالمستثنى: الجهاد المنضمّ إلى الذكر، كما بينه بأنه الأفضل.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "ببينة"، وفي (هـ): "بينه".
(٢) يعني: في الحديث القدسي.
(٣) من (أ) و(ج) و(هـ) و"مفتاح الحصن الحصين" فقط.
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
[ ١ / ١٧٩ ]
والأظهر أن يراد بقوله: "الجهاد" أعم من المجرد والمنضمّ، والمراد بالمستثنى: الأخير، بقرينة ما سبق من الحديث، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، ويرتفع الإشكال الوارد من حديثٍ يعارض الحديث المذكور بحسب الظاهر، حتى قال الحنفي: "بينه وبين ما ذكره المصنف تدافعٌ، ولا بد فيه من القول بترجيح أحدهما على الآخر، أو من القول بوهم راوٍ من رواة أحدهما، وهو أنه روى ابن أبي الدنيا، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إنّ لكل شيءٍ صقالةً، وصقالة القلوب ذكر الله، وما من شيءٍ أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"، واللفظ للبيهقي، وفي رواية: "ولا أن يضرب … " إلى آخره (^١).
وروى الترمذي عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ سئل: أيّ العباد أفضلُ
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الدعوات (١٩). وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٩٨٧) موضوع وقال: سكت عنه البيهقي، وليس له ذلك، فقد ذكر في "المقدمة" أنه اقتصر على ما لا يغلب كونه كذبًا؛ وليس هذا من هذا القبيل؛ فإن سعيد بن سنان -وهو أبو مهدي الحمصي- ضعيف جدًّا، كما يشعر بذلك قول البخاري: "منكر الحديث". والنسائي: "متروك الحديث". وقال الحافظ: متروك. ورماه الدارقطني وغيره بالوضع. ومن طريقه: رواه ابن أبي الدنيا أيضًا، كما في "الترغيب" (٢/ ٢٢٨)، وصدره بلفظة: "عن"؛ فما أصاب ولا أحسن!
[ ١ / ١٨٠ ]
درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا، قلت: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟! قال: لو ضربَ بسيفه في الكفار وفي المشركين، حتى ينكسِر ويختَضِبَ دمًا، لكان الذاكر الله أفضلَ درجةً" (^١).
والحاصل: أنّ الذكر المجرّد أفضل من جميع العبادات المجرّدة عن الذكر، وأما إذا انضمّ الذكر مع عملٍ فلا شك أنه أفضلُ حينئذٍ من الذكر المجرد، ثم ينظر في نسبة الأعمال المنضمة باعتبار تفاوُتِ مراتبها، والعلم عند الله تعالى.
(ط، مص، طس، صط) [أي] (^٢) رواه: الطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة؛ كلاهما من حديث معاذٍ، والطبراني في "الأوسط"، وكذا في "الصغير" من حديث جابرٍ (^٣)، قيل: "ورجال الطبراني في الكتابين رجال
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٧٥)، والترمذي (٣٣٧٦) وقال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث درَّاج. قلت: ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "يعني".
(٣) ورواية جابر أخرجه الطبراني في "معجمه الأوسط" (٢٣١٧)، وفي "معجمه الصغير" (٢٥٩) ثنا إبراهيم قال ثنا محمد بن يوسف الفريابي قال ثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي الزبير عن جابر رفعه إلى النبي ﷺ قال: "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من العذاب من ذكر الله" قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع". =
[ ١ / ١٨١ ]
الصحيح"، لكن لا يخفى أنه يتحصل من مجموع الرمز السابق واللاحق أنّ الحديث الأول بانفراده لأحمد عن معاذ، وبانضمامه إلى ما بعده للطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة عن معاذٍ أيضًا.
وأن الحديث الآخر للطبراني في "الأوسط" و"الصغير" من حديث جابر، [وهو لا] (^١) يُتصور أن يكون كلامًا مستقلًّا، فيحمل على أنّه مع انضمامه للسابق روايةُ جابرٍ، فكان [حقّ الشيخ] (^٢) أن يذكر رمز "طس" و"صط" في الرموز السابقة أيضًا، أو يكتفي بأحمد في الأول، وبالبواقي في الآخر مرةً واحدةً، فتأمّل فإنه موضع زلل.
(لو أن رجلًا في جره) بفتح الحاء، وفي نسخة بكسرها، قال المؤلف: "هو بفتح الحاء، ويجوز الكسر، وهو: طرف الثوب" (^٣)، فالمعنى لو ثبت أن شخصًا في ثوبه (دراهم) أي: مثلًا، وكذا دنانير
_________________
(١) = وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا أبو خالد تفرد به الفريابي. وقال الهيثمي: وقد عزاه للطبراني فيهما: رجالهما رجال الصحيح. "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٤). قال ابن حجر: وهي رواية شاذة. "نتائج الأفكار" (١/ ٩٧). قلت: وهو غير محفوظ: فقد رواه ابن أبي شيبة ثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن طاوس عن معاذ به.
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "ولا".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج): "للشيخ".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
[ ١ / ١٨٢ ]
وغيرها (يقسمها) بفتح الياء وكسر السين، وفي نسخة بضم الياء وفتح القاف وتشديد السين، أي: ينفقها ويفرقها على مستحقّيهما من غير [ذكره] (^١) سبحانه، (وآخر) بالنصب ويرفع، أي: وأنّ رجلًا آخرَ، أو هناك رجل آخر، [أو وثبت] (^٢) رجل آخر (يذكر الله) أي: من غير إنفاق دراهم تكون له أولًا، (كان الذاكر لله) أي: له خالصًا (أفضلَ) وفي نسخة صحيحة، وهي "أصل الأصيل": "كان الذاكر الله" بنصب الجلالة على المفعولية، أو على نزع الخافض.
قال المؤلف: "وإنّما كان الذاكر الله أفضلَ؛ لأن ذاكر اللهِ يذكره اللهُ، وذكر الله تعالى للعبدِ أفضلُ من كل شيءٍ، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، قيل: "أي ذكر الله تعالى لعبده أعظمُ، والله أعلم" (^٣).
(ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي موسى، وفي "الجامع": "رواه في "الأوسط""، ويمكن الجمع إن لم يكن هناك وهم (^٤).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "ذكر الله".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "أو ثبت".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٩٦٩) وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عمر بن موسى. =
[ ١ / ١٨٣ ]
(إذا مررتم برياض الجنة) أي: بساتينِها الموضوعةِ في الدنيا، الْمُورِثَة للجنانِ العاليةِ في العقبى (فارتعوا) أي: فافعلوا فيها ما يكون سببًا لحصولها من: التسبيح، والتحميد، والتهليل، ونحوها؛ لما جاء أن الجنة قيعان، وغراسها أذكاره تعالى، فالرتع كناية عن أخذ الحظّ الأوفر.
(قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟) أي: سببُها أو مكانُ حصولها (قال: حِلَقُ الذّكر) "بكسر حاء وفتح لام، جمع حَلقة بفتح، كقَصعة وقِصَع، وهو: جماعة من الناس يستديرون كحَلْقة الباب، كذا في "النهاية"، وقال الجوهري: "جمع الحَلقة على الحَلَق بفتح الحاء على غير قياسٍ، وحكي عن أبي عمرٍ وأنّ الواحدَ حَلَقَةٌ بالتحريك، والجمع حَلَق بالفتح"" (^١)، ذكره المؤلف.
وفي الحواشي عن "الكشاف": "الحلق بفتح الحاء في الدرع، وبكسرها في النالس". قال صاحب "الكشف": "ذكر الجوهري وابن الحاجب أن كلًّا في كل، وهما لغتان".
أقول: يمكن أن يكون كل في معنًى أشهر أو أكثر دون الآخرِ، فتدبر،
_________________
(١) = وقال الهيثمي: رجاله وثقوا "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٤). وقال ابن رجب: قلت الصحيح عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قوله خرجه جعفر الفريابي "جامع العلوم والحكم". في الإسناد عمر بن موسى ضعيف، قال عنه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ١٠٩): ضعيف يسرق الحديث ويخالف في الأسانيد انظر "الأحاديث الضعيفة" (٤٣٤٨).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ، ب).
[ ١ / ١٨٤ ]
والمعنى: إذا مررتم بجماعةٍ يذكرون الله تعالى في مكانٍ، فاذكروا الله أيضًا أنتم موافقةً لهم، [أو اسمعوا] (^١) أذكارهم متابعةً لهم؟ فإنّهم في رياض الجنة حالًا [ومآلًا] (^٢)، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قيل: "جنّةٌ في الدنيا، وجنّةٌ في العقبى".
(ت) أي: رواه الترمذي عن أنس، وكذا أحمد، والبيهقي عنه (^٣)، قال ميرك [شاه] (^٤): "وأخرج [الترمذيّ] (^٥) من حديثِ أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قلت: وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ" (^٦). قال بعض شراح الحديث: "حديث البابِ مطلقٌ في المكان والذكر، فيحمل المطلق على المقيد في الحديث".
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "واسمعوا"، وفي (هـ): "أو استمعوا".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "أو مآلًا".
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٠) والترمذي (٣٥١٠) والبيهقي في الشعب (٥٢٩) وقال الترمذي: حسنٌ غريبٌ. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٩٩) وفي السلسلة الضعيفة (١١٥٠).
(٤) من (أ) فقط.
(٥) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "أيضًا".
(٦) أخرجه الترمذي (٣٥٠٩)، وإسناده ضعيف. حميد المكي قال الحافظ في "التقريب" مجهول، (١٥٥٩) وذكر ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٨٩) أنه لا يتابع على حديثه هذا.
[ ١ / ١٨٥ ]
أقول: الأظهر أن المطلق محمول على عمومه، والمقيدَ محمولٌ على الفردِ الأكملِ، أو أريد به المثال فتأمل، وقد روى الطبراني عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنةِ؟ قال: مجالسُ العلمِ" (^١).
قال المؤلف: "أراد برياضِ الجنة ذكرَ الله، وشبه الخوض فيه بالرتع في الخصب، والرتع: الاتساع في الخصب" (^٢)، وقال الحنفي: "وضع الرتع موضع القول لأن هذا القولَ سببٌ لنيل الثواب الجزيل، وجعل المساجد رياضَ الجية بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة"، ثم الرياض: جمع روضة كالروضات، وأغرب الحنفي في جعله "الروضات" جمع الجمع، والله أعلم.
وعن أنسٍ قال: "كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجلَ من أصحاب رسول الله ﷺ قال: تعالَ نؤمن بربّنا ساعةً، فقال ذات يومٍ لرجلٍ فغضب الرجل، فجاء إلى النّبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغبُ عن إيمانك إلى إيمانِ ساعةٍ؟! فقال النبي ﷺ: يرحم اللهُ ابنَ رواحةَ؛ إنه يحبّ المجالسَ التي تَتَباهى بها الملائكةُ" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٩٥) رقم (١١١٥٨) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧٠١).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ أ).
(٣) أحمد ٣/ ٢٦٥، وإسناده حسن كما في "المجمع (١٠/ ٧٦). =
[ ١ / ١٨٦ ]
ولعلّ قولَه هذا إيماءٌ إلى قولِهِ سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وإشارةٌ إلى ما روى أحمدُ، والحاكمُ، عن أبي هريرة مرفوعًا: "جدّدوا إيمانَكم؛ أكثروا من قولِ: لا إله إلا الله" (^١).
(يقول الله ﷿: سيعلم أهل الجمع) أي: الجمع الأكبر، وهو يوم القيامة (اليومَ) أي: في ذلك اليوم، وهو يوم الجمعِ يوم التغابنِ، ولعل العدول عن "يومئذٍ" لاستحضار الحال الآتية (مَنْ أَهْلُ الكَرَمِ؟) أي: من أهلٌ أن يكرم، أو من أَصْحَابُ الْكَرَمِ المشتغلون بذكر ربهم الكريم، قال المصنف: "أراد بأهل الجح أهل يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وأهلُ الكرمِ: الذين يَحْبُوهُم الله تعالى بكرامته" (^٢).
