(قال) أي: رسول الله كما في نسخة ﷺ جملة خبرية أو دعائية، والأظهر أنه خبر لفظًا، وإنشاء معنىً (الدعاء) أي: دعاء الحق (هو العبادة) أي: عبادة الخلق، وأتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام؛ ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة، ومعناه: أن الدعاء معظم العبادة، كما قال ﷺ: "الحج عرفة"، أي: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، كذا ذكره ميرك.
والأظهر أن الحصر حقيقي لا ادعائي؛ فإن إظهار العبد العجز والاحتياج عن نفسه والاعتراف بأن الله قادر على إجابته سواء استجاب له أو لم يستجب كريم غني لا بخل له ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه عن عباده هو عين العبادة ومخها، كما روي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" (^١). رواه الترمذي، وقال: "حديث غريب من هذا الوجه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة، كذا في "الترغيب" للحافظ المنذري. وأشار بقوله: "روي" إلى تضعيف هذا الحديث، كما ذكر في خطبة كتابه (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) وإسناده ضعيف. فيه ابن لهيعة. قال الحافظ: صدوق خلط بعد احتراق كتبه. التقريب (ت ٣٥٨٧). لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان بن بشير: "الدعاء هو العبادة".
(٢) يعني بذلك المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب".
[ ١ / ١٣٣ ]
ومخ الشيء خالصه وما يقوم به، كمخ الدماغ الذي هو نقيُّه، ومخ العين شحمها، والمعنى: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء، كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ. وقال القاضي: "أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه" (^١).
(ثم تلا) أي: ثم قرأ النبي ﷺ استشهادًا واعتضادًا (﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونيَ﴾ [غافر: ٦٠] الآية) بالنصب، وهو الأرجح، أي: قرأها تمامها، وبالجر أي: إلى آخرها، وبالرفع أي: معروفة مشهورة، ولفظ الآية من تصرفات أهل الرواية اقتصارًا واكتفاء بالدراية، وإلا فلا شكَّ أنه ﷺ قرأ الآية بكمالها، ثم فيها إيماء إلى أن تتمة الآية لها دخل في الاستشهاد.
وفي نسخة: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية"، ثم تمامها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أي: أذلاء صاغرين، فالمراد بعبادتي: دعائي ليطابق قوله: ﴿ادْعُونِي﴾ أو المعني بقوله: ﴿ادْعُونِي﴾: اعبدوني؛ ليوافق قوله: ﴿عِبَادَتِي﴾، فوضع الدعاء موضع العبادة، ووضع العبادة موضع الدعاء، ليفيد أن الدعاء هو العبادة، وأن العبادة هي الدعاء، وهذا ما ظهر لي في هذا المقام من حل الكلام على وفق المرام.
وقال المؤلف: "إنما تلا الآية استشهادًا لذلك؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي" (^٢). وقال في "شرح
_________________
(١) يعني بالقاضي: البيضاوي انظر كلامه هذا في تحفة الأبرار تحت حديث (٤٤٢).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ ب).
[ ١ / ١٣٤ ]
المصابيح": "أتى بصيغة الحصر مبالغة، لأن حقيقة العبادة الافتقار إليه تعالى، وذلك في الدعاء والالتجاء فمن لازم الدعاء لازم العباد؛ ولذلك قرأ ﷺ الآية؛ لأنه تعالى أراد: اعبدوني بالدعاء لي، لأن ذلك يحقق تعبدكم إلى ما ترون من إجابتي لكم، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي".
وقال القاضي: "استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، ويكون أهم العبادات، ويقرب من هذا قوله: ""مخ العبادة" أي: خالصها" (^١). وقال الراغب: "العبودية إظهار التذلل، ولا عبادة أفضل منها؛ لأن غاية التذلل لا يستحقها إلا من له غاية التفضل" (^٢).
(مص، عه، حب، مس، أ) أي: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، وقدمه لأن اللفظ له، والأربعة وابن حبان، والحاكم في "مستدركه"، والإمام أحمد في "مسنده"؛ كلهم من حديث النعمان بن بشير. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وفي بعض نسخه: "حسن" فقط. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وأخرجه الطبراتي في كتاب "الدعاء" له أيضا، ولم يرقم له الشيخ ﵀، وكذا رواه البخاري في "تاريخه" عن النعمان (^٣)،
_________________
(١) قوت المغتذي على جامع الترمذي (٢/ ٨٢٨).
