وفي نسخة: "ما يقال … " إلى آخره، والصباح علي ما في "القاموس": "الفجر، أو أول النهار، والمساء ضده" (^١)، والمراد هنا المعني الثاني في الصباح، وأما المساء فالظاهر المتبادر من بعض الأحاديث الواردة في الباب أن المساء أول الليل، ويمكن حمل كلام صاحب "القاموس" عليه أيضًا كما لا يخفى، وسيأتي زيادة تحقيق في هذا المعني.
(باسم الله) أي: أصبحنا باسم الله، إذا قرئ في الصباح، وأمسينا باسم الله، إذا قرئ في المساء (الذي) صفة للمضاف إليه (لا يضر مع اسمه) أي: مع ذكر اسمه، وذكر رسمه، (شيء) أي: من الطعام والعدو، ومن الحيوانات، وغير ذلك مما هو كائن، (في الأرض) أي: في الجهة السفلية (ولا في السماء) أي: [وفي الجهة] (^٢) العلوية، وزيدت "لا" لتأكيد النفي، ثم التقييد بهما لأن المخلوق لا يخلو عنهما، وفيه إيماءٌ إلى تنزيه الله عن المكان، وأن غيره لا ينفع ولا يضر في كل زمان، (وهو السميع) أي: لما يقال (العليم) أي: بجميع الأحوال (ثلاث مرات. عه، حب، مس، مص)
_________________
(١) "القاموس المحيط" (١/ ٢٣١)، و(٤/ ٣٨٢).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "في الجملة"، وفي (هـ): "أي ولا في الجهة".
[ ١ / ٤١٢ ]
أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن عثمان بن عفان ﵁ بلفظ: "من [قاله] (^١) لم يصبه فجأة بلاء" (^٢).
(أعوذ بكلمات الله التامّات) أي: أسمائه الحسني وكُتُبِهِ المنزلة، ووصفها بالتمام لخلوها عن النقصان، ذكره ميرك عن الطيبي (^٣)، وقال المؤلف: "وصف كلامه تعالى بالتمام؛ لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقصٌ أو عيبٌ، كما في كلام الناس، وقيل: "معني التمام هنا: أن ينتفع المتعوذ بها، ويحفظ من الآفات، ويكفيه ببركتها"" (^٤)، (من شرّ ما خلق. طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة، في باب ما يقال في الصباح والمساء جميعًا (^٥) قال ميرك: "ولفظه: "من قال حين يصبح ويمسي"، وفي رواية "حين يمسي" فقط، وكذا "م، عه، مي، ي" في المساء فقط، أي: بدون ذكر الصباح فقط"، انتهى.
_________________
(١) بهذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "قال".
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٤٧)، والترمذي (٣٣٨٨)، والنسائي في "الكبرى" (٩٧٥٩، ١٠١٠٦، ١٠١٠٧)، وابن ماجه (٣٨٦٩)، وابن حبان (٨٥٢، ٨٦٢)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٥١٤)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٩٨٨٥)؛ كلهم عن عثمان به مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٥٧٤٥، ٦٤٢٦): "صحيح".
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (٦/ ١٨٩٤).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ أ).
(٥) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٢٣) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
[ ١ / ٤١٣ ]
وبهذا [تبين] (^١) معني قوله: (وفي المساء فقط. م، عه، طس، مي، ي) أي رواه: مسلم، والأربعة، والطبراني في "الأوسط" أيضًا، والدارمي، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، كلهم عن أبي هريرة (^٢).
(ثلاث مرات. ت، مي، ي) أي رواه: الترمذي، والدارمي، وابن السني، عن معقل بن يسارٍ، ولفظه: "من قاله وكل به سبعون ألف ملك يصلون عليه، وإن مات مات شهيدًا" (^٣)، وقال ميرك: "رواه الثلاثة عن أبي هريرة أيضًا".
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د) و(هـ): "يتبين".
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٩)، وأبو داود (٣٨٩٤)، والترمذي (٣٦٠٤)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٣٤٨)، وابن ماجه (٣٥١٨)، والطبراني في "الأوسط" (٢٦٤٤) و(٦٥٣٨)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧١٢)، كلهم عن أبي هريرة به مرفوعًا، وأما الدارمي (٢٧٢٢) من حديث خولة بنت حكيم، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن أحدكم إذا نزل منزلًا قال: أعوذ بكلمات الله التامات … " الحديث، إذن فلا وجه لذكر رمزه بين الرموز المذكورة.
(٣) هذا الحديث الذي ذكره الشارح عن معقل بن يسار ليس في محلّه، وإنما محلّه حيث ذكره هو بعد الحديث الآتي، وأما تخصيص الماتن لفظ "ثلاث مرات" بالترمذي والدارمي وابن السني ففيه ما فيه، وذلك أن اللفظ غير موجود إلا عند الترمذي وحده -أعني من بين الرموز الثلاثة، وإلا فهو موجود عند غيره-، الله أعلم.
[ ١ / ٤١٤ ]
وفي "الأذكار": "روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من عقرب حتى لدغتني البارحة؟ قال: أما لَوْ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شرّ ما خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّكَ"، وروينا في كتاب ابن السني، وقال فيه: "من قال: أعُوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شرّ ما خَلَقَ ثلاثًا، لم يضره"" (^١).
وقال ميرك: "الحديث الأول رواه الجماعة إلا البخاري، وفي رواية للترمذي: "من قال حين يمسي ثلاث مرات لم يضره حمة تلك الليلة"، انتهى.
وقوله: "ثلاث مرات" ظرف لـ"قال" المقدر الموجود في نفس الحديث، ولا يبعد أن يكون لـ"يقال" المذكور في العنوان، وأغرب الحنفي حيث قال: "إنه صفة لمصدر محذوف، وهو مفعول مطلق، أي: أقوالًا ثلاث مرات".
(أعوذ بالله السميع العليم) وفي نسخة رمز الترمذي فوق "السميع العليم" إيماء بأنه من مختصاته (من الشيطان الرجيم) أي: المطرود عن الباب، أو المرجوم بالشهاب. (ثلاث مرات).
(﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]) أي: ما غاب عن العباد، وحضر لهم من الأمور الظاهرة والباطنة، وإلا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٠٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٨٥) وانظر: "الأذكار" للنووي (صـ ٦٤).
[ ١ / ٤١٥ ]
فلا غيب بالنسبة إليه، إذ الأشياء كلها حاضرة لديه، وقيل: "المراد بهما السر والعلانية، أو الدنيا والآخرة، أو المعدوم والموجود، والجمع أتمّ، والله أعلم".
(﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]) ولكون رحمته سبقت غضبه كررت الصفتان، وامتازتا عن سائر الصفات، واختصتا بالبسملة والحمد لة.
(﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢٣]) أي: نزهوه (﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾) أي: عما يصفه الجاهلون [به] (^١)، من إثبات الإلهية للأصنام وغيرها؛ لأن الإله لا يكون إلا من اتصف بصفات الكمال، من نعوت الجلال والجمال، كما سبق بعضها ويأتي بعض آخر منها، فالجملة كالمعترضة.
(﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّر﴾ [الحشر: ٢٤]) سبق الفرق بينهما، (﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]) أي: من غير هذه المذكورات أيضًا، (﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ٢٤]) أي: بلسان القال، أو ببيان الحال، و"ما" لتغليب غير ذوي العقول؛ لكونها أكثر، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ
_________________
(١) من (ج) و(هـ) فقط.
[ ١ / ٤١٦ ]
تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وما أحسن من قال من أرباب الحال:
ففي كلّ شيءٍ له شاهدٌ … دليلٌ على أنه واحدُ (^١)
ولعل وجه الاكتفاء بالتسبيح هنا لتضمنه معني الحمد المترتب عليه.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢]) أي: الغالب علي أمره، (﴿الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢]) أي: في قضائه وقدره. (ت، مي، ي) أي رواه: الترمذي، والدارمي، وابن السني، عن معقل بن يسار بلفظ: "من قال ذلك حين يصبح وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة" (^٢).
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: هذه السورة، فيفيد قراءة البسملة [وضم] (^٣) الباقي (ثلاث مرات)، فإنه بمنزلة ختم القرآن، علي ما ورد أنها: "تعدل
_________________
(١) "ديوان أبي العتاهية" (صـ ١٢٢)، والبيت من المتقارب، قال الزركلي في "الأعلام" (١/ ٣٢١): "إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، العنزي بالولاء، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية، شاعر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع، كان ينظم المنة والمئة والخمسين بيتًا في اليوم، حتى لم يكن للإحاطة بجميع شعره من سبيل، وهو يعد من متقدمي المولدين، من طبقة بشار وأبي نواس وأمثالهما. تُوفِّيَ سنة: ٢١١"، بتصرف.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٢٢)، والدارمي (٣٤٦٨)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٨٠، ٦٨١)؛ كلهم من حديث معقل بن يسار به مرفوعًا. قال الترمذي: "غريب"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٧٣٢): "ضعيف".
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "وختم".
[ ١ / ٤١٧ ]
ثلث القرآن"، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. ثلاث مرات)، فإن من آداب الدعاء الإلحاح، وأقله التثليث، (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. ثلاث مرات)، وكأن قراءة الإخلاص بمنزلة الثناء قبل الدعاء؛ ليفيد سرعة الخلاص. (د، ت، س، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن السني، عن عبد الله بن خبيب، بمعجمة وموحدتين مصغرًا، ولفظه: "من قرأها يكفيه كل شيء في يومه وليلته (^١) " (^٢).
(﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾) المراد به تنزيه الله تعالى من السوء، أو أريد به الصلاة على ما روي عن ابن عباس، فالمعنى: نزهوه عما لا يليق به، أو: صلوا له، (﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾) أي: تدخلون في المساء، وهو وقت المغرب والعشاء، بناء علي ما قدمناه من أن المساء أول الليل، وبه يتم استدلال ابن عباس ﵄ أن أوقات الصلوات الخمس
_________________
(١) كتب بجوارها في حاشية (ب): وفي رواية قال خبيب: "خرجنا في ليلة مطيرة، وظلمة شديدة، نطلب رسول الله ﷺ، فأدركناه فقال: قل، قلت: ما أقول؟ قال قل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء. ذكره في "داعي الفلاح".
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٤١)، والترمذي (٣٥٧٥)، والنسائي في "الكبرى" (٧٧٩٧)، ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٨١)؛ كلهم من حديث عبد الله بن خبيب به مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (٤٤٠٦): "صحيح".
[ ١ / ٤١٨ ]
مستفادة من هذه الآية (^١)، (﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]) أي: تدخلون في الصباح، وهو وقت الفجر.
(﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾) أي: لا لغيره، (﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) أي: ثابت في أجزائهما، أو كائن في أهلهما، والجملة معترضة.
(﴿وَعَشِيًّا﴾) أي: وحين العشي، وهو: "ما بين زوال الشمس إلى غروبها، والمشهور آخر النهار" علي ما في "المغرب" (^٢)، فالمراد به وقت العصر لقوله: (﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]) أي: تدخلون في الظهيرة، وهي وقت الظهر، ولعل العدول عن الترتيب لمراعاة الفواصل، وحسن التقابل.
هذا، وفي "المهذب": "أن العشي من المغرب إلى العشاء"، فالمراد بالمساء آخر النهار، وهو وقت العصر، وفي "النهاية": "أن العشي مما بعد الزوال إلى المغرب، وقيل: "إنه من زوال الشمس إلى الصباح" (^٣)،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٧٧٢) - ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٢١) -، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٧٤)، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٤٧) رقم (١٠٥٩٦)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين" (٣/ ٣٩٥)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤١٠ - ٤١١) - ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٥٩) -؛ كلهم من حديث ابن عباس به موقوفًا.
(٢) "المغرب" للمطرزي (٢/ ٦٣).
(٣) "النهاية" (٣/ ٢٤٢).
[ ١ / ٤١٩ ]
وفي "القاموس": "العشاء أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، والعشي والعشية آخر النهار" (^١)، انتهى.
فحصل أن التحقيق هو الفرق بين العشاء والعشي، ولعل هذا هو الحكمة في العدول عن "تعشون" إلى قوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾.
(﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [لأنعام: ٩٥]) بالتشديد والتخفيف، أي: الطائر من البيضة، والحيوان من النطفة، والنبات من الحبة، والمؤمن من الكافر، والذاكر من الغافل، والعالم من الجاهل، والصالح من الطالح، (﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾) علي عكس ما [ذكر] (^٢)، (﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾) أي: بإنبات النبات، (﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾) أي: يبسها، أو أرض الروح بالإيمان ونحوه بعد فسادها [بأضداده] (^٣)، (﴿وَكَذَلِكَ﴾) أي: مثل ذلك الإخراج، أو الخروج اللازم منه، (﴿تُخْرَجُونَ﴾) أي: من قبوركم، علي صيغة المجهول من الإخراج، وفي قراءة علي صيغة المعلوم من الخروج، والمعنى: أن الإبداء والإعادة متساويتان في قدرة من هو قادر علي إخراج الميت (^٤) وعكسه، فاعتبروا يا أولي الأبصار، واعترفوا بأنه صاحب الاقتدار.
_________________
(١) "القاموس" (٤/ ٣٥٥).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "ذكره".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و(هـ): "بأضدادها".
(٤) بعدها في (هـ) زيادة: "من الحي".
[ ١ / ٤٢٠ ]
(د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن ابن عباس: أنه ﷺ قال: "من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته" (^١)، كذا في "تفسير المدارك" (^٢).
(﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] آية الكرسي) بالنصب، ويجوز رفعه وخفضه علي منوال "الآية" و"الحديث"، والأظهر أنه منصوب بـ "أعني". (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي بن كعب (^٣).
(وآية الكرسي) هذا وما عطف عليه بالرفع، أي: ويقرأ في الصباح والمساء آية الكرسي، (والآية من أول غافر)، وفي نسخة صحيحة: "من أول سورة غافر"، وهي سورة المؤمن، أول الحواميم، (إلي قولى: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وتمامه: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، والطول: الفضل والسعة، والمصير هو المرجع والمآب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٣٧)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٦، ٧٩)؛ كلاهما من حديث ابن عباس به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الجامع " (٥٧٣٣): "ضعيف جدًّا".
(٢) "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" للنسفي (٣/ ٤٦١).
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١/ ٢٥١) رقم (٥٤١) من حديث أبي بن كعب به. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (٦٦٢): "صحيح".
[ ١ / ٤٢١ ]
(حب، أ، ت، ي) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، والترمذي، وابن السني، عن أبي هريرة (^١)، وفي "أصل الجلال " بتقديم رمز الترمذي علي ابن حبان، ولفظ الحديث: "من قرأ بهما حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأبهما حين يمسي حفظ حتى يصبح".
(أصبحنا وأصبح الملك لله) ويكتب بالحمرة فوقهما "أمسينا وأمسى" إشعارًا بنوعي القراءة في الوقتين، وكذا الحال فيما بعد، (والحمد لله) قال الحنفي: "المعني: دخلنا في الصبح، ودخل فيه الملك كائنًا لله ومختصًّا به، أي: عرفنا فيه أن الملك لله، وأن الحمده لله لا لغيره، وكذا الحال في "أمسينا""، انتهى. ولا يستفاد منه إعراب قوله: "والحمد لله" مع ما فيه كما لا يخفى، والظاهر أنه عطف علي مجموع قوله: "أصبحنا وأصبح الملك لله"، وأن المعطوف عليه إخبار،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٧٩) وقال هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي من قبل حفظه وابن السني (٧٥). قال ابن القيم: ضعيف وعبد الرحمن المليكي وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي وهو محتمل علي غرابته (بدائع الفوائد ٢/ ٢٦٩) .. عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة قال عنه الحافظ في "التقريب" ضعيف، التقريب (٣٨٣٧).
[ ١ / ٤٢٢ ]
والمعطوف (^١) إخبار مبنًى، وإنشاء معنًى، ويجوز تعاطفهما على الصحيح.
ثم قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) استئنافُ بيانٍ، أو تعليل، ولا يبعد أن يكون معطوفًا بحذف العاطف، ويحتمل أن يكون جملة "والحمد لله" حالية، وقال ميرك: "قوله: "الحمد لله" عطف علي "أصبحنا وأصبح الملك لله"، و"أصبحنا": أي دخلنا في الصباح، وهو أول اليوم، يعني: دخلنا في الصباح، وصرنا نحن وجميع الملك وجميع الحمد لله".
قلت: هذا المعنى مخالف لإعراب المبنى؛ إذ يفيد عطف "الحمد" على "الملك" كما لا يخفى، ثم قال: "والظاهر أنه عطف علي قوله: "والملك لله" ويدل عليه قوله: (له الملك، وله الحمد) ".
قلت: لا يظهر له دلالة قالية، ولا إشارة حالية، بل فيهما إفادة تأكيدية، وتوطئة لفذلكة القضية، وهي قوله: (وهو على كل شيء قدير) للإشعار بأن اختصاص الملك والحمد إنما يليق لمن تكون له القدرة الكاملة على الموجودات، والإرادة الشاملة للممكنات.
نَعَم، الحديث الآتي، وهو قوله: "وأصبح الملك والحمد لله"، صريح في أن قوله: "والحمد (^٢) ": عطف على "الملك"، فيكون التقدير: وأصبح
_________________
(١) بعدها في (د) زيادة: "ح ما فيه"
(٢) بعدها في (أ) و(ب) و(هـ) زيادة: "لله".
[ ١ / ٤٢٣ ]
الحمد لله، فالمراد بالحمد ما يحمد عليه من النعم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
ثم قال: "وقوله: "وأصبح الملك لله" حالٌ من "أصبحنا" إذا قلنا: إنه فعل تام، ومعطوف على "أصبحنا" إذا قلنا: إنه ناقص، والخبر محذوف [لدلالة] (^١) الثاني عليه، أو خبر والواو فيه كما في قول "الحماسة":
فليس وهو عريان (^٢) "، انتهى.
ولا يخفى أن معنى التام هنا أتم مبنًى ومعنًى، أما الأول فلعدم الاحتياج إلى تقدير، وأما الثاني فلأن معنى الناقص ناقص، حيث يتوهم منه الحدوث والتحول، ومع هذا عطف قوله: "وأصبح الملك" على "أصبحنا" من باب عطف العام على الخاص، للاهتمام على التمام، على أنه إذا عطف على تقدير معنى الناقص، يكون فيه نوع من التنازع، حيث يطلب كل منهما أن يكون "لله" خبرَه.
قال أبو البقاء: "أصبح هنا ناقصة، والجملة بعدها خبر لها، فإن قلت: خبر "كان" مثل المبتدإ لا يدخل عليه الواو، قلنا: الواو إنما دخلت في خبر "كان" لأن اسم "كان" يشبه الفاعل، وخبرها يشبه الحال"، ذكره ميرك، ولا يخفى أن كلام أبي البقاء لا وجه له هنا؛ لأن ما بعد "أصبح"
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج): "بدلالة".