(قيل) وفي نسخة: "فقيل": (مَن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر من المساجد) بيان المجالس، وفي نسخة: "في المساجد"، أي: أهل المجالس الواقعة في المساجد؛ حيث إنّهم تركوا الدنيا
_________________
(١) = قلت: في إسناده عمارة بن زاذان وزياد بن عبد الله النميري متكلم فيهما، وقد تفرَدا بهذا الحديث بهذه السياقة، ولم يتابعهما عليه أحد. والحديث في "ضعيف الترغيب" (٩١٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٩)، والحاكم (٤/ ٢٥٦) وقال: صحيح الإسناد، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٢، ١٠/ ٨٢)، قال الهيثمي (١/ ٥٢): إسناده جيد وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٢٦)، والضعيفة (٨٩٦).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
[ ١ / ١٨٧ ]
وأسواقها، واشتغلوا بالذكر المكرم في المساجد المكرمة والأماكن المعظمة، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
وفي الحديث إيماءٌ -كما في الآيات- إلى أن الذكر في المساجد أفضلُ من الذكر في غيرِها، وقد ورد في الحديث، على ما رواه الطبراني، والحاكم، عن ابن عمر مرفوعًا: "خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق" (^١).
(حب، ط، ص) أي رواه: ابن حبان، والطبراني في "الكبير"، وأبو يعلى الموصلي، عن أبي سعيد الخدري، وصحّحه ابن حبان، ورواه أحمد، والبيهقي أيضًا (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧١٤٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٧، ٢/ ٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٧١).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٦٨ و٧٦)، والطبراني في "الدعاء" (١٨٨٨)، والبيهقي في "الشعب" (٥٣٥)، وأبو يعلى (١٠٤٦) وابن حبان (٨١٦)، في إسناده دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وهي رواية ضعيفة. والحديث في "ضعيف الترغيب" (٩١٤).
[ ١ / ١٨٨ ]
(ما من آدميٍّ) زيادة "مِنْ" لإفادة تعميم النفي (إلا لقلبه) وفي نسخة: "إلا ولقلبه" (بيتان) أي: مكانان (في أحدهما المَلَكُ) أي: يُلهم الخير والذكر، (وفي الآخر الشيطان) أي: يوسوس الشرّ والغفلة، (فإذا ذكر الله) أي: الآدميُّ بقبول لُمَّةِ المَلَك (خنَس) بفتح النون، قال المصنف: "أي: انقبض وتأخّر" (^١)، يعني: الشيطان، ولكثرة هذا الوصف فيه سمّي الخناسّ في سورة الناس.
(وإذا لم يذكر) أي: "الله"، كما في نسخة صحيحة، وفي نسخة زيادة "تعالى"، والمعنى: إذا لم يذكر الآدميّ ربّه بالإعراض عن الإلهام الملكيّ الإلهيّ (وضع الشيطان منقاره في قلبه) قال المؤلف: "هو بِكسر الميم يريد فمَه، شبهه بمنقارِ الطّائر في لقط الحبّةِ بسرعةٍ من ها هنا وها هنا" (^٢).
(ووسوس له) أي: للآدميّ بما يؤدي للغفلة إلى أن يذكر ربّه، وهكذا حال الآدمي معه على الدوامِ، والحديث بظاهره يدل على شمول الأنبياءِ ﵈، ولكن عصمهم الله تعالى بدوامِ ذكره، وحفظهم عن وسوسة الشيطانِ وشرّه، ويؤيّده حديثُ ابن مسعود مرفوعًا: "ما منكم أحدا إلا وقد وكل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
[ ١ / ١٨٩ ]
بخير" (^١)، والرواية بفتح الميم وضمها في "أسلم" على أنه فعل ماض، أو مضارع متكلم.
هذا، وقد قال الحنفي: "الوسوسة تعدى بـ"إلى"، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، أي: يريد إليهما، ذكره البيهقي.
والوسوسة حديث النفس"، انتهى.
والصواب ما في "القاموس": "الوسوسة: حديثُ النّفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوِسواس بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وسوس له وإليه".
(مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق، قال ميرك: "ظاهر إيراد الشيخ -قدس سره- يقتضي أن يكون الحديث في "مصنف ابن أبي شيبة" مرفوعًا، لكن أورده صاحبُ "السلاح" من قول عبد الله بن شقيق موقوفًا عليه، وقال في آخره: "رواه ابن أبي شيبة في كتاب "فضائل القرآن"، ورواه في "مصنفه"، ورجاله رجال الصحيح" (^٢)، انتهى.
فيحتمل على بُعد أن الحديث يكون في "مصنفه" مرفوعًا، وفي "فضائل القرآن" له موقوفًا، وله شاهد من حديث أنسٍ مرفوعًا بلفظ: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله تعالى خنس، وإن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨١٤).
(٢) قال ابن دقيق الإمام في سلاح الدعاء (٥٨): رواه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب فضائل القرآن وثوابه تصنيفه ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ١٩٠ ]
نسي التقم قلبه"، أخرجه ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والبيهقي بأسانيدَ ضعيفةٍ (^١).
قال المنذري: "الخَطْم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة، هو الفَمُ" (^٢)، وقال في "الحقائق": "الخطم: مقدّم الأنفِ والمنقارُ".
(من صلى الفجر) أي: صلاة الصبح (في جماعةٍ، ثم قعد) أي: استمرّ على حال ذكره، سواءٌ يكونُ قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، والجلوس أفضلُ إلا إذا عارضه أمر كالقيام لطواف، أو لصلاة جنازة، أو لحضور درسٍ ونحوها (يذكر الله) حالٌ، (حتى تطلُع الشمس) بضم اللام، أي: حتى ترتفع قدر رمح، حتى يخرجَ وقتُ الكراهَةِ، (ثمّ صلّى ركعتين) وتسمى هذه [الصلاة] (^٣) صلاةَ الإشراقِ، وهيَ أولُ صلاةِ الضّحى (كانت) أي: مثوبة فعله ذلك (له كأجر حجة) لقيامه بالفرض جماعة، (وعمرة) لأداءِ تلك السّنّة.
وفيه لمذهبنا تقويةٌ، ولم أَرَ من تعرض لهذه النكتة، مع أنّ العلماء
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة رقم (٩٢)، وأبو يعلى (٤٣٠١)، والبيهقي في الشعب (٥٤٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٨٦)، وقال ابن كثير في التفسير (٨/ ٥٣٩): غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٨٠)، والضعيف (١٣٦٧).
(٢) الترغيب والترهيب (٢/ ٢٥٧).
(٣) من (أ) فقط.
[ ١ / ١٩١ ]
اتّفقوا على أن الصلاة أفضلُ من سائر العباداتِ، لكن الحج أشقّ وأصعب على النّفس، ثمّ العمرة سنّة مؤكدة، وقيل: "فريضة"، وتلك الصلاة إنما هي سنة مستحبّة، لكن يكفي في التشبيه قدرُ هذه المناسبة.
وقال الطيبي: "التشبيه في هذا الحديث وأمثاله ليس للتّسوية، بل من باب إلحاق الناقص بالكامل؛ ترغيبًا للعامل" (^١).
وفيه أنه لا يلائمه قوله: (تامة تامة تامة) أي: كاملةً، وذكرها ثلاثًا للمبالغةِ في تأكيد وصفِ كلٍّ من الحجة والعمرة، بأنها في مرتبتها غير ناقصة، ولا يبعد أن تكون الثلاثةُ وصفًا لـ"عمرة"؛ حيث وقعت في مقابلةِ ثلاث سننٍ من الجماعة والاستمرار وصلاة الإشراق، والله أعلمُ.
قال المؤلف: "تأكيد لتحقق ذلك وهذا وأشباهه ورد كثيرًا في الحديث، مثل قوله: "من صام ثلاثةَ أيامٍ من كل شهرٍ، فكأنّما صام الدهر"، وفيمن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، وهذا الأجر بغير مضاعفةٍ، بخلاف من فعل حسنةً، فإن له الأجر بالمضاعفةِ: الحسنةُ بعشرِ أمثالها إلى سبعين ضعفًا، إلى سبع مئة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ" (^٢).
(ت) أي: رواه الترمذي عن أنس (^٣).
_________________
(١) ذكره في المرقاة (٢/ ٧٧٠).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
(٣) أخرجه الترمذي (٨٥٦) وقال: حسن غريب، وسألت محمد بن إسماعيل =
[ ١ / ١٩٢ ]
(انقلب) بدلٌ من الجملة الجزائية الأولى، وهي "كانت له … " إلى آخره؛ بدليل عدم العطفِ، والمعنى: رجع ذلك الشخصُ (بأجر حجة وعمرة. ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة (^١).
وروى: أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن جابر بن سمرة: "أنه ﷺ كان إذا صلى الغدوة جلس في مصلاه، حتى تطلع الشمس" (^٢).
وفي "التنبيه " للفقيه: "عن عمر أنه ﵊ بعثَ سريةً، فتعجلت الكرة وأعظمت الغنيمةَ، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا سريةً قطّ أعجلَ كَرّة، ولا أعظم غنيمةً، من سريتك! قال: أفلا أخبركم بأعجل كرةً
_________________
(١) = عن أبي ظلال فقال: هو مقارب الحديث. لكن الحديث قد ذكره المنذري في الترغيب (١/ ١٦٤ - ١٦٥) وذكر له شواهد يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن -إن شاء الله-. وأبو ظلال: قال الحافظ: بكسر الظاء وتخفيف اللام اسمه هلال، ضعفوه، ولم أر فيه أحسن مما نقل الترمذي عن البخاري أنه سأل عنه؟ فقال: مقارب الحديث. نتائج الأفكار (٢/ ٣٠٢)، وقال في التقريب: ضعيف (٧٣٩٩).
(٢) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧٥٧٨)، وفي "الشاميين" (١٥٤٨) و(٣٤١٢) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٠٤): رواه الطبراني وإسناده جيد. وأورده الألباني الصحيحة (١١٩٦). وانظر ما بعده.
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) وأبو داود (١٢٩٤) والترمذي (٥٨٥)، والنسائي (٣/ ٨٠).
[ ١ / ١٩٣ ]
منهم، وأعظمَ غنيمةً؟ قالوا: نعم، قال: أقوامٌ يصلون الصبح، ثم يجلسون في مجالسهم، فيذكرون الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يصلون ركعتين، ثم يرجعون إلى أهاليهم، فهؤلاء أعجلُ كرةً وأعظمُ غنيمةً" (^١).
قلت: ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا، وفيه إشارة إلى أنه لا يلزمه أن يقعد في مكانه الذي صلى فيه، بل له أن يتحوّل عن الصفّ إلى الموضع الذي أراد أن يجلس فيه لذكرٍ أو تلاوةٍ، أو تعلمٍ أو تعليمٍ، فإنّ المقصود الأصليّ إنما هو إشغال الوقت بالذكر الإلهي، ولو في بيته أو دكانه. نعم، في محلّه أكمل، وفي مسجده أفضلُ، وفيه إيماءٌ إلى أنّ المسجد كلّه مكانٌ واحدٌ، وموضعٌ [واحد] (^٢) متحدٌ حكمًا.
(ذاكر الله في الغافلين) أي: فيما بينهم من المشتغلين عن الله بالبيع ونحوه في الأسواق وغيرها (بمنزلة الصابر) أي: الغازي المجاهد (في الفارين) أي: في الجمع الذين فرُّوا من الكفّار، ولو كان فرارُهم جائزًا لهم في بعض الصور، فإن الصبر أعلى مرتبةً؛ لأنَّ الله مع الصابرين، والنصر مع الصبر.