(٢) "مفردات ألفاظ القرآن" (ص: ٥٤٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٧٧)، وأحمد (٤/ ٢٦٧ و٢٧١ و٢٧٦ و٢٧٧)، =
[ ١ / ١٣٥ ]
وأبو يعلى في "مسنده" عن البراء. (^١)
(من فتح) بصيغة المفعول، وقوله: (له) نائب الفاعل، وضميره راجع إلى "مَنْ" الموصولة، أو الشرطية، ويمكن أن يقال: التقدير: مَنْ فُتِحَ لَه باب (في الدعاء منكم، فتحت له أبواب الإجابة)، وفي نسخة بالتشديد، لكثرة الفعل أو الفاعل، وقد يتلازمان كما هنا، وقد قرئ بالوجهين متواترًا في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ [النبأ: ١٩] والمعنى: من وفق على مواظبة الدعاء وملازمة الثناء، فتحت له أبواب القبول؛ لأن من علامة إجابته توفيقه لدعوته، ولا يخفى حسن العدول من الباب إلى الأبواب. وقيل معناه: "من استجيب له دعاء واحد، فتحت له أبواب الاستجابة". (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة [في "مصنفه"] (^٢)
_________________
(١) = والبخاري في "الأدب المفرد" (٧١٤)، وأبو داود (١٤٧٩) وابن ماجة (٣٨٢٨)، والترمذي (٢٩٦٩ و٣٢٤٧) و(٣٣٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (١١٤٠٠)، والبزار (٣٢٤٢ - ٣٢٤٣)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٧٠)، والطبراني في "الأوسط" (٣٩٠١) وفي "الصغير" (١٠٤١) وفي "الدعاء" (١) و(٤)، وابن المبارك في "الزهد" (١٢٩٩) والبغوي في "شرح السنة" (١٣٨٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ١٢٠)، ومن طريقه المزي في "التهذيب" (٣٢/ ٣٠٧) والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩ و٣٠) كلهم من طرق.
(٢) أخرجه أبو يعلى في المعجم (٣٢٨).
(٣) من (د) فقط.
[ ١ / ١٣٦ ]
عن علي وابن عمر (^١) أيضًا.
(فتحت له أبواب الجنة) بدل مما سبق من الجزاء بدلالة عدم العطف، وفيه إيماء لطيف إلا أن الدعاء لا يخلو من الفائدة، فإنه إما أن يكون سببًا لفتح أبواب الإجابة، فيعجل مسألته له، أو أبواب الجنة، فيدخر طَلِبَته له، ولا شك أن الثاني أولى، فإن الآخرة خير وأبقى، ولذا ورد أن أهل تأخير بعض إجابة دعائهم لما رأوا ما ادخر لهم من عطائهم قالوا: [يا] (^٢) ليتنا لم تقبل دعوة منا في الدنيا، ليكون ذخيرة كاملة لنا في العقبى. (مس) أي: رواه الحاكم في "مستدركه" عن ابن عمر، وقال: "صحيح الإسناد".
(فتحت له أبواب الرحمة) وهي شاملة لفتح أبواب الإجابة وأبواب الجنة، والجملة بدل أيضًا مما قبله مع زيادة قوله: (ومما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه) وفي نسخة: "له" (من أن يسأل العافية) بصيغة المفعول في الفعلين، فقيل: "شيئًا" مفعول مطلق، أي: شيئًا من السؤال، و"أحب" صفته، "وأنْ" في قوله: "أنْ يسأل العافية" مصدرية، فالمعنى: ما سئل الله سؤالًا أحبَّ إليه من سؤال العافية. وجوز أن يكون "شيئًا" مفعولًا به، أي: ما سئل الله مسئولًا أحبَّ إليه من العافية، فزيد "أن يسأل" اهتمامًا بشأن المسئول، أو أريد من قوله: "من أن يسأل من العافية المسئولة".
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٧٨).
(٢) من (ج) فقط.
[ ١ / ١٣٧ ]
ثم العافية في اللغة: دفع العفاء، وهو الهلاك، والمراد بها هنا أن يكون للرجل كفاف من القوت وصحة البدن، بحيث لا يمنعه عن الاشتغال بأمر الدين وترك ما لا ضرورة فيه، ولا خير في وجوده، ولذا كان الشبلي -قدس سره- إذا رأى أحدًا من أرباب الدنيا الفانية، قال: "اللهم إني أسألك العافية".