(٢) هذا من شعر الفند الزماني، والبيت بكماله هو: فلَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ
[ ١ / ٤٢٤ ]
في الحديث اسم لها، والخبر "لله"، فليس هناك واو، وقوله: "والحمد لله": لا [يصلح] (^١) أن يكون خبرًا لـ"أصبح الملك"، كما هو ظاهر واضح".
ثم قال ميرك: "وقوله: "لا إله إلا الله" بيان حال القائل، أي: عرفنا أن الملك والحمد لله لا لغيره، فالتجأنا إليه، واستعنا به، وخصصناه بالعبادة والثناء عليه"، انتهى.
وهو بالمعنى العطفي أنسبُ من المعنى الحالي، والحال: أنه لو جعل بيان حال المقول فيه، يكون له وجه وجيه وتنبيه نبيه، وعلى كل تقدير طلب استمرار ما ذكر بدخوله في الصباح أو المساء، واستعاذ مما يمنعه من الدعاء والثناء قائلًا: (ربّ) أي: يا [رب] (^٢)، (أسألك خير ما في هذا اليوم) ويكتب بالحمرة فوقه: "هذه الليلة"، (وخير مما بعده) وبالحمرة "ما بعدها"، وكذا في قوله: (وأعوذ بك من شرِّ ما في هذا اليومِ، وشرِّ ما بَعدَه) قال المصنف: "المراد باليوم في ذكر الصباح: هو من طلوع الفجر إلى غُروبِ الشّمس، والمراد بالليلة في ذكر المساء: هو من الغروب إلى الفجر، وقد أبعد من قال: إن ذكر المساء يدخل بالزوال، فإن أراد دخول وقت العشاء فقريبٌ، وإن أراد المساء فبعيد جدًّا" فإن الله تعالى يقول: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "يصح".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج) و(د): "ربي".
[ ١ / ٤٢٥ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾، فقابل المساء بالصباح، والعشي بالظهيرة، وأيضًا فكيف يُعْمَلُ في قوله: "أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها"، وهل تدخل الليلة إلا بالغروب؟ " (^١)، انتهى.
وقد سبق ما يستفاد منه أن الصحيح في هذا المقام أن يراد بالصباح أول النهار، وبالمساء أول الليل، كما يدل لفظ اليوم والليلة صريحًا عليهما، وأما إرادة النهار والليل جميعًا من الصباح والمساء كما يوهمه كلام المصنف، وإن كان صحيحًا بطريق الحقيقة أو المجاز، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، ولكن المراد هنا أطرافهما، كما يشير إليه العنوان، ويشعر إليه حديث: "من قرأ حين يصبح حفظ حتى يمسي" وعكسه، والله سبحانه أعلم.
ثم إنه لا ينافي قول بعض أرباب اللغة: "إن للمساء معنًى آخر، يستعمل في محل لائق به"؛ ولذا قال في "المغرب": "المساء: ما بعد الظهر إلى المغرب عن الأزهري، وعك هذا قول محمد: المساء مساءان، إذا زالت الشمس، وإذا غربت".
(رب أعوذ بك من الكسل) بفتحتين، أي: التثاقل في الطاعة، (وسوء الكبر) بضم السين ويجوز فتحها، وبهما قرئ: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]، وهما لغتان كالكَره والكُره، والضَعف والضُعف، وأما الكِبَر
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ أ).
[ ١ / ٤٢٦ ]
فبكسر الكاف وفتح الباء، ويروى بسكون الباء، فبالسّكون بمعنى: البطر، وبالفتح بمعنى: الخرف والهرم، على ما في "النهاية"، والبطر: الطغيان عند النعمة (^١).
ولعل المراد بـ "سوء الكبر" ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخبط في الرأي، والقصور عن القيام بالطاعة، وغير ذلك مما يسوء به الحال، وإلا فورد: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله" (^٢)، وروي من غير هذا الطريق عنه أيضًا: "وسوء الكفر"، أي: سوء عاقبة الكفر، أو المراد بالكفر كفران النعمة، فيطابق رواية "الكبر" بسكون الموحدة.
(رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر) وتنوينهما للتنكير الشامل للقليل والكثير، والأقرب أنه للتقليل، وأبعد الحنفي في قوله: "إن التنكير للتهويل والتفخيم". (م، د، ت، س، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود (^٣).
(اللهم إني) بسكون الياء، ويجوز فتحها، وبهما قرئ نحوه في المتواتر (أعوذ بك من الكَسَل والهرَم) بفتحتين، أي: تساقط بعض القوى
_________________
(١) النهاية (١/ ١٣٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٧٥) (٢٣٢٩)، والبغوي في شرح السنة (١٢٤٥). وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٢٣)، أبو داود (٥٠٧١)، والترمذي (٣٣٩٠)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٧٣) وابن أبي شيبة في المسند (٣١٤).
[ ١ / ٤٢٧ ]
وضعفها، وإنما استعاذ منه لكونه من الأدواء التي لا دواء لها، مع اشتماله على كثير من الأدواء وأنواع البلاء، (وسوء الكبر) تقدم، (وفتنة الدنيا) أي: الافتتان بها والتعلق بمحبتها، أو بالفتنة الكائنة في الدنيا المانعة عن [الوصول إلى] (^١) العقبى وحصول المولى، (وعذاب القبر) أي: بجميع أنواعه وأصنافه. (م) أي رواه: مسلم عن ابن مسعودٍ أيضًا (^٢).
(أصبحنا وأصبح الملك لله ربّ العالمين) بالجر على البدلية، ويجوز رفعه ونصبه، (اللهم إني أسألك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركته، وهداه) بنصبها على أنه بيانٌ لقوله: "خير هذا اليوم"، و"هذه الليلة" وتؤنث حينئذٍ ضمائرها، وكذا في قوله: (وأعوذ بك من شر ما فيه، وشر ما بعده).
والفتح فيهما هو ما فتح الله لعبده على وَفق قصده فيهما، والنصر هو الإعانة على العدو الظاهري والباطني، والنور هو التنبيه الإلهي للعبد حتى يبصر به طريق الحق، والبركة دوام الطاعة، والهدى الهداية إلى طريق الاستقامة على المداومة إلى حسن الخاتمة.
وشر ما فيهما وما بعدهما هو حصول الأمر المضر في الدين، أو في الدنيا بحيث يشغل صاحبه عن خدمة المولى، ويبعده عن حضرة المولى، ومن دعاء بعض العارفين: "اللهم يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا
_________________
(١) كذا في (هـ)، وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "وصول".
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٢٣).
[ ١ / ٤٢٨ ]
وأبداننا". (د) أي: رواه أبو داود عن أبي مالك (^١)، قال النووي: "رواه أبو داود بإسناد لم يضعفه"، نقله ميرك.
(اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا)، وفي المساء تعكس الجملتان، والباء للسببية، والمعنى: بإيجادك أصبحنا، وبإمدادك أمسينا، (وبك نحيا، وبك نموت) حكاية الحال الآتية، يعني: يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، ومثله حديث حذيفة: "اللهم باسمك أموت وأحيا"، أي: لا أنفك عنه، ولا أهجره، وقال النووي: "معناه: أنت تميتني، فالاسم هنا بمعنى المسمى"، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، والمقصود الإخلاص، والخلاص من ربقة الرياء والسمعة، ودعوى الحول والقوة".
(وإليك النشور) أي: البعث بعد الموت، والتفرق بعد الجمع، وهو المناسب لأول النهار، ويكتب بالحمرة فوقه: "المصير"، بمعنى: المرجع والمآب المناسب لأول الليل. (عه، حب، أ، عو) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، وأحمد، وأبو عوانة، عن أبي هريرة (^٢): "كان
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٨٤) وقال الحافظ: هذا حديث غريب. "نتائج الأفكار" (٢/ ٣٨٨) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠٨٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٦٨) وابن السني (٣٤) عن أبي هريرة ورواية أبي داود (٥٠٦٨) والترمذي (٣٣٩١) وفيها: "وإذا أمسى … "، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٤) والسلسلة الصحيحة (٢٦٣).
[ ١ / ٤٢٩ ]
[يقوله] (^١) ".
قال المصنف: "نشر [الميت] (^٢) ينشر نشورًا، إذا عاش بعد الموت؛ ولهذا ناسب أن يقال في الصباح: "وإليه النشور"؛ فإنه يقع في القيام من النوم، وهو كالموت، وناسب أن يقال في المساء: "إليه المصير"؛ لأنه يصير إلى النوم، وهذا هو الصحيح في الحديث، رواه أبو عوانة في "صحيحه" وغيره، وما ورد غير ذلك فإنه وهم من الراوي" (^٣)، انتهى.
ويشير فيه إلى ما ذكره في "تصحيح المصابيح": "أنه جاء في أبي داود فيهما: "النشور"، وفي الترمذي فيهما: "المصير"" انتهى. ولا يخفي أنه لمجرد تحسين المناسبة المعنوية، لا يجوز الطعن بالوهم وغيره فيما ثبت من الرواة، لا سيما ورواية الترمذي وأبي داود أكثر اعتبارًا من رواية أبي عوانة، مع أن مؤدى "النشور" و"المصير" واحد، وهو الرجوع إلى الله بعد الموت؛ ولذا أورده بعد قوله: "وإليك النشور".
نَعَم، المغايرة بينهما أتمّ، على أن قوله: "بك نحيا" يناسبه "النشور"، و"بك نموت" يناسبه "المصير"، ففيه نوع لف ونشر، فكأنه من باب الاكتفاء، والله سبحانه أعلم.
(أصبحنا وأصبح الملك) وفي نسخة زيادة: "لله" هنا، (والحمد لله لا
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و(هـ): "يقول".
(٢) من "مفتاح الحصن الحصين" فقط.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ أ).
[ ١ / ٤٣٠ ]
شريك له) أي: في ملكه وحمده، (لا إله إلا هو، وإليه النشور) وفي نسخة: "إليه النشور" بدون الواو. (ر، ي) أي رواه: البزار، وابن السني، عن أبي هريرة (^١) مرفوعًا أنه كان [يقوله] (^٢).
(اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: خالقهما ومبدعهما، ومبدئهما ومخترعهما، ونصبه على أنه صفة المنادى، أو على النداء، فإن قوله: "اللهم" بمعنى: يا ألله، وكذا ما بعده من الأوصاف، وهو قوله: (عالمَ الغيبِ والشهادة) أي: السر والعلانية، (ربَّ كل شيءٍ) أي: مصلح كل شيء ومربيه (ومليكَه) بالنصب أيضًا، أي: وملك كل شيء أو [مالكه] (^٣)، فعيل بمعنى الفاعل، كالقدير بمعنى القادر.
(أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي) أي: من هواها المخالف للهدى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٥]، وأما إذا وافق الهوى الهدى فهو كالزبدة والعسل، (وشرّ الشيطان) أي: جنس الشياطين، أو: الرئيس، وهو إبليس، وخصّ لأنه كثير التلبيس، أي: ومن شر وساوسه وتزييناته، ومتابعة خطواته، (وشركه) تخصيص بعد تعميم، وهو بكسر الشين
_________________
(١) أخرجه البزار كما في الكشف (٣١٠٥) وقال الهيثمي: رواه البزار، وإسناده جيد (مجمع الزوائد ١٠/ ١١٤).
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب) و(هـ): "يقول".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "مالك كل شيء، ومليك".
[ ١ / ٤٣١ ]
وسكون الراء، أي: إشراكه بإيقاعه في الشرك والكفر، وإلا فلا يعرف في الأمم الضالة أن أحدًا يشركه مع الله.
وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]، فمعناه: لا تطيعوه في عبادة غير الله؛ ولذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٥ - ٦١]، وفي نسخة صحيحة بفتحتين، قال ميرك: "هو بكسر الشين وسكون الراء، وهو الأشهر في الرواية، وأظهر في المعنى".
قال المصنف: "أي: ما يدعو إليه ويوسوس به من الإشراك بالله، ويروى بفتح الشين والراء، أي: حبائله ومصائده، واحده شرَكَةٌ" (^١)، انتهى.
وَالشَّرَكَةُ -بفتح الشين والراء وفي آخرها هاء- على ما في "الأذكار": حبائل الشيطان، أي: مصائده جمع مصْيَدَة، وهي ما يصاد بها من أي شيء كان، قال ميرك: "فالإضافة على الأول إضافة المصدر إلى الفاعل، وعك الثاني محضة".
(د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن أبي بكر الصديق
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ أ).
[ ١ / ٤٣٢ ]
﵁ (^١) قال: "أخبرني بشيء أقوله، قال: قل اللهم … " إلى آخره، وفي بعض النسخ: "كلهم عن أبي هريرة"، ولا منع من الجمع إن ثبت في السمع، وفي نسخة: "رواه الأربعة، الأول: عن الصديق، والباقي: عن أبي هريرة".
(وأن نقترف) عطف على قوله: "من شر نفسي"، لكن فيه إشكالٌ، من حيث مجيء "أعوذ" بصيغة الإفراد، ولعل في رواية الترمذي: "نعوذ بك من شر [أنفسنا] (^٢) … " إلى آخره، "وأن نقترف"، أي: ومن أن نكتسب، (على أنفسنا سوءًا) أي: إثمًا أو ظلمًا مما يسوء أنفسنَا، ويكون وباله علينا (أو نجرّه) أي: أن ننسب سوءًا (إلي مسلم) بريء من ذلك السوء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، أو نضيف ذلك السوء الذي فعلناه إلى مسلمٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٥١٤) و(٢٩٢٦٥)، وأحمد (١/ ٩ و١٠)، وفي ٢/ ٢٩٧)، والدارمي (٢٦٨٩)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٢٠٢ و١٢٠٣)، وفي "خلق أفعال العباد" ١٩ و٧٣)، والترمذي (٣٣٩٢) والنسائي في "الكبرى" (٧٦٦٨ و٩٧٥٥ و١٠٥٦٣)، وابن حبان (٩٦٢) وقال: حسن صحيح. وأبو داود (٥٠٦٧) وإسناده صحيح.
(٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "نفسي".
[ ١ / ٤٣٣ ]
وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢].
(ت) أي: رواه الترمذي من حديثه أيضًا، ويفهم من كلام الإمام النووي أن هذه الزيادة أخرجها أبو داود أيضًا، لكن من حديث أبي مالك الأشعري، كذا ذكره ميرك.
(اللهم إني أصبحت أشهدك) بضم همزة وكسر هاء، من الإشهاد، أي: أجعلك شاهدًا على إقراري بوحدانيتك في الألوهية والربوبية، وهو إقرار [بالشهادة] (^١)، وتجديد اعتراف بها في كل صباحٍ ومساءٍ، وغرضه: عرضه من نفسه أنه ليس من الغافلين عنها.
(وأشهد حملة عرشك) أي: المقربين في حضرتك وخدمتك، (وملائكتك) بالنصب، وهو تعميم بعد تخصيم، أي: وأشهد جميع ملائكتك، أو سائرهم وباقيهم الداخل فيهم: الكرام الكاتبون (^٢)، والحفظة الحاضرون.
(وجميعَ خلقك) تعميمٌ آخر للتكميل [والتتميم] (^٣) (بأنك) أي: على شهادتي وإقراري واعترافي بأنك (لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك. طس، ت) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، والترمذي عن أنس، وفي "نسخة الجلال" رمز الترمذي مقدم قبل لفظهما: "من قالها
_________________
(١) كذا في (هـ)، وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "للشهادة".
(٢) بعدها في (أ) زيادة: "الحافظون".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "والتعميم".
[ ١ / ٤٣٤ ]
غفر الله له ما أصاب في يومه وليلته".
(اللهم إني أصبحت أشهدك، وأشهد حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلائِكَتَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أنَّكَ) بفتح الهمزة كما في نسخة، أي: بأنك (أنت الله لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك)، وفي بعض النسخ رمز الترمذي فوق "وحدك"، ورمز النسائي فوق: "لا شريك لك"، (وأن محمدًا عبدك ورسولك، أربع مرات. د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أنس (^١)، ولفظه: "من قالهن مرة أعتق الله ربعه من النار،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٦٩)، والترمذي (٣٤٩٥)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩) و(١٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٢٠١)، وابن السني (٦٩)، الطبراني في "معجمه الأوسط" (٧٢٠٥)، وفي "الدعاء" (٢٩٧ - ٣٠٠)، وقال الحافظ (١٠٧٧): هذا حديث حسن غريب "نتائج الأفكار" (٢/ ٣٧٥). وقال أبو عيسي الترمذي: هذا حديث غريب. وذكره الألباني في "الضعيفة" (١٠٤١): واستنكر تصريح بقية بالتحديث، فقال: وما أراه محفوظا، ولعله خطأ من بعض النساخ، فإن الطريق مدارها كما ترى على إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، فالبخاري قال في روايته: (عن)، وهو الصواب، … فلهذه الطريق علتان أيضا: إحداهما: عنعنة بقية، فإنه كان معروفا بالتدليس. والأخرى: جهالة مسلم بن زياد هذا … قلت: جاء تصريحه بالسماع من طريق آخر، أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٩٧) عن لوين محمد بن سليمان بن حبيب نا بقية بن الوليد =
[ ١ / ٤٣٥ ]
ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثًا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعًا أعتقه الله من النار"، كذا ذكره ميرك.
(اللهم إني أسألك العافية) وهي عدم الابتلاء (في الدنيا والآخرة) أي: في أمورهما، [أو] (^١) المراد بالعافية: عدم العقوبة (اللهم إني أسألك العفو) أي: المحو عن الذنوب (والعافية) أي: الخلاص عن العيوب (في ديني، ودنياي، وأهلي) أي: قرابتي وأتباعي، (ومالي) من النقود وغيره، ولا يبعد أن تكون "ما" موصولةً، أي: وكل شيء هو لي ومختصّ بي، على أنه تعميم بعد تخصيصٍ، فيشمل ما له من المال، والعلم والجمال، وسائر أسباب الكمال.
قال المصنف في "شرح المصابيح ": "العفو: محو الذنوب، والعافية: السلامة، وهي الصحة، ففي الدين من الزيغ، وفي الدنيا من الأسقام"، وفي "النهاية": "العفو: محو الذنوب، والعافية: أن يسلم من الأسقام والبلايا"، انتهى.
لكن لا يخفى أن الأنبياءَ والأولياءَ دعوا الله بالعافية، ولا شك أن
_________________
(١) = أخبرني مسلم بن زياد قال سمعت أنس بن مالك به. ومسلم بن زياد حمصي من أصحاب عمر بن عبد العزيز وكان في خيله. انظر تاريخ دمشق (٥٨/ ٩٨) ومثله حديثه مقبول إن خلا من النكارة سيما وقد روى عنه جماعة وهو شرط المتأخرين في قبول هذا النوع من الرواة.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج) و(هـ): "و".