فالذاكر قاهر لجندِ الشيطان، وغالبٌ على المطلوب، والفارّ مقهورٌ ومغلوبٌ، قال المؤلف: "هو بتشديد الراء، أي: الفارين من الزحف إذا
_________________
(١) أخرجه أبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين" (٨٥٩).
(٢) من (هـ) فقط.
[ ١ / ١٩٤ ]
التحم الحرب في قتال الكفار" (^١).
(ر، طس) أي رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، عن ابن مسعود (^٢)، وروي عن مالك قال: "بلغني أن رسول الله ﷺ كان يقول: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين"، أورده رزين في كتابه، ذكره ميرك، ورواه الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود أيضًا بلفظ الأصل.
ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر مرفوعًا: "ذاكر الله في الغافلين مثل الذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين كالمصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين كمثل الشجرة الخضراء في وسط
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٦) رقم (٩٧٩٧)، وفي الأوسط (٢٧١)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٣٦)، وقال في الضعيفة (٦٧٢): ضعيف جدًّا. في الإسناد محصن بن علي الفهري: روى عنه ابن طحلاء وعمرو بن أبي عمرو، وذكره ابن حبان في الثقات، واستغرب له أبو نعيم في الحلية حديث: "ذاكر الله في الغافلين"، ولا يصح عنه، وقد روى عن محصن جماعة غير هذين لكن لا يصح الإسناد إليهم، وهو قليل الرواية جدًّا، وقال ابن القطان: "ولا يُعرف محصن إلا به، وهو مجهول"، ولم يحكِ فيه الذهبي في الميزان غير قول ابن القطان "التاريخ الكبير" (٤٦/ ٨). "الجرح والتعديل" (٨/ ٤٣٢). "الثقات" (٥/ ٤٥٨). "الحلية" (٤/ ٢٦٨). "بيان الوهم" (٤/ ١٤٣/ ١٥٨٥) "الميزان" (٣/ ٤٤٤). "التهذيب" (٤/ ٣٣).
[ ١ / ١٩٥ ]
الشجر الذي قد تحاتَّ من الصريد -يعني: البرد الشديد- وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده من الجنة، وذاكر الله في الغافلين يغفر الله له بعدد كل فصيحٍ وأعجم"، كذا في "الجامع" (^١).
وأقول: وذاكر الله في الغافلين بمنزلة العالم في الجاهلين، وبمنزلة الشبعان بين الجائعين، وبمنزلة الحيّ بين الأموات -أي: في المقابر- وبمنزلة السلطان بين العساكر، وبمنزلة الجوهر بين الحجر والمدر.
(ما من قومٍ جلسوا مجلسًا) ظرف أو مفعول مطلق، أي: جلوسًا، ويؤيد الأول قوله: (وتفرقوا منه) أي: من ذلك المجلس (ولم يذكروا الله فيه) وهو بالواو في "أصل الجلال" وفي نسخة "للأصيل"، فيحتمل العطفَ والحالَ، وأمّا على نسخة ترك الواو، فيتعين وقوعه للحال، (إلا كأنّما تفرقوا عن جيفة حمارٍ) استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، أي: لم يجتمع ما ذكر في حالٍ من الأحوال إلا في حالِ تشبههم في غفلتهم بحال تفرقهم عن جيفة حمارٍ منتنة، فإنهم حيث اشتغلوا بغير ذكر الله، لا سيما إذا كان الكلام في جيفة الدنيا، فكأنهم استعملوا من أكل الحمار الميت.
وفيه تنفير عن الغفلة وترهيبٌ منه، وترغيبٌ في الذكر، فإن الذاكرين يشبهون حينئذٍ بمن أكل الطيبات، واستعمل [الملذات] (^٢)، ثم تخصيص
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ١٨١) وقال الألباني في الضعيفة (٦٧١): ضعيف جدًّا.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د) و(هـ): "المستلذات".
[ ١ / ١٩٦ ]
الحمار لأنه أبلد الحيوانات، قال المصنّف: "أي: عن نتنها وقبحها، والجيفة جثة الميت" (^١)، زاد في "النهاية": "إذا أنتن"، ومجمله أنه شبه مجلس الغفلة بالجيفة، والتفرقَ عنه بالتفرق عنها في الجملة، قيل: "وضمن "تفرقوا" معنى "تجاوزوا" أي: بعدوا، فَعُدِّيَ بـ"عن".
(وكان) أي: ما ذكر من الجلوس والتفرق وعدم الذكر، أو ذلك المجلس، كما في رواية، قيل: وكان الأمر (عليهم حسرةً يوم القيامة) وفي نسخة برفع "حسرة" على أن "كان" تامة، أي: وقع عليهم حسرة وندامة حين لا تنفع الندامة.
(مس، د، ت، حب، أ، س) أي رواه: الحاكم، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وأحمد، والنسائي، عن أبي هريرة (^٢)، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وفي تقديم الحاكم إشارةٌ إلى أنّ لفظ الحديث له، لكن تأخير النسائيّ عن الكلّ لا يظهر له وجهٌ؛ إذ مقتضى الترتيبِ السابقِ أن يُذْكَرَ بعد الترمذي.
قال ميرك: "ولفظ الترمذي: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم"، وقال: "حسن صحيح"".
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٩ و٢/ ٥١٥ و٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (٤٨٥٥) ومن طريقه البيهقي في "الآداب" (٢٥٨)، والنسائي في "الكبرى" (١٠١٦٩)، وابن حبان (٥٩٠) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٢).
[ ١ / ١٩٧ ]
أقول: وكذا رواه ابن ماجه (^١) عن أبي هريرة وأبي سعيد، والمعنى: إن شاء عذبهم على ذنوبهم الماضية، لا على ترك الذكر، فإنه ليس بالمعصية، ولفظ أبي داود، والحاكم -على ما في "الجامع"-: "ما من قوم يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة".
وروى الطبراني والبيهقي والضياء عن [سهيل] (^٢) بن حنظلةَ مرفوعًا: "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى، فيقومون حتى بقال لهم: قوموا، قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدّلت سيئاتكم حسناتٍ" (^٣).
_________________
(١) قوله ابن ماجه فيه نظر وإنما هو الترمذي (٣٣٨٠ - نسخة بشار) وذكره المزي في التحفة (١٢١٩٨).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "سهل". وسهل بن الحنظلية وهو سهل بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة، وأمه من بني تميم، ثم من بني حنظلة، فنسب إلى أمه، فقيل ابن الحنظلية، شهد أحدًا والخندق والمشاهد مع رسول الله ﷺ، ثم تحول إلى الشام، فنزل دمشق حتى مات بها. انظر: الطبقات الكبرى (٧/ ٤٠١) معجم الصحابة للبغوي (٣/ ٩٦)، أسد الغابة (٢/ ٣٨٧)، تهذيب الكمال (١٢/ ١٨١)، الإصابة (٢/ ٨٦)، التقريب (٢٦٥٥).
(٣) أخرجه الطبراني (٦/ ٢١٢) رقم (٦٠٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦): فيه المتوكل بن عبد الرحمن والد محمد بن أبي السري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ١٩٨ ]
ورواه الحاكم والضياء عن أنس، ولفظه: "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفورًا لكم" (^١).
(وما مشى أحدٌ) عطفٌ على قوله: "ما من قوم"، فهو من جملة الحديث السابق باعتبار بعض الرموز الآتية، فكأنه قال: زاد النسائي، وأحمد، وابن حبان: "وما مشى أحد"، (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية، أي: مشيًا أو مكانه أو زمانه (لم يذكر) أي: ذلك الأحد (الله فيه) أي: في ممشاه (إلا كان عليه تِرَة) بكسر الفوقية وتخفيف الراء منصوبة، وفي نسخة بالرفع، وفي نسخة: "تَبْعة" بفتح فسكون، وهي: معنى ترة، أو معناها: حسرة أو نقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، أي: لن ينقصَكم من أعمالكم.
وقال المصنف: "الترة: النقص، وقيل: التبعة، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، مثل: وعدته عدة، ويجوز رفع "ترة" ونصبها على اسم كان وخبرها" (^٢).
(وما أوى أحدٌ) بفتح الهمزة، وفي نسخة بمدّها، ففي "النهاية": "يقال:
_________________
(١) وعزوه للحاكم والضياء فقط قصور منه ﵀ فقد أخرجه. أحمد في المسند (٣/ ١٤٢). وأبو يعلى (٤١٤١) والبزار (٦٤٦٧). وقال الحافظ العراقي: أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف من حديث أنس. "المغني عن حمل الأسفار" (٩٣١).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
[ ١ / ١٩٩ ]
أوَى وآوَى بمعنًى واحدٍ، والمقصور منه لازم ومتعدّ"، يعني: والممدود لا يكون إلا متعديًا، فيحتاج إلى تقدير مفعولٍ في الحديث؛ بأن [يقال] (^١): ما آوى أحد نفسه؛ ولهذا اقتصر العسقلاني على القصر في: "إذا أوى"، (إلى فِراشه) بكسر الفاء، أي: إذا جاءه (لم يذكر الله فيه) صفة لـ"أحد"، وقيل: "حال"، أي: حال كونه لم يكن ذاكرًا لله في حال مأواه، وفي منقلبه إلى مثواه (إلا كان عليه تِرَة) وكان يقول الصديق الأكبر: "ليتني كنت أخرسَ إلا عن ذكر الله".
(س، أ، حب) أي رواه: النسائي، وأحمد، وابن حبان، عن أبي هريرة (^٢) أيضًا هذه الزيادة المتقدمة المتأخرة عن الحديث الأول، فتأمل. وقدّم
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "يقدر".
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٢)، والحاكم (١/ ٥٥٠) النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٠٦)، والطبراني في "الدعاء" (١٩٢٧). وأخرجه ابن حبان (٨٥٣) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فأسقط منه أبا إسحاق، والمحفوظ من حديث ابن أبي ذئب وجوده في الإسناد، ولعل الوليد دلسه، فقد كان يدلس تدليس التسوية. وليس عند النسائي: "وما من رجل أوى إلى فراشه". قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن، أخرجه النسائي في الكبرى وجعفر الفريابي في الذكر جميعًا عن عمرو بن علي الفلاس. وأخرجه الطبراني في الدعاء من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي نتائج الأفكار (٣/ ٩٥).
[ ١ / ٢٠٠ ]
رمز النسائي هنا إشارةً إلى أن هذا اللفظ له.
(إن الجبل) أي: جبلًا من الجبال (ينادي الجبل باسمه) أي:
المعروف في محلّه، كجبل أحد وأبي قبيس ونحوهما (أي فلانُ) كنايةً عن عَلَمِهِ؛ ولذا لم يُصْرَفْ؛ فإن"أي" هنا للنداء؛ لما في روايةٍ: "يا فلانُ"، (هل مر بك أحدٌ ذكر اللهُ؟ فإذا قال) أي: الجبل الثاني: (نعم، استبشر) أي: فرح الجبل الأول؛ لما حصل لصاحبه وقريبه من الخير النازل عليه مع رجاءِ أن يصل منه بعض المنافع إليه، وتحسر من عدم وقوع مثل هذا الأمر لديه، (الحديث) سيأتي تتمته.
(ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود (^١)، قال ميرك: "ويفهم من كلام صاحب "الأربعين" المسماة بـ "اللؤلؤة" أن هذا الحديث موقوفٌ على ابن مسعود، قلت: وكذا من الأحاديث التي نذكرها بعد، قال: لكن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي"، انتهى.