(ت) أي: رواه الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ: "من فتح له منكم باب الدعاء … " إلى آخره، وسيأتي حديث: "يا عم، أَكْثِرِ الدُّعاءَ بالعافية".
(لا يرد القضاء) أي المعلق (إلا الدعاء) أي: المقبول المحقق، أو لا يدفع صعوبة القضاء المبرم إلا الدعاء المحتم، قال التوربشتي وغيره: "إن القضاء في الأصل إنما هو الأمر المقدر، وأريد به هنا ما يخافه العبد من نزول المكروه، فإذا وفق للدعاء رفعه الله، فتسميته قضاءً مجازٌ، أو أراد بِرَدِّ القضاء تهوينه وتيسيره، حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل.
(ولا يزيد في العمر) بضمتين وقد يسكن، فالأول أفصح، والثاني أشهر، وزيادته باعتبار بقاء الاسم والأثر، وقيل: "بالنظر إلى الأجل المؤقت المعلق، لا المبرم المقدر" (إلا البر) بالكسر: الإحسان على ما في "النهاية"، والأظهر أن يراد به الطاعة الشاملة لكل عبادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، ثم قيل: "في تأويل الحديث وجهان:
أحدهما: أن معناه إذا برَّ فلا يضيع عمره، فكأنه زاد.
[ ١ / ١٣٨ ]
وثانيهما: أنه يزاد في العمر حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] (^١).
وذكر في "الكشاف" أنه لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا في كتاب، وصورته: أن يكتب في اللوح إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد [عُمِّر] (^٢)، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية، وهو الستون"، انتهى (^٣).
ولا يخفى أن الصورة المذكورة تفيد التعليق في كل من الأمرين، يعني: الحج، والغزو، فالأظهر في تصويره أن يقال: إن حجَّ فعمره ستون، وإلا فأربعون.
واعلم أن بعض الآيات والأحاديث يدل على أن العمر قابل للزيادة والنقصان، منها الآيتان المذكورتان، وكذا هذا الحديث، وأن بعضًا منهما يدل على أنه لا يزيد ولا ينقص، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، وكقوله سبحانه:
_________________
(١) بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار (ص ١٧٧).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ) و"الكشاف"، وفي (أ): "زاد عمره".
(٣) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٣/ ٦٠٤).
[ ١ / ١٣٩ ]
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وكقوله ﷺ: "يكتب للولد في بطن أمه: رزقه، وعمله، وأجله" (^١). فقال البغوي عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] الآية: "إن هذا يعني عدم التأخر إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ".
وقال النووي: "إذا علم الله تعالى أَنَّ زَيْدًا مثلًا يموت سنة خمس مئة، استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن يكون الآجال التي عليها علم الله أن يزيد وينقص؛ فيتعين تأويل الزيادة بأنها بالنسبة إلى مَلَك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح، وأُمِرَ بالقبض بعد آجال محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص أو يزيد على ما سبق به علمه في كل شيء، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وعلى ما ذكر يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فالإشارة بالأجل الأول إلى اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ " انتهى. وهو تحقيق في نهاية تدقيق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود.
[ ١ / ١٤٠ ]
وقال الحنفي: "اعلم أنه إذا ازداد العمر بالبر كصلة الرحم مثلًا، فيكون رد القضاء بغير الدعاء أيضًا، فلا يصح أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء، فلا بد أن يكون [هذا] (^١) الحصر على سبيل المبالغة والادعاء".
أقول: الظاهر أن المراد بالقضاء في قوله: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" قضاء البلاء لا مطلق القضاء، ويؤيذه رواية أبي الشيخ في "الثواب" عن أبي هريرة: "الدعاء يرد البلاء"، مع أن البر بمعنى الطاعة يشمل الدعاء؛ فصح قوله: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" من غير دعوى الادعاء، ولا ينافيه حينئذٍ ما ورد من قوله: "الصدقة ترد البلاء، وتزيد العمر".
(ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي وابن ماجه عن سلمان، وابن حبان والحاكم في "مستدركه" عن ثوبان، لكن في روايتهما: "لا يرد القدر"، كما نقله صاحب "السلاح" عنهما، وفي "الترغيب" للمنذري عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل لَيُحرمُ الرزق بالذنب يذنبه". رواه ابن حبان، والحاكم، واللفظ له، وقال: "صحيح الإسناد"، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير"، وقال: "رواه: الترمذي [وقال: حسن غريب] (^٢) والحاكم عن سلمان (^٣)، ورواه الحاكم عن ثوبان، ولفظه: "الدعاء يرد
_________________
(١) من (هـ) فقط.
(٢) من (هـ) فقط.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢)، وابن ماجه (٩٠) و(٤٠٢٢)، =
[ ١ / ١٤١ ]
القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد لَيُحرمُ الرزق بالذنب يصيبه" (^١).
(لا يغني) أي: لا ينفع ولا يدفع (حذر) أي: احتراز واحتراس (من قدر) بفتح الدال ويسكن، أي: مما قدره الله وقضاه من أنواع بلاياه (والدعاء ينفع مما نزل) أي: من بلاء نزل، ونفعه إما بالصبر، وإما بالرفع (ومما لم ينزل) أي: ويريد النزول [إما] (^٢) بالتهوين، أو بالدفع.
(وإن البلاء لينزل) أي: ليريد النزول (فيتلقاه) وفي نسخة صحيحة: "يتلقاه"، وفي نسخة: "ثم يتلقاه" (الدعاء) وفي إسناد الفعل إلى الدعاء دون البلاء نكتة لطيفة دالة على أن الدعاء له غلبة منيفة، فإن الدعاء يستقبله في الهواء ما بين الأرض والسماء ([فيعتلجان]) (^٣) أي: يتصارعان ويتدافعان، ذكره في "شرح السنة"، وقال المؤلف: "أي: فيتعارضان" (^٤) (إلى يوم القيامة) قال الغزالي في "الإحياء": "اعلم أن من القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، والدعاء سبب رد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع
_________________
(١) = والطبراني في "الكبير" (١٤٤٢)، وفي "الدعاء" (٣١)، وابن حبان (٨٧٢) انظر "الأحاديث الصحيحة" (١٥٤)، و"صحيح الترغيب" (١٦٣٨).
(٢) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٤٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٠٦).
(٣) من (هـ) فقط.
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "فيتعالجان".
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ ب)، والذي فيه: "أي: فيتصارعان".
[ ١ / ١٤٢ ]
السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان.
وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله ﷿ أن لا يحمل السلاح، وقد قال ﷿: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر، فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر، والذي قدر الخير قدره بسبب، وكذلك الشر قدر لرفعه سببًا، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من افتتحت [عين] (^١) بصيرته، ثم في الدعاء من الفائدة أنه يستدعي حضور القلب مع الله ﷿، وذلك منتهى العبادات، والدعاء يرد القلب إلى الله ﷿ بالتضرع والاستكانة؛ ولذلك كان البلاء موكلًا بالأنبياء، ثم الأولياء" لأنه يرد القلب بالافتقار إلى الله ﷿، ويمنع نسيانه (^٢).
(مس، ر، طس) أي رواه: الحاكم، والبزار، والطبراني في "الأوسط"؛ كلهم من حديث عائشة، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" (^٣). وفي
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) إحياء علوم الدين (١/ ٣٢٨).
(٣) أخرجه البزار (٢١٦٥)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٨٥٩) و(٨٦١)، والطبراني في "الأوسط" (٢٥١٩)، والحاكم (١/ ٤٩٢)، وفيه زكريا بن منظور وهو ضعيف. انظر "الأحاديث الضعيفة" (٤٩٢). والحديث ضعيف جدًّا كما في "ضعيف الترغيب" (١٠١٤).
[ ١ / ١٤٣ ]
"الجامع الصغير": ""لا يغني حذر من قدر"، رواه الحاكم عن عائشة، و"الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء"، رواه الحاكم عن ابن عمر" (^١).
(ليس شيء أكرم) بالنصب، أي: شيء أكثر كرامة (على الله) أي عنده (من الدعاء) أي: لاشتماله على التضرع والثناء، والمعنى: ليس شيء من أنواع العبادات القولية، فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية، فاندفع ما قال الحنفي: "وهذا الحديث بظاهره ينافي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ".
(ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ورواه: أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" عن أبي هريرة أيضًا (^٢).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٣) الترمذي (٣٥٤٨) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو المليكي، وهو ضعيف في الحديث ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وقد روى إسرائيل هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عن موسى بن عقبة قال الحافظ ابن حجر: في سنده لين وقد صححه مع ذلك الحاكم ("الفتح" ١١/ ٩٥).
