(من قرأها يوم الجمعة) بضمتين ويسكن الميم، (أضاء) يحتمل أن يكون متعديًّا ولازمًا، أي: أنار [و] (^١) اسْتَنَار (له) أي: لقارئها (من النور) أي: من نور السورة، أو من نور أجرها، وقال المصنف: "أي: نور الهداية والتوفيق" (^٢)، انتهى. والحمل على ظاهره أولى؛ لعدم ما ينافيه عقلًا وشرعًا كما لا يخفى.
(ما بين الجمعتين) أي: السابقة واللاحقة، وهو: مفعول به على الأول، وظرف على الثاني، كذا قيل ونقله الحنفي، والصحيح أنه فاعل على الثاني، وفاعله على الأول الكهف، أو القارئ مجازًا. (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي سعيد الخدري.
(من قرأها ليلةَ الجمعة، أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق) فالأول: إشارة إلى إحاطة النور مدة من الزمان، والثاني: للإيماء إلى إيصاله مسافة من المكان، واختصاصُ البيت العتيق المكرم المحترم دليل على كمال الجود والكرم. (مو مي) أي: رواه الدارمي موقوفًا من قول أبي سعيد الخدري (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "أو".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٣) أخرجه الدارمي (٣٤٠٧).
[ ٣ / ١٤٢٩ ]
(من قرأها بهما أنزلت) أي: من غير زيادة ونقصان، وقال المصنف: "أي: صحيحة بالترتيل والتجويد" (^١)، (كانت له نورًا من مقامه إلى مكة).
قال المصنف: "أي: من مقامه الذي قرأها فيه، وفي الحديث الآخر: "يوم القيامة" زيادة، ويحتمل أن يريد به قدر ما كان في الدنيا" (^٢)، انتهى.
وبقي الكلام على أنه: من قرأها بمكة كانت له نورًا، إلى أين؟ فرأيت البيضاوي ذكر في "تفسيره" عن النبي ﷺ: "من قرأها عند مضجعه كان له نورًا في مضجعه يتلألأُ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورًا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يُصلون عليه حتى يستيقظ".
قال الشيخ زكريا في "حاشيته": "رواه البزار وغيره"، انتهى. وذكره في "المدارك" أيضًا، بلفظ: "من قرأ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ..﴾ فصلت: ٦] " إلى آخرها، عند مضجعه … " وذكر نحوه.
وهذا الحديث يشير إلى أن كل ما يكون القارئ أقرب إلى مكة فبقدر ما ينقص من المسافة السفلية؛ لامتلاء النور يزاد له من المسافة العُلوية.
(ومن قرأ بعشْر آياتٍ) قال الحنفي: "الباء فيه وفيما بعده زائدة"، انتهى. وسبق أن الباء للتعدية لما تقدم في "القاموس": "أنه يقال: قرأه
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ).
[ ٣ / ١٤٣٠ ]
وقرأ به"، (من آخرها) الظاهر أن أولها: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ …﴾ [الكهف: ١٠١]، ليكون العدد عشرة كاملة، أو أولها: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا …﴾ [الكهف: ١٠٢] إلى آخرها، على إسقاط كسر واحد، وهو الأنسب بالأولية المعنوية من اعتبار الآيات العددية، نظرًا إلى عدم تعلقها بما قبلها.
وقال المصنف: "أي: من قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ …﴾ الآيات، لم يَفْتَتِنْ لأن من جملتها: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢]، وكذا قوله: "من حفظ عشر آيات من أولها"، إلى قوله: ﴿أَبَدًا﴾؛ لما فيها من العجائب، كذا قيل، وعندي: أن ذلك من الخصائص التي أطلع عليها رسول الله ﷺ، وكذا قوله: "من قرأ ثلاث آيات -يعني: من أول الكهف-، ومن أدرك الدجال فليقرأ عليه فواتحها؛ فإنه جوار من فتنته"" (^١).
قلت: لا بِدْعَ أن يكون تلك الآيات باعتبار خاصّية مبانيها، أو بسبب تصور معانيها تكون موجبة لخلاص قارئها من الفتنة الحاصلة حينئذٍ؛ ولذا قال: (فخرج الدجال) أي: المسيح الدجال، أو: كل مُسَمّى بالدجال، وهو: الكذاب، ومنشأ الفساد والضلال، ومنه الحديث: "يكون في آخر الزمان [دَجَّالون] (^٢) كذَّابُون".
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ أ، ب).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "ويدعي الألوهية".
[ ٣ / ١٤٣١ ]
قال الطيبي: "اللَّام للعهد، وهو الذي يخرج في آخر الزمان ويدَّعي الألوهية، أو للجنس؛ فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس؛ فإن الدجال صيغةُ مبالغةٍ من الدَّجْل، وهو: تمويه الشيء، وكل شيء غطّيْتَهُ فقد دَجَلْتَهُ".
