(وهن) أي: الكلمات الأربع، (اللواتي) جمع "التي" الموصولة الموضوعة لمفرد المؤنث، (يُقَلن) بضم ففتح على صيغة المجهول، أي: يذكرن، (في صلاة التسبيح، وذلك أنه ﷺ قال لعمه العباس) إلى هنا من كلام المصنف.
(يا عباس يا عماهْ) بسكون الهاء وقفًا، (ألا أعطيك) بضم همز وكسر طاء، أي: عطية رضية، (ألا أمنحك) بفتح همز ونون، أي: أعطيك منحة سنية.
"وأصل المنح: أن يعطى الرجل شاة أو ناقة ليشرب لبنها، ثم يردها إذا ذهب دَرُّها، ثم كثر استعماله حتى قيل في كل عطاء" كذا في "المغرب".
(ألا أحبوك) بفتح الهمزة وسكون الحاء وضم الموحدة من: حباه كذا، إذا أعطاه. و"الحباء: العطية" على ما في "النهاية". والمعنى: عطية هنية، وفي نسخة: "ألا أخبرك"، والظاهر أنه تصحيف.
(ألا أفعل بك) بالباء على ما في الأصول المعتمدة والنسخ المعتبرة، وفي نسخة باللام، فقيل: "هي الرواية الصحيحة".
(عشر خصال) بالنصب، على أنه مفعول تنازعت فيه الأفعال السابقة عليه، والمعنى في الجميع: أصيرك ذا عشر خصال. وإنما ذكره بألفاظ مختلفة تقريرًا وتأكيدًا وتحريضًا وتأييدًا على الاستماع إليه والمواظبة عليه.
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
والخصلة هنا ليست بمعنى السجية الخلقية، بل المراد بها ما يقع إليه حاجة الإنسان، فقد قال التوربشتي: "الخصلة: هي الخلة، وهي الاختلال العارض للنفس، إما لشهوتها لشيء، أو لحاجتها إليه". فالخصلة كما تقال للمعاني التي تظهر من نفس الإنسان، تقال أيضًا: لما تقع حاجته إليه.
(إذا أنت فعلت)، وقدم التأكيد للتأييد، (ذلك) أي: ما ذكر من عشر خصال على الوجه الآتي، وهو أن يقول الكلمات الأربع: عشْرًا عشْرًا فيما سوى القيام، (غفر الله لك) على ما في "أصل جلال"، وليس في "أصل الأصيل"، (ذنبك) أي: ذنوبك، بقرينة قوله على وجه الإبدال، أو على طريق التفسير بـ "أعني".
(أوله وآخره) أي: مبتدأه ومنتهاه، وذلك [إن فسر الذنب بما] (^١) لا يواقعه الإنسان دفعة واحدة، وإنما يتأتى منه شيئًا فشيئًا. ويحتمل أن يكون معناه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ذكره التوربشتي.
(قديمه وحديثه) أي: "جديده" كما في بعض النسخ، وهو "أصل الأصيل"، (خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته) والمقصود: استغراقه وإحاطته، فهذه الخصال العشر.
وقد زاده إيضاحًا بقوله: (عشر خصال) بعد حصر هذه الأقسام،
_________________
(١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): "أن الذنب ما"، وفي (ج): "أن من الذنب ما".
[ ٣ / ١٣٣١ ]
كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وما أحسن مقابلةَ العشرة الكاملة بالعشرة المبشرة.
(أن تصلي أربع ركعات) أي: بتسليمة واحدة على ما هو ظاهر من الإطلاق ليلًا أو نهارًا. وقيل: " [تصلي] (^١) في النهار بتسليمة، وفي الليل بتسليمتين". وقيل: "الأولى أن [يصلي] (^٢) مرة بتسليمة، وأخرى بتسليمتين".
(تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة) قيل لابن عباس: ما هذه [السور] (^٣) بعد الفاتحة؟ قال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، والعصر، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، والإخلاص. وفي رواية: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، والعاديات، والنصر والإخلاص". كذا ذكره بعض شراح "المشكاة".
(فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم) أي: قبل الركوع، والجملة حالية، (قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة) بسكون الشين وتكسر، (ثم تركع فتقولها) أي: بعد سبحان ربي العظيم ثلاثًا، ويحتمل الإكتفاء بها عنه، (وأنت راكع) أي: قبل رفع الرأس، (عشرًا) أي: عشر مرات.
(ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تهوي) بفتح التاء وكسر
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "يصلي".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "تصلي".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "السورة".
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
الواو، أي: تنخفض وتنحط حال كونك، (ساجدًا) أي: مريدًا للسجود؛ ففي "الصحاح": هوى بالفتح يهوي بالكسر هُوِيًّا، إذا سقط إلى أسفل".
(فتقولها) أي: في السجود، (عشرًا، ثم ترفع) أي: "رأسك" كما في نسخة صحيحة، (من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد) أي: ثانيًا، (فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا قبل أن تقوم) وسيأتي الكلام عليه.
(فذلك) أي: فمجموع ما ذكر (خمس وسبعون مرة في كل ركعة تفعل ذلك) استئناف بيان، أي: تصنع ما ذكر من التسبيحات العشرة، (في أربع ركعات) أي: في مواضعها المقدرة المقررة.
(إن استطعت أن تصليها) أي: هذه الصلاة المسماة بصلاة التسبيح، (في كل يوم) أي: أو ليلة، (مرة فافعل، فإن لم تفعل) أي: بأن لم تستطع، (ففي كل شهر مرة) أي: افعل، وفي نسخة صحيحة: "ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل، ففي كل شهر مرة" (فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة؛ فإن لم تفعل، ففي عمرك مرة) فيه إشعار بأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وأن أقل العمل بالحديث في فضائل الأعمال أن يأتيَ به مرة، ومن زاد زادَ الله في حسناته.
(د، ق، مس، حب) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس. (^١)
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٧)، وابن خزيمة (١٢١٦)، وأبو داود (١٢٩٧) والطبراني في "الكبير" (١١/ ٢٤٣/ ١١٦٢٢)، والخليلي في "الإرشاد" =
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (١/ ٣٢٥ /٥٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٥١)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٤٣)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٢٩/ ١٠٣) جميعًا من طرق عن موسى بن عبد العزيز عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس به. وعنون ابن خزيمة لهذا الحديث بقوله: باب صلاة التسبيح إن صح الخبر، فإن في القلب من هذا الإسناد شيئا. وعقبه بقوله: رواه إبراهيم بن الحكم. قلت: موسى بن عبد العزيز أبي شعيب القنباري، فهو صدوق سيء الحفظ، انظر: "ميزان الاعتدال" (٦/ ٥٥٠) فذكر حديث صلاة التسبيح. وقال في "المغني في الضعفاء" (٢/ ٦٨٥): "موسى بن عبد العزيز القنباري أبو شعيب، صاحب صلاة التسبيح. قال ابن المدني: ضعيف. وقال ابن معين وغيره: لا بأس به". وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" (٦٩٨٨): صدوق سيء الحفظ. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٧): حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات وموسى بن عبد العزيز وإن كان صادقا صالحا فلا يحتمل منه هذا التفرد. قلت: وهذا الإسناد معل: ففيه شذوذ، لشدة التفرد، فإن الحكم بن أبان العدني، وإن كان صدوقا صالحا، إلا أنه يتفرد عن عكرمة بأحاديث ويسند عنه ما يوقفه غيره من أثبات أصحاب عكرمة. وموسى بن عبد العزيز القنباري ربما أخطأ عليه، وروى مناكير لا يتابع عليها. =
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
ورواه ابن ماجه عن أبي رافع أيضًا (^١).