(٢) أخرجه الطيالسي (٣٥٨٥) والترمذي (٣٣٧٠٩)، وابن ماجه (٣٨٢٩) وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٧١٢) وابن حبان (٨٧٠). والحاكم (١/ ٤٩٠)، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (٣).=
[ ١ / ١٤٤ ]
(من لم يسأل الله) أي: بلسان القال أو الحال استغناء عن الله المتعال (يغضَبْ) أي: الله، وهو بفتح الضاد مجزومًا، وفي نسخة بصيغة المفعوك، فنائب الفاعل قوله: (عليه). قال ميرك: "أي: من لم يطلبه؛ لأن السؤال بمعنى الطلب"، انتهى.
والأولى أنه بمعنى الدعاء للرواية الآتية، وذلك أنَّ الله تعالى يحب أن يُسْأل من فضله؛ ولذا قال في التنزيل: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٥] الآية. فمن لم يسأل يبغض، ويعد من المستكبرين عن عبادته، والمبغوض مغضوب، ونعم ما قيل شعر:
الله يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَابْنَاءُ آدَمَ [حَيْثُ تُسْأل] (^١) تَغْضَبُ
وقد ورد في حديث ابن مسعود: "سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل، فمن لم يسأل الله يبغضه". وفي "النهاية": "قد تكرر ذكر
_________________
(١) = وقال الترمذي: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من رواية عمران القطان انتهى. قال العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٠١) لايتابع عليه ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن عمران وفي فضل الدعاء أحاديث بألفاظ مختلفة، من غير هذا الوجه. وقال ابن القطان (الوهم والإبهام رقم (١٤٢٣): رواته ثقات ولا موضع في الإسناد للنظر إلا عمران بن داور القطان، وهو رجل ما بحديثه بأس أهـ. قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم (الفتح" (١١/ ٩٤)، وفي بلوغ المرام (١/ ٥٩٩).
(٢) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "حين تسأل تغضب".
[ ١ / ١٤٥ ]
الغضب من الله تعالى ومن الناس، فأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه، وسخطه عليه، وإعراضه عنه، ومعاقبته له، وأما من المخلوقين فمنه محمودٌ، وهو ما كان في جانب الحق، ومنه مذموم، وهو ما كان في خلافه".
(ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة، وفي "فتح الباري": "أخرجه: أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجه، والحاكم؛ كلهم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة"، انتهى.
وقيل: "في سنده أبو المليح الهذلي، وهو مجهول على ما في "الميزان""، فيكون الحديث ضعيفًا، لكن يعمل به في الفضائل، ويحمل الغضب على المبالغة في العتب.
(من لم يدع الله غضب عليه) بكسر الضاد، وفي نسخة بصيغة المجهول.
(مص) أى: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث أبي هريرة.
(لا تعجزوا في الدعاء) بكسر الجيم ويفتح، من العجز، وهو الضعف، والفعل كضَرَبَ وَسَمِعَ على ما في "القاموس".
وأما ما ذكره المؤلف من قوله: "لا تعجزوا: بكسر الجيم في المستقبل، وفتحها في الماضي" (^١)، فمبني على الرواية، وهي لا تنافي جواز فتحها من حيث اللغة والقواعد العربية، أو على كونه أفصح؛
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ ب).
[ ١ / ١٤٦ ]
لوروده في قوله: (أَعَجَزْتُ)، وأما تفسير المؤلف العجز بترك ما يجب، ففيه نظر ظاهر.
نَعَم، العجز بهذا المعنى يناسب ما ورد: "أعوذ بك من العجز"، فالمعنى: لا تقصروا ولا تَكسَلُوا في تحصيل الدعاء، (فإنه) أي: الشأن (لن يَهْلِكَ) بكسر اللام، أي: لا يضيع (مع الدعاء أحد. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أنس، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
(من سرَّه) بتشديد الراء، أي: أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور (أن يستجيب الله له) أي: دعاءه (عند الشدائد) أي: وقت حصول الأمور الشديدة من المكروهات (والكُرَب) بضم ففتح جمع كُرْبة، وهي الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذا الكَرْب بفتح فسكون على ما في نسخة.