قلت: لكن لا يدفع الاعتراض بأن الواجبَ على المصنف أن يأتي برمز "مَوْ" قبله، ليدلَّ على كونه موقوفًا من قبله.
هذا، ورأيت شيخَ مشايخنا جلال الدين السيوطي ﵀ ذكر الحديث بكماله في "الدر المنثور في تفسير المأثور" (^٢)، وقال: "أخرج
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٠٧) رقم (٨٥٤٢). وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٩): "رجاله رجال الصحيح".
(٢) الدر المنثور (٥/ ٥٤٣).
[ ١ / ٢٠١ ]
ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد في "الزهد"، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة"، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، عن ابن مسعود، قال: "إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلانُ، هل مرّ بك اليومَ أحد ذكر الله؟ فإذا قال: نعم، استبشر. قال عون: أفيسمعن الزور إذا قيل، ولا يسمعن الخير؟! [هن] (^١) للخير أسمع، وقرأ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ [مريم: ٨٨] الآياتِ" (^٢).
وذكره الشيخ المذكور في كتاب "نتيجة الفكر في الجهر بالذكر" (^٣): "وقال أخرج البيهقي عن ابن مسعود، قال: "إن الجبل ينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليومَ لله تعالى ذاكر؟ فإن قال: نعم، استبشر ثم، قرأ عبدُ الله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٩، ٩٠] (^٤) الآية، وقال: [أيسمعون] (^٥) الزور، ولا يسمعون الخير؟
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "وهن".
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٧٢١)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٠٣) رقم (٨٥٤٢) والبيهقي في الشعب (٥٣٣) وأبو الشيخ في العظمة برقم (١١٧٦). قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٩).
(٣) كما في الحاوي للفتاوي (١/ ٤٦٨).
(٤) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "ينفطرن" بالنون، وهي قراءة متواترة، وفي (أ): "يتفطرن".
(٥) كذا (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "أو يسمعون".
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقال في "الدرّ" أيضًا: "أخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن محمد بن المنكدر، قال: بلغني أن الجبلين إذا أصبحا نادى أحدهما صاحبه، يناديه باسمه فيقول: أي فلانُ، هل مر بك اليومَ ذاكرٌ الله؟ فيقول: نعم، فيقول: لقد أقر الله عينك، لكن ما مَرَّ بي ذاكر الله ﷿ اليوم".
وفي "عوارف المعارف" لشيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي - قدس سره (^١) -: "روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "ما من صباحٍ ولا رواحٍ إلَّا وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضًا: هل مر بك اليومَ أحد صلى عليك، أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة: نعم، ومن قائلة: لا، فإذا قالت: نعم، عَلِمَتْ أنّ لها بذلك فضلًا عليها، وما من عبد ذكر الله تعالى على بقعةٍ من الأرض، أو صلى لله عليها إلَّا شَهِدت له بذلك عند ربه، وبكت عليه يوم يموت" (^٢).
_________________
(١) عوارف المعارف في التصوف للشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي (٦٣٢ هـ). "البداية والنهاية" (١٧/ ٢٠٩) والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (٦/ ٢٨٣).
(٢) وقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٤١١٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٧١٢)، والرافعي في "تاريخ قزوين" (٤/ ١٦) من طريق موسى بن عبيدة: حدثني يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعًا. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٩). وضعفه المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٤٧٥). =
[ ١ / ٢٠٣ ]
ثم اعلم أنّ البغويَّ قال في تفسيره "معالم التنزيل" في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]: "فإنْ قيل: الحجر جمادٌ لا يفهم، فكيف يخشى؟ قيل: الله يفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه، ومذهبُ أهل السنة أن لله عِلمًا في الجمادات وسائر الحيوانات، سوى العقلاء لا يقف عليه غيرُه، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ كما قال جل ذكره: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وقال: ﴿وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، فيجب على المرء الإيمانُ به، ويكل علمه إلى الله سبحانه.
روي: "أن النبي ﷺ كان على ثبير والكفار يطلبونه، فقال الجبل: أنزل عني؛ فإني أخاف أن تؤخذ عليّ، فيعاقبَني الله بذلك، فقال له جبل حراء: إليّ إليّ يا رسول الله"، انتهى (^١). وكان الخوف غالبًا على ثبيرٍ، والرجاء على حراءٍ، وورد: "أُحُد هذا جبلُ يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجَنَّة، وهذا [عير] (^٢) يبغضنا ونبغضه وإنه على باب من أبواب النار"، فسبحان
_________________
(١) = أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٤٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٩٧) عن عطاء الخراساني. وقال الألباني: وهذا مقطوع، والخراساني، فيه ضعف. "السلسلة الضعيفة" (٤٤٨١).
(٢) ذكره البغوي في التفسير (١/ ١١١). ولم أره مسندا، وهو غريب جدا، وأمارة الوضع لائحة عليه.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "ثبير".
[ ١ / ٢٠٤ ]
من خلق لكل من الجَنَّة والنار أهلًا، وجعل طريقهما لأهلهما سهلًا.
(إن خيار عباد الله الذين يراعون) أي: يحافظون (الشمس، والقمر، والنجوم) أي: سيرها في محلها وطلوعها وغروبها (والأظلة) أي: وظلال الجدار والأشجار ونحوهما، وفي نسخة: "الأهلة" بدلٌ من "الأظلة"، (لذكر الله) أي: لمعرفة أوقات الصلوات، ووظائف العبادات، قال المصنف: "يريد وظائف الأذكار في هذه الأوقات، [حسبما ورد في الحديث] (^١) " (^٢).
(مس) أي: رواه الحاكم عن عبد الله بن أبي أوفى، وقال: "صحيح الإسناد" (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(هـ): "حيثما ورد في الأحاديث"، وفي (د) و"مفتاح الحصن الحصين": "حسبما ورد في الأحاديث".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
(٣) هذا إسناد فيه إبراهيم السكسكي، قال ابن حجر صدوق ضعيف الحفظ وقد خولف فرواه مرفوعًا، يروى موقوفًا، ورجح الموقوف، وهو ضعيف، وقد يحسن بمجموع طرقه. وقوله: وقد احتج مسلم والبخاري بإبراهيم السكسكي وإذا صح هذه الاستقامة لم يضره توهين من أفسد إسناده لا يصح إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن إسماعيل السكسكي، أبو إسماعيل الكوفي، مولى صخير روى له: البخاري - وأبو داود - والنسائي وتركه مسلم لتضعيف يحيي كما سيأتي. =
[ ١ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال ابن حجر: صدوق ضعيف الحفظ. وقال الذهبي: ضعفه أحمد قلت: وغيره، وذلك من قبل حفظه. وقال في الميزان لينه شعبة والنسائي ولم يترك، وقال النسائي ليس بذاك القوى يكتب حديثه، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثا منكر المتن وقال في الرواة المتكلم فيهم ص ٥٥: لينه شعبه وضعفه أحمد وحديثه حسن. قال الحاكم قلت لعلي بن عمر الدارقطني لم ترك مسلم حديث السكسكي فقال تكلم فيه يحيى بن سعيد قلت بحجة قال هو ضعيف وذكره العقيلي في الضعفاء وقال الساجي تفرد بحديثه عن بن أبي أوفى مرفوعًا خير عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب … (١/ ١٢٥) وقال الباجي في التعديل والتجريح (١/ ٣٥٣): أخرج البخاري في الجهاد والشهادات والبيوع وتفسير سورة آل عمران عن العوام بن حوشب عنه عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي بردة بن أبي موسى. وعنه البيهقي في السنن (١/ ٣٧٩). وأخرجه ابن شاهين في الأفراد ٥/ أوقال تفرد به سفيان عن مسعر ما حدث به عنه غيره وهو حديث غريب صحيح حسن، والبزار ٣٣٥١، والطبراني في "الدعاء" ١٨٧٦، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٢٧)، وابن صاعد - في زوائد الزهد لابن المبارك (١٣٥٤) كلهم عن عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان، عن مسعر، عن إبراهيم السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ: "إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله ﷿". قال البيهقي: تفرد به عبد الجبار بن العلاء بإسناده هكذا، وهو ثقة. وذكر الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد لابن طاهر (٤/ ١٧٨): تفرد به سفيان بن عيينة عن مسعر عنه وهو غريب عنه، ورواه يحيى بن أبي =
[ ١ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بكير الكرماني عن ابن عيينة مثله، وتفرد به محمد بن حميد الرازي عنه، وروى عن محمد بن محمد بن إدريس الشافعي عن ابن عيينة نحوه. قلت: لم يتفرد به محمد بن حميد الرازي: وروايته أخرجها ابن صاعد في زوائد زهد ابن المبارك (١٣٠٥) عن محمد بن حميد الرازي، عن يحيى به. وتابعه عند البزار ٣٣٥٠ محمد بن الوليد بن أبان. كلاهما عن يحيى بن أبي بكير قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن إبراهيم السكسكي عن ابن أبي أوفى فبهذا ينفي تفرده به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٢٧): رجاله موثقون لكنه معلول. ورواه البزار ٣٣٥١ عن عبد الجبار بن العلاء يخبران سفيان بن عيينة حدثه عن مسعر عن إبراهيم السكسكي عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أحب عباد الله إلى الله ﵎ الذين يراعون الشمس والقمر". وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن مسعر بهذا الإسناد إلَّا سفيان بن عيينة ومحمد بن الوليد الذي حدثنا بهذا الحديث لا نعلم أحدا تابعه على روايته عن يحيى بن أبي بكير والصحيح أنه موقوف على أبي الدرداء وخولف عبد الجبار في رفعه: قال ابن أبي الدنيا في الأولياء (٢٨): حدثنا هارون بن معروف، نا سفيان، عن مسعر، عن إبراهيم السكسكي، عن ابن أبي أوفى، فذكره موقوفًا. قال أبو نعيم: تفرد سفيان عن مسعر يرفعه. ورواه خلاد وغيره عن مسعر موقوفًا. وقد خالف سفيان بن عيينة جماعة ثقات: فرواه ابن المبارك في الزهد (١٣٠٣)، ومن طريقه وكيع في الزهد (٣٤٩) =
[ ١ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وابن أبي شيبة (٣٥٧٤٦)، أبو نعيم في الحلية ٧: ٢٢٧ والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٩٧): من طريق جعفر بن عون: أربعتهم (ابن المبارك، وخلاد بن يحيى، ووكيع، وجعفر بن عون) عن مسعر، عن إبراهيم السكسكي قال: حدثني بعض أصحابنا عن أبي الدرداء أنه قال: "إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس والذين يراعون الشمس والقمر". وعند ابن أبي شيبة في أوله زياده: إن شئتم لأقسمن لكم. قلت: فظهر أن وقف الحديث على أبي الدرداء أرجح. وقرائن ترجيحه:
(٢) رواة الوجه الثاني (الموقوف) أكثر عددًا فرواه أربعة بهذا الوجه، المخالف في الوجه الأول (المرفوع) راو واحد.
(٣) الموقوف روي من وجه آخر عن أبي الدرداء. وهو بهذا الإسناد موقوف ضعيف في إسناده إبراهيم السكسكي في حديث ضعيف، وجهالة حالة أصحابه الذين روى عنهم. أما حال إبراهيم السكسكي، فقد ضعفه شعبة وأحمد والعقيلي والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثا منكر المتن وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره ويكتب حديثه كما قال النسائي اهـ ولم يخرج له مسلم خلافا لما ذكر أبو عبد الله الحاكم ﵀، وقال الساجي - كما في تهذيب التهذيب: تفرد بحديث عن ابن أبي أوفى مرفوعًا … وذكره. ومما يعضد الوقف على أبي الدرداء: ما رواه وكيع في الزهد (٣٤٥) قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: قال أبو الدرداء … فذكره. وهذا فيه انقطاع بين الحسن وأبي الدرداء، ومبارك بن فضالة ذكروه بالتدليس، ومع هذا هو شاهد لا بأس به للرواية الموقوفة السابقة. =
[ ١ / ٢٠٨ ]
(ليس يتحسر) أي: يتندم (أهل الجَنَّة) أي: يوم القيامة قبل دخولها؛ لعدم الحسرة بعد وصولها (إلَّا على ساعةٍ مرت بهم، ولم يذكروا الله تعالى فيها) ولو سكتوا فيها لفوات ما كان يمكنهم من إحيائها، فكيف إذا اشتغلوا فيها بما لا يعنيهم، أو بما يأثمون فيه.