_________________
(١) = وفيه اختلاف أيضا: فقد أخرجه ابن خزيمة (١٢١٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٨١٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٠٨٠) من طريق محمد بن رافع عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة أن النبي ﷺ قال لعمه العباس مرسلًا. وقال الحاكم: هذا الإرسال لا يوهن وصل الحديث، فإن الزيادة من الثقة أولى من الإرسال، على أن إمام الأئمة إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قد أقام هذا الإسناد عن إبراهيم بن الحكم بن أبان ووصله. فقد رواه إبراهيم بن الحكم عن أبيه، فكان يضطرب فيه. فمرة موصولًا عن ابن عباس، وأخرى عن عكرمة مرسلًا. وأخرجه الحاكم (١/ ٣١٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٠٨١) من طريق إسحاق بن راهويه عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ موصولًا. قلت: إبراهيم بن الحكم بن أبان؟! قال أحمد بن حنبل: في سبيل الله دراهم أنفقناها إلى عدن إلى إبراهيم بن الحكم. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال النسائي: متروك الحديث، ليس بثقة.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٦)، والترمذي (٤٨٢)، والروياني في "مسنده" (٦٩٩)، والطبراني في "الكبير" (١/ ٣٢٩/ ٩٨٧)، والبيهقي في "السنن الصغرى" (٨٦٢) وفي "شعب الإيمان" (٦٠٢)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٤٤)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ٤٦٥) من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن سويد بن أبي سعيد مولى أبي بكر بن حزم =
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
وروى الترمذي نحوه عن أبي رافع فقط، وقال: "حديث غريب. وفي الباب عن ابن عباس وعبد الله بن [عَمْرو] (^١) والفضل بن عباس (^٢).
_________________
(١) = عن أبي رافع به. قال أبو عيسى: "هذا حديث غريب من حديث أبي رافع". قلت: هذا إسناد ضعيف جدا، موسى بن عبيدة الربذي منكر الحديث. وقال أبو عيسى: وقد روي عن النبي ﷺ غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء، وقد رأى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه.
(٢) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "عمر".
(٣) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٤٣)، والرافعي في "التدوين في أخبار قزوين" (٣/ ٢٤٩) من طريق أبي رجاء الخراساني عن صدقة بن يزيد عن عروة بن رويم عن ابن الديلمي عن العباس بن عبد المطلب قال رسول الله ﷺ: "ألا أهب لك .. ألا أعطيك .. ألا أمنحك … " فذكره بنحو حديث ابن عباس. وقال ابن الجوزي: صدقة بن يزيد الخراساني. قال أحمد: حديثه ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: حدث عن الثقات بالأشياء المعضلات، لا يجوز الإشتغال بحديثه. قلت: هو كما قال، والحديث منكر بهذا الإسناد، وإنما رواه صدقة به على جهة التوهم والظن، فأخطأ وأبعد. صدقة بن يزيد الخراساني ضعيف. انظر: العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢٠٦)، ابن عدي في "الكامل" (٤/ ٧٧).
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
وروى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح وذكر الفضل فيه"، انتهى كلام الترمذي.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "هذا حديث حسن، وقد أساء ابن الجوزي بذكره في "الموضوعات". وقال الدارقطني: "أصح شيء ورد في فضائل السور فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأصح شيء ورد في فضائل الصلاة فضل صلاة التسبيح"".
وقال عبد الله بن المبارك: "صلاة التسبيح مرغب فيها، يستحب أن يعتادها في كل حين، ولا يتغافل عنها". قال: "ويبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم، وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثًا ثلاثًا، ثم يسبح التسبيحات المذكورة".
وقيل له: إن سهى في هذه الصلاة هل يسبح في سجدتي السهو عشرًا عشرًا؟ قال: "لا؟ إنما هي ثلاث مئة تسبيحة".
وقال السبكي: "صلاة التسبيح من مهمات المسائل من الدين، وحديثها أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه. ويستحب أن [يتعاهدها] (^١) ولا يتغافل عنها.
وقد ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: "إن صلاها ليْلًا فأحب إلي أن يسلم من كل ركعتين، وإن صلاها نهارًا فإن شاء سلم، وإن شاء لم
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "يعتادها".
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
يسلم، غير أن التسبيح الذي يقوله بعد الفراغ من السجدة الثانية يؤدى إلى جلسة الاستراحة".
وكان عبد الله بن المبارك يسبح قبل القراءة خمس عشرة، ثم بعد القراءة عشرًا، والباقي كما في الحديث، ولا يسبح بعد الرفع من السجدتين، ذكره الترمذي".
قال السبكي: "وجلالة ابن المبارك تمنع من مخالفته الحديث، وأنا أحب العمل بما تضمنه حديث ابن عباس، ولا يمنعني من التسبيح بعد السجدتين الفصل بين الرفع والقيام، فإن جلسة الاستراحة حينئذٍ مشروعة في هذا المحل.
وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس تارة، [وبعمل] (^١) ابن المبارك أخرى، وأن يفعلها بعد الزوال قبل صلاة الظهر، وأن يقرأ فيها تارة بالزلزلة والعاديات [والفتح، أي: النصر] (^٢) والإخلاص، وأن يكون دعاؤه بعد التشهد قبل السلام، ثم يسلم ويدعو [لحاجته] (^٣)؛ ففي كل شيء ذكرته وردت سنة"، انتهى.
أما كونها بعد الزوال، فقد أخرج أبو داود عن أبي الجوزاء، عن رجل
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "ويعمل بعمل".
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ): "والنصر"، وفي (ج) و(د): "والفتح"، والمؤلف يسمي سورة النصر بالفتح كما سيأتي في موضع آخر.
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي. (أ): "بحاجته".
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
له صحبة يروي: "أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: ائتني غدًا أحبوك وأثيبك وأعطيك، حتى ظننت أنه يعطيني عطية، قال: إذا زالت الشمس، فقم فصل أربع ركعات … "، [فذكر] (^١) نحوه. وقال: "ثم ترفع رأسك فاستوِ جالسًا، ولا تقم حتى تسبح عشرًا، وتكبر عشرًا، وتهلل عشرًا، ثم تصنع ذلك في الأربع الركعات، فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنبًا غفر لك. قلت: فإن لم أستطع أن أصليها في تلك الساعة؟ قال: صلها من الليل والنهار".
أقول: ولعل وجه اختصاص وقت الزوال ليناسبه التسبيح والتنزيه عن نقص صفات الكمال، والله أعلم بالحال.
وقال في "الإحياء": "إنه يقول في أول الصلاة: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يسبح خمس عشرة قبل القراءة، وعشرًا بعدها، والباقي عشرًا عشرًا كما في الحديث. ولا يسبح بعد السجدة الآخرة قاعدًا. وهذا هو الأحسن، وهو اختيار عبد الله بن المبارك".