والحاصل: أن من أرد استجابة الدعاء عند الفقر ونزول البلاء (فليكثر الدعاء) أمر من الإكثار، أي: فليلازم الدعاء في الصباح والمساء (في الرخاء) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدودًا، أي: في حال سعة العيش، وحسن البال، وكثرة المال؛ لأن من شيمة المؤمن الصابر الشاكر الحازم أن يريّش السهم قبل الرمي، ويلتجئ إلى الله قبل مس الاضطرار، بخلاف الكفار والفجار، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
[ ١ / ١٤٧ ]
(ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة، وكذا الحاكم عنه على ما في "الجامع"، وفي "سلاح المؤمن": "عن سلمان مرفوعًا: "من سرَّه أن يستجاب له عند الكرب والشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء"، رواه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد"، وروى البيهقي والخطيب عن جابر مرفوعًا: "لقد بارك الله لرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها".
(الدعاء سلاح المؤمن) بكسر السين، أي: يدفع به البلاء عن نفسه وغيره (وعماد الدين) بكسر العين، أي: مداره؛ فإنه إظهار العبودية عند ظهور الربوبية، ولا ينافيه حديث: "الصلاة عماد الدين"؛ لجواز تعدد العمد، أو لأن الدعاء عماد الصلاة أيضًا؛ إذ المقصود منها هو دعاء العبد للرب الموجب للقرب والحب؛ ولذا فرض أو وجب قراءة الفاتحة المشتملة على دعاء ﴿اهْدِنَا﴾ في كل ركعة، وقد سبق أن الدعاء مخ العبادة، مع أن كل ذكر وتسبيح فيها دعاء، بل كل حركة وسكون فيها ثناء يقصد به عطاء.
(ونور السماوات والأرض) أي: منوِّر أهلهما من ظلمة الغفلة وضيق الحالة إلى فضاء الحضرة، وقيل: "إضافة النور إليهما باعتبار أن الدعاء نور لصاحبه في السماوات، حيث يحصل له بسببه بين الأرواح والملائكة التي فيها شرف وعزة وظهور، وفي الأرض؛ لأنه يكون له بسببه فيها بين أهل الأرض اعتبار وفضل.
[ ١ / ١٤٨ ]
(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة، وقال: "صحيح الإسناد"، ورواه الطبراني في "الدعاء" له أيضًا، وفي "الجامع": "رواه أبو يعلى والحاكم عن علي"، انتهى (^١).
وروي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم، وَيدِرُّ لكم أرزاقكم، تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن"، رواه أبو يعلى، وإسناده ضعيف (^٢).
(مَرَّ ﷺ بقوم مبتلَين) بفتح اللام والنون، اسم مفعول من الابتلاء، وهو يحتمل أن يكون ابتلاؤهم بنوع أو أنواع من
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٣٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٣)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ١٧٢)، والمقدسي في "الترغيب في الدعاء" (١٠) عن محمد بن الحسن عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده به. وجاء في الترغيب في الدعاء (١/ ٤٠): محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني. وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٦/ ١٤٧): هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن الحسن، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣١٥): رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ورواه أبو يعلى من حديث علي.
(٢) أخرجه أبو يعلى (١٨١٢). قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٦/ ١٤٧): هذا إسناد ضعيف، لضعف محمد بن أبي حميد المديني. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٤٧) رواه أبو يعلى وفيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف.
[ ١ / ١٤٩ ]
البلاء (فقال: أمَا كان هؤلاء) باستفهام توبيخ، و"ما" نافية، أي: ألم يكونوا قبل الابتلاء حال الرخاء والنعماء (يسألون الله العافيه) أي: دوامها، ففيه إيماء إلى أن من التزم الدعاء عند الرخاء حفظ من البلاء، ومن ترك الدعاء وغفل عن التضرع إلى رب السماء، يكون البلاء له الجزاء. (ر) أي: رواه البزار عن أنس (^١).
(ما من مسلم) "مِن" زائدة لتأكيد النفي (ينصب وجهه) بكسر الصاد، أي: يرفعه ويجعل توجهه (لله تعالى) أي: خالصًا له (في مسألة) أي: مسئولة ودعوة مطلوبة (إلا أعطاهما) أي: الله (إياه) أي: ذلك المسلم، وفي حكمه المسلمة.