والذكر يتناول جميع خصال الخير قولًا أو فعلًا، والمقصود: أن الدنيا ساعة، فاجعلها طاعةً، كيلا تحصل الندامة يوم القيامة.
(ط، ي) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، وابن السني؛ كلاهما عن معاذٍ، وفي "الجامع" بلفظ: "ليس يتحسر أهل الجَنَّة على شيء إلَّا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها"، بدون الواو، وقال: رواه الطبراني،
_________________
(١) = وأخرج ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٥١٩) في ترجمة: مجشر بن نافع الجزري يروى عن أبي إدريس الخولاني وميمون بن مهران روى عنه كوثر بن حكم حدثنا أبو يعلى بالموصل قال ثنا أبو نصر التمار قال ثنا كوثر بن حكيم عن المجشر بن نافع عن أبئ إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال إن شئتم لأقسمن ثم قال بالله الذي لا إله إلَّا هو إن أكرم عباد الله على الله الذين يراعون الشمس والقمر بالليل والنهار قالوا يا أبا الدرداء المؤذنون. وكوثر بن حكيم قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني متروك الحديث فهو موقوف ضعيف. والحديث ضعفه عبد الحق في كتاب الإحكام، ووافقه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦) والحديث حسن لغيره كما في "صحيح الترغيب" (٢٤٤). وأورده الألباني في الصحيحة (٣٤٤٠).
[ ١ / ٢٠٩ ]
والبيهقي عن معاذٍ (^١).
(أكثروا ذكر الله حتى يقولوا) أي: لكل واحد من الذاكرين: هو أو أنت (مجنونٌ) والمعنى: حتى يقول بعض الجاهلين والغافلين في حقكم: إنكم مجانين؛ ولذا قال الغزالي: "لو كان الصحابة في زماننا لكان الناس قالوا: هم مجانين، وهم قالوا للناس: ما هؤلاء [مؤمنون] (^٢) بيوم الدين".
قال المصنف: "أي: ينبغي أن يُكثر العبد من ذكر الله تعالي، ولا يبالي بمن يقول: هو مجنون، وإنما الأعمال بالنيات" (^٣).
قلت: وكفى به شرفًا، حيث ينسب إلى ما نسب به أفضل العقلاء عليه أكمل الثناء، حيث قال الجهلاء في حقه: إنه مجنون، كما في سورة ﴿ن﴾ و، وقالوا أيضًا في حق نوح ﵇: مجنون.
(حِبْ، أ، ص، ي) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، وأبو يعلى، وابن السني؛ كلهم من حديث أبي سعيدٍ الخدري، وكذا الحاكم، والبيهقي عنه (^٤)، وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "اذكروا الله ذكرًا يقول
_________________
(١) الطبراني في "الكبير" ٢٠/ ٩٣ - ٩٤ (١٨٢)، والبيهقي في "الشعب" (١٢٥)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣)، والحديث في "ضعيف الترغيب" (٩١٠)، انظر "الأحاديث الضعيفة" (٤٩٨٦).
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "يؤمنون".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٦٨)، وعبد بن حميد (٩٢٥)، وأبو يعلى (١٣٧٦)، قال الهيثمي (١٠/ ٧٥): رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه دراج وقد ضعفه جماعة، =
[ ١ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وضعفه غير واحد، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. وأخرجه ابن السني (ص ٤، رقم ٤)، وابن شاهين في الترغيب (٢/ ٣٩٩)، وابن حبان (٨١٧)، والحاكم (١/ ٦٧٧) والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٩٧ رقم ٥٢٦) وأخرجه أيضًا: الديلمي (٢١٢). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٦): "رواه أحمد، وأبو يعلى وفيه دراج وقد وثقه جماعة وضعه غير واحد، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات". وقال ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٣): سمعت يحيى يقول: وسئل عن حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فقال: ما كان هكذا الإسناد فليس به بأس فقلت له: إن دراجًا يحدث عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "أصدق الرؤيا بالأسحار" ويروى أيضًا: "اذكروا الله حتى يقولوا مجنون" فقال: هما ثقتان دراج وأبو الهيثم قال يحيى: وقد روى هذه الأحاديث عمرو بن الحارث. وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٢٥٦) رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد. وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٦/ ١٢٦) ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد وله شاهد من حديث معاذ بن جبل. وقال الشوكاني في "تحفة الذاكرين" (ص ٢٥): حسنه الحافظ ابن حجر في أماليه. وله شاهد عن ابن عباس أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٦٩): ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا عقبة بن مكرم العمي، ثنا سعيد بن سفيان الجحدري، ثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثبيت الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اذكروا الله ذكرًا كثيرًا متى يقول المنافقون: تراءون". =
[ ١ / ٢١١ ]
المنافقون: إنكم تراءون"، كذا في "الجامع" (^١).
(كان) أي: النبي ﷺ غالبًا أو أحيانًا (يأمر) أي: أصحابه أو الصحابيات، كما سيأتي (أن يراعى) بصيغة المجهول، أي: يحافظ (التكبير) أي: قول "الله أكبر"، وأما قول الحنفي: "أي: التعظيم"، فغير ظاهر كما لا يخفى على الفهيم (والتقديس) أي: قول: "سبحان الملك القدوس"، أو: "سبوح قدوسٌ"، أو: "سبحان الله"، أو: "سبحان الله وبحمده"، أو: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (والتهليل) أي: قول: "لا إله إلَّا الله".
(وأن يعقد) أي: عند الحاجة إلى العدد، ونائب الفاعل هو الضمير [العائد] (^٢) إلى كُلٍّ من التكبير والتقديس والتهليل (بالأنامل) أي: بالأصابع أو برءوسها أو بمفاصلها، ففي "صحاح الجوهري": "الأنامل:
_________________
(١) = وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٦): فيه الحسن بن أبي جعفر الجعفري، وهو ضعيف. قلت: وهو معل بالإرسال فقد أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٢٢)، وأحمد في الزهد (١/ ١٠٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢٤) من طريق سعيد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء مرسلًا أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون: إنكم مراؤون وهو ضعيف.
(٢) أخرجه الطبراني (١٢/ ١٦٩)، رقم (١٢٧٨٦) وقال الهيثمي (١٠/ ٧٦): فيه الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا: أبو نعيم في الحلية (٣/ ٨١) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧٣٨) وفي السلسلة الضعيفة (٥١٥).
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢١٢ ]
رءوس الأصابع"، وفي "القاموس": "الأنملة بتثليث الميم والهمز، تسع لغاتٍ فيها: الظفر، وجمعها: أنامل وأنملات".
لكن قد يعبر عن الكل بالجزء، كعكسه في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، لإرادة المبالغة، ثم العقد بالمفاصل مشهورٌ: بأن يضع إبهامَه في كلّ ذكر على مفصل، وكذا العقد بالأصابع معروفٌ: بأن يعقدها ثم يفتحها، وأما العقد برءوس الأصابع: فإما باتكائها على ما يحاذيها من البدن، كما قرره الفقهاء في صلاة التسبيح ونحوها، وإما بوضعها في الكف فمآله إلى العقد بالأصابع، وإما بوضع الإبهام على الرءوس، والمقصود تحقق العدد بالعقد بأي طريقٍ كان، والله أعلم.
(قال) أي: النبي ﷺ جوابًا عن سؤالٍ مقدَّرٍ: ما فائدة عقدها بخصوصها؟ (لأنهن مسئولات) أي: عن أعمال صاحبها (مستنطقات) بصيغة المفعول، أي: شاهدات على أقوال [متصرفها] (^١)، ففيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
قال المصنف: "يريد المراعاة بالعدد، كما ورد منصوصًا في الأحاديث، نحو "مئة مرّة"، و"ثلاثًا وثلاثين مرّة"، و"أربعًا وثلاثين"، و"خمسًا وعشرين مرّة"، و"إحدى عشرة"، و"عشرًا"، و"سبعًا"، وغير
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "متصرفيها".
[ ١ / ٢١٣ ]
ذلك، وأن يعقد العدد بالأنامل، وهي الأصابع على ما هو معروف عند العرب قديمًا وحديثًا؛ لأن الأنامل مسئولات مستنطقات عما كان يستعملهن صاحبهن يوم تشهد عليهم ألسنتهم، [يبينه] (^١) الحديث الآتي، وهو: "أن [ابن عمرو] (^٢) ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيمينه"، ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبح، وقال العلماء: ينبغي أن يكون عدّ التسبيح [باليمين] (^٣) " (^٤)، انتهى.
وفيه أن أخذ السبح بظاهره مُنافٍ لهذا الحديث؛ ولذا قيل: السبعة بدعة، لكنها مستحبة؛ لما سيأتي من حديث جويرية (^٥): "أنها كانت تسبّح بنواةٍ أو حصاةٍ"، وقد [قررها] (^٦) [النبي] (١) ﷺ على فعلها، والسبحة في
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و(هـ): "بَيّنَه"، وفي (د): "ببينة".
(٢) كذا في "السنن الكبرى" للبيهقي، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(هـ): "عمر"، وفي (د) و"مفتاح الحصن الحصين": "ابن عمر".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "باليمنى".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
(٥) كتب في حاشية (د): "هذا وهم من الشارح، وإنما هي صفية، نبه عليه صاحب حاشية "الأذكار"، وقرر أيضًا أن السبحة مشروعة لتقريره ﷺ فعل صفية أو جويرية، ولم يحصل منه ﷺ نهي لها، ولا إنكار لفعلها، وقد قرره جماعة من الحفاظ، والله أعلم".
(٦) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: أقرّها.
[ ١ / ٢١٤ ]
معناها، إذ لا يختلف الغرض من كونها منظومةً أو منثورةً، لكن هذا الحديث يفيد العدد بالأصايع على وجه تفضيله، كما أشير إليه بتعليله.
(د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي (^٢)؛ كلاهما عن يسيرة بنت ياسر، وليس لها في الكتب الستة إلَّا هذا الحديث، قال العسقلاني في "التقريب": "يسيرة - بالتصغير، ويقال: أسيرة بالألف - أمّ ياسرٍ صحابيةٌ
_________________
(١) = (١) من (هـ) فقط.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٨٣)، وأبو داود (١٥٠١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧٣٢)، قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث عثمان بن هانئ. قلت: وفي إسناده حميضة بنت ياسر، إحدى المجهولات اللاتي تفرد ابن حبان بتوثيقهن، وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب" (١/ ٧٤٦/ ٨٥٧٠): حميضة بنت ياسر. مقبولة "أسد الغابة" (١/ ١٤٢٥) يسيرة أم ياسر الأنصارية. وقيل: بل هي يسيرة بنت ياسر. تكنئ أم حميضة كانت من المهاجرات المبايعات. قاله أبو عمر. وقال ابن منده وأبو نعيم: يسيرة من المهاجرات غير منسوبة حديثها عند حميضة بنت ياسر. الحافظ في "الإصابة" (٨/ ١٦٣) سيرة أم ياسر ويقال بنت ياسر الأنصارية وتكنى أم حميضة قال بن سعد أسلمت وبايعت وروت حديثا وقال أبو عمر كانت من المهاجرات. قال النووي في "الخلاصة" (١/ ٤٧٢): رواه أبو داود، والترمذي بإسناد حسن، والبخاري في "تاريخه". حميضة بنت ياسر مجهولة لم يرو عنها غير ابنها هانئ بن عثمان، ولم يوثقها غير ابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٨٧).