ثم قال: "وإن زاد بعد التسبيح: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فحسن، وقد ورد ذلك في بعض الروايات".
وأما الدعاء فقد ذكره شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في "الكلام الطيب" عن الإمام أحمد أنه يقول بعد صلاة التسبيح قبل السلام: "اللهم
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "فذكره".
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وجد أهل الخشية، وطلبة أهل الرغبة، وتعبد أهل الورع، وعرفان أهل العلم حتى أخافك.
اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملًا أستحق به رضاك، حتى أناصحك بالتوبة خوفًا منك، وحتى أخلص لك النصيحة حياءً منك، وحتى أتوكل عليك في الأمور كلها، حسن ظن بك، سبحان خالق النار"، انتهى.
وذكره أيضًا ابن أبي الصيف اليمني نزيل مكة المشرفة في كتابه "اللمعة في رغائب يوم الجمعة" أنه: "يستحب صلاة التسبيح عند الزوال يوم الجمعة، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: التكاثر، وفي الثانية العصر، وفي الثالثة الكافرون، وفي الرابعة الإخلاص، فإذا كملت الثلاث مئة تسبيحة قال بعد فراغه من التشهد قبل أن يسلم: "اللهم إني أسألك … " الدعاء، إلا أنه قال: "حبًّا لك" موضع "حياءً منك"، وقال: "سبحان خالق النور"، وزاد: "ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يسلم".
وقال بعض المحققين: "حديث صلاة التسبيح أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، وزاد الطبراني في "الأوسط": "أنه ﷺ كان يدعو فيها بعد التشهد وقبل السلام، فيقول: "اللهم …، إلى: "خالق النور" ".
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
قال شيخنا مفتي بلد الله الأمين مولانا قطب الدين: "والأقرب من الاعتدال أن يصليها من الجمعة إلى الجمعة، وهذا الذي كان عليه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فإنه كان يصليها عند الزوال يوم الجمعة ويقرأ فيها ما تقدم، والله سبحانه أعلم" (^١).
_________________
(١) أقوال العلماء: ضعفها الإمام أحمد: قال أحمد في رواية عبد الله (٨٩): لم تثبت عندي صلاة التسبيح وقد اختلفوا في إسناده لم يثبت عندي وكأنه ضعف عمرو بن عبد الله النكري. وفي رواية ابن هانئ (١٠٥) سئل أحمد عن صلاة التسبيح فقال: إسناده ضعيف. ونقل ابن القيم في بدائع الفوائد (٤/ ١٥٠٨) قال في رواية مهنأ وعبد الله صلاة التسبيح لم يثبت عندي فيها حديث وقال في رواية أبي الحارث صلاة التسبيح حديث ليس لها أصل ما يعجبني أن يصليها يصلي غيرها. وقال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٥٠٧): ونص أحمد وأئمة أصحابه على كراهتها، ولم يستحبها إمام، واستحبها ابن المبارك على صفة لم يرد بها الخبر لئلا تثبت سنة بخبر لا أصل له. قال: وأما أبو حنيفة، ومالك، والشافعي فلم يسمعوها بالكلية، وأما العقيلي فقال في الضعفاء (١/ ١٢٤، ترجمة ١٤٨) ترجمة أوس بن عبد الله الربعي وليس في صلاة التسابيح حديث يثبت. وأما شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أنكرها جدا، وعدها من البدع المستنكرة "منهاج السنة" (٧/ ٤٣٤) "مجموع الفتاوى" (١١/ ٥٧٩). ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٢/ ٧): وقال أبو جعفر العقيلي =
[ ٣ / ١٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ليس في صلاة التسبيح حديث يثبت. وقال أبو بكر بن العربي: ليس فيها حديث صحيح، ولا حسن. وبالغ ابن الجوزي فذكره في "الموضوعات". وصنف أبو موسى المديني جزءا في تصحيحه، فتباينا -يعني أبا موسى وابن الجوزي-. والحق أن طرقه كلها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن، إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات، وموسى بن عبد العزيز وإن كان صادقا صالحًا، فلا يحتمل منه هذا التفرد. وقد ضعفها ابن تيمية والمزي، وتوقف الذهبي، حكاه ابن عبد الهادي عنهم في "أحكامه" وقد اختلف كلام الشيخ محيي الدين النووي، فوهاها في "شرح المهذب"، فقال: حديثها ضعيف، وفي استحبابها عندي نظر لأن فيها تغييرا لهيئة الصلاة. وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي في "المغني" (١/ ٤٣٧): فصل: فأما صلاة التسبيح، فإن أحمد قال: ما تعجبني، قيل له: لم؟، قال: ليس فيها شيء يصح، ونفض يده كالمنكر. وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٥٦٦): وباب صلاة التسبيح لم يصح فيه حديث. قال ابن الجوزي الموضوعات (٢/ ١٤٥): هذه الطرق كلها لا تثبت. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١/ ١٤١): أبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم من حديث ابن عباس وقال العقيلي وغيره ليس فيها حديث صحيح. من قواه: صححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" (٢/ ٤٠٨) حيث أورده ساكتا عليه =
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٧): صححه أبو علي بن السكن والحاكم وادعى أن النسائي أخرجه في صحيحه عن عبد الرحمن بن بشر قال وتابعه إسحاق بن أبي إسرائيل عن موسى وأن ابن خزيمة رواه عن محمد بن يحيى عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه مرسلا وإبراهيم ضعيف. قال المنذري وفي الباب عن أنس وأبي رافع وعبد الله بن عمر وغيرهم وأمثلها حديث ابن عباس. وقال النووي في تهذيب الأسماء (٣/ ١٣٦): وأما صلاة التسبيح المعروفة فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها على خلاف العادة في غيرها وقد جاء فيها حديث حسن في كتاب الترمذي وغيره وذكرها المحاملي وصاحب التتمة وغيرهما من أصحابنا وهي سنة حسنة. قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ١٦٥): غلط ابن الجوزي حيث ذكرها في الموضوعات. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٦٨): وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة، وأمثلها حديث عكرمة هذا. وقد صححه جماعة منهم: الحافظ أبو بكر الآجري، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي رحمهم الله تعالى. وقال أبو بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا. وقال مسلم بن الحجاج -رحمه الله تعالى-: لا يروى في هذا الحديث إسناد أحسن من هذا -يعني إسناد حديث عكرمة عن ابن عباس-. وقال الحاكم: قد صحت الرواية عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ علم ابن عمه هذه الصلاة ثم قال حدثنا أحمد بن داود بمصر حدثنا إسحاق بن كامل حدثنا إدريس بن =
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
(وهي) أي: الكلمات الأربع، هي (مع ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن) أي: تلك الكلمات مع لا حول ولا قوة إلا بالله، (الباقيات
_________________
(١) = يحيى عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "وجه رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة، فلما قدم اعتنقه، وقبل بين عينيه، ثم قال: ألا أهب لك .. ألا أسرك .. ألا أمنحك"، فذكر الحديث ثم قال: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه. وقال صاحب "عون المعبود" (٤/ ١٢٤): وممن صحح هذا الحديث أو حسنه غير من تقدم ابن منده، وألف في تصحيحه كتابا، والآجري، والخطيب، وأبو سعد السمعاني، وأبو موسى المديني، وأبو الحسن بن المفضل، والمنذري، وابن الصلاح، والنووي في "تهذيب الأسماء"، وآخرون. وقال الديلمي في "مسند الفردوس": صلاة التسبيح أشهر الصلوات وأصحها إسنادا. وروى البيهقي وغيره عن أبي حامد الشرقي: قال كنت عند مسلم بن الحجاج ومعنا هذا الحديث فسمعت مسلما يقول: لا يروى فيها إسناد أحسن من هذا. وقال الترمذي: قد رأى ابن المبارك، وغيره من أهل العلم صلاة التسبيح وذكروا الفضل فيها. وقال البيهقي: كان عبد الله بن المبارك يصليها، وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع. اهـ. وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٢٣٥): خاتمة: صلاة التسبيح أشار إليها الرافعي في الباب، حيث قال: ورد الشرع بالتطويل في الصلاة فلنذكر طرق حديثها، وكلام أصحابنا فيها فنقول: حديثها مشهور في سنن أبي داود، وابن ماجه وجامع الترمذي، ومستدرك الحاكم … ثم أطال في ذلك. حتى (ص ٢٤٣).