[ ١ / ٤٣٦ ]
دعوتهم مستجابة، ومع هذا: "أشد الناس بلاء الأنبياء، [ثم الأمثل] (^١)، فالأمثل"، فيتعين أن [تقيد] (^٢) الأسقام بسيئها، كالبرص، والجنون، والجذام، مما [ينفر] (^٣) عنه طبع العوام، ولذا ورد التعوذ من سيئ الأسقام، وكذا [يقيد] (^٤) البلاء في الأمور الدينية والدنيوية بالشّاغلة عن الأحوال الأخروية.
(اللهم استر عورتي) أي: ما يستحى منه، ويسوء صاحبه أن يرى ذلك عنه، من العيوب والخلل والتقصير، وغير ذلك، (وآمن روعتي) أي: فزعتي مما أخاف، وآمن: أمر من الإيمان، بمعنى: إزالة الخوف وإعطاء الأمن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، وحاصل معناه: اجعل خوفي أمنًا، وأبدله به، قال المصنف: "العورة: كل ما يستحي منه إذا ظهر، والروع: الفزع" (^٥)، انتهى.
وفي نسخة بصيغة الجمع فيهما، وجعل المؤلف في "شرح المصابيح" أصل الرواية: "عوراتي" و"روعاتي" بالجمع، ثم قال: "وفي رواية بالإفراد فيهما"، انتهى.
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "يقيد".
(٣) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "يتنفر".
(٤) كذا في (د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج): "تقييد".
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ أ).
[ ١ / ٤٣٧ ]
واعلم أن كلًّا من العورات والروعات بسكون الواو، كما قال الله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، وأما فتح الواو في العورات، فمن لحن العامة.
(اللهم احفظني من بين يدي) بفتح الدال وتشديد الياء على التثنية، وفي نسخة بالكسر والتخفيف، على أن المراد بها: الجنس، والمعني: من قدامي، (ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي) قال الزمخشري (^١) في قوله تعالى -حكاية عن إبليس-: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]: "استعمال اليمين والشمال بـ "عن" لغة يؤخذ ولا يقاس، وكذا: القدام والخلف"، وقال البيضاوي (^٢): "إنما عدي الفعل إلى الأَوَّلَيْنِ بحرف الابتداء؛ لأن البلاء منهما يتوجه إليهم، وإلى الآخَرَيْنِ بحرف المجاوزة، فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم: جلست عن يمينه"، انتهى.
وقال ابن عباس في الآية: " ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: من قبل الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: من جهة حسناتهم وسيئاتهم".
_________________
(١) الكشاف (٢/ ٩٢).
(٢) تفسير البيضاوي (٣/ ٨).
[ ١ / ٤٣٨ ]
(ومن فوقي) قال الطيبي: "استوعب الجهات الست كلها؛ لأن ما يلحق الإنسان من نكبة وفتنة، فإنما يحيق به ويصل إليه من إحدى هذه الجهات، وبالغ في جهة السفل، حيث قال: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) لرداءة آفتها"، انتهى. ولا يخفى حسن موقع قوله: "بعظمتك" على ما في النسخ المصححة في هذا المقام، وفي نسخة: "بك".
ثم "أغتال": بصيغة المجهول من الاغتيال، وهو أن يؤتي المرء من حيث لا يشعر، وأن يدهي بمكروه [لم] (^١) يرتقبه، وأصله: أن يخدع ويقتل خفية، وحاصله: الأخذ بغتة، أو الموت فجأة، والأظهر أن يراد به الخسف، كما ورد في رواية أبي داود، حيث قال وكيع -أحد رواة هذا الحديث-: "يعني: الخسف".
(د، ق، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن ابن عمر، ولفظه: "لم يكن يدعها" (^٢).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(هـ) و(د)، وفي (ب): "ما لم".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٨٨٩ - ٣٨٧٥٩)، وأحمد (٢/ ٢٥)، وعبد بن حميد (٨٣٧)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٢٠٠) وفي "التاريخ الكبير" (٢/ ٢٢٥)، وابن ماجة (٣٨٧١)، وأبو داود (٥٠٧٤). والنسائي (٨/ ٢٨٢) وفي "الكبرى" ٧٩١٥ و٧٩١٦، وفي "عمل اليوم والليلة" (٥٦٦)، والطبراني في "معجمه الكبير" (١٢/ ٣٤٣/ ١٣٢٩٦)، وفي "الدعاء" (٣٠٥) والحاكم (١/ ٥١٧). والحديث صححه: ابن القيم في زاد المعاد =
[ ١ / ٤٣٩ ]
(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد) أي: على وجه الاختصاص حقيقةً، وإن وُجِدا في الجملة لغيره صورة، (يحي ويميت) أي: يبدئ ويعيد، (وهو حي) أي: من الأزل، (لا يموت) أي: إلى الأبد، فليس له ابتداءٌ، ولا يعتريه انتهاءٌ، فهو الأول والآخر، (وهو على كل شيء قدير. د، س، ق، مص، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن السني (^١)؛ كلهم عن ابن عياش بالتحتية
_________________
(١) = (٢/ ٣٣٢) صححه الحاكم. والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (١/ ١٥٥) وصححه الحاكم. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٥٨) رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد. قال النووي في "الأذكار" (١/ ٦٦): قال الحاكم أبو عبد الله هذا حديث صحيح الإسناد. وقال الحافظ في "البلوغ" (١/ ٣١٢): صححه الحاكم. وقال في "النتائج" (٢/ ٣٦٢): لا نعرفه إلا من حديث عبادة بهذا الإسناد. ووجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس أخرجه البخاري في الأدب المفرد وفي سنده راو ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٠٧٧)، وأحمد (٤/ ٦٠)، وأبو داود (٥٠٧٧)، والنسائي في اليوم والليلة (٢٧)، وابن ماجه (٣٨٦٧). وقد اختلف في صحابيه هل هو الزرقي أم غيره. وجرى على أنه الزرقي: البخاري في (التاريخ الكبير ٣/ ٣٨١ - ٣٨٢). وأبو أحمد الحاكم والدولابي في الكنى (١/ ٤٦ - ٤٧) والإمام أحمد في المسند.=
[ ١ / ٤٤٠ ]
والشين المعجمة، وقيل: "ابن عائش"، لكن قوله: "يحيي ويميت، وهو حي لا يموت" مختصٌّ برواية ابن السني، فيكتب رمزه بالحمرة فوقه.
قال ميرك: "ولفظ الحديث: "من قال إذا أصبح (^١)، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسناتٍ، وحط عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجاتٍ، وكان في حرزٍ من الشيطان حتى يمسيَ، وإن قالها إذا أمسي، كان له مثل ذلك حتى يصبحَ"، قال حماد بن سلمة -أحد رواة هذا الحديث-: فرأى رجل رسولَ الله ﷺ فيما يرى النائم، فقال: يا رسول الله، إن ابن عياش يحدث عنك كذا، وكذا؟ قال: صدق ابن عياش".
(رضينا) أي: نحن معاشرَ المؤمنين (بالله ربًّا) تمييز من النسبة، أي: رضينا بربوبيته، وكذا الحال في قوله: (وبالإسلام دينًا) أي: وبدين الإسلام، (وبمحمدٍ ﷺ رسولًا) أي: وبرسالة محمدٍ ﷺ، والمراد بالرضا هنا التصديق على وجه التحقيق.
(عه، مس، أ، ط) أي رواه: الأربعة، والحاكم، وأحمد، والطبراني (^٢)،
_________________
(١) = وفرق بينهما الحافظ في الإصابة والمزي في تهذيب الكمال والخلاف في الصحابي لا يضر.
(٢) اختصر المؤلف هنا لفظ الحديث، وذلك لأنه أورده من قبل.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٣٧) وفي ٥/ ٣٦٧)، وأبو داود (٣٦٥٣ و٥٠٧٢) والنسائي في "الكبرى" (٩٧٤٧) وفي "عمل اليوم والليلة" (٥٦٥) البيهقي في=
[ ١ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "الدعوات الكبير" (٢٨) الطبراني في "الدعاء" (٣٠٢) الآحاد والمثاني (٥/ ١٣) الجامع لأخلاق الراوي (٤٥٦). والنسائي في "الكبرى" (١٠٣٢٤) وفي "عمل اليوم والليلة" (٤) والحاكم (١/ ٥١٨) وقال: صحيح الإسناد. قال ابن عبد البر في "الاستيعاب … " (١/ ٢٠٦): اختلف فيه على شعبة ومسعر. والصحيح فيه عنهما ما رواه هشيم وغيره عن أبي عقيل عن سابق بن ناجية عن أبي سلام خادم النبي ﷺ وقد ذكرنا ذلك في موضعه والحمد لله ولا يصح ما بعد في الصحابة. والله أعلم. وقال ابن الأثير في "أسد الغابة" (١/ ٤٠٨) روى عنه حديث واحد مخرجه من أهل الكوفة اختلف فيه على شعبة فرواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي عقيل عن أبي سلام قال: كنا في مسجد حمص فمر رجل فقالوا: هذا خدم النبي ﷺ. فأتيته فقلت: حدثنا ما سمعت من النبي ﷺ فقال: سمعته يقول: من قال حين يمسي وحين يصبح: "رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة". واختلف أيضا على مسعر فرواه عبد العزيز بن أبان عن مسعر عن أبي عقيل عن أبي سلام عن سابق خادم النبي ﷺ في الدعاء. قالوا: وهو وهم والصواب رواية أصحاب مسعر عن أبي عقيل سالم بن بلال قاضي واسط عن سابق بن ناجية عن أبي سلام. وقال أبو عمر: لا يصح سابق في الصحابة. ثم قال ابن الأثير في "أسد الغابة" (١/ ١١٩٠] في ترجمة: أبي سلام الهاشمي: مولى رسول الله ﷺ. ذكره خليفة في الصحابة من موالي بني هاشم بن عبد مناف =
[ ١ / ٤٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = روى شعبة عن أبي عقيل هشام بن بلال عن سابق بن ناجية عن أبي سلام قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من مسلم أو عبد يقول حين يمسي وحين يصبح: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ثلاث مرات إلا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة. قلت: قوله: "سمعت" في السند وهم وقد بينه الحافظ في ترجمة أبي سلام هذا وأنه ممطور التابعي المعروف ورجح رواية شعبة ومن تابعه بزيادة ذكر الخادم في السند. انظر الحافظ في "الإصابة". .. (٧/ ١٨٥) وتهذيب التهذيب. .. (١٢/ ١٣٧) هاشم بن بلال أبو عقيل قاضي واسط شامي، قال يحيى بن معين: أبو عقيل هاشم بن بلال ثقة. الجرح والتعديل … (٩/ ١٠٣). والعلائي في "جامع التحصيل" (صفحة ٣١١) أخرجه أبو داود والنسائي من طريق شعبة وهشيم عن أبي عقيل واسمه هاشم بن بلال عن سابق بن ناجية عن أبي سلام إنه كان في مسجد حمص فمر به رجل فقالوا هذا خدم النبي-ﷺ فقام إليه فقال حدثني النبي ﷺ فذكره. وأخرج أبو داود أيضا بهذا السند عن أبي سلام عن رجل خدم النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان إذا حدث حديثا أعاده ثلاث مرات فتبين بذلك أن أبا سلام ليس صحابيا بل هو ممطور المتقدم وأن طريق ابن ماجه مرسلة. ووقع فيها الوهم من مسعر بقول عن أبي سلام خادم النبي ﷺ عنه وكذلك هو أيضا في مصنف بن أبي شيبة من طريق مسعر. والعجب أن ابن عبد البر قال بعد سياقه لهذا من طريق بن أبي شيبة كذلك رواه هشيم وشعبة عن أبي عقيل عن سابق ولم يروياه إلا كما تقدم عند أبي داود والنسائي والله أعلم. =
[ ١ / ٤٤٣ ]
من حديث أبي سلام خادم النبي ﷺ، قال ابن عبد البر: "هذا هو الصحيح، وقيل: إنه ثوبان" ذكره ميرك، وفي بعض النسخ تحت رمز الأربعة: "أبو سلام" (^١)، وتحت رمز الحاكم: "سابق"، وتحت الباقي: ["المنيذر"] (^٢).
ثم لفظ الحديث: "من قاله إذا أصبح وأمسى كان حقًّا على الله أن يرضيَه"، وفي رواية: "حتى يدخلَه الجنة".
ثم اعلم أن في بعض النسخ المعتمدة فوق "رسولًا" كتب: "نبيًّا" مرموزًا بالألف والطاء إشعارًا بأن رواية أحمد، والطبراني، بلفظ: "نبيًّا"،
_________________
(١) = ومما يؤكد الواسطة ما أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٢٠١). قال لنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن أبي عقيل هاشم بن بلال عن سابق بن ناجية عن أبي سلام عن رجل خدم النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان إذا حدث حديثا أعاد ثلاثا. ذكره الذهبي في "الميزان ": (٢/ ١٠٩) في ترجمة قال سابق بن ناجية. عن أبي سلام، ما روى عنه سوى هاشم بن بلال في قوله: رضيت بالله ربًّا.
(٢) أبو سلام هو الأسود ممطور جاء ذلك في ترجمة (هاشم بن بلال أبو عقيل الشامي) في الجرح والتعديل (٩/ ١٠٣) وتاريخ الإسلام للإمام الذهبي (٨/ ٥٥٥). وقال الذهبي في الكاشف (٦٦٧٢) أبو سلام خادم النبي ﷺ ومولاه عنه سابق بن ناجية الصحيح أبو سلام عن صحابي.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "المنذر"، وهما وجهان في اسمه.
[ ١ / ٤٤٤ ]
والباقي بلفظ: "رسولًا"، وزاد في نسخة رمز الترمذي معهما.
ويؤيده ما قال النووي في "الأذكار": "وقع في رواية أبي داود وغيره: "وبمحمد رسولًا"، وفي رواية الترمذي: "نبيًّا"، فيستحب الجمع بينهما، فيقول: نبيًّا رسولًا، ولو اقتصر على أحدهما كان عاملًا بالحديث"، انتهى.
وإنما قدم "نبيًّا"؛ لتقدم وجود النبوة على تحقق الرسالة، والأظهر أن يقول مرة: "رسولًا"، وأخرى: "نبيًّا"، ولو جمع بينهما بواو الجمع أيضًا جاز؛ إذ المراد إثبات الوصفين له.
(رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، ثلاث مرات. مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني، عن أبي سلام (^١).
(اللهم ما أصبح بي من نعمة) أي: كل ما حصل لي من منحة دينية وأخروية، أو وصل إلي من نعمة دنيوية، (أو بأحد من خلقك) هذا ليس في رواية أبي داود؛ ولذا كتب فوق "أو بأحد من خلقك": "س، حب، ي"، (فمنك وحدك) حال من الضمير المتصل في قوله: "فمنك" أي: فهو "حاصل منك منفردًا، (لا شريك لك) أي: في إيجاده وإيصاله، (فلك الحمد) أي: الثناء الجميل عليه، (ولك الشكر) أي: استحقاق وجوب الشكر علينا باللسان، والجنان، والأركان في مقابلة تلك النعمة وذلك الإحسان.
قال بعض المحققين: "الفاء في "فمنك" جواب الشرط، كما في قوله
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٩٢)، وابن السني (٦٨).
[ ١ / ٤٤٥ ]
تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ومن شرط الجزاء أن يكون مسببًا للشرط، ولا يستقيم هذا في الآية إلا [بتقديم] (^١) الإخبار، والتنبيه على الخطأ، وهو أنهم كانوا لا يقومون بشكر نعم الله تعالى، بل كانوا يكفرونها بالمعاصي، فقيل لهم: إني أخبركم بأنها من الله تعالى حتى تقوموا بشكرها، والحديث بعكسها، أي: إني أُقرّ وأعترف بأن كل النعم الحاصلة الواصلة، من ابتداء الحياة إلى انتهاء دخول الجنة منك وحدك، فأوزعني أن أقوم بشكرها، ولا أشكر غيرك"، انتهى.
والمراد بقوله: "إلى انتهاء دخول الجنة" هو التأبيد لا التقييد، ثم قوله: "فلك الحمد … " إلى آخره تقرير للمطلوب؛ ولذا قدم الخبر على المبتدإ المفيد للحصر، يعني: إذا كانت النعمة مختصّة بك، فها أنا أنقاد إليك، وأخصّ الحمد والشكر لك، قائلًا: لك الحمد لا لغيرك، ولك الشكر لا لأحد سواك.
(د، س، حب، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن عبد الله بن غنام البياضي بفتح الغين المعجمة وتشديد النون، وابن حبان، وابن السني، عن ابن عباس، بلفظ: "من [قاله] (^٢) حين يصبح (^٣)، فقد أدى شكر يومه،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "بتقدير".
(٢) كذا في (ج) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "قال".
(٣) اختصر المؤلف هنا لفظ الحديث، وذلك لأنه أورده من قبل.
[ ١ / ٤٤٦ ]
ومن قاله حين يمسي، فقد أدى شكر ليله" (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٧٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧) وابن حبان (٨٦١) وفي إسناده عبد الله بن عنبسة لم يوثقه غير ابن حبان قال الحافظ في التقريب مقبول التقريب (٣٥٤١). ومع ذلك فقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار (٢/ ٣٥٩ - ٣٦١)، إتحاف المهرة (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠). فهذا الحديث؛ قد رواه جماعة، عن سليمان بن بلال هكذا، جعلوه كلهم من مسند "عبد الله بن غنام". وخالفهم: عبد الله بن وهب؛ فرواه عن سليمان بن بلال، فجعله من مسند "عبد الله بن عباس". أخرج حديثه: ابن حبان (٨٦١)، وتابعه: سعيد بن أبي مريم، عن سليمان بن بلال. أخرج حديثه: الطبراني في "الدعاء" (٣٠٦). ولم يثبت ابن وهب على ذلك؛ فقد رواه مرة أخرى على الصواب عن ابن غنام لا عن ابن عباس. أخرج حديثه: ابن السني في "اليوم والليلة" (٤١) والطبراني (٣٠٧)، والصواب: قول من قال: "ابن غنام"، ومن قال: "ابن عباس " فقد صحف. قاله غير واحد من أهل العلم؛ منهم: أبو نعيم، وابن عساكر وغيرهما. قال أبو نعيم في "المعرفة": من قال فيه ابن عباس، فقد صحف وقال ابن عساكر في "الأطراف": هو خطأ، وقد وافق ابن وهب في رواية له الأكثر، فقال: ابن غنام، أخرجه الطبراني من رواية أحمد بن صالح، عن ابن وهب بهذا وفي "الإصابة" (٢/ ٣٤٩) في ترجمة عبد الله بن غنام. وله حديث في سنن أبي داود والنسائي في القول عند الصباح، وقد صحفه بعضهم فقال: ابن عباس =
[ ١ / ٤٤٧ ]
(اللهم عافني في بدني) أي: من الآفات المانعة عن الكمالات، أو المراد بالعافية فيه أن لا يقع من جميع أعضائه شيء من المعاصي، أو معناه: اعف عني ما صدر مني في بدني. (اللهم عافني في سمعي) أي: من (^١) الخلل الحسي أو المعنوي، بأن لا يدرك الحق، أو لا يقبله، أو يسمع ما لا يجوز سماعه.
