اهتمامه بالأسانيد والإجازات، ومعرفته بأحوال الرواة.
ذَكَرَ الطاووسي الإمام ابن الجزري في مشيخته وقال: (إنه تفرد بعلو الرواية، وحفظ الأحاديث، والجرح والتعديل، ومعرفة الرواة المتقدمين والمتأخرين، وأورد أسانيده بالصحيحين، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وبمسانيد الدارمي، والشافعي، وأحمد، وبموطأ مالك، عن طريق يحيى بن يحيى، وأبي مصعب، والقعنبي، وابن بكير، وبمصنفات
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ (٣٧٧).
(٢) البدر الطالع (٢/ ٢٥٧).
(٣) الشقائق النعمانية (٤/ ٣٩٨).
[ ١ / ٣٤ ]
البغوي، والنووي، كما سقتها في التاريخ الكبير) (^١). وقال الحافظ ابن حجر في معجمه: (أنه حدَّث بسنن أبي داود والترمذي عن ابن أميلة سماعًا وبمسند أحمد عن الصلاح بن أبي عمر سماعًا وأن من أحسن ما عنده الكامل في القراءات لابن جبارة، وساق سنده وأنه سمع على ابن أميلة أمالي ابن سمعون) (^٢).
وقال أيضًا عنه: (وخرَّج لنفسه أربعين عشارية لفظها من أربعينية الحافظ العراقي، وخرج جزءًا فيه مسلسلات بالمصافحة وغيرها، جمع أوهامه فيه في جزء الحافظ ابن ناصر الدين، قال السخاوي: وهو مفيد). (^٣)
وقال أيضًا: وقد أجاز لي ولولدي سائر مروياته. (^٤)
ثم قال: وكنتُ لقيته في سنة ٧٩٧ هـ وحرضني على الرحلة إلى دمشق وقد حدَّثتُ عنه في حياته بكتابه "الحصن الحصين" (يعني بالوجادة) فقال: قال صاحبنا فلان، لكونه لم تكن سبقت له منه إجازة، وحصل له في البلاد اليمنية بسبب ذلك رواجٌ عظيمٌ، وتنافسوا في تحصيله وروايته، ثم دخل بعد نيف وعشرين وثمانمائة وقد مات كثير ممن سمعه فسمعه الباقون وأولادهم عليه. (^٥)
_________________
(١) نقله في الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥).
(٢) إنباء الغمر (٢/ ٥٨٢).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٥٨٢ و٥٨٣).
(٤) إنباء الغمر (٢/ ٥٨٢).
(٥) المصدر السابق (٢/ ٥٨٢ و٥٨٣).
[ ١ / ٣٥ ]
وقال أيضًا: (ولما أقام بمكة نسخ بخطه من أول المقدمة التي جمعتها أول شرح البخاري واستعان بجماعة حتى أكملها تحصيلًا، وكان أرسل إلى صاحبنا التقي الفاسي في مكة من شيراز يسأله عن تعليق التعليق الذي خرجته في وصل تعاليق البخاري، فاتفق وصول كتابه وأنا بمكة ومعي نسخة من الكتاب فجهزتها إليه فجاء كتابه يذكر ابتهاجه وفرحه بها، وأنه شهر الكتاب بتلك البلاد وأهدى إلى بعد ذلك كتابه النشر المذكور، قلت وهو في مجلدين وكتب على كل مجلد منهما بالإجازة لشيخنا، قال: والتمس أن ينشر في الديار المصرية وقدر مجيئه، فنشرته وعلمًا كثيرًا، ثم أرسل إليَّ من شيراز بالمقدمة والتعليق، فألحقت بهما ما كان تجدَّدّ لي بعد حصولهما له، وكتب عني شيئًا من أول ما علقته متعقبًا على جميع رجال مسند أحمد، وبالغ في استحسان ما وقع لي من ذلك). (^١)
وكان لابن الجزري اهتمامًا بالغا بمسند الإمام أحمد، دراسةً لأسانيده، ومعرفةً برجاله، وعرضًا وسماعًا، وختمًا وإجازةً، حتى أنَّ له فيه ثلاثة كتب مخصوصة، وهي:
١. القصد الأحمد في رجال مسند أحمد.
٢. المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد.
٣. المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد.
ومما اهتم به كذلك الأحاديث العوالي، وتخريج المشيخات، والمستخرجات على أربعينيات من سبقه، وتذييله على كتب الرجال،
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٥٨٢ و٥٨٣). باختصار.
[ ١ / ٣٦ ]
وتقييده لما ائتلف واختلف من الأسماء والكنى، ناهيك عن تصنيفه في المصطلح نظمًا ونثرًا.
وكذلك اهتم بشرح السنة، ومن أجلِّ شروحاته لكتب السنة: (التوضيح شرح مشكاة المصابيح) في ٣ مجلدات، أثنى عليه عدد من العلماء.
وقد اشتغل بالتحديث والإملاء سنينَ طويلة، في الأقطار والأمصار في رحلته إليها والاستقرار فيها، والخروج منها، والرجوع إليها، باختلافٍ في المُدَّة بين طويلةٍ وقصيرة، فلقد كان هذا ديدن الإمام حتى استقرَّ في شيراز سنيَّ عمره الأخيرة، وانتفع به الخلق الكثير.