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
الصالحات) أي: منها أو تفسيرها.
(وهن) أي: الخمس (يحططن) أي: يضعن (الخطايا كما تحط الشجرة ورقها) أي: بإذن ربها، (وهن من كنوز الجنة) أي: من أسباب حصولها، ومن موجبات وصولها.
أو: معانيها برموزها من كنوز الجنة الحاضرة على ما قال بعض العارفين في قوله تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]: "جنة عاجلة، وجنة آجلة". (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي الدرداء (^١).
(تجزئ) بضم حرف المضارعة وكسر الزاي بعدها همز، وهو بالتأنيث في ["الأصيل"] (^٢)، وبالتذكير عند "الجلال"، أي: تكفي، (من القرآن) أي: من جملته، (من لا يستطيعه) أي: بكليته، ولا يقدر على جمعيته.
ففي "المغرب": "يقال: هذا يجزئ من هذا، أي: يقضي أو ينوب عنه". وفي نسخة: "لمن لا يستطيعه"، وتؤيده الرواية الآتية. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن أبي أوفى.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٨١٣) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ١٣٣): هذا إسناد ضعيف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٠): رواه ابن ماجه باختصار، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما عمر بن راشد اليمامي، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "أصل الأصيل".
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
(وكذلك) أي: هي، يعني الكلمات الخمس، (مع: اللهم ارحمني) أي: بترك المعصية، (وارزقني) أي: رزقًا حسنًا، (وعافني) أي: من كل بلية، (واهدني) أي: إلى طريقة مرضية، أو ثبتني على الكتاب والسنة.
(تجزئ) يتعلق به كذلك، (من القرآن لمن لا يستطيعه) أي: جميعه أو بعضه، فإن مضمونها هو المقصود الأعظم من الكلام المكرم.
(من أخذه) أي: ما ذكر وعمل على وفق ما سطر، (فقد ملأ يده من الخير. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي؛ كلاهما عن عبد الله بن أبي أوفى (^١)، قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا" أي: سوى مما يجب عليَّ في الصلاة، فعلمني ما يجزئ عنه، أي: بالاشتغال به في سائر الأحوال.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٣٢)، والنسائي (٢/ ١٤٣)، وإسناده ضعيف ولكنه قد توبع فقد تابع إبراهيم السكسكي طلحة بن مصرف وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٨١٠) من حديث الفضل بن موفق وفيه ضعف، وله شاهد أيضًا من حديث رفاعة بن رافع عند أبي داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي (١١٣٦) قال النسائي: إبراهيم السكسكي ليس بذاك القوي، وقال يحيى بن سعيد القطان: كان شعبة يضعف إبراهيم السكسكي، قال المنذري: وقد احتج البخاري في صحيحه بإبراهيم السكسكي. وسنده حسن في الشواهد، فحديث ابن أبي أوفى حسن بمجموع طريقيه وشاهده والله أعلم. وقال ابن القيم: وصحح الدارقطني هذا الحديث، تهذيب سنن أبي داود (١/ ٣٩٥).
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
قال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ﷿، فما لي؟ قال: قل: اللهم، ارحمني وارزقني وعافني واهدني. فلما قام قال: هكذا بيده. فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد ملأ يده من الخير"، رواه النسائي، وأبو داود واللفظ له، ذكره ميرك.
(وهن أيضًا بغير الدعاء) أي: المذكور، (مع: وتبارك الله، قُيِّض) بضم قاف وتشديد تحتية فمعجمة، أي: قُدِّرَ وَوُكِّلَ، (عليهن) أي: على محافظة تلك الكلمات، (مَلَك) ووقع في بعض النسخ: "قبض" (^١) بالموحدة، وهكذا صحح في نسخة "السلاح"، ذكره ميرك.
فهو بصيغة الفاعل، ولا يمنعه وجود "على"، لكون تعديته بدونه، فإنه قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بغيره. ففي "القاموس": "قبضه بيده تناوله، وله وعليه: أمسكه" (^٢).
(فضمهن) أي: لمهن (تحت جناحه، وصَعِدَ بهن، لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن) أي: لما يَشَمُّون من رَائِحَتِهن، (حتى يحيا بهن وجهُ الرحمن) بصيغة المجهول من التحية، ورفع "الوجه" على نيابة الفاعل، ولعل المراد بالوجه الذات، أو التقدير: وجه عرشه، وهو المناسب؛ لقوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
_________________
(١) وهو الموافق لما في (م).
(٢) القاموس المحيط (٦٥١).
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
وقال صاحب "الكشف" البزدوي: "إن "حيَّاه" في الأصل بمعنى: استقبله، والمحيا: الوجه، فاستعير هنا للعرض في الحضرة الإلهية، والوقوع في معرض القبول وكأن الباء للتعدية"، انتهى.
وقال بعض المحققين: "كذا رواه الحاكم، لكن الطبراني رواه: "حتى يحيي بهن وجهَ الرحمن"، بالنصب" (^١).
وقال في "الترغيب": "ولعله الصواب". وزاد في "سلاح المؤمن": "يرفعه، ثم تلا عبد الله بن مسعود: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر: ١٠] ".
(مو مس) أي: رواه الحاكم موقوفًا من قول عبد الله بن مسعود، وقال: "صحيح الإسناد". ولفظه: عن عبد الله بن مسعود، قال: "إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب الله؛ إن العبد إذا قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، قيض عليهن مَلَك، فضمهن تحت جناحه، فصَعِدَ بهن، لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيا بهن وجه الرحمن، ثم تلا عبد الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ".
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩١٤٤) و(٩١٤٥) و(٩١٤٦)، والحاكم (١/ ٥١٢)، والبيهقي في "الشعب" (٦٢٥)، في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي كان قد اختلط. والحديث ضعيف موقوف، كما في "ضعيف الترغيب" (٩٤٨).