(اللهم عافني في بصري) أي: من العمي، أو من عدم مشاهدة آيات المولى، أو من النظر إلى نحو محرم، ويؤيده ما ورد في روايةٍ: "اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي وبصري، ومن شر منيي"، وعلي كل تقدير خص السمع والبصر بعد ذكر البدن؛ لشرفهما، فإن السمع هي التي تدرك آيات الله المنزلة على الرسل، والعين هي التي تدرك آيات الله المنبثة في الآفاق، [فهما] (^٢) جامعان لدرك الآيات النقلية والعقلية، وإليه نظر قوله ﷺ: "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا".
وفي تقديم السمع -كما في الآيات وسائر الأحاديث- إيماءٌ إلى أنه
_________________
(١) = وأخرج النسائي الاختلاف فيه، وجزم أبو نعيم بأن من قال في ابن عباس فقد صحف، وانظر "تحفة الأشراف" و"النكت الظراف" (٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، وابن غنام: هو عبد الله بن غنام بن أوس بن مالك بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي، له صحبة، يعد في أهل الحجاز.
(٢) بعدها في (ج) زيادة: "كل".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "فإنهما".
[ ١ / ٤٤٨ ]
أفضل من البصر، خلافًا لمن خالف، وبيانه أنه مع فقدان البصر يتصور أن يصير الشخص مؤمنًا عالمًا كاملًا، بخلاف من فقد منه السمع، فإنه لا يتصور منه شيءٌ من ذلك كسبًا، إلا أن يعطي من عنده تعالى وهبًا، مع أن فقد السمع الخلقي يستلزم فقد النطق اللساني أيضًا، كما هو معلوم.
وفي قوله ﷺ: "أبو بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر" (^١): تصريح بما ذكرنا، والله أعلم.
وهو لا ينافي تفضيل البصر عليه، من حيث إن بعض مرئياته ذاته تعالى، إذ قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، كقوله ﷺ للصحابة: "أقرؤكم أُبَيٌّ"، مع أن الصديقَ أفضلُهم.
(لا إله إلا أنت) أي: فلا يطلب المعافاة (^٢) ولا غيرها إلا منك. (ثلاث مرات) قيد لما سبق كله، ولا يخفى أن قوله: "عافني" بمعنى: أعطني العافية، فهو من باب المفاعلة على قصد المبالغة؛ لعدم صحّة إرادة [المغالبة] (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في المعرفة (٢٢٩٤). ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٤٠١)، وضعفه. وعزاه الحافظ في الإصابة (١/ ٣٥٨) للباوردي، وقال: اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا. وعزاه المناوي (١/ ٨٩) لأبي يعلى والحاكم في تاريخه عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه عن جده، وقال ابن عبد البر: وما له غيره.
(٢) بعدها في (هـ) زيادة: "والعافية".
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "المبالغة"، وفي (هـ): "المشاركة".
[ ١ / ٤٤٩ ]
وفي "القاموس" (^١): "العافية: دفاع الله عن العبد، عافاه الله عن المكروه معافاةً وعافية: وهب له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه الله من المكروه معافاة وعافية"، فما ذكره الحنفي نقلًا عن "النهاية" (^٢) هنا أن المعافاة هي أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك، أي: يغنيك عنهم، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل: "هي مفاعلة من العفو، وهو أن يعفو عن الناس ويعفوا عنه"، فكلام مقبول، لكنه ليس في هذا المحل بمعقول.
(اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) أي: فقر القلب؛ ولذا اقترنه بالكفر؛ لحديث: "كاد الفقر أن يكون كفرًا"، وهو حيث لا يَرْضَى بالقضاء، أو يعرض له الاعتراض على رب السماء، وهذا تعليم للأمة، أو المراد من الكفر الكفران، ومن الفقر الاحتياج إلى الخلق، على وجه الكسر والمذلة، أو قلة المال مع عدم القناعة، وقلة الصبر، وكثرة الحرص.
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) أي: من أنواع عقاب فيه، أو مما يجر إلى عذابه من أنواع المعاصي (لا إله إلا أنت) أي: فلا يستعاذ إلا بك. (ثلاث مرات) على طبق ما تقدم. (د، س، ي) أي رواه: أبو داود،
_________________
(١) القاموس (ص ١٣١٣).
(٢) النهاية (٣/ ٢٦٦).
[ ١ / ٤٥٠ ]
والنسائي، وابن السني، كلهم من حديث أبي بكرة الثقفي (^١)، وفي نسخة: "من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر".
(سبحان الله) علم للتسبيح منصوب على المصدرية، كذا في "المغرب"، (وبحمده) معناه سبحتك بجميع آلائك، وبحمدك سبحتك، ذكره في "المغرب" أيضًا، والأظهر في المعنى أن يقال: أسبحه وأنزهه عما لا يليق به من الصفات السلبية، وأقوم بحمده وثنائه الجميل من النعوت الثبوتية، ويمكن أن تكون الواو زائدة، [فالمعنى] (^٢): أسبحه مقرونًا بحمده.
(لا قوة) أي: للعبد على كل حركة وسكون (إلا بالله) أي: [بإقداره] (^٣)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢١٥٥) وأحمد (٥/ ٣٦ و٣٩ و٤٤)، وابن خزيمة (٧٤٧) وابن حبان وابن أبي عاصم في السنة ٨٧٠ والترمذي (٣٥٠٣) بنحوه وقال صحيح، والنسائي (٣/ ٣٧) وفي "الكبرى" ١٢٧١ وفي (٧٨٤١ و٧٨٤٩) والحاكم (١/ ٢٥٢). وقال ابن حجر في نتائج الأفكار ٢: ٢٩٤: حسن عثمان مختلف فيه، قواه أحمد، وابن عدي، ولينه القطان، والنسائي. والحديث طرف من حديث عند البخاري في الأدب المفرد ٧٠١، وأحمد في المسند (٥/ ٤٢) وأبي داود ٥٠٩٠ والنسائي في عمل اليوم والليلة ٢٢، ٥٧٢، من طريق جعفر بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وهذا سند لا بأس به في الشواهد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢١٠).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "بمعنى".
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "باقتداره".
[ ١ / ٤٥١ ]
(ما شاء الله كان، ومما لم يشأ لم يكن) أي: سواء شاء العبد أو لم يشأ، وعلى هذا اتفق السلف، ولا عبرة بِخُلْفِ بعضِ الخَلَفِ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وفي الحديث القدسي: "تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، ويفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد" (^١).
(أعلم) أي: أنا (أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا)، اعلم أنه قيل: "ما من عامٍّ إلا خُصَّ"، فقيل: هذا أيضًا مما خص، وبيانه أن قوله: "أن الله على كل شيء قدير" خُصّ منه المحالات، حيث لم يتعلق به المشيئة، فلا [يتحقق] (^٢) به القدرة، وأن قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١] (^٣) عام لا يخص منه شيء، لأن علمه [متعلق] (^٤) بالموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل، والجزئيات والكليات، بل بما لا يكون لو كان كيف يكون.
قال ميرك: "وهذان الوصفان -أعني: العلم الشامل، والقدرة الكاملة- هما عمدة أصول الدين، وبهما يتم إثبات الحشر والنشر، ورد
_________________
(١) هذا اللفظ لا نعلم له أصلا عن النبي ﷺ (فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ٢٤٠).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(هـ)، وفي (أ): "يتعلق"، وفي (د): "تتحقق".
(٣) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: "وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا"، تكملة للفظ الحديث، والله أعلم.
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج) و(هـ): "يتعلق".
[ ١ / ٤٥٢ ]
[الملاحدة] (^١) في إنكارهم البعث؛ [لأن] (^٢) الله تعالى إذا علم الجزئيات والكليات على الإحاطة، علم الأجزاء المتفرقة المتلاشية في أقطار الأرض، فإذا قدر على جمعها إحياءً [قدر على جمعها أمواتًا] (^٣)؛ فلذلك خصهما بالذكر في هذا المقام، والله أعلم".
(د، س، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن السني؛ كلهم من حديث عبد الحميد مولى بني هاشم، عن أمه، عن بعض بنات النبي ﷺ، قال الحافظ المنذري: "أم عبد الحميد لا أعرفها"، وقال العسقلاني: "لم أقف على اسمها، وكأنها صحابية"، ذكره ميرك (^٤).
ولفظ الحديث: "من قالهن حين يصبح حفظ حتى يمسي، ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح".
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "على الدهرية".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "فإن".
(٣) من (هـ) فقط.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٠٧٥) والنسائي في الكبرى (٩٨٤٠) وعبد الحميد مولى بني هاشم قال الحافظ في التقريب "مقبول" ت (٣٨٠١) وأمه مجهولة. وتكلم الحافظ في السند إلى أن قال: عبد الحميد مولى بني هاشم مجهول، وأما أمه فلم أعرف أيهما. ولا حالها … وانظر بقية كلامه في "نتائج الأفكار" (٢/ ٣٧٥). والحديث في "ضعيف الترغيب" (٣٨٨) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠٨٠).
[ ١ / ٤٥٣ ]
(أصبحنا على فطرة الإسلام) الفطرة: الخلقة من الفطر، كالخلقة من الخلق في أنها اسم للحالة، ثم إنها جعلت اسمًا للخلقة القابلة [لدين] (^١) الحق على الخصوص، والمعنى: أصبحنا على نوع من الجبلة المتهيئة لقبول الإسلام، (وكلمة الإخلاص) أي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وإنما سميت كلمة التوحيد "كلمة الإخلاص"؛ لأنها لا تكون سببًا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص.
(وعلى دين نبينا محمد) بالجر، ويجوز رفعه ﷺ قال بعض المحققين: "كذا في الحديث، وهو غير ممتنع، ولعله ﷺ قال ذلك جهرًا، ليسمعه غيره فيتعلم"، انتهى.
والأظهر أنه ﷺ أيضًا مأمور بالإيمان بنفسه، كما سيجيء في جوابه للمؤذن عند الشهادتين قوله: "وأنا، وأنا"، وتحقيقه أنه مبعوث لجميع الخلق، وهو من أعيانهم، كما في حديث مسلم: "بعثت للخلق كافةً"، [ويدل] (^٢) عليه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الفرقان: ١]، وهو عين العالم، والله أعلم.
ويقويه أنه حيث مأمور بجميع التكليفات الشرعية من الفعلية والقولية، فكذا الأمور الاعتقادية، وبهذا يظهر كمال العبودية، وإعطاء حق الربوبية.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "للدين".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "كما يدل".
[ ١ / ٤٥٤ ]
(وعلى ملة أبينا إبراهيم)، وهو بالنسبة إلى العرب واضح؛ [لأن] (^١) جدهم من ولده إسماعيل، وأما بالنسبة [للعجم] (^٢) فإن كل نبي أبو أمته، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وفي قراءة شاذة: (وهو أب لهم)، يعني: حيث يربيهم التربية الكاملة.
فأبو النبي يكون أبا أمته، أو باعتبار تعليم التوحيد ولو بالوسائط، فإن كل معلم بمنزلة الأب، بل أولى منه؛ لأن الأب سبب الإيجاد، والمعلم موجب الإمداد، ولا يبعد أن يعتبر التغليب.
(حنيفًا) حال من إبراهيم ﵇، وهو المائل إلى دين الحق، ضد الملحد المائل إلى دين الباطل، وإن كان الحنف والإلحاد في أصل اللغة بمعنى مطلق الميل، لكن خصّا في الشرع بما ذكرنا.
(مسلمًا) أي: منقادًا لله، مطيعًا في أوامره ونواهيه، مسلّمًا له في قضائه وقدره، مخلصًا في محبته وخلته، لا يلتجئ إلى غيره، حتى قال له جبريل، عندما رمي في النار: "ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك؟ قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي" (^٣).
_________________
(١) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ): "بأنه"، وفي (ج) و(د): "لأنه".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "إلى العجم".
(٣) قال ابن تيمية: حسبي من سؤالي علمه بحالي. كلام باطل (مجموع الفتاوى (٨/ ٥٣٩).
[ ١ / ٤٥٥ ]
وهذا زبدة التوحيد، وخلاصة التفريد، أن ينحل عن قلب المريد عقدة [التقييد] (^١)، وينكشف له أن لا نفع ولا ضر للعبيد، إلا بما شاء الله ويريد، فحينئذٍ يستحق الكرامة على وجه المزيد.
(وما كان) أي: أبدًا في جميع عمره (من المشركين) أي: لا شركًا جليًّا ولا [شركًا] (^٢) خفيًّا، وفيه رد على اليهود والنصارى وغيرهما ممن يدعي النسبة إليه، وأن طريقه موافق لما هو عليه، ثم الأحوال إما متداخلة أو مترادفة.
وقال ميرك: "الحنيف: المسلم المستقيم، وقد غلب هذا الوصف على إبراهيم، وقوله: "وما كان من المشركين" من الأحوال المتداخلة تقريرًا، وصيانة للمراد تحقيقًا، [فما] (^٣) يتوهم من أنه يجوز أن يكون حالًا منتقلة، فردَّ ذلك التوهم بأنه لم يزل موحدًا ومثبته، لأنها حال مؤكدة. (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني (^٤).
(في الصباح والمساء) من حديث عبد الرحمن بن أبزى - على وزن
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (هـ): "التقليد".
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) كذا في (ج)، وهو الأنسب للسياق، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "مما".
(٤) أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ٤٠٦)، و"النسائي" في "عمل اليوم والليلة" (٢)، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١١٦) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح. قلت: وحديث عبد الرحمن بن أبزى ساقط من مطبوع الطبراني.
[ ١ / ٤٥٦ ]
أضحى -بلفظ: "كان [يقوله] (^١) في الصباح والمساء"، وقوله: (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا، لكن (في الصباح فقط) قال ميرك: "يعني: هو عند أحمد، والطبراني: في الصباح والمساء جميعًا، وعند النسائي: في الصباح فحسب"، كذا نقل عن المصنف، والمراد قوله: "أصبحنا على فطرة الإسلام … " إلى آخره، قال صاحب "السلاح": "أخرجه النسائي من طرق، ورجال إسناده رجال الصحيح"، انتهى.
ثم استأنف المصنف، وقال: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) أي: أطلب [الغيوث] (^٢) والمدد، وأستعين في كل خير، وأستعيذ من كل شر، (أصلح لي شأني) بسكون الهمزة ويبدل ألفًا، أي: حالي (كله) تأكيد له، (ولا تكلني) بفتح تاء وكسر كاف وسكون لام، من الوكول، أي: لا تتركني.
(إلى نفسي طرفة عين) أي: غمضة جَفن لها، والمعنى: لا تدعني عن نعمة الإمداد؛ لما سيأتي من قوله: "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة، وذنب وخطيئة"، وسببه أن النفس من حيث جبلتها موضوعة للأمور المذكورة، فلو خليت بدون الأمداد الإلهية والعنايات الربانية، صدر منها ما طبع فيها، وأما لو ترك الله الإنسان إلى نفسه بأن تركه عن نعمة الإيجاد، لصار معدومًا بالكلية، وهذا كله اعتراف بربوبية
_________________
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "يقول".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "الغوث".
[ ١ / ٤٥٧ ]
الحق، وإقرار بعبودية الخلق.
(س، مس، ر) أي رواه: النسائي، والحاكم، والبزار؛ كلهم (^١) عن أنس: أنه [ﷺ] (^٢) قال لابنته فاطمة أن تقوله في الصباح والمساء"، وفي رواية للنسائي، عن علي ﵁، قال: "قاتلت يوم بدر قتالًا (^٣)، ثم جئت إلى النبي ﷺ، فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، ثم ذهب فقاتلت، ثم جئت فإذا النبي ﷺ ساجد يقول: يا حي يا قيوم، ففتح الله عليه" (^٤).
(اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك) الجملة حال مقدرة أو معطوفة، وكذا قوله: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) أي: قدر استطاعتي، ومقدار طاقتي، فـ"ما" مصدرية ظرفية، قال ميرك (^٥): "أي على ما عاهدتك ووعدتك من الإيمان، وإخلاص طاعتك
_________________
(١) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١٠٤٠٥)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٥٧٠) والبزار (٦٣٦٨)، والحاكم (١/ ٧٣٠).
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) بعدها في (هـ) زيادة: "شديدًا".
(٤) أخرجه البزار (٦٦٢)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٣٧٢) وأبو يعلى (٥٣٠) قال الذهبي: غريب (سير أعلام النبلاء السيرة ص ٣٢٩) قال الهيثمي: رواه البزار، وإسناده حسن، ورواه أبو يعلي بنحوه كذلك (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٧). ذكره الحافظ في الفتح ونسبه للنسائي والحاكم وسكت عليه (فتح الباري ٧/ ٢٨٩).
(٥) أورد قول ميرك المباركفوري في تحفة الأحوذي (٩/ ٢٣٨).
[ ١ / ٤٥٨ ]
لك، [أو أنا] (^١) مقيم على ما عاهدت إليَّ من أمرك، ومتمسك به، ومستنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه، واشتراط الاستطاعة اعتراف بالعجز والقصور، عن كنه الواجب في حقه تعالى".
قال صاحب "النهاية": "واستثنى بقوله: "ما استطعت" موضع القدر السابق لأمره، أي: إن كان قد جرى القضاء أن أنقض العهد يومًا، فإني أتعلق عند ذلك إلى الاعتذار بعدم الاستطاعة في دفع ما قضيت" (^٢)، انتهى.
ويجوز أن يراد بالعهد ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، أي: أنا مقيم على الوفاء بما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيتك، أو فيما عاهدتني، أي: أمرتني في كتابك [وبلسان] (^٣) نبيك، [أو] (^٤) أنا موقن بما وعدتني من البعث والنشور، وأحوال القيامة، والثواب والعقاب، ولا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر، وغير ذلك مما لم يخطر بالبال، والله أعلم بالحال.
(أبوء) بضم الموحدة، أي: أُقرّ لك (بنعمتك على، وأبوء) أي: أعترف (بذنبي) قال المصنف (^٥): "أي: ألتزم وأرجع، وأقر وأعترف
_________________
(١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ) و(ج) و(هـ): "وأنا".
(٢) "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٣٢٤)
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "على لسان".
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "و".
(٥) أورده الشارح بتصرف في مرقاة المفاتيح (٤/ ١٦١٩).
[ ١ / ٤٥٩ ]
بالنعمة التي أنعمت بها على، و"أبوء بذنبي" معناه: الإقرار بالذنب، والاعتراف به أيضًا، لكن فيه معنًى ليس في الأول؛ لأن العرب تقول: باءَ فلان بذنبه، إذا احتمله كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه، وكذا ورد في بعض الروايات الصحيحة: "أبوء لك بنعمتك" بلفظ "لك"، وبِعَدَمِها في "ذنبي" (^١)، كما في الأصل، وهو أدب حسن" (^٢).