[ ١ / ٢١٥ ]
من الصحابياتِ، ويقال: إنها من المهاجرات".
(عليكنّ بالتّسبيح) أي [بقول] (^١): سبحان الله ونحوه (والتقديسِ) أي: سبّوح قدّوس ونحوه (والتهليلِ) خطابٌ للنِّساءِ، وهو اسم فعلً، وكلمةُ تحريضٍ وإغراءٍ، أي: الزمن التسبيح … إلى آخره، وليس المراد تحريضهن على هذه الألفاظِ الثلاثةِ فقط، بل المراد منه جنس الذكر بأي لفظٍ كان، وإشعارٌ بأن هؤلاء الكلمات من جملة الباقيات الصالحات، والمقصود انتفاء الغفلة في جميع الساعات والأوقات، كما يدلُّ عليه قوله: (ولا تغفُلن) بضم الفاء، أي: لا تتركن الذكر.
(فتُنْسَيْن الرحمةَ) على صيغة المجهول، ونصب"الرحمة" على المفعول الثاني، والمعنى: إن تَرَكْتُنَّ الذكر لتُرِكْتُنَّ من الرحمة، وحرمتن ثوابَ الذِّكر، فإن الله قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، أي: تترك من الرحمة جزاءً لترك ذكرك وقت الغفلة.
قال ميرك: "قوله: "لا تغفلن" نهي، وقوله: "فتنسين" جواب له، أي: لا يكن منكن غفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، ثم قال ما حاصله: [أن الإنسان] (^٢) [مستعد] (^٣)
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(هـ)، وفي (أ) و(د): "الإنساء".
(٣) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "متعد".
[ ١ / ٢١٦ ]
للنسيان، فالأولى أن يقرأ "فتنسين" بضم التاء وفتح السين، على صيغة المجهول من المجرد؛ [وكذا] (^١) صحح في "أصل الترمذي" وأصل سماعنا من "المشكاة"، لكن وقع في أصل سماعنا من هذا الكتاب، وصحح بفتح التاء على صيغة المعروف، فعك هذا يكون المراد: المعنى الثاني الذي ذكره البيهقي في "المجرد"، يعني: "ترك الشيء"، إذ إرادة المعنى الأول - يعني: النسيان بالمعنى المتعارف - لا يخلو عن تكلّف، انتهى.
والتكلف أن يقال: فتنسين سبب الرحمة، وهو الذكر الدافع للغفلة على تقدير مضافٍ، وهو كثيرٌ في كلامهم على أن معنى "تتركن الرحمة" ليس على ظاهره، فلا بد من تأويلٍ، وهو أن يقال: فتنسين لترك الرحمة، ولا يخفى أن تكلّف الأخير أكثرُ من الأولِ مع ما في الأول من المشاكلة، والإحسان في مقابلة النسيان بالغفلة الناشئة عن نسيان الإنسان، ثم الأظهر أن يكون المجهول من [الإنساء] (^٢) بقرينة ذكر الرحمة.
(مص) أي رواه ابن أبي شيبة أيضًا عن يسيرة، قال ميرك: "واعلم أن لفظ الترمذي: "عن يسيرة، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة"، وفي "الأذكار": "سنده حسن"، فالعجب من الشيخ أنه نقل لفظ الترمذي ولم ينسبه إليه، ونسبه إلى
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "ولذا".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "الإنسان".
[ ١ / ٢١٧ ]
"مص" فقط".
قلت: ولعل الترمذي له ألفاظٌ منها ما نقله المصنف عنه مطابقًا لرواية أبي داود، ومنها ما نقله صاحب"الأذكار" موافقًا للحديثين، وأما ابن أبي شيبة فليس له إلَّا ما نسبه المصنف إليه، ومدار الحديث عند الكل على يسيرة، فعِلَّةُ الإشكال صارت يسيرة.
ثم اعلم أن في "الجامع الصغير" أوْرَدَ لفظ الحديث كما في "الأذكار"، ثم قال: "رواه الترمذي، والحاكم في "مستدركه"، ففيه استدارك على المصنف، حيث لم يذكره، ولم ينقله عنه.
(رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيمينه) ليس المراد بالتسبيح ما يسبح به من الآلة كما يُتوهم من كلام المصنف سابقًا، بل المراد به قول: سبحان الله، ونحوه من ألفاظ التنزيه؛ فالمعنى: يعقد عدد ما قاله من التسبيح بأصابع يمينه، وهو لا ينافي العقد بانضمام أصابع يساره، لا سيّما عند الاحتياج في تَكراره؛ إذ المفهوم غير معتبرٍ عندنا.
نعم، عند حصول الاكتفاء بيدٍ واحدةٍ [فاليمنى] (^١) أولى كما لا يخفيّ، وبه يندفع ما [ذهب] (^٢) إليه الشيعة من حصر غسل الوجه باليمنى، على أن الظاهرَ أن لفظ "بيمينه" مدرج من الراوي؛ إذ ليس في الأصول
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "فاليمين".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "ذهبت".
[ ١ / ٢١٨ ]
مذكورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا.
(س) أي رواه: النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، لكن ليس في أصل النسائي لفظ "بيمينه"، ورأيت الحديث في الترمذي، وليس في روايته أيضًا "بيمينه"، [كذا] (^١) ذكره ميرك، وكذا في "الجامع" بلفظ: "كان يعقد التسبيح"، رواه الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمرو (^٢).
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٠٢)، والترمذي (٣٤١١)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، والنسائي (٣/ ٧٤). وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (١٣٣٠). قال أبو داود: "قال ابن قدامة: "بيمينه". ومعنى هذا أن شيخ أبي داود: عبيد الله بن عمر بن ميسرة، وغيره ممن أشار إليهم بالآخرين، روا هذا الحديث بلفظ عقد التسبيح فقط، وأن شيخه ابن قدامة وحده روى له الحديث بلفظ عقد التسبيح بيمينه. وقد انفرد محمد بن قدامة بلفظ: يعقد التسبيح بيمينه أخرجها أبو داود (١٥٠٢) كما سبق وقال أبو داود: قال ابن قدامة: "بيمينه". ومن طريق أبي داود البيهقي في "الكبرى" (٢/ ٢٥٣)، وفي "الدعوات الكبير" (٢٨١). ورواه البيهقي في "الكبرى" (٢/ ١٨٧) من وجه آخر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الخسروجردي أنبأ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ثنا أبو حفص عمر بن الحسن الحلبي ثنا محمد بين قدامة بن أعين ثنا عثام عن =
[ ١ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر وقال: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه. وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٠٩٠ و٤٠٩٢) حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن قدامة قال حدثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح. فهذا اللفظ موافق لرواية الجماعة، وهو المحفوظ. واللفظ الأول شاذ فقد خالف ابن قدامة - على تسليم محفوظيته - كلّ الرواة عن عثام: كما سنبينه في المبحث القادم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بطوله قال البزار: ولا نعلم أسند الأعمش، عن عطاء بن السائب إلَّا هذا الحديث، ولا رواه عن الأعمش إلَّا عثام بن علي. يتضح مما سبق أن الرواة اختلفوا عن عثام وعن عطاء، فأما الخلاف على عثام فقد رواه الجماعة وهم:
(٢) عبيد الله بن عمر بن ميسرة. أخرجه أبو داود (١٥٠٢)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٥٦٨).
(٣) محمد بن عبد الأعلى الصنعاني. أخرجه الترمذي (٣٤٨٦)، والنسائي (٣/ ٧٩)، وفي "الكبرى" (١٢٧٨).
(٤) الحسين بن محمد الذارع. أخرجه الترمذي (٣٤١١) (٣٤٨٦)، والنسائي (٣/ ٧٩)، وفي "الكبرى" (١٢٧٨). =
[ ١ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤ - محمد بن عبد الله بن بزيع. أخرجه البزار (٢٤٠٦).
(٢) علي بن عثام العامري. أخرجه الحاكم (٢٠٠٦)، وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير" (٢٨٠).
(٣) يوسف بن عدي. أخرجه الطبراني في "الدعاء" (١٧٧٣).
(٤) مسدد بن مسرهد. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٥٦٨).
(٥) محمد بن أبي بكر المقدمي. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٨٥٦٨).
(٦) أحمد بن المقدام أبو الأشعت. أخرجه ابن حبان (٨٤٣)، والسراج (٣٨٥)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (٣٦٦).
(٧) محمد بن عبد الوهاب الفراء. أخرجه الحاكم (٢٠٠٦)، وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير" (٢٨٠). رواه كلهم عن عثام بن علي بلفظ يعقد التسبيح بدون الإشارة للكيفية. وكل هؤلاء ما بين ثقة وصدوق. بينما رواه ابن قدامة فخالفهم فقال: يعقد التسبيح بيمينه. وابن قدامة ثقة لكن الثقة قد يهم وقد يخطيء. ولو سلمنا بكونه حفظ، فأصل الرواية عن عطاء ليس فيها هذه الزيادة، حيث إن بقية الرواة عن عطاء رووه بدونها في اللفظ المختصر، وأيضا في الرواية المطولة: فقد رواه باللفظ المختصر جماعة عن عطاء بدونها:
(٨) شعبة: أخرجه السراج في "مسنده" (باب: ذكر عقد التسبيح) (٣٨٢)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (٣٦٦). =
[ ١ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والحاكم (٢٥٠٥) عن شعبة عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح.
(٢) آدم بن أبي إياس: أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٢/ ٢٥٣).
(٣) سفيان: أخرجه السراج في "مسنده" (٣٨١)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (٣٦٦).
(٤) المسعودي: أخرجه السراج في "مسنده" (٣٨٣)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (٢/ ح ٣٦٧) وقد سبقت هاتان الروايتان.