[ ٣ / ١٣٤٨ ]
أقول: الظاهر أن هذا الحديث ولو كان بسنده موقوفًا لكنه في حكم المرفوع؛ إذ مثله لا يقال من قِبَل الرأي، وإنما ذكر الآية استشهادًا، وبينها اعتضادًا وتنبيهًا على أن ما ورد من السنة إنما هو بيان لما في كتاب الله، والله أعلم بالصواب.
(إن الله اصطفى من الكلام) أي: من جنس ما يتكلم به، أو من الكلمات الواردة في كلام الله، (أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كتب له عشرون حسنة) أي: لاشتماله على كلمتين، كل كلمة حسنة مضاعفة بعشرة على أقل أصناف المضاعفة.
(وحطت) أي: وضعت ومحيت (عنه عشرون سيئة. ومن قال: الحمد لله فمثل ذلك) بالرفع، أي: فحكمه مثل ما تقدم من الإثبات والمحو. وفي نسخة بالنصب، أي: فيكون حكمه مثل ما ذُكِرَ.
وهذه الجملة موجودة في أكثر النسخ المصححة، وفي نسخة صحيحة مقروءة مكتوبة في الهامش، مرموز فوقها رمز الطبراني، ومكتوب تحتها: "أصل الطيبي وحاشية الجلال"، والله أعلم بالحال.
(ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قِبَل نفسه) بكسر القاف وفتح موحدة، أي: من صميم قلبه مخلصًا لربه زيادة على ما سبق.
وقال المصنف: "أي: من عنده، زيادة على ما تقدم" (^١). وقال الحنفي:
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ أ).
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
"فيه تأمل"، ولم يذكر ما فيه؛ ليتأمل ويعرف ما يوافقه أو ينافيه.
(كتبت له ثلاثون حسنة، وحطت عنه ثلاثون سيئة) أي: بزيادة عشرة في مقابلة قوله: "رب العالمين"، حيث عد المضاف والمضاف إليه منزلة الكلمة الواحدة، أو لأن المقصود بالذات هو المضاف، وذكر المضاف إليه تبعًا للبيان في هذا الشأن. (س، أ، مس، ر) أي رواه: النسائي، وأحمد، والحاكم، والبزار؛ كلهم عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا (^١).
(أما يستطيع أحدكم) أي: ألم يقدر (أن يعمل كل يوم مثل أُحُد) بضمتين، أي: جبل أُحُد في العظمة، (عملًا؟ قالوا: يا رسول الله، ومن يستطيع ذلك؟! قال: كلكم) أي: كل فرد من أفرادكم، (يستطيعه. قالوا: يا رسول الله، ماذا؟!) أي: أي العمل ذاك أو هذا؟ (قال: سبحان الله أعظم من أُحُد) أي: ثوابًا، (ولا إله إلا الله أعظم من أُحُد، والحمد لله أعظم من أُحُد، والله أكبر أعظم من أُحُد. ر، ط) أي رواه: البزار، والطبراني؛ كلاهما عن عمران بن حصين (^٢).
_________________
(١) أخرجه (أحمد ٢/ ٣٠٢)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٤٠)، وأحمد (٢/ ٣٠٢ و٣١٠ و٣/ ٣٥ و٣٧)، والطبراني في "الدعاء" (١٦٨١)، وصححه الحاكم (١/ ٥١٢)، والحديث في "صحيح الترغيب" (١٥٥٤).
(٢) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٨/ ١٧٤ - ١٧٥/ ٣٩٨) والبزار (٣٠٧٥) وقال الهيثمي (١٠/ ٩٣ - ٩٤): الطبراني والبزار ورجالهما رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٥١).
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
(سبحان الله مئة) بالنصب، أي: مئة مرة، (تعدل) بالتأنيث؛ نظرًا إلى الكلمة، وفي نسخة بالتذكير اعتبارًا باللفظ أي: يساوي (مئة رقبة) أي: عتق مئة نَسَمة، (من ولد إسماعيل) بفتحتين، وبضم فسكون، أي: من ذريته، (والحمد لله مئة تعدل مئة فرس مسرجة ملجمة) بصيغة المفعول فيهما، أي: موضوعة عليها السرج واللجام، (يحمل) بصيغة المجهول أي: يركب، (عليها في سبيل الله) أي: [في] (^١) الغزو أو الحج أو طلب العِلْم.
(والله أكبر مئه تعدل مئه بَدَنة) أي: ناقة أو بقرة، (مقلدة) بتشديد اللام المفتوحة مأخوذة من القلادة، وهي التي في العنق. والتقليد أن يُعَلَّقَ في العنق شيءٌ لِيُعْلَمَ أنه هدْي، كذا في "الصحاح ".
(متقبلة) بفتح الموحدة المشددة، أي: مقبولة، وما أحسن مقابلة التسبيح بعتق من لا يستحق الرق، وبمشاكلة التكبير للبدنة التي هي أكبر ما يهدى في تعظيم الرب سبحانه!.
(س، ق، مس، ط، مص) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، والطبراني، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أم هانئ أخت علي [بن] (^٢) أبي طالب، واسمها فاختة، وقيل: هند (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "من".
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "بنت".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٩٨)، وأحمد (٦/ ٣٤٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٤٤)، وفي "الكبري" (١٠٦٨٠)، وابن ماجه (٣٨١٠)، والطبراني =
[ ٣ / ١٣٥١ ]
(تنحر بمكة) بصيغة المجهول من النحر، والضمير لمئة بدنة. (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي أمامة بهذه الزيادة.
(ولا إله إلا الله تملأ) بالتأنيث، وقيل: بالتذكير نظرًا إلى الكلمة والقول، والمعنى: يملأ ثوابها لو قدر جسمًا (ما بين السماء والأرض) أو باعتبار معناها من الوحدة في الألوهية ونفي الشركة، والإثنينية تشمل ما بين السماء والأرض، أي: من العلويات والسفليات، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [لزخرف: ٨٤].
(س، ق، مس، أ، ط) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، والطبراني، كلهم عن أم هانئ أيضًا (^١).
(بَخ بَخ) بفتح الموحدة وبسكون المعجمة فيهما. وفي نسخة بكسرهما منوَّنًا، أي: طوبى، (بخمس) قال المصنف: "يقال عند الفَرَح، والرضا بالشيء، ويكرر عند المبالغة بفتح الباء مبنية علي السكون، فإن
_________________
(١) = في "الكبير" (٢٤/ ٤١٤) (١٠٠٨)، وفي "الدعاء" (٣٢٨)، والبيهقي في (الشعب) (٦٢١)، قال البوصيري في "الزوائد": في إسناده زكريا بن منظور وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا الحاكم (١/ ٥١٣)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي: زكريا ضعيف وسقط بين محمد وأم هانئ. والحديث حسن كما في "صحيح الترغيب" (١٥٥٣).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٣٤٤)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤١٤) (١٠٠٨)، والحاكم (١/ ٦٩٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٣٤)، وحسنه في الصحيحة (١٣١٦).
[ ٣ / ١٣٥٢ ]
وصلتها بما بعد جررت ونونت، فقلت: بخ بخ" (^١)، انتهي.