(إما أن يعجلها) بتشديد الجيم، أي: الله تلك المسألةَ، بعينها، أو بعوض أحسن، أو بدفع بلاء أعظم منها، فورًا أو متراخيًا في الدنيا، (له) أي: لذلك المسلم، (وإما أن يدخرهما) بتشديد الدال المبدلة عن المعجمة، أي: يجعلها ذخيرة (له) أي: لذلك المسلم في العقبى بأن يعطيه جزيل ثوابها، أو يغفر بعض ذنوبه بسببها.
والحاصل: أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فلا ينبغي للسالك أن يترك عمله حيث لم يتعجل أمله، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
_________________
(١) أخرجه البزار في المسند (٦٦٤٣) وقال الهيثمي: رواه البزار، ورجاله ثقات "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٤٧) وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٩٧).
[ ١ / ١٥٠ ]
وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فعلى العبد أن يقوم بحق العبودية، ويفوض إلى الله أمر الربوبية.
وقد ألهم بعض العارفين: "سلني، فقال: سبحان الله عالم بجميع الوجوه، يسأل عن جاهل بجميع الوجوه بيان مراده، وهو لا يعلم خيره من شره"، وفي هذا المقام قيل لأبي يزيد: "ما تريد؟ قال: أريد أن لا أريد".
قال بعض المحققين: "هذه أيضًا إرادة؛ لتضمنها معنى الزيادة على التسليم الذي هو الحالة المرادة" (^١).
(أ) أي: رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة (^٢).
قال المؤلف: "فيه دليل على أن سؤال المسلم ربَّه مستجاب، بَيَّنَهُ الحديث الذي رواه الحاكم في "مستدركه الصحيح" عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "يدعو الله المؤمنَ يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه، فيقول: عبدي، إني أمرتك أن تدعوني، ووعدت أن أستجيب لك،
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أي المراد المحبوب المرضي؛ وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب؛ ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٢١٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١١)، والترمذي (٣٦٠٣). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٤٨): رواه أحمد ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
[ ١ / ١٥١ ]
فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك، أليس قد دعوتني يوم كذا وكذا لِغَمٍّ نزل بك أن أفرج عنك، ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني [في] (^١) يوم كذا وكذا لغم نزل أن أفرج عنك، فلم تَرَ فَرَجًا؟ قال: نعم يا رب، فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا، فقضيتها؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: فإني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك، فلم تَرَ قضاءها؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني ادخرت لك في الجنة كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ: "فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بيّن له، إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة، قال: فيقول المؤمن في ذلك المقام: ليته لم يكن عجل [له] (^٢) بشيء من دعائه" (^٣).
_________________
(١) من (أ) و"مفتاح الحصن الحصين" فقط.
(٢) في "مفتاح الحصن الحصين": "لي".
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٤) وقال: هذا حديث تفرد بالفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، ومحل الفضل بن عيسى محل من لا يتوهم بالوضع، وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣١٤) حيث صدره بقوله: وعن جابر. وقال الألباني: قلت: ولم يصنعا شيئًا، فإنه إن لم يكن متهما فقد اتفقوا على تضعيفه، والذهبي نفسه أورده في "الميزان" وقال فيه: "ضعفوه". ثم ساق أقول الأئمة في ترجيحه وقال في كتابه "المغني" =
[ ١ / ١٥٢ ]
وروى أيضًا الحاكم في "المستدرك" من رواية عبادة بن الصامت (^١)، أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إيّاها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذن نكثر، من الإكثار، قال: الله أكثر""، [أي: الله أكثر إجابة من دعائكم] (^٢). "ورواه الترمذي بهذا اللفظ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه" (^٣). وروى الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة (^٤): "فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا"" (^٥).
_________________
(١) = مجمع على ضعفه. وقال فيه الحافظ في "التقريب": منكر الحديث "السلسلة الضعيفة" (٨٨٦).
(٢) أخرجه الحاكم من رواية أبي سعيد (١/ ٤٩٣).
(٣) هذه الجملة التفسيرية ليست من كلام ابن الجزري، بل هي من كلام مُلا علي القاري.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٧٣) وعبد الله بن أحمد (٥/ ٣٢٩)، والطبراني في مسند الشاميين (١٨٢) و(٣٥٢٤) من رواية عبادة بن الصامت.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٦٠٤) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
(٦) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ ب، ٣/ أ).
[ ١ / ١٥٣ ]