(٥) عبد العزيز بن أبي رواد: أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/ ١٢١/ ٧٠٣٥) عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح. ذكره الطبراني مع أحاديث أخرى ثم قال: لم يرو هذه الأحاديث عن عبد العزيز بن أبي رواد إلَّا ابنه تفرد به حريز بن المسلم. كلهم رووه عن عطاء فلم يذكروا لفظ اليمين وقد روي ضمن الرواية الطويلة فلم يذكرها أحد وقد مضت. وهم: (محمد بن فضيل، وسفيان، وشعبة، وجرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وموسى بن أعين، ومعمر بن راشد، ومسعر بن كدام). رووه عن عطاء مطولًا وفيه يعقد التسبيح بيده أو نحوها أو يعدهن بيده مما يؤكد غلط رواية ابن قدامة. =
[ ١ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهذا الحديث مداره على عطاء بن السائب، تفرد به عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وعن عبد الله تفرد به: السائب بن زيد أو ابن مالك، وعن السائب، تفرد به عنه ابنه: عطاء بن السائب. وعن عطاء اشتهر، رواه عنه جماعة منهم: شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وأبو خثيمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن علية، والأعمش. وعطاء بن السائب ثقة لكنه اختلط، لكن هذا لا يضر؛ لأن من الرواة عنه شعبة وسفيان وهما ممن سمع منه قبل الاختلاط. انظر: تهذيب الكمال (٢٠/ ٨٦) تهذيب التهذيب (٧/ ١٨٣) وتقريب التهذيب (١/ ٣٩١) والكواكب النيرات (١/ ٦١). ذكر أقوال العلماء في الحديث: قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بطوله. وكذا صححه الحاكم وابن حبان، وافقهما عدد من الحفاظ. وصححه عبد الحق في "الإحكام الكبرى" (٢/ ٢٩١) قال: "هذا حديث حسن صحيح وقد روى شعبة والثوري عن عطاء بن السائب هذا الحديث". والنووي في "خلاصة الإحكام" (١/ ٤٧٣): رواه الثلاثة بإسناد صحيح إلَّا أن فيه عطاء بن السائب وفيه اختلاف بسبب الاختلاط وقد أشار أيوب السختياني إلى صحة حديثه هذا. وقال الحافظ في "النتائج" (١/ ٨٧): قال الترمذي: حسن غريب من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب اهـ. قلت: رجال هذا الإسناد غالبهم كوفيون =
[ ١ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكلهم ثقات إلَّا أن عطاء بن السائب اختلط، ورواية الأعمش عنه قديمة فإنه من أقرانه والسائب والد عطاء هو ابن مالك وثقه ابن معين والعجلي. والألباني من المعاصرين وسيأتي نقل كلامه. وقد اختلف أهل العلم في هذه الزيادة، فمنهم من مشاها، وجعلها غير منافية لأصل الحديث، لذا جعلها زيادة ثقة مقبولة. ومنهم من اعتبرها شاذة. فأما الفريق الأول: فاستند لكون ابن قدامة ثقة، وقوله بيمينه له دليل خارجي وهو التكريم الأصلي لليمين واستأنس بحديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وظهوره، وفي شأنه كله" أخرجه البخاري (٤١٦ و٥٠٦٥ و٥٥١٦)، مسلم (٢٦٨) وغيرهما. وممن مشاها:
(٢) الشيخ الألباني في "الضعيفة" - تحت حديث ١٠٠٢ - قال: وهذا الحديث يخالف ما ثبت عن عبد الله بن عمرو، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه". أخرجه أبو داود (١/ ٢٣٥) بسند صحيح، وحسنه النووي في "الأذكار" (ص ٢٣)، وكذلك أخرجه في عمل اليوم والليلة (٨١٩)، وثبت عند أبي داود أيضًا وغيره، أن النبي ﷺ أمر النساء أن يعقدن بالأنامل وقال: "فإنهن مسؤولات مستنطقات"، وصححه الحاكم والذهبي. فهذا هو السنة في عند الذكر المشروع عده، إنما هو باليد، وباليمنى فقط، فالعد باليسرى أو باليدين معا، وبالحصى كلّ ذلك خلاف السنة. وقد سبق نقل كلامه من حاشية الأدب المفرد نحو هذا.
(٣) صاحب رسالة "فتح المعين بتصحيح حديث عقد التسبيح باليمين" وهو فريح بن صالح البهلال". حيث أكد في ختام تخريجه (ص ١٢) أن الحديث =
[ ١ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صحيح لا غبار عليه. ولم يتعرض لزيادة لفظة بيمينه مما يدلُّ على عدم تأثيرها عنده في صحة الحديث. وتوصل إلى ترجيح كون التسبيح بأصابع اليد اليمنى فقط مع جواز استخدام الحصى والنوى والسبحة. ومنهم من اعتبرها شاذة: وهو الفريق الثاني. منهم الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في كتاب "لا جديد في أحكام الصلاة" حيث قال ص ٥٧، فهذه اللفظة "بيمينه" من شيخ أبي داود محمد بن قدامة مخالفًا لجميع أقرانه وفيهم من هو مخالف لأمره ﷺ حيث قال لبعض النسوة: "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، لا تفعلن فتنسين التوحيد" (وفي رواية الرحمة) "واعقدن بالأنامل فإنهنّ مسؤولات ومستنطقات" وهو حديث حسن أخرجه أبو داود وغيره. انتهى مختصرًا. وأخرجه السراج (٣٨٠١)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (٣٦٦) حدثنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة ثنا عبد الرَّحمن - هو ابن مهدي - ثنا سفيان وسمعته، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: "رأيت رسول الله ﷺ يعقدهن يعني التسبيح". أخرجه السراج (٣٨١)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (٣٦٧) حدثني أبو يحيى أنا أبو المنذر ثنا المسعودي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله ﷺ يعقدهن يعني التسبيح. وروي مطولا أخرجه:
(٢) عبد الرزاق (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ ٣١٨٩) عن الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "خصلتان لا يحصيهما =
[ ١ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رجل مسلم إلَّا دخل الجَنَّة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل". قالوا: وما هما يا رسول الله قال: "يسبح أحدكم عشرًا ويحمد عشرًا ويكبر عشرًا في دبر كل صلاة فتلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمس مائة في الميزان، وإذا أوى أحدكم إلى فراشه كبر الله وحمده وسبحه مائة فتلك مائة باللسان وألف في الميزان فأيكم يعمل في يومه وليلته ألفين وخمس مائة سيئة" قال: ولقد رأيت النبي ﷺ يعد هكذا وعد بأصابعه قالوا: يا رسول الله كيف لا نحصيها قال: "يأتي أحدكم الشيطان في حلاته فيقول له أذكر حاجة كذا وحاجة كذا حتى ينصرف ولم يذكر ويأتيه عند منامه فينومه ولم يذكر". نفسها عن جَرِير وَابْن عُلَيَّةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ … الحديث مطولًا وفيه: قَالَ فَأَنَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ. وأخرجه الحميدي (٥٨٣) وأخرجه أبو نعيم في "مسند أبي حنيفة" (١/ ١٤٣) أحمد بن حنبل (٢/ ١٦٠) ابن أبي شيبة (٧٦٦٣) ابن أبي شيبة في (٢٩٢٦٤) السراج (٣٨٤)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (٢/ ح ٣٧٠) البخاري في "الأدب المفرد" (١٢١٦) عبد بن حميد (٣٥٦) عن عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٣١٩٠) الطحاوي في "شرح مشكل آثار" (٤٠٩١) ابن حبان (٣٨٤) (٢٠١٢) (٢٠١٨) أبو داود (٥٠٦٥) النسائي النسائي الكبرى (١٠٦٥٥)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٨١٩) الطبري في "التفسير" (٢٩/ ١٤٠) ابن ماجة (٩٢٦) ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١/ ٦٧٠/ ٧٤١). عن (حماد بن سلمة إسماعيل بن عُلَيَّةَ وَمُحَمَّدُ بن فُضَيْلٍ وأبو يحيى التَّيْمِيُّ وأبو الْأَجْلَحِ - كذا، ولعل الصواب ابن الْأَجْلَحِ وهو عبد الله. فمن شيوخه عطاء بن السائب. - شُعْبَةُ جَرِيرٌ موسى بن أعين سفيان - هو الثوري - معمر =
[ ١ / ٢٢٦ ]
(لَأن أقعد) جوابُ قسمٍ مقدَّر، أي: والله، لقعودي، وقيل: "اللام للابتداء دخلت على "أن" المصدرية لتأكيد الحكم والنسبة، أي: أن قعودي وثبوتي وصبري" (مع قوم) أي: جمعِ (يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعةً) أي: من إعتاق أربعة أشخاص (من ولد إسماعيل) بفتحتين، وفي نسخة بضم فسكون، والمراد [أولاد] (^١) إسماعيل جده ﵇.
قال المصنف: "نصّ عليهم لأنهم أفضل العرب" (^٢)، قلت: أو لأنهم مشتركون معه في النسب والحسب، لكنّ وجهَ تخصيصِ الأربعة لا يعلم إلَّا منه ﷺ، وقيل: "يحتمل أن يكون ذلك لانقسام العمل الموعود عليه على أربعةٍ: ذكر الله، والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس، من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس أو تغرب"، والله أعلم.
(ولَأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبّ إلي من أن أَعتِق أربعةً) أي: من ولد إسماعيل، وتركه للظهور من باب الاكتفاء على أنه مصرّحٌ به في بعض الأنباءِ، ولعلّ الحديث مقتبسٌ من قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
_________________
(١) = ومسعر) كلهم قال، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ نحوه.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "بأولاد".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب).
[ ١ / ٢٢٧ ]
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
(د) أي رواه أبو داود عن أنسٍ، وسكت عليه، ورواه أبو يعلى أيضًا (^١)، وقال في الموضعين: "أربعة من ولد إسماعيل، دية كلّ رجلٍ منهم اثنا عشر ألفًا"، ورواه البيهقي عن أنس أيضًا مرفوعًا: "لَأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أحبّ إلي من الدنيا وما فيها، ولَأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحبّ إلي من الدنيا وما فيها" (^٢).
(سبق المفردون) بتشديد الراء المكسورة، وفي نسخة بتخفيفها؛ ففي "تاج" البيهقي: "يقال: فرد برأيه، وأفرد، وفرد، واستفرد، بمعنى: انفرد به"، وفي "الأذكار": "روي "المفردون" بتشديد الراء وبتخفيفها، والمشهور التشديد"، وقال التوربشتي في "شرح المصابيح": "يروى "المفردون" بتشديد الراء وكسرها، وبالفتح والتخفيف".
وقال المصنف: "هو بضم الميم، وفتح الفاء، وكسر الراء مشددة، كذا رويناه وضبطناه عن شيوخنا، يقال: فرد الرجل إذا تفقه واعتزل النالس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي، وقيل: "هم الهرمى الذين هلك أقرانهم من
_________________
(١) أبو داود (٣٦٦٧)، والبيهقي (٨/ ٧٩)، وفي "الشعب" (٥٦١). والطبراني في الدعاء (١٨٧٨)، وقال الحافظ: هذا أصح من حديث أبي ظلال: نتائج الأفكار (٢/ ٣٠٢). والحديث حسن كما في "صحيح الترغيب" (٤٦٥).
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٥٩).
[ ١ / ٢٢٨ ]
الناس، وبقوا يذكرون الله"، وحكي فيه التخفيف من أفرد" (^١)، انتهى.
وفي "النهاية": "ورد في رواية: "طوبى للمفردين" (^٢).
(قالوا) أي: بعض الصحابة: (وما المفردون) أي: من هم (يا رسول الله) فـ "ما" بمعنى "من" كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، والواو رابطة بين السؤال والجواب.
(م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي؛ كلاهما عن أبي هريرة (^٣)، لكن الجواب ورد على وجهين في الكتابين، فذكرهما على طريق اللف والنشر المرتب بقوله: (قال) أي: النبي ﷺ: (الذاكرون) أي: المفردون هم الذاكرون (الله كثيرًا والذاكرات. م) أي رواه مسلم عن أبي هريرة، قيل: السؤال عن الصفة - أعني التفريد - ولذلك لم يقولوا: "ومن المفردون" فأجاب ﷺ بأن التفريد الحقيقي المعتد به هو تفريدُ النّفس بذكر الله تعالي، ثم في الحديثِ إشعارٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، حيث عطفهم عطف خاص أو عام على ما سبق من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٣/ ب، ٤/ أ).
(٢) النهاية (٣/ ٤٢٥)
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٧٦)، والترمذي (٣٥٩٦)، والحاكم (١/ ٦٧٣) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
قال المصنف: "وقد فسّرهم النبي ﷺ بالذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، والتقدير: "والذاكراته" فحذفت الهاء كما هي محذوفة في القرآن لمناسبة الكلمات قبلها، ولأنه مفعولٌ يجوز حذفه"، انتهى (^١).
والظاهر من الكثرة المواظبة والمداومة من غير الفتور والغفلة إلَّا على سبيل الندرة، فيتدارك بالرجعة، وقد فسّر المصنف كثرة الذكر في "آداب الدعاء" حيث قال: "قالوا: وإذا واظب العبد … " إلى آخره كما سيأتي بيانه، وقال ابن عباسٍ: "كثرة الذكر يحصل بالذكر في أدبار الصلوات، والغداة والعشاء، وفي المضاجع، وعند الاستيقاظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله"، ولعله أشار إلى مواظبة ما ورد عنه ﷺ في جميع أحواله من مقاله.