وذكر في المقدمة أن فيها لغات: إسكان الخاء وكسرها منونًا وغير منون، وبضمها منونًا، وبتشديدها مضمومًا ومنونًا، واختار الخطابي إذا كرر: تنوينَ الأولى وتسكينَ الثانية.
وفي "القاموس" (^٢): "بخ أي: عظم الأمر وفخم، يقال وحدها، وتكرر "بخ بخ" الأول منون والثاني مسكن. وقل في الإفراد: بَخ ساكنة، وبَخِ مكسورة [وَبَخٍ مُنَوَّنَة، (^٣)، وبَخ منونة مضمومة، ويقال: بَخ بَخْ مُسَكَّنَيْنِ، وبَخٍ بَخٍ مُنَوَّنَيْنِ، وبَخٍّ بَخٍّ مُشَدَّدَّيْنِ، كَلِمَة تُقَالُ عند الرضي والإعجاب بالشيء أو الفخر والمدح".
(ما أثقلهن) فعل تعجب لإفادة المبالغة في ثقلهن، (في الميزان: لا إله إلا الله) ولعل تقديمها لأنها مبدأ علم التوحيد، وعليها مدار التسبيح والتحميد والتمجيد.
(وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح) بالجر علي محل "لا إله إلا الله" المبدل من الخمس، وفي نسخة برفع "الولد" علي تقدير منها، وفي أخرى بالنصب بتقدير: "أعني"، والمراد به الصالح المؤمن، (يتوفى) بصيغة المجهول أي: يقبض أو يموت، (للمرء المسلم) متعلق بالولد،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ أ).
(٢) القاموس (ص ٢٤٨)
(٣) من (ج) و(د) و" القاموس" فقط.
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
(فيحتسبه) أي: يطلب ثوابه بالصبر والشكر والرضا بالقضاء. قال المصنف: "عطف على "يتوفى" أي: يطلب رضا الله وثوابه" (^١)، انتهى.
والحاصل: أن ثواب هذه الكلمات وأجر الصبر على فقد الولد الذي عد من الثمرات من أثقل ما يكون في ميزان الأعمال، وأحسن ما يرجى منه في حسن المآل، والله أعلم بالحال.
(س، حب، مس، ر، أ، ط) أي رواه: النسائي وابن حبان والحاكم، من حديث أبي سلمى راعي النبي ﷺ، وقيل: اسمه حريث. والبزار وأحمد والطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ كذا ذكره ميرك، وفي نسخة صحيحة نسب الأولان إلى أبي سلمي، والباقون إلى ثوبان (^٢).
(إن مما تذكرون من جلال الله) كلمة "من" تبيينية أو تبعيضية لـ "ما تذكرون"، وكأن المراد بالجلال ما يدل على عظمته وكبريائه، والظرف خبر مقدم على الاسم، وهو قوله: (سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله ينعطفن حول العرش) قال المصنف: "أي: يدُرن حوله" (^٣). انتهى.
وفي نسخة: "من حوله"، وهو الملائم لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ أ).
(٢) أخرجه البزار (٢١٤ - كشف) عن ثوبان، النسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٦٧)، وابن حبان (٨٣٣) "الإحسان"، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٤٨) وصححه الحاكم (١/ ٥١١). والحديث في "صحيح الترغيب" (٢٠٠٩) عن أبي سلمى، وأحمد (٤/ ٤٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨١٧).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ أ).
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥].
(لهن) أي: لتلك الكلمات، (دَوِيٌّ) بفتح وكسر وتشديد أي: صوت (كدويِّ النحل) وهو ذباب العسل، وفي "القاموس" (^١): "دوي الريح: حفيفها، وكذا من النحل والطائر".
(تذكر) بكسر الكاف المشددة، والضمير المفرد باعتبار كل واحدة أو الجماعة، والمفعول مقدر، أي: تذكر الله أو ملائكته، (بصاحبها) أي: بحاله وتحسين مآله، والباء للتعدية كما في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] فما قال بعضهم من أنها زائدة، فزيادة بلا فائدة، وإن كان قد يتعدى بنفسه، حيثما قال صاحب "الصحاح": "ذكرت الشيء بعد النسيان، وتذكرته، وأذكرته غيري، وذكرته بمعنًى".
وقال المصنف: "دوي: بفتح الدال، صوت ليس بالعالي كصوت النحل ونحوه، وهذا يدل على أن الأقوال والأعمال نفسها تتجسد بقدرة الله تعالى كما تقدم، والله أعلم. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا …﴾ [آل عمران: ٣٠] الآية. وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] [الآيتين] (^٢). وحديث: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا
_________________
(١) القاموس (ص ١٢٨٤).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): " ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] " وفي "مفتاح الحصن الحصين": "الآية".
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
جعل يوم القيامة شجاعًا أقرع"" (^١)، انتهى كلامه.
وفي استدلاله على طبق مقاله نظر، إذ في الآيتين مضاف مقدر أي: جزاء ما عملت من طاعة وسيئة وثواب خيره ولثمره، وأما الحديث الذي ذكره فمعناه صور ماله شجاعًا أي: حية، وليس فيه ما يدل على تجسيم الأقوال والأعمال والله أعلم بالأحوال.
نَعَم، الحديث الذي في الأصل يحتمل أن يكون من هذا القبيل، وأن يصور ثوابها على وجه التمثيل.
(أما يحب أحدكم أن يكون أو لا يزال) بالنصب و"أو" للشك من الراوي، أي: [أن] (^٢) لا يزال، (من يذكر به) أي: عند ربه لمزيد فضله.
(ق، مس) أي رواه: ابن ماجه، والحاكم، عن النعمان بن بشير (^٣).
(استكثروا) أي: اطلبوا الكثرة (من الباقيات الصالحات) أي: قولًا وفعلًا، (الله أكبر، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي: منها هذه الكلمات.
قال المصنف: "أي: أكثروا منها، وهي للعبد صالحة تنفعه عند الله
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ أ، ب).
(٢) من (ج) و(د) فقط.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٩)، والحاكم (١/ ٥٠٠)، والطبراني في "الدعاء" (١٦٩٣)، وأحمد (٤/ ٢٦٨ و٢٧١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٦٩)، وقال البوصيري في "الزوائد": إسناده صحيح. انظر "الأحاديث الصحيحة" (٣٣٥٨) والحديث في "صحيح الترغيب" (١٥٦٨).
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
تعالى. قال غير واحد من السلف: "هي الصلوات الخمس". وقال ابن عباس: "هي ذكر الله والصلاة على رسوله ﷺ، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، وجميع الأعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال العوفي، عن ابن عباس: "هي الكلم الطيب". والأحاديث الواردة أنها: "سبحان الله والحمد لله … " الحديث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "هي الأعمال الصالحة كلها". واختاره ابن جرير، وهذا هو الظاهر والأعم، وهذه الكلمات منها؛ والله أعلم" (^١). (س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري (^٢).
(قل) أي: كثيرًا، (لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة) لما فيها من الرموز الخفية، والأسرار الجلية. قال المصنف: "أي: أجرها مدخر لقائلها والمتصف بها كما يدخر الكنز" (^٣).