(فاغفر لي) أي: إذا كان الأمر كذلك من دوام إنعامك عليَّ، ونقصان ارتكاب الذنب عندي، فاغفر لي، أي: ذنبي، (فإنه) أي: الشأن (لا يغفر الذنوب) أي: جنسها، لاستثناء الكفر إجماعًا، أو جميع أفرادها بالتوبة (إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت) (^٣) أي: بأن أرجع إليه، و"ما" مصدرية أو موصولة، والمراد به غفران الأوزار وعدم الإصرار؛ ولذا ورد أنه: "سيد الاستغفار".
(خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي عن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أخي حسان بن ثابت، بلفظ: "من قالها موقنًا بها حين يمسي، فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قالها موقنًا بها حين يصبح، فمات من
_________________
(١) أخرجها البخاري (٨/ رقم: ٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس به مرفوعًا.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
(٣) كتب بجوارها في حاشية (ب): "المعنى: أعوذ بك من شر الآثام التي ارتكبتها، أي: أتحصن بك من المؤاخذة بها وسوء عاقبتها".
[ ١ / ٤٦٠ ]
يومه دخل الجنة" (^١)، ذكره ميرك.
(اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت) فهذه الجملة مؤخرة في الحديث السابق، متوسطة في اللاحق (أبوء) بدون "لك" هاهنا (بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنه) أي: بدون الفاء (لا يغفر الذنوب إلا أنت. د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي (^٢)، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٩).
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٦) وأبو داود (٥٠٧٠) وابن ماجة (٣٨٧٢)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٢٠ و٤٦٦ و٥٧٩)، والبغوي في "شرح السنة" (١٣٠٩)، والمنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها (٤٦٥)، والمقدسي في "الترغيب في الدعاء" (ص ١٥٨) ابن حبان (١٠٣٥)، والطبراني في "الدعاء" (٣٠٩)، ومن طريقه المزي في "التهذيب" (٢٨/ ٥٠٠) عن الوليد بن ثعلبة الطائي، عن عبد الله بن بريدة، فذكره. رواه عنه (زهير بن معاوية، وإبراهيم، وعيسى بن يونس) وفي رواية زهير: ابن بريدة. وتوبع الوليد بن ثعلبة، فرواه الطبراني في "الدعاء" (٣٠٩)، ومن طريقه المزي في "التهذيب" (٢٨/ ٥٠٠) ثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقي ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل ثنا جعفر الأحمر عن المنذر بن ثعلبة عن ابن بريدة عن أبيه. المنذر بن ثعلبة ثقة وابن بريدة هو عبد الله مذكور في شيوخه. واختلف فيه عن عبد الله بن بريدة في سنده ولفظه: =
[ ١ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرواه حسين بن ذكان قال ثنا عبد الله بن بريدة عن بشير بن كعب عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال سيد الاستغفار اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أعوذ بك من شر ما صنعت إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة أو كان من أهل الجنة وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٢ و٤/ ١٢٥)، والنسائي في "الكبرى" (٧٩٦٣)، ابن أبي شيبة (٢٩٤٣٩) عبد بن حميد (١٠٦٣» والبخاري (٥٩٦٤ و٥٩٤٧)، وفي الأدب المفرد (٦١٧) النسائي (٨/ ٢٨٠) وفي "الكبرى" (٩٨٤٧ (١٠٢٩٨ (١٠٤١٦) الطبراني في "معجمه الكبير" (٧/ ٢٩٢/ ٧١٧٢)، وفي "معجمه الأوسط" (١٠١٤) ابن حبان (٩٣٢ و٩٣٣) كلهم عن حسين بن ذكوان. قال أبو عبد الرحمن: "حسين أثبت عندنا من الوليد بن ثعلبة وأعلم بعبد الله بن بريدة وحديثه أولى بالصواب". وقال أبو حاتم: سمع هذا الخبر عبد الله بن بريدة عن أبيه وسمعه من بشير بن كعب عن شداد بن أوس فالطريقان جميعا محفوظان. قلت: ومما يؤكد ذلك أنه عن شداد بن أوس، ما أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (٧/ ٢٩٦) رقم (٧١٨٥)، وفي "معجمه الأوسط" (٤٥٦٠) ثنا عبدان بن أحمد قال ثنا محمد بن مرداس قال ثنا جارية بن هرم عن اسحاق بن سويد العدوى عن العلاء بن زياد عن شداد بن اوس مرفوعا نحوه. وما أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٤٤٠)، والطبراني في "معجمه الكبير" (٧/ ٢٩٧/ ٧١٨٩) عن زيد بن حباب حدثني كثير بن زيد المدني حدثني المغيرة بن سعيد بن نوفل عن شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ. =
[ ١ / ٤٦٢ ]
"الأذكار" (^١): "إذا قال ذلك حين يصبح ويمسي، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدًا".
(اللهم أنت) أي: وحدك (أحق من ذُكرَ) بصيغة المجهول، أي: [أولاهم] (^٢) وأثبتهم، والمعنى: ذِكْرك أليق وأحرى من ذِكْر كل مذكور؛ ولذا قال الصديق الأكبر: "ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله" (^٣).
أو: أنت وأنبياؤك وأوليا ؤك حق ذكرُهم، ومن سواهم باطلٌ [ذكرهم] (^٤)، فـ "أفعل" للمبالغة في نفس الفعل لا [لزيادته] (^٥)، وهو المناسب لقوله: (وأحق من عُبِدَ)، لأن من عبد من دون الله فهو باطل لا محالة (^٦).
_________________
(١) = قلت: ومغيرة بن سعيد بن نوفل هو الحجازي مجهول، يروى عن شداد بن أوس روى عنه كثير بن زيد. الثقات لابن حبان (٥/ ٤٠٧) وخولف زيد في سنده خالفه عبد العزيز بن أبي حازم وسليمان بن بلال فقالا عن كثير عن ابن ربيعة وقولهما أصح: فرواه الترمذي (٣٣٩٣) ثنا الحسين بن حريث ثنا عبد العزيز بن أبي حازم كثير بن زيد عن عثمان بن ربيعة عن شداد بن أوس.
(٢) "الأذكار" للنووي (١/ ٧٦).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "أولهم".
(٤) ذكر قولَ الصديقِ المصنفُ في مرقاة المفاتيح (١/ ١٠٦).
(٥) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ): "فذكرهم"، وفي (ج) و(د): "فكرهم".
(٦) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "الزيادة".
(٧) كتب بجوارها في حاشية (ب): "اسم التفضيل في هذا أو أمثاله جاء على أحد =
[ ١ / ٤٦٣ ]
(وأنصرُ من ابتغي) بكسر النون ويضم، والفعل بصيغة المجهول، أي: طلب منه النصرة، فـ "أَنْصَرُ" بمعنى أكثر نصرة وإعانة، (وأرأف من ملك) أي: أرحم المالكين، (وأجود من سئل) أي: أكرم المسئولين، (وأوسع من أعطى) أي: أكثر [إعطاءً] (^١) من جميع المحسنين.
(أنت الملك) أي: السلطان الحقيقي، (لا شريك لك) أي: في ملكك، وإنما تعطي بعض الملك [من] (^٢) تشاء، (والفرد) أي: أنت الواحد بالذات، المنفرد بالصفات (لا نِدَّ لك) بكسر النون وتشديد الدال، أي: لا مثل ولا نظير، على ما في "الصحاح" (^٣).
وقال في "النهاية": "الند هو مثل الشيء يضاده في الأمور" (^٤)، نقله ميرك، واقتصر عليه الحنفي، والأصح الإطلاق على ما في "الصحاح"، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، ولما يقال: لا ند له، ولا ضد له.
(كل شيء هالك) أي: قابل للفناء (إلا وجهك) أي: ذاتك، ومنه قوله
_________________
(١) = استعماله من اعتبار الزيادة المطلقة من غير مشاركة في الوصف؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الله، ومن هذا الاستعمال: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ و﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، وقوله: العسل أحلى من الخل".
(٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "عطاءً".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "لمن".
(٤) "الصحاح" (٢/ ٥٤٣).
(٥) "النهاية" (٥/ ٣٥).
[ ١ / ٤٦٤ ]
تعالى -تغليبًا لذوي العقول-: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ومنه قول لبيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله بَاطِلٌ (^١)
وقيل: "كل شيء من المخلوقات يهلك ويعدم، فيوجد ويبقى أنا، فـ "أنا" قياسا للذوات الفانية على الأعراض التي هي بالاتفاق غير باقية".
(لن تطاع) بضم أوله، أي: لن [ينقاد للطاعة لك] (^٢) (إلا بإذنك) أي: بتوفيقك ورضاك (^٣)، (ولن تعصى إلا بعلمك) أي: بأن العاصي غير قابل للتوفيق إلى سواء الطريق، فعصيانه مقرون بالخِذلان، ومتعلق بعلمك في جميع الأحيان، فتعامله بمقتضى علمك، وفيه إشعار بأن المعصية ليست بإذنه وأمره مع أن الكل بإرادته وعلمه.
(تطاع فتشكر) بصيغة الفاعل، أي: فتثني وتجازي، (وتعصى فتغفر) أي: أو فتعاقب، فهو من باب الاكتفاء، ولم يعكس إيماءً إلى غلبة الرحمة وكثرة المغفرة، مع أن مقام المدح يقتضي ذلك.
(أقرب (^٤) شهيد) أي: أنت أقرب كل حاضر إيماء إلى قوله تعالى:
_________________
(١) "ديوان لبيد بن ربيعة" (صى ١٣٢)، والبيت من الطويل.
(٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج): "تنقاد بالطاعة"، وفي (د): "تتقى بالطاعة".
(٣) كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: بتيسيرك وتسهيلك".
(٤) كتب بجوارها في حاشية (ب): "خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنت أقرب، ويصح نصبه على النداء، أي: يا أقرب".
[ ١ / ٤٦٥ ]
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، أو الشهيد بمعنى العالم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
ثم اعلم أنه إذا اعتبر علم الله تعالى مطلقًا فهو "العليم"، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو "الخبير"، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو "الشهيد" (^١).
(وأدنى حفيظ) أي: أقرب كل حافظ، (حُلْتَ) بضم الحاء من الحيلولة، بمعنى المنع (دون النفوس) أي: عندها عن مراداتها، أو فوقها بمعنى: غلبتها في مقصوداتها، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، أي: يحجبه ويمنعه عن مراده؛ ولذا قيل: "عرفت الله بفسخ العزائم" (^٢).
وحاصله: أنه يملك على قلبه يصرفه كيف يشاء، وفي "تفسير الجلالين": "أي: فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته" (^٣)، وقال الحنفي: "هو مِنْ: حالَ بين الشيئين، إذا منع أحدهما عن الآخر، أو مِن: حال الشخص، إذا تحرك، فالمعنى على الأول: أنه تعالى حال بين
_________________
(١) ذكره بمعناه أبو حامد الغزالي في "المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى" (١/ ١٢٦).
(٢) أورده ابن تيمية في "الاستقامة" (٢/ ٨٧) عن بعض الصوفية.
(٣) "تفسير الجلالين" (صـ ٢٣٠).
[ ١ / ٤٦٦ ]
الأشخاص ونفوسها، وعك الثاني: أنه تحرك حول [النفس] (^١)، وأحاط بها" (^٢)، انتهى.
ولا يخفى أن إطلاق التحرك حول [النفس] (^٣) على الله غير صحيح، فالصواب أن يراد المعنى الأول، فتأمل؛ فإنه موضع الزلل. وتحرير المعنى: أنه يمنع بين النفوس ومراداتها، أو بين الأشخاص ومشتهيات نفوسهم ومقصوداتها.
(وأخذت) يجوز قراءته بالإظهار والإدغام (بالنواصي) الباء للتعدية، والناصية: الشعر الكائن في مقدم الرأس على ما في "الصحاح" (^٤)، وأخذها كناية عن الاستيلاء التام، والتمكن من التصرف الكامل، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦].
والظاهر: أن معنى الحديث أعم، حيث يراد بالنواصي نواصي جميع الأشياء، ولعل ذكر الدابة في الآية تغليب.
(وكتبت الآثار) أي: أثبتت الأعمال في اللوح، أو عند نفخ الرُّوح، (ونسخت الآجال) أي: بينت الأعمار كذلك.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(هـ): "النفوس".
(٢) "النهاية" (١/ ١٠٨٨).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "النفوس".
(٤) لم أجده في "الصحاح" لكنه في "تهذيب اللغة" للأزهري (١٢/ ٢٤٤) بلفظ: "الناصية: هي قُصاصُ الشّعَر في مقدَّم الرأس".
[ ١ / ٤٦٧ ]
(القلوب لك مفضية) اسم فاعل من الإفضاء، بمعنى الاتساع (^١)، قال المصنف: "أي: متسعة منشرحة" (^٢)، وفي نسخة: "مضيئة" من الإضاءة، والظاهر أنها مصحفة، (والسر عندك علانية) بتخفيف الياء، أي: كالعلانية في تعلق العلم، (الحلال مما أحللت) أي: ما حكمت بإحلاله، (والحرام مما حرمت) أي: ما قضيت بحرمته، وفيه رد [التحسين] (^٣) العقلي وتقبيحه، (والدين) وهو ما يتدين به من الأحكام الأصولية والفروعية (ما شرعت) أي: ما جعلته مشروعًا، (والأمر) أي: جميع الأمور الواقعة في الكون (ما قضيت) أي: ما قدرته وحكمت به، (والخلق خلقك) (^٤) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، (والعبد عبدك) اللام للاستغراق أو للعهد، (وأنت الله الرءوف الرحيم).
(أسألك بنور وجهك) أي: متوسلًا بنور ذاتك (الذي) صفة للنور، أو الوجه (أشرقت له) أي: أضاءت واستنارت لأجله (السماوات) أي: بجميع طبقاتها المستعلية بعضها فوق بعض، بين كل سماء وسماء
_________________
(١) كتب بجوارها في حاشية (ب): "وقال الزبيدي: أفضى إلى فلان: وصل إليه، فمعنى مفضية: واصلة، والوصول إلى الله وصول إلى علمه".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "للتحسين".
(٤) كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: كل مخلوق خلقك، أي: أنت خلقته، والعبد، أي: كل عبد عبدك، أو هذا العبد، أي: المتكلم".
[ ١ / ٤٦٨ ]
مسافة خمس مئة عام، وكذا غلظ كل سماء (والأرض) أي: وكذا طبقات الأرض السبع وما بينها، وإنما أفردت لاتفاق طبقاتها الترابية، أو لصغرها، فإنها بجنب السماء كحلقة في فلاة، فجمع السماء لكبرها أو لاختلاف طبقاتها، وتقديمها لشرفها، فإنها مقر الملائكة المقربين، وأرواح الأنبياء والمرسلين، وفيها الجنة ومراتب العليين.
(وبكل حق هو لك) أي: على السائلين وغيرهم، (وبحق السائلين عليك) بناء على ما وعدتهم من الإجابة، وكأنه سأل الله تعالى متوسلًا بحقوق الله تعالى على مخلوقاته، وبحقوق السائلين عليه تعالى.
والظاهر: أن حق الله هو إطاعته وثناؤه، والعمل بأوامره، والنهي عن زواجره، وحق العباد على الله ثوابهم الذي وعدهم به، فإنه واجب الإنجاز ثابت الوقوع، [بوعده] (^١) الحق وإخباره الصدق.
(أن تقيلني) مفعول ثانٍ لـ "أسألك"، قال المصنف: "هو بضم التاء، من: أقاله عثرته، إذا تجاوز عنها، أي: تتجاوز عن ذنوبي" (^٢) (في هذه الغداة) بفتحتين بعدهما ألف، ويكتب بالواو كالصلاة، وفي نسخة بضم فسكون ففتح واو، وهما لغتان بمعنى البكرة، وهي أول النهار، فيقوله إذا أصبح.
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "لوعده".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
[ ١ / ٤٦٩ ]
(أو: في هذه العشية) أي: إذا أمسى، فـ "أو" للتنويع، لا للترديد، ولا للتخيير، حيث لا يجوز الجمع بينهما، ولا انعكاسهما، (وأن تجيرني) من الإجارة، أي: وأن تخلصني (من النار بقدرتك) أي: على كل شيء، [حيث] (^١) لا تعجز ولا تتوقف على حصول سبب، فيئول إلى أنه كأنه قال: بفضلك وكرمك.
(ط، طب) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، وفي "الدعاء" له أيضًا، عن أبي أمامة الباهلي، وصححه الحافظ عبد الغني، ولفظه (^٢): "من قاله، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، وأثابه عتق عشر [رقبات] (^٣)، وأجاره من الشيطان" (^٤).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "بحيث".
(٢) لم أقف على هذه الزيادة.
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "رقاب".
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨/ ٢٦٤) رقم (٨٠٢٧) وفي "الدعاء" (٣١٨) من حديث أبي أمامة الباهلي به مرفوعًا، ولكن بدون قوله: "من قاله، كتب له عشر حسنات … " إلى آخره. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١١٧): "فيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه"، وقال الذهبي في المغني (٢/ ٥١٠): فضال بن جبير أبو المهند صاحب أبي أمامة، قال ابن عدي أحاديثه غير محفوظة، وقال الكتاني عن أبي حاتم ضعيف الحديث. وقال الألباني في الضعيفة (٦٢٥٣): ضعيف جدًّا.
[ ١ / ٤٧٠ ]
(حسبي الله) أي: كافيَّ في جميع أموري هو الله، وقال بعض العارفين: "حسبي ربي من كل مُرٍّ بي" (لا إله إلا هو) استئناف بيان لما سبق، أو توطئة لقوله: (عليه توكلت) أي: عليه اعتمدت لا على غيره، فلا أرجو [و] (^١) لا أخاف إلا منه؛ لقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، ولقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]، وفي آية: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾.
(وهو رب العرش العظيمِ) بالجر على أنه صفة للعرش، وفي رواية بالرفع على أنه صفة الرب، والأول أبلغ، والمراد بالعرش الملك العظيم، أو الجسم [الأعظم] (^٢) المحيط الذي [تنزل] (^٣) منه الأحكام والمقادير (سبع مرات) لعل الحكمة في اعتبار هذا العدد لمحافظة الأعضاء السبعة، وإيماء إلى سبع سماوات طباقًا ومن الأرض مثلهن، المحيط بجميعها العرش العظيم، ولعله بهذا الاعتبار سبع: الطواف، والسعي، ورمي الجمرات.
(ي) أي: رواه ابن السني عن أبي الدرداء، ولفظه: "من قال ذلك (^٤)
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "أو".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "العظيم".
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "يتنزل".