وقال مجاهد: "يحصل بذكره قيامًا وقعودًا واضطجاعًا، وكأنه أشار إلى قوله تعالى في تفسير "أولي الألباب": ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] "، وقال عطاءٌ: "بإقامة [الصلوات] (^٢) الخمس مع حقوقها؛ فكأنه نبّه بالقدر الواجب"، وهذه الأقوال مذكورة في "الأذكار".
_________________
(١) انظر المنهاج شرح مسلم (٤/ ١٧).
(٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "الصلاة".
[ ١ / ٢٣٠ ]
وفي "المشكاة": "روى أبو داود، وابن ماجة، عن أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ: إذا أيقظ الرجل أهلَه من الليل فصلّيَا، أو صلى ركعتين جميعًا، كُتِبَا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرتِ" (^١).
(قال) أي: النبي ﷺ في الجواب برواية أخرى: (الْمُسْتَهْتَرون) أي: المفردون هم المستهترون بفتح الفوقانيتين، أي: المولعون (في ذكر الله) أي: بذكره، وعدل في تعديته من الباء إلى "في" للمبالغة، كأنهم واقعون فيه، حريصون في تحصيله على مداومة؛ ففي "النهاية" (^٢): "مُسْتَهتَر، أي: مولعٌ به لا يتحدث بغيره، ولا [يفعل] (^٣) غيرَه"، وقيل: "هم الذين هلك لداتهم، وبقوا فهم يذكرون الله"، وقيل: "هم [المتخلون عن] (^٤) الناس بذكر الله؛ لأن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس.
وفي نسخة: "الْمُهْترون" بضم فسكون ففتح فضم، من أهتر الرجل إذا خرف، أي: الذين هرموا وخرفوا في ذكر الله وطاعته، وفي نسخة: "الذين
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٥١) والنسائي في السنن الكبرى (١٣١٠)، وابن ماجة (١٣٣٥) وابن حبان (٢٥٦٨) والحاكم (٢/ ٤١٦) وقال النووي في الخلاصة (١٩٩٤): إسناده صحيح. … وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٣).
(٢) النهاية (٥/ ٢٤٣).
(٣) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د) و(هـ): "يعقل".
(٤) كذا في (ب)، وفي (أ): "المختلفون من"، وفي (ج) و(د) و(هـ): "المتخلون من".
[ ١ / ٢٣١ ]
اهتروا في ذكر الله"؛ ففي "القاموس" (^١): "الهتر بالضم: ذَهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن، وقد اهتر فهو مهتر بفتح التاء شاذ، وقد قيل: اهتُر بالضم"، ولم يذكر الجوهري غيره حيث قال: "واهتر بالضم فهو مهتر: أولع بالقول في الشيء، والمستهتَر بالشيء بالفتح: المولع به لا يبالي بما [فعل فيه وتم له] (^٢) ".
وقال المصنف: "هو بضم الميم، وفتح التاءين المثناتين، وسكون الهاء، وضم الراء، أي: أولعوا بذكر الله، يقال: اهتر فلان بكذا واستهتر به، فهو مهتر به ومستهتر به، أي: مولع لا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره" (^٣).
(يضع الذكر) أي: يحط (عنهم) والإسناد مجازيّ سببيّ (أثقالهم) أي: أوزار ذنوبهم من الصغائر، وفي تحت المشيئة الكبائرُ فيأتون يوم القيامة خِفافًا) بكسر أوله: جمع خفيف، أي: حال كونهم خفيفين من حمل الأثقال وتحمل الوبال الموجب للنكال.
(ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة (^٤)، ولفظ "الجامع": "سبق
_________________
(١) القاموس (ص ٤٩٥)
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ): "أفعل فيه، وشتم له"، وفي (ج) و(د) و(هـ): "فعل فيه وشتم له".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٩٦)، والحاكم (١/ ٦٧٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب. وكان عمر بن راشد يضطرب في سنده ومتنه فقال مرّة أخرى: =
[ ١ / ٢٣٢ ]
المفردون المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافًا"، رواه الترمذي، والحاكم، عن أبي هريرة، والطبراني عن أبي الدرداء"، فهو حديثٌ مستقلّ كما لا يخفى على المشتغل.
(إن الله أَمَرَ يحيى بنَ زكريّا) بهمز وحذفه، على ما قرئ بهما في المتواتر (بخمس كلماتٍ) أي: مأثوراتٍ، وهي: التوحيد، والصلاة، والصوم، والصدقة، والذكر، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: الكلمات.
(أن يعمل بها، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها) بدل اشتمال، والمعنى: أنه أمره بالعمل بتلك الكلمات بنفسه، ليكون كاملًا وواعظًا مؤثرًا مجملًا، ثم يأمر قومَه أن يعملوا بها ليكون مكملًا (وذكر) أي:
_________________
(١) = عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ﷺ سيروا سبق المفردون قالوا يا رسول الله وما المفردون قال الذين يهترون أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٥). وكلاهما من سوء حفظه، والمحفوظ الأول يعني، وعن أبي هريرة ﵁. والحديث غريب عن يحيى بن أبي كثير، انفرد بهذا اللفظ عنه عمر بن راشد، أورده أيضًا الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/ ١٩٣ - ٦١٠١) وقال: عمر بن راشد اليمامي عن يحيى بن أبي كثير: ضعفوه. لكن يبقى النظر في الاتصال بين يحيى بن أبي كثير، وبين عبد الرَّحمن بن يعقوب. وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح. "نتائج الأفكار" (١/ ٣٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (٧٢٦).
[ ١ / ٢٣٣ ]
النبي ﷺ، أو الراوي منقولًا عنه (الحديث) أي: بطوله كما سيجيء في محلّه المقتصر هنا على بيان شاهده، وهو المعني بقوله: (إلى أن قال) أي: يحيى ﵇: (وآمركم) بهمزة ممدودة وضم ميم على أنه مضارع متكلمٌ على ما في أكثر النسخ المعتمدة، وفي نسخة بفتحات على صيغة الماضي الغائب، أي: وأمركم الله، وهو المناسب لما سيأتي من بيان الحديث بكماله.
(أن تذكروا الله) أي: على الدوام [أو] (^١) ذكرًا كثيرًا (فإنّ مثلَ ذلك) أي: مثل الذاكر أو مثل الذِكر من الذاكر (كمثل رجل خرج العدو) يطلق على المفرد تارة، وعك الجمع أخرى كما هنا (في أَثَرِه) بفتحتين، وفي نسخة بكسر فسكون، أي: في عقب الرجل (سراعًا) بكسر أوله جمع سريع، أي: حال كونهم مسرعين، (حتى إذا أتئ) أي: مرّ الرجل (على حصن) أي: حصار: (حصينٍ) أي: محكمٍ أمينٍ.
قال المصنف: "الحصن بكسر الحاء وإسكان الصاد، هو المكان المنيع، والحصين: الممتنع الوصول إليه" (^٢)، انتهى.
ولعل الحنفيّ وقع من ها هنا في قوله: "قصد به المبالغة، كظل ظليل"، "إلا فالأظهر أن "الحصين" صفة احترازية؛ لأنه لا يلزم من كلّ حصن أن يكون حصينًا.
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
[ ١ / ٢٣٤ ]
(فأحرز) أي: حفظ ومنع (نفسه منهم) أي: من العدوّ (كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان) أي: العدوّ بنص القرآن: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (إلَّا بذكر الله) أي: المشبه بالحصن الحصين، والحرز الأمين، كما سبق في الحديث القدسي: "لا إله إلَّا الله حصني".
(ت، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن الحارث الأشعري، وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب"، وقال محمد بن إسماعيل: "الحارث الأشعريّ له صحبة". (^١)
قال ميرك شاه ﵀ في تكميل الحديث بعد قوله: "أن يعملوا بها": وإنه كان يبطئ بها، فقال له عيسى: إن الله أمرك بخمس كلماتٍ لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرَهم، وإما أن آمرَهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي، أو أن أعذّبَ، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن: أَوَّلُهُنَّ: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإنّ مثلَ من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهبٍ أو وَرِقٍ، فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل وأدّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضي أن يكون عبده كذلك؟!
وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٦٣) وإسناده صحيح. وصححه ابن خزيمة (٤٨٣)، وابن حبان (٦٢٣٣)، وأحمد (٤/ ١٣٠، ٢٠٢)، وانظر هداية الرواة (٣/ ٤٦٤).
[ ١ / ٢٣٥ ]
لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت.
وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابةٍ معه صرةٌ فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها، فإن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك.
وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ، فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: [إني] (^١) [أُفدي] (^٢) منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه.
وآمركم أن تذكروا الله … " إلى آخره، قال النبي ﷺ: "وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة [قِيدَ] (^٣) شبرٍ، فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه إلَّا أن يرجع، ومن ادعى دعوة الجاهلية، فإنه من جثي جهنم، فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فَادْعُوا بدعوى الله الذي سمّاكم المسلمين المؤمنين عباد الله". هذا لفظ الترمذي، وروى النسائي طرفًا منه".
(ليذكرن الله قومٌ) جوابُ قسمٍ محذوفٍ (في الدنيا) كذا في "أصل الجلال"، و"نسخة الأصيل" (على الفُرُش) بضمتين جمع فِراش
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "أنا".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "أفديه".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "قدر".
[ ١ / ٢٣٦ ]
(الممهدة) بتشديد الهاء المفتوحة، أي: المبسوطة الموطأة، قاله المصنف، (يدخلهم) أي: الله سبحانه (الجنّات العُلى) بضم العين جمع العليا، أي: البساتين العالية في الأمكنة الغالية الجامعة للنعم الباقية.
قال المصنف: "وفيه دليل على أن الملوك والأمراء ومن يجري مجراهم من أهل الدنيا المرفهين = لا [يمنعهم] (^١) حشمتهم ورفاهيتهم عن ذكر الله تعالي، وهم في ذلك مأجورون مثابون يدخلهم برحمته الجنات العلى" (^٢)، انتهى. وفيه إيماءٌ إلى طريقة بعض السادة الصوفية كالنقشبندية والشاذلية والبكرية.
(ص) أي: رواه أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطبراني في كتاب "الدعاء" له من حديثه أيضًا، إلَّا أن عنده "رجال" بدل "قوم"، والباقي سواءٌ، وَرَواهُ ابْنُ حِبّان في "صحيحه" بلفظ: "ليَذكرنّ الله أقوامٌ في الدنيا على الفُرُش الممهَدة، يدخلهم الدرجات العلى"، ذكره ميرك شاه ﵀، وفي "الجامع" بلفظ الكتاب، إلَّا أن لفظة "الدرجات" بدل "الجنات"، وقال: "رواه أبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد".
(إنّ الذين لا تزال) بالتأنيث، وفي نسخة بالتذكير، أي: تدوم (ألسنتُهم رطبةً) أي: لينةً (من ذكر الله يدخلون الجَنّة) بصيغة الفاعل، وفي نسخة على بناء المفعول (وهم يضحكون) أي: يفرحون ويستبشرون، أو
_________________
(١) في "مفتاح الحصن الحصين": "تمنعهم".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
[ ١ / ٢٣٧ ]
يضحكون على أعدائهم، فإنهم الغافلون، والجملة حاليّةٌ، وفيه إيماءٌ إلى قولهِ تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥] قال المصنف: "فيه بشارةٌ لمن يُكثِر من ذكر الله ويُلازمُه ويواظبُ عليه" (^١).
(مَوْ مص) أي رواه ابن أبي شيبة من قول أبي الدرداءِ موقوفًا.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٤/ أ).
[ ١ / ٢٣٨ ]