(ع، أ، ر، ط) أي رواه: الجماعة عن أبي موسى الأشعري (^٤)، وأحمد
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٧٥) وابن حبان (٨٤٠) والحاكم (١/ ٥١٢) والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وأبو يعلى (١٣٨٤)، وابن حبان (٨٤٠) وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم ضعيف كما قال الحافظ في التقريب (١٨٢٤) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٨٢٨).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٨٤)، (٤٢٠٥)، (٧٣٨٦)، ومسلم (٢٧٠٤) =،
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
والبزار عن أبي هريرة (^١)، والطبراني عن معاذ (^٢)، ورواه النسائي عن أبي هريرة وأبي ذرّ أيضًا (^٣)، كذا ذكره ميرك.
_________________
(١) = والترمذي (٣٣٧٤)، والنسائي (١١٤٢٧)، وفي عمل اليوم والليلة (٥٣٨)، وابن ماجه (٣٨٢٤)، وأبو داود (١٥٢٧).
(٢) أحمد (٢/ ٥٢٠)، والبزار (٣٠٨٧ كشف) والنسائي (٦/ ٩٧). قال الدارقطني في العلل: (١٥٩٧) وسئل عن حديث عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة … ". فقال اختلف فيه على عمرو بن ميمون فرواه شعبة وزهير سويد بن عبد العزيز، عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن عمرو ورواه محمد بن السائب بن بركة عن عمرو بن ميمون عن أبي ذر. وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢٠٠٠) وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون بن عمرو، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في: "لا حول ولا قوة إلا بالله". قال أبو محمد: رواه ابن عيينة عن محمد بن السائب بن بركة، عن عمرو بن ميمون عن أبي ذر، عن النبي ﷺ. قلت لهما: أيهما أصح قال أبي: حديث ابن عيينة أصح، وقال أبو زرعة، عن أبي هريرة غامض. قلت: فأيهما أصح؟ قال: في هذا نظر.
(٣) أخرجه الطبراني (٢٠/ ١٧٤) رقم (٣٧١). قال الهيثمي (١٠/ ٩٧): رجاله رجال الصحيح غير عطاء بن السائب وقد حدث عنه حماد بن سلمة قبل الاختلاط.
(٤) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩٧٥٧) قال الدارقطني في العلل (١١١٤): وسئل عن حديث عمرو بن ميمون عن أبي ذر، قال لي رسول الله ﷺ: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله". فقال: حدث به محمد بن السائب بن بركة، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر =
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
(باب) أي: فإنها باب، (من أبواب الجنة) أي: نوع مدخل من مداخلها، وصنف من أصناف أسباب حصول مراتبها. (أ، ط، س) أي رواه: أحمد، والطبراني، والنسائي، عن معاذ بن جبل (^١).
(غراس الجنة) أي: فإنها من مغروساتها، وأصول موجباتها. (حب، أ، ط) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، والطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري، وكذا رواه الترمذي وصححه، عنه (^٢): "أن النبي ﷺ ليلة أسري به مرّ على إبراهيم ﵇، فقال: يا محمد، مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة. قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة بالله".
_________________
(١) = واختلف عن عمرو بن ميمون، فرواه حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو. ورواه شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة. والله أعلم.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨)، والنسائي في "الكبرى" (١٠١٨٩)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٣٥٧)، وعزو للترمذي وهم قال الهيثمي (١٠/ ٩٧): رجاله رجال الصحيح. وهو حديث صحيح لغيره كما في "الأحاديث الصحيحة" (١٥٢٨). و"صحيح الترغيب" (١٥٨١).
(٣) أحمد (٥/ ٤١٨)، وابن حبان (٨٢١)، والبيهقي في "الشعب" (٦٥٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١٩٨). إسناده ضعيف، فيه عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف، ولكن له شاهدان يرتقي بهما إلى الحسن لغيره. والحديث صحيح لغيره كما في "صحيح الترغيب" (١٥٨٣).
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
(وتقدم أنها دواء من تسعة وتسعين داءً، أيسرها) أي: أقلها وأسهلها (الهم) أي: هم الدنيا، أو هم الدَّين بفتح الدال. (مس، ط) أي رواه: الحاكم، والطبراني، كلاهما عن أبي هريرة (^١).
(كنت عند النبي) وفي نسخة: "عند رسول الله"، ﷺ فقلتها) أي: كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، (فقال: [أتدري]) (^٢) أي: [أتعلم] (^٣) (ما تفسيرها؟ قلت: الله ورسوله أعلم) أي: بحقيقة معناها، ومقتضى مبناها، (قال: لا حول) أي: لا تحويل ولا انصراف للعبد، (عن معصية الله إلا بعصمة الله) أي: بحفظه إيّاه، (ولا قوة على طاعة الله) أي: عبادته، (إلا بعون الله) أي: بمعونته.
قال النووي: "هي كلمة استسلام وتفويض، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، وليس له حيلة في دفع شرٍّ، ولا قوةٌ لا في جلب خيرٍ إلا بإرادة الله" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الدعاء" (١٦٧٤)، وفي "الأوسط" (٥٠٢٨)، وقال الحاكم (١/ ٥٤٢): هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وقال الذهبي: بشر واهٍ. وقال المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٤٢٥): وفيه كما في الميزان بشر بن رافع قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال أحمد: ضعيف وقال غيره: حدث بمناكير هذا منها والحديث في "ضعيف الترغيب" (٩٧٠). انظر "الأحاديث الصحيحة" (١٥٢٨).
(٢) كذا في (ب)، وفي (ج) و(د): "تدري"، وفي (م): "ما تدري"، وسقطت من (أ).
(٣) كذا في (ب)، وفي (ج) و(د): "تعلم"، وسقطت من (أ).
(٤) فتح الباري (١١/ ٥٠١).
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
(ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود، وفي نسخة: "وعن قيس بن سعد أيضًا" (^١).
(وهي) أي: كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، (مع: ولا منجا) بفتح الميم مقصورًا، اسم مكان من النجاة، أي: لا مفر ولا مخلص، ولا ملاذ ولا معاذ (من الله) أي: من قضائه، (إلا إليه) أي: إلى رضائه أو إلى قدره، أو لا خلاص من السوء إلا بالاستغراق في حضرة المولى، ومنه قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وقوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرّ﴾ [القيامة: ١١، ١٢]، ومنه ما ورد: "لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك".
(كنز من كنوز الجنة) قال ميرك: "سمى هذه الكلمة كنزًا؛ لأنها كالكنز في نفاسته، وصيانته عن أعين الناس، أو أنها من ذخائر الجنة، أو من محصلات نفائس الجنة". وقال النووي: "المعنى أن قولها يحصّل ثوابًا نفيسًا يدخر لصاحبه في الجنة".
(س، ر) أي رواه: النسائي، والبزار، عن أبي هريرة (^٢).