(٤) كتب بجوارها في حاشية (ب): أي: صادقًا كان أو كاذبًا، أي: في توكله. وروي =
[ ١ / ٤٧١ ]
كل يوم حين يصبح وحين يمسي كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة" (^١).
(لا إلى إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات) (^٢)، وهو أقل العدد الذي تجاوز عن حد الآحاد.
(س، حب، أ، ط، ي) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وأحمد، عن أبي أيوب الأنصاري (^٣)، والطبراني، وابن السني؛ كلاهما عن أبي هريرة (^٤).
_________________
(١) = أن: "من قالها عشرًا، كفاه الله شر ما خلق". وورد في حديث ضعيف أن النبي ﷺ قال: "من لزم قراءة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ …﴾ إلى آخر السورة، لم يمت هدمًا ولا غرقًا ولا ضربًا بالحديد".
(٢) أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧١) من حديث أبي الدرداء به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٢٨٦): "منكر".
(٣) أورده أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٧)، وقال: رواه أحمد، والطبراني باختصار، وفي إسناد أحمد محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وفي إسناد الطبراني محمد بن أبي ليلى، وهو ثقة سيئ الحفظ، وبقية رجالهما ثقات.
(٤) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩٧٦٨)، وابن حبان (٢٠٢٣)، وأحمد (٥/ ٤١٥)، والطبراني في "الكبير" (٤/ ١٦٤) رقم (٣٨٨٤، ٤٠١٥، ٤٠٩٣)؛ كلهم من حديث أبي أيوب الأنصاري به مرفوعًا. وقد صحح الألباني الحديث بمجموع طرقه كما في "السلسلة الصحيحة" (٢٥٦٣).
(٥) أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧٢) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وكلام الشارح يوهم أن الحديث في "الكبير" من حديث أبي هريرة، وليس الأمر كذلك؛ حيث لا يوجد مسند لأبي هريرة في "الكبير"؛ قال الذهبي =
[ ١ / ٤٧٢ ]
(سبحان الله العظيم) يكتب فوق "العظيم": حرف الدال، وفي نسخة: "حب" ولفظ "عو"؛ ليدل على أنه من زيادتهما. (وبحمده، مئة مرة) قال المؤلف: "قوله: "حسبي الله … " إلى آخره سبع مرات، وكذا: "لا إله إلا الله وحده … " إلى آخره عشر مرات، و"سبحان الله وبحمده مئة مرة"، ونحوه مما نص على العدد فيه، لو زاد العدد، حصل له الثواب [المترتب] (^١) عليه، والأجر بما زاد، وليس هذا من الحدود التي نهى الله تعالى عن اعتدائها، ومجاوزة أعدادها، [أو أن] (^٢) زيادتها لا فضل فيها أو [تبطلها] (^٣)، كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، وبالغ بعض الناس فقال: "إن الثواب الموعود به على العدد المعين، فلو زاد لم يحصل له ما وعد عليه؛ لأن هذا العدد المعين له سر وخاصية رتب عليه ما ذكر، فلو زاد تبطل الخاصية"، وهذا غلط ظاهر، وقول لا يلتفت إليه، بل الصواب كما قال الشاعر: ومن زاد زاد الله في حسناته (^٤) " (^٥)، انتهى.
_________________
(١) = في "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ١٢٢): ""الكبير" هو معجم أسماء الصحابة وتراجمهم وما رَوَوْه، لكن ليس فيه مسند أبي هريرة، ولا استوعبَ حديثَ الصحابة المُكثرين".
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب) و"مفتاح الحصن الحصين": "المرتب".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و"مفتاح الحصن الحصين": "وأن".
(٤) كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي جميع النسخ: "يبطلها".
(٥) أورده أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني" (١٠/ ٤٩).
(٦) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
[ ١ / ٤٧٣ ]
ولا يخفى أن زيادة الطهارة غير مبطلة أصلًا، وكذلك زيادة الركعات في بعض الصور.
(م، د، ت، س، مس، حب، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود (^١)، والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن حبان، وأبو عوانة (^٢)؛ كلهم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مئة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه" (^٣)، ذكره ميرك.
والظاهر من [لفظة] (^٤) "أو" أن من قال مثل قول القائل يكون أفضل مما جاء به، ومن زاد عليه يكون أيضًا أفضل، ولا إشكال في الزيادة، فإن الثواب بقدر العمل، فمن زاد عليه مرة يكون ثوابه أكثر.
وأما [أفضلية] (^٥) من قال مثله، فمشكل؛ لأنه يقتضي المساواة لا الأفضلية، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة غير مرضية، منها: أنه قال
_________________
(١) بهذا اللفظ: "لم يواف أحد من الخلائق بمثل ما وافى".
(٢) لم أقف عليه في مستخرج أبي عوانة في المطبوع وعزاه له ابن حجر في إتحاف المهرة (١٨٢٢٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٩١، ٢٦٩٢)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٦٨، ٣٤٦٩)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٣٢٧، ١٠٥٩٣)، والحاكم (١/ ٥١٨)، وابن حبان (٨٢٩، ٨٥٩، ٨٦٠)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٤) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "لفظ".
(٥) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "فضيلة".
[ ١ / ٤٧٤ ]
مثله في العدد، لكنه أخلص في القبول، والجواب الصحيح أن يقال (^١): الاستثناء وإن كان في الظاهر من النفي لكن في الحقيقة من الإثبات، والمعنى: أن من قال ذلك أتى بأفضل مما جاء به كل أحد إلا أحدًا قال مثل ذلك، فإنه مساوٍ له، أو زاد عليه، فإنه أفضل منه.
والأظهر أن يقال: الاستثناء منقطع، فالمعنى: لم يأت أحد بأفضل مما جاء به، لكن أحدًا قال مثل ما قال يساويه، أو زاد، فإنه يزيد ويفضل.
قال ميرك: "والمراد بالأفضل منه جنس أذكاره؛ لأنه أفضل الأدعية، لا أنه أفضل من جميع الأعمال، فإن الإيمان وكثيرًا من الطاعات أفضل منه"، انتهى.
وفيه أن الإيمان غير داخل في الطاعات العملية القابلة للكمية والكثرة العددية، ولا [للزيادة] (^٢) -عند المحققين من العلماء- الكلامية، على أن "زاد" يحتمل (^٣) الكمية والكيفية، فإنه ربما يعمل عملًا وَاحدًا من الأعمال الفاضلة بحيث يزيد ثوابه على الذكر المذكور مئة، أو أكثر، والله أعلم.
(سبحان الله، مئة مرة، الحمد لله، مئة مرة، لا إله إلا الله مئة مرة، الله أكبر مئة مرة. ت) أي: رواه الترمذي عن ابن عمرو، بالواو خلافًا لما في
_________________
(١) بعدها في (د) زيادة: "إن".
(٢) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "لزيادة".
(٣) بعدها في (ج) و(د) زيادة: "في".
[ ١ / ٤٧٥ ]
بعض النسخ، والدليل عليه ما ذكره ميرك أنه: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقال: "حسن غريب"، ولفظ الحديث (^١): "من سبح الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن حج مئة حجة، ومن حمد الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن حمل على مئة فرس في سبيل الله، أو قال: غزا مئة غزوة، ومن هلل الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، ومن كبر الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، لم يأت أحد في ذلك اليوم بأكثر عملًا أتى به إلا من قال مثل ما قال، أو زاد على ما قال" (^٢).
(ويصلي على النبي ﷺ عشر مرات) (^٣) أي: صباحًا ومساءً. (ط) أي: رواه الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "من صلى على حين يصبح
_________________
(١) أورده المباركفوري في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح رقم (٢٣٣٦) وقال: في سنده الضحاك بن حُمْرة الأملوكي. قال ابن معين في تاريخه (٤/ ٣٧٩): الضحَّاك بن حمرَة واسطي وَكَانَ أَصله شاميا وَلَيْسَ بِشَيْء، وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ (٣/ ١٤٢٤): الضَّحَّاك مَتْرُوك الحَدِيث.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧١). قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٣١٥): "ضعيف".
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٠) وقال: رواه الطبراني بإسنادين، وإسناد أحدهما جيد، ورجاله وثقوا. والمنتقى الهندي في كنز العمال (١/ ٤٩٢) وعزاه للطبراني عن أبي الدرداء. والسيوطي في الجامع الصغير (١١٣٠٣) وعزاه كذلك للطبراني في الكبير، لكن لم أقف عليه في المطبوع من المعجم الطبراني.
[ ١ / ٤٧٦ ]
عشرًا وحين يمسي عشرًا، أدركته شفاعتي يوم القيامة" (^١).
(وإن ابتلي بهَم ودَين، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) قال المصنف: "بضم الحاء وإسكان الزاي وبفتحهما، ضد السرور" (^٢)، قال ميرك: "الهم: الكرب الذي ينشأ عند ذكر ما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم: ما يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن: ما يحصل لفقد ما يشق على المرء فقده، وقيل: الهم هو الذي يذيب الإنسان" (^٣).
قال الحنفي: "هو عامّ في أمور الدنيا والآخرة"، قلت: لا يتعوذ من هم الآخرة، فإنه محمود، وقد ورد: "من جعل [الهم] (^٤) همًّا واحدًا، همَّ الدين، كفاه الله هم الدنيا والآخرة" (^٥).
(وأعوذ بك من العجز) (^٦) أي: في تحصيل الكمال، وقال المصنف:
_________________
(١) لم أجده في المطبوع من معجم الطبراني، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٧٨٨): "ضعيف".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
(٣) أورده المباركفوري في مرعاة المفاتيح بشرح مشكاة المصابيح (٨/ ٢٠١).
(٤) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "الهموم".
(٥) أخرجه ابن ماجه (٢٥٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٤٣١٣) كلاهما عن عبد الله بن مسعود.
(٦) كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: القصور عن فعل الشيء ضد القدرة، فهو ما لا يستطيعه الإنسان، والكسل ترك الشيء والتواني عنه مع كونه يستطيعه".
[ ١ / ٤٧٧ ]
"العجز: ترك ما يجب فعله بالتسويف" (^١)، انتهى. وينبغي أن يزيد على ما يجب فعله، أو ينبغي ليشمل العجز عن الفرض وغيره من الطاعة (والكسل) أي: التثاقل في الأعمال، وقال ميرك: "هو التثاقل عن الأمر المحمود مع وجود القدرة عليه" (^٢).
قلت: ولذا ذم المنافقون بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، فمن كان له كسل من جهة تعب، أو مرض، أو ضعف، أو كبر، فلا يدخل في الذم.
(وأعوذ بك من الجبن) بضم فسكون، وقال المصنف: "هو بضم الجيم وإسكان الباء [وبضمها] (^٣): صفة الجبان (^٤) " (^٥)، انتهى. وهو الخوف من العدو، بحيث يمنعه عن المحاربة، أو يحمله على الموافقة معه، وهو يشمل العدو [الكافر] (^٦) الصوري [أو] (^٧) المعنوي المعبر عنه بالنفس والشيطان.
(والبخل) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحهما، وقرئ بهما في السبعة،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
(٢) أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (٤/ ١٦٩٨).
(٣) كذا في (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و(ج) و(د): "وبضمهما".
(٤) الصحاح (٥/ ٢٠٩٠).
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
(٦) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "والكافر".
(٧) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "و".
[ ١ / ٤٧٨ ]
وقال المصنف: "فيه أربع لغات وقرئ بها؛ وهن: ضم الباء والخاء، وفتحهما، وضم الباء، وفتحها؛ مع إسكان الخاء" (^١).
(وأعوذ بك من غلبة الدين) (^٢) وفي معناه: "ضَلَع الدين" بفتح الضاد واللام على ما في رواية (^٣)، يعني: ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاستقامة (^٤)، وفي حديث: "الدَّين شين الدِّين" (^٥)، وفي حديث آخر: "لا هَمَّ إلا هَمُّ الدَّين، ولا وجعَ إلا وجعُ الْعَيْن" (^٦).
(وقهر الرجال) وفي رواية: "غلبة الرجال" (^٧)، وكأنه يريد به هيجان النفس من شدة الشبق، وإضافته إلى المفعول، أي: يغلبهم ذلك، وإلى هذا [سبق] (^٨) فهمي، [ولم] (^٩) أجده في "تفسيره"، كذا قاله
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
(٢) كتب بجوارها في حاشية (ب): "استيلائه وكثرته".
(٣) الحديث بهذه الرواية أخرجه البخاري (٢٨٩٣، ٦٣٦٣، ٥٤٢٥، ٦٣٦٩) من حديث أنس به مرفوعا، دون تقييد له بالذكر عند الصباح أو المساء.
(٤) انظر غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ١٦).
(٥) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٣١) من حديث معاذ بن جبل.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٠٦٤)، وفي الصغير (٨٥٤).
(٧) الحديث بهذه الرواية أخرجه البخاري (٢٨٩٣، ٦٣٦٣، ٥٤٢٥، ٦٣٦٩) من حديث أنس به مرفوعا، دون تقييد له بالذكر عند الصباح أو المساء.
(٨) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "يسبق".
(٩) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "فلم".
[ ١ / ٤٧٩ ]
التوربشتي (^١).
والأظهر أنه من باب الإضافة إلى الفاعل، والمراد قهر السلاطين، وغلبة الظالمين، وجور المبتدعين، وقال ميرك: "ويحتمل أن يراد بالرجال الدائنون، [و] (^٢) استعاذ من الدين وغلبة الدائنين، مع العجز عن الأداء" (^٣).
قلت: هما متلازمان غالبًا، والمعنى التأسيسي أولى من المعنى التأكيدي.
(د) أي رواه: أبو داود عن أبي سعيد (^٤)، وفي "الجامع": "رواه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أنس (^٥) " (^٦)، ولفظه: "ضَلَع الدَّين"، وروى صاحب "الفردوس" عن أنس أن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) أورده السيوطي في قوت المغتذي (٢/ ٨٥٩)، الشارح في مرقاة المفاتيح (٤/ ١٦٩٨).
(٢) زيادة من (ج) فقط.
(٣) أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (٤/ ١٦٩٨).
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٥٥) من حديث أبي سعيد الخدري به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠٢): "إسناده ضعيف".
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٩) و(٣/ ٢٢٠) و(٣/ ٢٢٦) و(٣/ ٢٤٠)، والبخاري (٢٨٩٣) و(٥٤٢٥) و(٦٣٦٣، ٦٣٦٩)، ومسلم (٢٧٠٦)، وأبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (٣٤٨٤)، والنسائي في "الصغرى" (٥٤٥٣، ٥٤٧٦)؛ كلهم من حديث أنس مرفوعًا.
(٦) "صحيح الجامع" (: ١٢٨٩).
[ ١ / ٤٨٠ ]
"من قال يوم الجمعة: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، سبعين مرة، لم تمرَّ به جمعتان حتى يُغنيه الله تعالى" (^١)، وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي (^٢).
(إلى هنا) أي: من أول العنوان إلى هذا المكان (يقال في الصباح والمساء جميعًا) تأكيد لدفع توهم أن يكون الواو بمعنى "أو".
(ولكن يقال في المساء مكان أصبح) أي: في مكانه، أو بدله (أمسى)،
وكذا مكان "أصبحت" "أمسيت"، ومكان "أصبحنا" "أمسينا"، (ومكان "هذا اليوم" "هذه الليلة") (^٣) بالرفع على نيابة الفاعل، وفي نسخة: بالجر على الحكاية.
(ومكان التذكير) أي: تذكير الضمير (التأنيث) بالرفع، أي: تأنيث الضمير، (ومكان "النشور" "المصير" كما كتبنا) أي "كتبناه" كما في نسخة (بالحمرة)، كذا في: "أصل الأصيل"، وهو الأصح الواضح، وفي
_________________
(١) أخرجه الديلمي في "الفردوس" (: ١٩٠٧)، ولكن من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٥٣)، والترمذي (٣٥٦٣)؛ كلاهما من حديث على بن أبي طالب به مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الألباني: "حسن الإسناد".
(٣) كتب بجوارها في حاشية (ب): "يقال: المعنى المراد باليوم في ذكر الصباح، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد بالليلة في ذكر المساء من الغروب إلى الفجر".
[ ١ / ٤٨١ ]
"أصل الجلال": "في الحمرة"، فهي بمعنى الباء كما عدها صاحب "القاموس" من معانيها (^١)، (فوق كل كلمة).
(ويزاد في المساء فقط):
(أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله)، وهذه الجملة سبقت في أذكار الصباح أيضًا، ولكن خصت هنا بالمساء باعتبار ما بعدها، وهو (أعوذ بالله الذي يمسك السماء) أي: يحفظها ويمنعها (أن تقع) أي: من أن تقع، أو كراهة أن تقع، أو لئلا تقع، أي: تسقط (على الأرض إلا بإذنه) أي: إلا مقرونًا بإرادته وأمره وقدرته، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال (من شر ما خلق) أي: أوجده على وفق التقدير، وهو شامل لجميع الموجودات (وذرأ) تخصيص بعد تعميم، وكأن الذرء مختص بخلق الذرية، وهي نسل الثقلين على ما في "الصحاح" (^٢).
(وبرأ) [البرء] (^٣) مخصوص بخلق النسمة، وهي ذات الرُّوح؛ إذ قلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برء الله النسمة.
هذا، ولعل وجه تخصيص هذا الدعاء بوقت المساء، [بحيث] (^٤) إن
_________________
(١) "القاموس" (٤/ ٣٦٨).
(٢) "الصحاح" (١/ ٥١)
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "والبرء".
(٤) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "حيث".
[ ١ / ٤٨٢ ]
الليل أدهى بالويل، وهو وقت تحرك الحشرات، وانتشار الجن في الظلمات، وتردد الفسقة والسرقة في تلك الأوقات.
(ط) أي: رواه الطبراني عن ابن مسعود (^١).
(ويزاد في الصباح فقط: أصبحنا وأصبح الملك الله والكبرياء) أي: الذاتية (والعظمة) أي: الصفاتية، ويشير إلى المعنيين حديث: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته" (^٢) أي: أهلكته.
(والخلق) أي: الموجود التدريجي، (والأمر) أي: المخلوق الآن الموجود بـ "كن"، (والليل والنهار وما يضحى) قال المصنف: "هو بفتح الياء وإسكان الضاد المعجمة وفتح الحاء، أي: يبرز ويظهر" (^٣)، انتهى. وفي نسخة بضم الياء وكسر الحاء، أي: وما يدخل في وقت الضحوة، لكنه غير مناسب لقوله: (فيهما) أي: في الليل والنهار، اللهم إلا أن يتكلف أنه فيهما في الجملة، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ
_________________
(١) لم أجده في "الكبير"، ولكنه في "الأوسط" (٤٢٩١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ رقم: ١٧٠١٨): "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف".