(لم يسلَّطْ) بتشديد اللام المفتوحة، أي: الدجال (عليه) أي: على فتنة قارئها، ببركة قراءتها أو بمعاونة معرفتها، قال الطيبي: "يمكن أن يقال: إن أولئك الفئة كما عُصِمُوا من ذلك الجبار، كذلك يعصم الله القارئ من الجبارين والدجالين". (س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري، واللفظ للنسائى، وقال: "رَفْعُهُ خطأٌ، والصواب أنه موقوفٌ"، كذا ذكره ميرك (^١).
(من قرأ سورة الكهف، كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكّة، ومن قرأ بعشر آياتٍ من آخرها، ثم خرج الدجال لم يضره) بفتح الراء المشددة وضمها، ولو روي بكسر الضاد وسكون الراء لجاز؛ حيث "ضار يضير" لغة في "ضَرَّ يَضُرُّ"، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥١].
_________________
(١) أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٥٢)، وفي "الكبرى" (٩٩١١)، وصححه الحاكم (١/ ٥٦٤) وقال النسائي: وقفه أصح "التلخيص الحبير" (٢/ ٧٢). ثم رأيته في عمل اليوم والليلة (٩٥٢) قال عقب رواية ابن السكن عن يحيى بن كثير: وهذا خطأ، والصواب موقوف".
[ ٣ / ١٤٣٢ ]
(طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد، واختُلِفَ أيضًا في رفعه ووقفه (^١).
(من حفظ عشر آياتٍ من أولها عُصِمَ) بصيغة المجهول، أي: حفظ ومنع (من الدجال) وفي رواية أبي داود والنسائي: "من فتنة الدجال"، ولذا كتب رمزهما فوقها، وهي "أصل الأصيل". (م، د، س، ت) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن أبي الدرداء (^٢).
(من حفظ عشر آياتٍ. م، د) أي: رواه مسلم، وأبو داود عنه أيضًا.
(من قرأ العشر. س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا بهذا اللفظ في "الشرطيّة"، (الأواخر) صفة للعشر المضاف، أو [المعرف [(^٣) باللام، والأظهر أن يكون نعتًا للآخر، (من الكهف عُصِمَ من فتنة الدجال. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي الدرداء أيضًا.
(من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عُصِمَ من فتنة الدجال. ت) أي: رواه الترمذي عنه أيضًا.
وبيان هذه الروايات وتوضيح الاختلافات ما في "الترغيب" للمنذري: "عن أبي الدرداءِ أن النبي ﷺ قال: "من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٤٧٨) صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٦٥١).
(٢) أخرجه مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والترمذي (٢٨٨٦)، والنسائي (١٠٧٨٧).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "المعروف".
[ ٣ / ١٤٣٣ ]
الكهف عُصم من الدجال"، رواه مسلم واللفظ له، وأبو داود، والنسائي، وفي رواية لمسلم وأبي داود: "من آخر سورة الكهف"، وفي رواية للنسائي: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف"، ورواه الترمذي ولفظه: "من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال"".
ثم قيل في وجه الجمع بين الثلاث، وبين قوله ﵇: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عُصم من فتنة الدجال": "إن حديث العشر متأخرٌ، ومن عمل بالعشر فقد عمل بالثلاث"، وقيل: "حديث: "الثلاث" متأخر، ومن عُصم بثلاث فلا حاجة إلى العشر، وهذا أقرب إلى أحكام النسخ". قال ميرك: "بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ".
قلت: مع أنه لا يجري النسخ في الأخبار، إنما هو بالنسبة إلى الأحكام. وقيل: "حديث العشر في الحفظ، وحديث الثلاث في القراءة، فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كُفي وعُصم من فتنة الدجال". وقيل: "من حفظ العشر عصم منه إن لقيه، ومن قرأ الثلاث عصم من فتنته إن لم يلقه". وقيل: "المراد من الحفظ: القراءة عن ظهر القلب، والمراد من العصمة: الحفظ من آفات الدجال".
(من أدرك الدجالَ فليقرأ عليه فواتحها) أي: أوائلها، إما عشر آياتٍ أو ثلاثًا، (الحديث. م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن النواس بن سمعان (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧). وأبو داود (٤٣٢١) و(٤٣٢٢) والترمذي (٢٢٤١)، و"ابن ماجه" (٤٠٧٦).