_________________
(١) أخرجه البزار (٢٠٠٤)، والبيهقي في الشعب (٦٦٤)، وقال: تفرد به صالح بن بيان السيرافي وليس بالقوي. وأخرجه أيضا: العقيلي (٢/ ٢٠٠)، ترجمة ٧٢٤)، والخطيب (١٢/ ٣٦٢). وقال الألباني في ضعيف الجامع (٢١٥٤): ضعيف جدًّا.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣ / ١٣٦١ ]
(من قال: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا) وفي نسخة صحيحة: "رسولًا" في الهامش بدل "نبيًّا" ورمز عليه الميم والدال، (وجبت له الجنة) أي: ثبتت أو حصلت وجوبًا بمقتضى الوعد.
(س، م، د، مص) أي رواه: النسائي، ومسلم، وأبو داود، وابن أبي شيبة، عن أبي سعيد الخدري (^١).
(من قال: اللهم رب السماوات والأرض) أي: خالقهما، ومربي أهلهما، (عالمَ الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية، (إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا؛ أني) بفتح الهمز، (أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني) أي: تتركني، (إلي نفسي) أي: من غير توفيقٍ لي على الطاعة، ومن غير حفظٍ عن المعصية، (تقربني من الشر) أي: توقعني فيه، (وتباعدني من الخير) أي: بحيث لا يتصور وقوعه مني.
(وإني) بكسر الهمز، (إن أثق) أي: "لا أثق" كما في نسخة، فَـ "إنْ" نافية أي: لا أعتمد ولا أتمسك، (إلا برحمتك فاجعل) أي: أثبت إلى عندك عهدًا) أي: بقبول الإيمان، ودخول الجنان، والخلاص من النيران، (توفينيه) من الإيفاء، ويجوز تشديد الفاء، أي: تجازينيه بذلك العهد وافيًا (يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد) أي: الوعد والعهد (إلا قال
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٤)، ومسلم (١٨٨٤) وابن أبي شيبة (٢٩٨٩٣) وأبو داود (١٥٢٩)، والنسائي (٦/ ١٩).
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
الله) استثناء مِنْ "مَنْ" الشرطية، المراد بها عموم القضية، فكأنه قال: ما قاله أحد إلا قال الله ﷿ يوم القيامة لملائكته) أي: المقربين، وفي نسخة: "للملائكة"، (إن عبدي عهد عندي) أي: معي، (عهدًا) أي: أوفيه إياه، (فأوفوه إياه) أي: بعدم إدخاله النار، (فيدخله الله ﷿ الجنة).
(قال سهيل) أي: أحد الرواة من تبع التابعين، (فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن) وهو من أجلاء التابعين، (أن عوفًا) هو من التابعين أيضًا، (أخبرني بكذا وكذا) أي: عن ابن مسعود مرفوعًا، (فقال) أي: القاسم، (ما في أهلنا) أي: ليس من أقاربنا، أو في أهل بيتنا، (جارية) أي: بنت صغيرة أو خادمة أو مملوكة، (إلا وهي تقول كذا) أي: الدعاء، (في خِدرها) بكسر معجمة فسكون دال مهملة، أي: سترها أو بيتها. (أ) أي: رواه أحمد عن ابن مسعود (^١).
قال المصنف: "بكسر الخاء المعجمة وإسكان الدال، وهو ناحية في البيت، يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر، فتكون فيه مخدرة"، انتهى.
وأغرب الحنفي حيث قال: "وهذا لا يلائم ما ذكر في "المهذب " من أن الخِدْرَ هو الستارة"، انتهى. ففي "القاموس" (^٢): "الخدر بالكسر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، وكل ما واراك من بيت ونحوه".
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٤١٢). قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٧٤)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود.
(٢) القاموس (ص ٣٨٣).
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
(ولما جلس الرجل) أي: المعهود في الحضرة الشريفة، (وقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا) أي: في الكمية، (طيبًا) أي: في الكيفية، بالبراءة من الرياء والسمعة، (مباركًا فيه) أي: في الحمد حتى يشمل النعم، بل ويعم البلاء والألم، فيكون حمدًا في السراء والضراء، (كما يحب ربُّنا ويرضي) أي: حمدًا مثل ما يحبه ربنا ويرضى به، فهو صفة بعد صفة لـ "حمدًا"، وجوز الحنفي أن يكون قيدًا لـ "طيبًا مباركًا فيه"، وفيه ما فيه.
(فقال ﷺ: والذي نفسي) أي: روحي أو ذاتي، (بيده) أي: بيد قدرته، وتصرف إرادته، (لقد ابتدرها) أي: تسارع إليها وتسابق فيها (عشرة أملاك) وتعجل بعضهم بعضًا في [كتابة] (^١) تلك الكلمات، ورفعها إلى حضرة رب العزة لعظمة قدرها، وكثرة أجرها.
قال المصنف: "من [المبادرة] (^٢)، وهي العجلة والاهتمام إليه" (^٣).
وقال الحنفي: "الظاهر أن يقال: من الابتدار بمعني المبادرة"، انتهى.
وفيه: أن الافتعال يكون بمعني المفاعلة، لما بينهما من الفرق المُبَيَّنِ في علم الصَّرْف، فهذه بادرة منهما عفا الله عنا وعنهما، ولعل وجه اختصاص عدد العشرة؛ لأنه أقل الكثرة من الأعداد فوق الآحاد، أو لأنها أدنى مراتب عدد الأخبار المتواترة عند بعض العلماء المعتبرة.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (خ) و(د): "كَتْبِهِ".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ): "التبادر".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب).
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
قال المصنف: "الذي خطر لي في وجه كونهم عشرة أن عدد الكلمات عشرة، و"فيه" زائدة؛ ولذلك حذف في بعض الروايات، والله أعلم" (^١)، انتهى.
ولا يخفى أن الأظهر أن يقال: عدم اعتداده لعدم اعتباره؛ حيث إنه فضلةٌ يجوز ذكره وحذفه، مع أن اعتبار الكلمات على ما قاله لا يوافق اصطلاح النحاة؛ لأن "الحمد" كلمتان عندهم، وكذا قوله: "لله"، وكذا "حمدًا" حيث يعد التنوين كلمة، وكذا "فيه" و"ربنا"، فالشيخ جعلها عشر كلمات باصطلاح القراء حيثما يطلقون الكلمة على ما لا يجوز الفصل بين أجزائها.
(كلهم) أي: كل واحد منهم، أو جميعهم (حريصٌ) وأفرد الضمير باعتبار لفظ الكل، (على أن يكتبوها) أي: على كتابتهم ثوابها وأجرها لقوله: (فما دَرَوا) بفتحتين من الدراية، أي: فما علموا (كيف يكتبونها) أي: لما رأوا فيها من الأنوار الكثيرة، والأسرار [العزيزة] (^٢) مما يتضمنها هذه الكلمات اليسيرة، (حتى رفعوها إلى ذي العزة) أي: على وجه إجمالها.
(فقال: اكتبوها) أي: ألفاظها، (كما قال عبدي) أي: من غير تعرض لقدر أجرها. (حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، عن أنس (^٣).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٦/ ب).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "الغزيرة".
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٨)، والنسائي (٢/ ١٣٢)، وفي "عمل اليوم والليلة"، وابن حبان (٨٤٥). قال الهيثمي (١٠/ ٩٧): رجاله ثقات والحديث في "ضعيف الترغيب" (٩٦٧).
[ ٣ / ١٣٦٥ ]