(٢) أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٧٩) بهذا اللفظ، وهو عند مسلم (٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا، ولكن بلفظ: "الغز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
[ ١ / ٤٨٣ ]
وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أي: من البحرين، مع أن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح، فالمعنى من مجموعهما لا من جميعهما، ثم قوله: (لله) خبر عن المبتدإ السابق، وهو "الكبرياء" وما عطف عليه، فالكل لله (وحده) أي: منفردًا (لا شريك له).
(اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحًا) أي: بصرفه في الطاعات، (وأوسطه فلاحًا) أي: ظَفَرًا على حصول الحاجات، (وآخره نجاحًا) أي: نجاة من الآفات، وقال الطيبي (^١) "أي صلاحًا في ديننا، بأن يصدر منا ما ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك، ثم اشغلنا بقضاء ما ينافي دنيانا لما هو صلاح في ديننا، فأنجحها واجعل خاتمة أمرنا بالفوز بما هو سبب لدخول الجنة، فندرج في سلك من قيل في حقهم: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] " (^٢).
(أسألك خير الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة (^٣) عن عبد الرحمن بن أبي أوفى (^٤) بلفظ: "كان
_________________
(١) أورد قول الطيبي الملا على القاري في مرقاة المفاتيح (٤/ ١٦٧٥).
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (٦/ ١٨٩٠ رقم: ٢٤١٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٢٧٨) عن عبد الرحمن بن أبزى وليس من طريق أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى؛ والطبراني في الدعاء من طريق أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى (٢٩٦).
(٤) الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى وليس عن عبد الرحمن بن أبي أوفى.
[ ١ / ٤٨٤ ]
يقول: … " (^١)، ونقله الإمام النووي في "الأذكار" عن ابن السني (^٢)، وزاد بعد قوله: "أصبح الملك لله" كلمة "والحمد [لله] (^٣) "، وفيه "وما سكن فيهما"، وفيه أيضًا "وأوسطه نجاحًا، وآخره فلاحًا"، ذكره ميرك، وهو المناسب لما شرحه الطيبي، فتدبر.
(لبيك اللهم لبيك) هذه الكلمة وردت بلفظ التثنية المضافة، والمراد بها تكثير الإجابة مرة بعد أخرى، وهي مأخوذة من: لب بالمكان، إذا أقام به، فمعناها أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، ومجيب لدعوتك
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٨٨) من طريق أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢٠٤٨): "ضعيف جدًّا؛ أبو الورقاء: اسمه فائد بن عبد الرحمن الكوفي، قال الحافظ: متروك، اتهموه".
(٢) "الأذكار النووية" (صـ ٦٨)، والحديث أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٨) من طريق أبي الورقاء به مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٨٨)، والطبراني في الدعاء (٢٩٦). ونسبه في المطالب (٣٣٩٩)، والإتحاف (٦٨١٦/ ٦٠٨٥) عبد بن حميد (٥٣١). وقال في المجمع (١٠/ ١١٥): رواه الطبراني وفيه فائد أبو الورقاء وهو متروك. قال العراقي أخرجه عبد بن حميد في المنتخب والطبراني من حديث ابن أوفى بالشطر الأول فقط إلى قوله "نجاحا" وإسناده ضعيف (المغني عن حمل الأسفار ١/ ٣٢٠). وقال الألباني في الضعيفة (٢٠٤٨): ضعيف جدًّا.
(٣) من (أ) و"الأذكار" فقط.
[ ١ / ٤٨٥ ]
إجابة بعد إجابة (^١).
(لبيك وسعديك) قال المصنف (^٢): "لبيك من التلبية، وهي: إجابة المنادي، أي: إجابتي لك يا رب، ولم يُستعمل إلا بلفظ التثنية في معنى التكرير، أي: إجابة بعد إجابة، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر، قالوا معناه: أنا مقيم على طاعتك، وقوله: "وسعديك"، أي: ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وإسعادًا بعد إسعاد، ومتابعة بعد متابعة؛ ولهذا ثني، وهو أيضًا من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال" (^٣)، انتهى.
(والخير) أي: "كله" كما في رواية، والمراد به ضد الشر، والاقتصار من باب الاكتفاء، أو من حسن الأدب في الثناء (في يديك) أي: في تصرفك، وتحت قدرتك، ولعل التثنية للإيماء إلى صفتي الجلال والجمال من القبض والبسط في المآل والحال، على ما هو ظاهر عند أرباب الكمال.
وفي "النهاية" (^٤): "اليد وقعت في كلام الله تعالى وحديث رسوله ﷺ مضافة إلى الله على صيغة الواحد والتثنية والجمع، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ
_________________
(١) أوردها بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (٢/ ٥١٤).
(٢) أورد قول المصنف بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٧٣).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب).
(٤) النهاية (٥/ ٢٩٣)
[ ١ / ٤٨٦ ]
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١].
ووقع في الحديث: "قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده" (^١)، فالأكثر من العلماء (^٢) على أن اليد هنا مجاز عن القدرة (^٣)، والعلاقة أن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) بعدها في (أ) زيادة: "المتأخرين".
(٣) مشى المؤلف على طريقة أهل التأويل والتفويض، وهما مذهبان باطلان، ومذهب السلف إثبات صفات الله كما دلّ عليها الكتاب والسنة وأنها على ظاهرها ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوّضونها، فلا يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا يعلمون معاني هذه النصوص ويفسّرونها، وإنما يفوّضون علم كيفيتها إلى الله، فمذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل إثبات بلا تشبيه وتنزيه لله بلا تعطيل. كما قال مالك: (الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب)، فالسلف متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله. لقد وصف الله تعالى نفسه بأكمل وأجمل الأوصاف، كما يليق بجلاله وعظمته في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، وعقيدة السلف الذين كانوا أعلم الأمة وأعرفها بالله رب العالمين: الإيمان بجميع ذلك على وجه الإجمال فيما جاء مجملًا، وعلى وجه التفصيل فيما جاء مفصلًا، من غير زيادة ولا نقصان، من غير =
[ ١ / ٤٨٧ ]
القدرة أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وتثنيته عبارة عن القدرة الكاملة، فالغرض من التثنية التنبيه على الكمال، فإن في إعمال اليدين في الأثر زيادةً ليست في واحدة.
وتخصيص خلق آدم بذلك مع أن الكل مخلوق بقدرته تعالى تشريف وتكريم له، كما أضاف الكعبة إلى نفسه في قوله: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] للتشريف، مع أنه تعالى مالك للمخلوقات كلها، والحديث من هذا القبيل،
_________________
(١) = صرف له إلى معنى آخر غير الظاهر من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأن السلف كانوا يعلمون معاني الصفات، ويفرّقون بينها، بحسب ما دلّت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والاتيان غير الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فكيفية الصفات مجهولة للعباد، ومعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، والإيمان بالصفة كما أخبر الله بها واجب، وفي هذا الحديث إثبات اليد والأصابم لله حقيقة، وإن تأويلها بالنعمة أو القدرة ونحوها باطل. ومن تأمل جواب الإمام مالك بن أنس ﵀ لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش، فقال: "الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، تبينت له حقيقة ما ذكرت. إن الله خاطبنا بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه. والأصل في الكلام أن يجرى على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون كلمة الإمام مالك هذه قاعدة، لأهل السنة في سائر صفات الباري تعالى. والله أعلم.
[ ١ / ٤٨٨ ]
ومنه تخصيص المؤمنين [بالعبودية] (^١) في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] " (^٢)، انتهى.
وذهب بعض السلف إلى أنها من المتشابهات التي يجب الاعتقاد بها مع إثبات التنزيه، وعدم ارتكاب التأويل.
(ومنك) أي: الخير واصل إلينا [منك] (^٣)، (وإليك) أي: راجع حالنا ومآلنا، وقال ميرك: "أي: منك التوفيق على الطاعات، وإليك الالتجاء عن السيئات، أو منك البدء والخلق، وإليك المرجع والمآب".
(اللهم ما قلتُ) أي: أنا (من قول) أي: مقول أَيَّ مقول، و"من" بيانية لـ"ما" الموصولة (أو حلفت) بفتح اللام، أي: أقسمت (من حَلِفٍ) بكسر اللام، وفي نسخة بسكونها، ويجوز حينئذٍ فتح الحاء وكسرها، ففي "القاموس": "حَلَفَ يَحْلِفُ حَلْفًا ويكسر، وحلف ككَتِفٍ ومَحْلوفًا" (^٤).
(أو نذرت من نَذْرٍ) بسكون الذال، أي: منذور، "يقال: نذرت نذرًا، إذا أوجبتَ على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك، وقد تكرر في الحديث ذكر النهي عن النذر، وهو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "بالعبودة".
(٢) بتصرف من كتاب "المواقف" لعضد الدين الأيجي (٣/ ١٥٣).
(٣) زيادة من (أ) فقط.
(٤) "القاموس المحيط" (٣/ ١٢٥).
[ ١ / ٤٨٩ ]
نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠].
ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفْعَل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به؛ إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وقد مدح الكلُ الأبرار بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وإنما وجه الحديث في النهي أنه قد أعلمهم أن ذلك أَمْر لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًّا، ولا يرد قضاء، فقال (^١): "لا تَنْذِروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم [عليكم] (^٢) " (^٣)، هذا خلاصة ما في "النهاية"، و"أو" للتنويع.
(فمشيئتك) بالهمز، ويجوز التشديد، أي: فإرادتك (بين يدي ذلك) أي: قدام ما ذكر، (كله) تأكيد له، والمعنى: أن كله [متعلق] (^٤) بمشيئتك ومقرون بإرادتك وقدرتك مسبوق بقضائك وقدرك.
(ما شئت) أي: مما ذكر وغيره (كان) أي: وقع، (وما لم تشأ لا يكون) أي: أبدًا، (ولا حول ولا قوة إلا بك) كالتأكيد لما قبله، (إنك على كل
_________________
(١) بتصرف من كتاب "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (٦/ ٢٢٤٦).
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د) و"النهاية في غريب الحديث": "لكم".
(٣) "النهاية" (٥/ ٣٩).
(٤) زيادة من (أ) و(د) فقط، وفي (ج): "معلق".
[ ١ / ٤٩٠ ]
شيء) [أَيُّ شيءٍ] (^١) (قدير).
(اللهم ما صليتُ (^٢) من صلاة) أي: ما دعوت من دعوة خير لأحد ممن يستحق، أو لا يستحق (فعلى من صليتَ) أي: فاجعله على من جعلته مستحقًا لها.
(وما لعنت من لعن) أي: وما دعوت من دعوة شر بالبعد عن الرحمة وغيره (فعلى من لعنت) أي: فاجعله على من لعنته أنت، وفي "النهاية": "اللعن الطرد والإبعاد من الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء بالسوء" (^٣)، انتهى.
ويحتمل أن يكون معناه: إنما صليت على من صليت، ولعنت على من لعنت موافقًا لأمرك، ومطابقًا لحكمك، لكن المعنى الأول هو المعول؛ لما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا: "اللهم إني أتخذ عندك عهدًا أن لا تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأيما مؤمن آذيته، أو شتمته، أو جلدته، أو لعنته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" (^٤).
_________________
(١) زيادة من (أ) و(ج) و(د) فقط.
(٢) كتب بجوارها في حاشية (ب): "التاء الأولى مضمومة، وفي الثانية مفتوحة في هذا وما بعده، والظاهر أن هذا كلام يراد به … لا الإخبار، أي: أنا تابع لما يرضيك، أحب بحبك، وأبغض ببغضك، وأولي بولايتك، وأعادي بعداوتك".
(٣) "النهاية" (٤/ ٢٥٥)
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١) من حديث أبي هريرة. ورواية =
[ ١ / ٤٩١ ]
وفيه دلالة على أن صاحب الحق إذا كان غير معلوم يكتفى بالدعاء والاستغفار له، قال الحنفي: "هذه الجملة دعائية طلبية، كأنه يطلب أن يقع دعاؤه تعالى على من وقع عليه صلاته، وكذا ما بعده"، انتهى. والظاهر أن الأمر بالعكس، على ما هو المتبادر من العبارة، وقدمنا إليه الإشارة.
(﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾) أي: ربي ومالكي ومنعمي وناصري (﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]) يقال (^١): توفي فلان وتوفى، إذا مات، فمن قال: توفي، فمعناه قبض وأخذ، ومن قال: توفى فمعناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: (يتوفون) بفتح الياء، كذا في "تاج البيهقي"، والمعنى: أمتني مسلمًا كاملًا.
(﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]) أي: بالأنبياء والمرسلين، وقد ذكر ابن النجار أن آخر ما تكلم به أبو بكر ﵁: "رب توفني مسلمًا، وألحقني بالصالحين" (^٢)، قال المصنف: "هذا حديث جليل جمع أمورًا مهمة، وقد أفرده بعض أصحابنا [الأئمة الحفاظ] (^٣)، وتكلم عليه كلامًا
_________________
(١) = عائشة أخرجها مسلم (٢٦٠٠). ورواية جابر بن عبد الله أخرجهما مسلم (٢٦٠٢). ورواية أنس بن مالك أخرجها مسلم (٢٦٠٣).
(٢) أورده الرازي في تفسيره (٦/ ٤٦٥).
(٣) "الدرة الثمينة في أخبار المدينة" لابن النجار (صـ ٢٠٧).
(٤) كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ، وفي: "بهذه الألفاظ".
[ ١ / ٤٩٢ ]
حسنًا، وقال: "إنه استثناء لما [يبدو من] (^١) قائله لما يقع منه في ذلك اليوم من حلف، أو نذر، أو غيره إلا الطلاق"، انتهى، وقد يقال: إنه إذا صح الاستثناء في حلف ونذر فبأيّ دليل يخرج الحلف بالطلاق" (^٢)، انتهى كلام المصنف.
قلت: لعله أراد بقوله: "إلا الطلاق" التعليق به، فإنه لا يرفعه مثل هذا الاستثناء، فمتى وجد الشرط بعد الحلف به يقع الطلاق اتفاقًا، وكذا العتاق ونحوه، وكذا النذر وسائر الأيمانات ملزمة، ولعل الاستثناء الوارد في الدعاء فيما [يقع] (^٣) له الحنث من غير اختيار؛ فيرتفع عنه الإثم دون الحكم المتعلق به، لأن شرط اعتبار الاستثناء الشرعي أن يكون متصلًا بالكلام، كما هو مقرر في أصول الفقه وفروعه (^٤).
فلو قال: أنت طالق إن شاء الله، بطل، ولا يقع شيء، وهذا لأنه علقه بمشيئة الله تعالى، وهي مما [يتوقف] (^٥) عليه، وأما [لو] (^٦) قال: أنت
_________________
(١) كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و(ب) و(ج): "يبدأ"، وفي (د): "يبدد".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٦/ ب، ٧/ أ).
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): "وقع".
(٤) أورده بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٧٣٥).
(٥) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): "لا توقف"، وفي (د): "لا يوقف".
(٦) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "إن".
[ ١ / ٤٩٣ ]
طالق إن شئتِ، فشرط وقوع الطلاق مشيئة منجزة موجودة في الحال، نحو إن قالت: "شئتُ" في جواب "أنت طالق إن شئتِ"، أو معلقة بما قد علم وجوده، نحو: إن قالت: "شت إن [كان] (^١) السماء فوق الأرض"؛ لأن التعليق بشرط واقع منجز لا بما يعلم بعد، كما لو قالت: "شئتُ إن شئتَ"، فقال: "شئتُ"، لأنه علّق طلاقها بمشيئتها الموجودة المتحققة، وهي علّقت وجود مشيئتها بوجود مشيئته، ولا علم لها بذلك، فمشيئتها لم توجد، فلم يتحقق الشرط.
هذا، وورد في حديثٍ رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النكاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ" (^٢) وفي رواية: "والعتاق" (^٣).
(ي) أي: رواه ابن السني، وفي نسخة بدله رمز الحاكم، وأحمد، والطبراني، عن زيد بن ثابت (^٤).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "كانت".
(٢) أخرج أبو داود (٢١٨٨)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الألباني في "الإرواء" (١٨٢٦): "حسن".
(٣) أخرجها ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٥) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال ابن حجر في "بلوغ المرام" (٩٩٧): "ضعيف".
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ١٩١) وابن خزيمة في "التوحيد" (١٧) والطبراني في =
[ ١ / ٤٩٤ ]
(اللهم إني أسألك الرضا) بالألف كتابة ولفظًا، ويجوز مده، ففي "الصحاح": "أنه مقصور مصدر محض، والاسم الرضاء الممدود" (^١) (بعد القضاء) أي: بعد وقوعه، قال المؤلف (^٢): "وهذا هو الرضا، وما يكون قبل القضاء فذاك عزم على الرضا، والتوكل يكون قبل القضاء، ولكن الرضا يكون بعد القضاء، وليس المراد [الرضا] (^٣) بالذنوب التي قضاها الله تعالى على العبد، بل الرضا بما قضاه الله تعالى به من المصائب وما يبتلى العبد به" (^٤)، انتهى.
وفي عبارته قصور كما لا يخفى، فإن حقه أن يقول: وليس المراد بالرضا الرضا بالذنوب … إلى آخره، لكن الصحيح أن المراد [بالرضا] (^٥) الرضا بالقضاء لا بالمقضي، أو الرضا بالذنوب المقضية من حيث قضاها، لا من حيثما كسبها، وتوضيحه أن المنهي هو الرضا بالذنوب
_________________
(١) = "معجمه الكبير" (٥/ ١٢٠) رقم (٤٨٠٣) ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٧) واللفظ له، والحاكم (١/ ٥١٦) في إسناده أبو بكر بن أبي مريم الغساني ضعيف قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٦٧٣٣): "ضعيف".
(٢) "الصحاح" (٦/ ٢٣٥٧).
(٣) أورده الرازي في تفسيره (٦/ ٤٦٥).
(٤) زيادة من (ج) فقط.
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٧/ أ).
(٦) زيادة من (ج) فقط.
[ ١ / ٤٩٥ ]
أنفسها، وأما الرضا بقضائها أو بها من حيث إنها مقضية فلا، بل يجب الرضا [به و] (^١) بها من حيث إنها مقضية، والرضا فيه أيضًا حقيقة بالقضاء، فيرجع إلى الأول، فتدبر وتأمل.
وبه يزول الإشكال المشهور، وهو أن الرضا بالقضاء فرض وإيمان، وأن الرضا بالكفر مع أنه من القضاء كفر وعصيان، ثم لا شك أن الرضا قبل القضاء لازم أيضًا، ويطلب منه تعالى التوفيق له، والثبات عليه.
لكن الفرد الأكمل لما كان هو الرضا بعد تحقق القضاء، اقتصر في السؤال عليه كما ورد في الحديث: "إن الصبر عند الصدمة الأولى" (^٢)، وإلا فالصبر لازم في كل حال من أحوال [بلاء] (^٣) المولى.