[ ٣ / ١٤٣٤ ]
(فإنها) أي: الآيات العشر (جِوَارٌ) بكسر الجيم، جمع جارٍ، بمعنى: مجير وحافظ له (من فتنته) أي: من فتنة الدجال؛ ففي "الصحاح": "الجار الذي أجرته من أن يظلمه ظالم، واستجاره من فلان فأجاره منه، وأجاره الله من العذاب: أنقذه". وأما ما نقله الحنفي عن الجوهري من أن: "الجار الذي يجاورك، تقول: جاورته مجاورة وجوارًا، والكسر أفصح" = فليس في محله، مع أن الفتح في مصدر باب المفاعلة غير معروف، والنسخ المعتمدة والأصول المعتبرة على الكسر، نعم، وقع في "أصل الجلال" ونسخة للأصيل: "فإنها جواركم من فتنته". (د) أي: رواه أبو دود عنه أيضًا.
(وأعطيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى) قال المصنف: "الطواسين، يعني: الشعراء، والنمل، والقصص، والحواميم: السبع، وألواح موسى ﵇: التي أعطاه الكل إياها في المناجاة، كانت من زبرجد، وكانت سبعةً، وقيل: لوحين" (^١)، قلتُ: هذا مخالف لظاهر الكتاب والسنة. (مس) أي: رواه الحاكم عن معقل بن يسار (^٢).
(قلب القرآن يس) قال المصنف: "قلبُ كل شيء لبّه وخالصه، قيل: وفيها قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣] يقرأ [مقلوبًا] (^٣)، وهذا تمحُّل، وقد
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ ب).
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٥٩) والبيهقي في الشعب (٢٤٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٥٠) والسلسلة الضعيفة (٢٨٨٦).
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ): "من الطرفين".
[ ٣ / ١٤٣٥ ]
ورد في القرآن غير ذلك: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وأحسبه: ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] " (^١)، انتهى.
وأيضًا لا يلائمه أول حديث أنس -عند الترمذي والدارمي- أنه قال: "قال رسول الله ﷺ: إن لكل شيء قلبًا، وقلبُ القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مراتٍ"، وقال الترمذي: "هذا حديثٌ غريبٌ"، قيل: "لأنه من رواية هارون بن محمد، ولا يعرفه أهل الصناعة من رجال الحديث".
قلت: وهو لا يضرّ، وغايته أنه ضعيف، وبه يُعْمَل في الفضائل بلا خلاف، مع أنه مؤيد برواية الدارمي: (لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ الله والدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ) بصيغة المجهول.
(اقرءوها على موتاكم) أي: حقيقةً ليحصل لهم ثوابها، [أو] (^٢): ليستأنِسُوا بقراءتها، ويتَلَقَّنُوا معانيها من تذكر مبانيها، أو من حضره الموت، فهو من مجاز المشارفة، قال المصنف: "اقرءوها على موتاكم لما فيها من الآيات المتعلقة بالموت والبعث، مثل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى …﴾ [يس: ١٢]، ومثل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس: ٥١] الآيات، وغير ذلك. ويحتمل أن يكون لخاصية فيها، وقد قيل: "إنها لِمَا قُرِئَتْ
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ ب).
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "أي".
[ ٣ / ١٤٣٦ ]
له"، وَرُوي مرفوعًا: "أن من قرأها [وهو] (^١) خائفٌ أَمِنَ، أو جائعٌ شبع، أو عارٍ كُسِي، أو عاطِشٌ سُقِيَ .. " في خلال كثيرة، رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"" (^٢)، انتهى.
وقيل: "في سنده نظر"، لكن يشهد له: "كونه ﷺ ليلة اجتمع النفر من قريش على قتله، فخرج وهو يقرأ الآيات من أول يس، وذرأ عليهم التراب"، مع أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا.
(س، د، ق، حب) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، عن معقلٍ أيضًا، ورواه أحمد، والحاكم وصححه (^٣).
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٨/ ب).
(٣) أحمد (٥/ ٢٦)، وأبو داود (٣١٢١)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٧٥)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والحاكم (١/ ٥٦٥) وقال: أوقفه يحيى بن سعيد وغيره، عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك، إذ الزيادة من الثقة مقبول. قال الدارقطني كما في تلخيص الحبير (٢/ ١٠٤): هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، لا يصح في الباب حديث. وأعله ابن القطان بالاضطراب والوقف، وبجهالة حال أبي عثمان، تلخيص الحبير (٢/ ١٠٤) وبيان الوهم (٥/ ٤٩). وقال النووي في "الأذكار" (ص ١١٧) والخلاصة (٢/ ٩٢٥) رقم (٣٢٧٨) وقال: فيه مجهولان. وانظر السلسلة الضعيفة (٥٨٦١).
[ ٣ / ١٤٣٧ ]