(وبرد العيش بعد الموت) البرد ضد الحر، ولكثرة الحرارة في بلاد العرب جعلوا كل محبوب عندهم باردًا، والعيش هو الحياة، فالمراد بـ "برد العيش بعد الموت" حسن الحياة وطيبها بعده، وإنما قيده بما بعده لأن ما قبله حياة فانية لا عبرة بطيبها وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ
_________________
(١) زيادة من (ج) و(د) فقط.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٨٣، ١٣٠٢)، ومسلم (٩٢٦)؛ كلاهما من حديث أنس به مرفوعًا.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "الإبلاء".
[ ١ / ٤٩٦ ]
الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، ونِعْم ما قال بعض أرباب الحال:
أضغاثُ نَومٍ أو كظل زائلٍ … إنَّ اللَّبيب بمثلها لا يخدعُ (^١)
وقد قال ﷺ مرة في حال كمال الضيق والهم والقلق -وهو يوم الخندق-، ومرة في حال كمال الكثرة والفرح والاتساع -وهو يوم عرفة في حجة الوداع-: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" (^٢)، إيماء إلى عدم
_________________
(١) أورده ابن حبان في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" (صـ ٣٠١) من قول عمران بن حطان.
(٢) اللفظ الذي ذكره الشارح هو لحديث يوم الخندق، وقد أخرجه البخاري (٢٩٦١) و(٣٧٩٦) و(٦٤١٣)، ومسلم (١٨٠٥)؛ كلاهما من حديث أنس به مرفوعًا. وأخرجه أيضا البخاري (٣٧٩٧، ٤٠٩٨) و(٦٤١٤)، ومسلم (١٨٠٤)؛ كلاهما من حديث سهل بن سعد به مرفوعًا. وأما حديث يوم عرفة فأخرجه ابن الجارود في "المنتقى" (٤٧٠)، وابن خزيمة (٢٨٣١)، والطبراني في "الأوسط" (٥٤١٩)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٦٥)؛ كلهم من حديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "إِنَّمَا الْخَيْر خير الْآخِرَة". قال الحاكم: "صحيح، لم يخرجاه"، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢١٤٦). وأخرجه الشافعي (٥٨٧) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ٤٥) و(٧/ ٤٨) من حديث مجاهد، وأخرجه أحمد في "الزهد" (صـ ٣٧) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٦٠٥٤) و(٣٥٥٠٤) من حديث عبد الله بن الحارث؛ كلاهما مرسلًا بلفظ: "لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة".
[ ١ / ٤٩٧ ]
اعتبار محنة الدنيا ونعمتها، فإن الدنيا كما ورد: "سجن المؤمن" (^١).
(ولذة النظر إلى وجهك) أي: إلى ذاتك يوم لقائك، وقيد النظر باللذة؛ لأن النظر إلى الله تعالى، إما نظر هيبة وجلال في عَرَصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المطلوب هذا (^٢)، قيل: "ويمكن أن يقال: النظر إلى الله تعالى إما مقارن للندامة والاستحياء عن المعاصي الواقعة عن [النظر] (^٣) في الدنيا، وإما غير مقارن لها، بل هو مقارن للانشراح والابتهاج، واللذة إنما هي في الثاني، [فالتقييد] (^٤) بها لإفادة ذلك".
(وشوقًا إلى لقائك) أي: إلى وصولك، أو إلى رؤيتك (في غير ضراء مضرة) بصيغة الفاعل، والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء، والجار والمجرور متعلق بقوله: "وشوقًا"، أي: أسألك شوقًا لا يؤثر في سيري وسلوكي؛ بحيث يمنعني عن ذلك، وإن ضرني مضرةً ما، كذا قيل، فالنفي متوجه إلى القيد، والأظهر أن المعنى: وشوقًا إلى لقائك في حالة غير ضراء مضرة لي أو لأتباعي، فالنفي متوجه إلى القيد والمقيدِ جميعًا، (ولا فتنة مضلة) أي: ولا محنة وبلية تصير سبب إضلالي، أو
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٧٣٥)، وعزى هذا القول للطيبي.
(٣) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ) و(ج): "الناظر".
(٤) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): "فالتقيد"، وفي (ج): "فالتقدير".
[ ١ / ٤٩٨ ]
إضلال غيري.
(وأعوذ بك أن أَظْلِمَ) بصيغة المعلوم (أو أُظْلَمَ) على بناء المفعول، كقوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقدم المعلوم على المجهول، فإن من المعلوم أن التعوذ به أهم؛ ولذا قال ﷺ: "كن عبد الله المظلوم، ولا تكن عبد الله الظالم" (^١)، و"أو" للتنويع كما فيما بعده.
(أو أعتدي) أي: أتجاوز عن الحد في حق نفسي، أو حق غيري، (أو يعتدى على)، فهو تأكيد لما قبله؛ لأن الظلم أيضًا يكون قاصرًا [و] (^٢) متعديًا، ويمكن حمل أحدهما على النفس، والآخر على العَرَض.
(أو [أكسب] (^٣) خطيئة) بالهمز، ويجوز تشديدها، والمراد بها هنا ضد العمد؛ لقوله: (أو [ذنبًا]) (^٤)، ويمكن أن تكون الخطيئة كل معصية لتقييد الذنب بقوله: (لا تغفره)، وهو الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أو المراد به غير الكفر من الذنب الذي تعلق به المشيئة أن لا يغفره، وفي نسخة: "أو
_________________
(١) أورده السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٨٤٦)، وقال أحمد بن عبد الكريم الغزي في "الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث" (٣٦٥): "لم يرد".
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "أو".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): "أَكُبَّ عَلَى".
(٤) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): "ذنبٍ".
[ ١ / ٤٩٩ ]
أكسب خطيئة محبطة" (^١) وهي إما الكفر، فإنه يحبط الأعمال ولو حصل الرجوع بالإيمان عندنا، حتى يجب عليه إعادة فرض العمر كالحج، وإما المعصية المحبطة لثواب الأعمال السابقة، كالندامة على فعل الطاعة والعبادة، وكالمن والأذى بعد الصدقة والعطية.
والحاصل: أن كلمة "أو" تفيد أن العوذ من كل واحدٍ من هذه الأمور [يعني] (^٢) أن المطلوب هو أن لا يقع شيء منها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: لا تطع أحدًا منهما، وهذا المقصود لا يحصل من كلمة الواو في الآية [خلاف] (^٣) الحديث، فإنه لو أُتي بالواو الدالة على إفادة الجمعية، لحصل المراد، لكن الإتيان بـ "أو" أدق، حيث يدل على أن كل واحد من هذه الأمور يستحق أن يعاذ بالله منه، وينبغي أن يلاذ به منه جمعًا أو انفرادًا.
(اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما، (عالم الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية، [و] (^٤) نصبه كما قبله على أنه صفة المنادى، أو منادى حذف حرف ندائه، وكذا قوله: (ذا الجلال والإكرام) أي: صاحب العظمة والكرامة.
_________________
(١) وهي موافقة لرواية أحمد، والطبراني.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "بمعنى".
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "بخلاف".
(٤) زيادة من (أ) و(ب).
[ ١ / ٥٠٠ ]
(فإني أعهد (^١) إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشْهِدُك) بضم الهمزة وكسر الهاء، (وكفى بك شهيدًا) الباء زائدة في الفاعل، وأصله: كفيت شهيدًا، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، ويمكن أن يقال: الباء لتضمن "كفى" معنى "كَفَلَ"، ولعله وجه حسن، وتوجيه مستحسن.
(أني) أي: بأني (أَشهَد) بفتح الهمزة والهاء (أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، لك الملك، ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق) أي: ثابت، وكذا وعيده حق، فهو إما من باب الاكتفاء، أو من إطلاق الوعد على المعنى الأعم الشامل للوعد والوعيد، فإنه قد يطلق على الوعيد أيضًا، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، وليس كما زعم بعضهم أنه يجوز الخلف في وعيده سبحانه، وقد حققناه في رسالة سميناها بـ "القول السديد في خلف الوعيد".
(ولقاءك) أي: الحضور لديك، أو النظر إليك (حق، والساعةَ) بالنصب، ويجوز رفعها، أي: القيامة، وسميت ساعة لوقوعها بغتة، أو لكونها -مع طولها قدر خمسين ألف سنة- ساعة من أيام الآخرة،
_________________
(١) كتب بجوارها في حاشية (ب): "قوله أعهد، أي: أقدم، أي: أقدم إليك في هذه الحياة الدنيا أني أشهد، أي: شهادة ويكون قوله: "في هذه" متعلق بـ "أعهد". وقيل: "حال من ضمير المتكلم في … ".
[ ١ / ٥٠١ ]
[أو] (^١) تصير ساعة على أهل الطاعة، أو سميت لطولها ساعة تسمية بالأضداد؛ كإطلاق الزنجي على الكافور (^٢) (آتية لا ريب فيها) عند أرباب الإيمان، وأصحاب الإيقان، أو المعنى: لا ترتابوا فيها، فهو نفي معناه نهي.
(وأنك تبعث) أي: تحيي (من في القبور) أي: من هو في حال البرزخ، وهو الحالة بين الدنيا والآخرة، ولذا قيل: إنه آخر منازل الدنيا، وأول منازل العقبى.
(وأنك) أي: وأشهد أنك (إِنْ تَكِلْني إلى نفسي) أي: [إن] (^٣) تتركني إليها، وتخلني معها (تكلني إلى ضَعف) بفتح الضاد، ويضم كما في نسخة، وفي نسخة: "إلى ضَيْعة" (^٤)، أي: ضياع وخسار وبطلان، (وعَوْرة) وهي كل عيب يستحى منه، (وذنب) أي: عمد (وخطيئة) بهمز، وقد تشدد، أي: خطإ، والمراد بالوكول إلى النفس هنا أن ينقطع عن العبد نظر عناية الرب، لا أن يترك أمره إلى نفسه بالكلية، وينقطع رابطة العقد بينهما بالمرة؛ لأنه لو كان كذلك لكان الممكن معدومًا، مطلقًا لا مقيدًا بكونه مع ضعف وعورة وذنب وخطيئة.
(وأني) بالفتح، أي: وأشهد أني، وفي نسخة بالكسر، أي: والحال أني
_________________
(١) زيا دة من (أ) و(ب) و(د).
(٢) أورده بتصرف بدر الدين العيني في عمدة القاري (١/ ٢٨٢).
(٣) زيادة من (د) فقط.
(٤) وهي موافقة لرواية أحمد، والطبراني.
[ ١ / ٥٠٢ ]
(لا أَثِقُ) أي: لا أتعلق في جميع حالي (إلا برحمتك) أي: بإنعامك وإحسانك، (فاغفر لي ذنوبي كلَّها، إنه) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل، وفي نسخة بالفتح، أي: لأنه (لا يغفر الذنوب) أي القابلة للغفران (إلا أنت).
(وتُبْ عليَّ) أي: وفقني للتوبة، وثبتني عليها، وارجع عليّ بالرحمة، وتفضل عليّ بالعناية، (إِنَّك) [بالكسر ويفتح] (^١) (أنت التواب) أي: لمن تاب (الرحيم) أي: لمن آبَ، فالتوبة هي الرجوع [عن] (^٢) المعصية، والأوبة من الغفلة، ومنه قوله تعالى في حق بعض الأنبياء: ﴿إنه أوَّاب﴾، ومنه صلاة الأوابين، وهي إحياء ما بين العشاءين.
(مس، أ، ط) أي رواه (^٣): الحاكم، وأحمد، والطبراني، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ دعاه وعلمه وأمره أن يتعاهده" (^٤).
(فإذا طَلَعَت الشمس قال: الحمد للَّه الذي أقالنا يومنا هذا) أي: رده
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "بكسر همزة وتفتح".
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "من".
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٣) وقال: رواه أحمد، والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه الحاكم (١/ ٥١٦)، وأحمد (٥/ ١٩١)، والطبراني في "الكبير" (٥/ ١٢٠) رقم (٤٨٠٣)؛ كلهم من حديث زيد بن ثابت به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٦٧٣٣): "ضعيف".
[ ١ / ٥٠٣ ]
إلينا، ووهبه لنا، ذكره ميرك، [والأظهر] (^١) أن معناه: أقال عثراتنا في يومنا هذا، ويؤيده قول المصنف: "أقالنا يومنا وأقالنا فيه عثراتنا، أي: تجاوز عنها من الإقالة" (^٢).
(ولم يُهْلِكْنا بذنوبنا) فيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] الآية. (مَوْ مُ) أي: رواه مسلم موقوفًا من قول عبد الله بن مسعود (^٣).
(الحمد لله الذي وهبنا) أي: أعطانا تفضلًا (هذا اليوم، وأقالنا) أي: سامحنا وعفا عنا (فيه) أي: في هذا اليوم (عَثَراتِنا) بفتح العين والمثلثة، أي: زلاتنا وسيئاتنا.
والإقالة تتعدى إلى مفعولٍ تارة، وإلى مفعولين أخرى، ففي "القاموس": "أقال الله عثرتك، وأقالكها، وأصل استعماله في البيع، يقال: قِلته البيع بالكسر وأقلته، أي: فسخته" (^٤)، ومنه قوله ﷺ: "من أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة" (^٥).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "والظاهر".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٧/ أ).
(٣) أخرجه مسلم (٨٢٢) من حديث عبد الله بن مسعود موقوفًا.
(٤) "القاموس" (٤/ ٤٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٤٦٠)، إلا أنه لم يقل يوم القيامة، وابن ماجه (٢١٩٩) =
[ ١ / ٥٠٤ ]
(ولم يعذبنا بالنار) أي: لتلك العثرات في الدنيا، فنرجو أن لا يعذبنا بالنار أيضًا في العقبى. (مو ط ي) أي رواه (^١): الطبراني، وابن السني، من قوله موقوفًا أيضًا (^٢).
(ثم يصلي ركعتين. ت، ط) أي: رواه الترمذي من حديث أنس (^٣)، وتقدم لفظه في فضل الذكر، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة،
_________________
(١) = وإسناده صحيح. كما قال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٨)، وانظر الإرواء (١٣٣٤).
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٨) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٩/ ١٨٢) رقم (٨٩٠١)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٤٨)؛ كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود موقوفًا.
(٤) من حديث أبي ظلال عن أنس ولفظه: "من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت. له كأجر حجة وعمرة"، قال: قال رسول الله ﷺ: "تامة تامة تامة"؛ وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقال: سألت محمد بن إسماعيل: عن أبي ظلال؟ فقال: هو مقارب الحديث، قال محمد: واسمه هلال. قد ذكره المنذري في الترغيب (١/ ١٦٤ - ١٦٥) وذكر له شواهد يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن -إن شاء الله-. وأبو ظلال: قال الحافظ: بكسر الظاء وتخفيف اللام اسمه هلال، ضعفوه، ولم أر فيه أحسن مما نقل الترمذي عن البخاري أنه سأل عنه؟ فقال: مقارب الحديث. نتائج الأفكار (٢/ ٣٠٢)، وقال في التقريب: ضعيف (٧٣٩٩).
[ ١ / ٥٠٥ ]
ولفظه: "من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلُعَ الشمس، ثم قام فصلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة (^١) " (^٢).
(عن الله تعالى: ابنَ آدمَ) أي: يا ابن آدم، (اركع لي) أي: صلِّ لأجلي (أربع ركعات، أول النهار) قال المؤلف: "ذهب بعض العلماء إلى أنها سنة الصبح وفرضها، والظاهر أنها غيرهما، فإنها بعد طلوع الشمس وارتفاعها" (^٣)، انتهى.
وقال صاحب "تخريج المصابيح": "حمل بعض العلماء هذه الركعات على صلاة الضحى؛ ولذا أخرج أبو داود والترمذي هذا الحديث في باب الضحى، وقال بعضهم: يقع النهار عند أكثرهم على ما بين طلوع الشمس وغروبها" (^٤).
قلت: التحقيق أن النهار الشرعي هو ما بين الصبح والمغرب، وأن إطلاق النهار بالمعنى الثاني هو المعنى العرفي المصطلح عليه عن أرباب
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٤) وقال: رواه الطبراني، وإسناده جيد.
(٢) أخرجه الترمذي (٥٨٦) -واللفظ له- من حديث أنس به مرفوعًا، وأخرجه الطبراني في الكبير" (٨/ ٢٠٩) رقم (٧٧٤١، ٧٦٦٣) من حديث أبي أمامة مرفوعًا قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (٤٦٤): "حسن لغيره".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٧/ أ).
(٤) أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (٣/ ٩٨٠).
[ ١ / ٥٠٦ ]
الهيئة (^١)، فالأولى حمل النهار على المعنى الشرعي، حيث ورد على لسان صاحب الشرع، ولا سبب للعدول عنه، ثم يحتمل أن يكون المراد سنة الفجر وفرضه، أو صلاة الإشراق التي هي أول صلاة الضحى، والجمع هو الأكمل، والأقل هو العمل بالأول، فتأمل.
(أَكفِكَ) بفتح الهمزة وكسر الكاف (^٢)، أي: أرفع شغلك وحوائجك، وأدفع عنك ما تكرهه بعد صلاتك (آخرَه) أي: إلى آخر النهار، والمعنى: أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك، حيث قمت بخدمتنا في أوله، فمن كان لله كان الله له، وفيه إيماء إلى [أن] (^٣) من صرف شبابه في طاعة الله، قضى الله حاجاته في مشيخته وآخر عمره، وكذا من قام بعبادته سبحانه في الدنيا، كفاه الله مهماته في العقبى.
(ت، د، س) أي: رواه الترمذي (^٤) من حديث أبي
_________________
(١) علم الهيئة هو علم الفلك والكواكب، والنظرِ في حال الأجرام السماوية وأبعادها، وعلى رأس أربابِهِ وأصحابِهِ بطليموس، وكلُّ مَن جاء بعده إنما حاول شرح كتابه.
(٢) هكذا ورد في المخطوط، والصواب والله أعلم: بفتح الهمزة وسكون الكاف وكسر الفاء (أَكْفِكَ آخِرَهُ).
(٣) زيادة من (ج) فقط.
(٤) رواه الترمذي من حديث أبي الدرداء وأبي ذر (٤٧٥) وقال: هذا حديث حسنٌ غريب.
[ ١ / ٥٠٧ ]
الدرداء (^١)، وأبو داود، والنسائي، من حديث نعيم بن همار الغطفاني (^٢)، وفي نسخة نسب النسائي إلى أبي ذر (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤٧٥) -واللفظ له- من حديث أبي الدرداء وأبي ذر به مرفوعًا. قال الألباني في "الإرواء" (٤٦٥): "صحيح".
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٨٣)، والنسائي في "الكبرى" (٤٦٦، ٤٦٧، ٤٦٨)؛ كلاهما من حديث نُعيم بن هَمَّار مرفوعًا.
(٣) لم أقف على هذه النسخة، ولكن الذي وقفت عليه رواية الترمذي عن أبي الدرداء وأبي ذر.
[ ١ / ٥٠٨ ]