أي: هذه أحاديث واردة في فضيلة الصلاة والسلام على سيد الكرام ليكون مسك الختام، وقد جمعت أربعين حديثًا في هذه القضية، وصدرت بها في شرح الصلوات المحمدية المنسوبة إلى السادات البكرية، قدس الله أسرارهم السرية.
(ما جَلَسَ قومٌ مجلسًا) أي: جلوسًا، أو مكانه، أو زمانه، (لم يذكروا الله) أي: صفات ربهم (فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان) أي: ذلك المجلس (عليهم حسرة) وفي نسخة بالرفع، أي: وقع عليهم ندامة تامة (يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة) أي: ولو دخلوها (للثواب) أي: لإعطاء المثوبة بعد الحساب أو العذاب.
وفي بعض النسخ لفظ "للثواب" غير موجود، ويؤيده أنه لم يذكر صاحب "السلاح" لفظ "للثواب" لابن حبان، لكن ذكره المنذري في روايته ورواية أحمد والحاكم أيضًا، فتحصل أن لابن حبان روايتين، والله أعلم.
قال الحنفي: "يدل الحديث [بظاهره] (^١) على أن كل أحد من آحاد القوم ينبغي أن يفعل هذين الأمرين، ولو انتفى عن واحد منهم كان
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "لظاهره".
[ ٣ / ١٥٥٩ ]
حسرة عليهم، وقيام واحد منهم [بهما] (^١) ليس بكاف".
قلت: دلالته على أن كل أحد ينبغي مُسَلَّمٌ، لكن لو انتفى عن واحد لا يكون إلا حسرة عليه لا عليهم بلا شبهة، سواء قلنا: إنه من فروض العين أو الكفاية.
(حب، أ، د، ت، س، مس) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن أبي هريرة (^٢)، وقال الترمذي: "حسن"، ولفظه: "إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم"، ورواه أحمد عن أبي أمامة أيضًا (^٣).
(أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة) بضمتين ويسكن الثاني، (فإن صلاتكم معروضة علي) لا خفاء في أن حديث: "إن لله تعالى ملائكة
_________________
(١) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "لهما".
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٩ و٢/ ٥١٥ و٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (٤٨٥٥) والترمذي (٣٣٨٠) والنسائي في "الكبرى" (١٠١٦٩) وابن حبان (٥٩٠) وابن حبان (٥٩١ و٥٩٢) وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث صحيح. (نتائج الأفكار (٢/ ٣٤).
(٣) أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (٨/ ١٨١/ ٧٧٥١) وفي "مسند الشاميين" (٨٨٢ و٨٩٥)، وفي الدعاء (١٩٢١). قلت: وهو سند لا يثبت، إبراهيم بن محمد بن عرق، ذكره ابن ماكولا في الإكمال (٧/ ٢١) قال: حمصي، حدث عن إبراهيم بن العلاء ومحمد بن مصفى وعمرو بن عثمان وسليمان بن سلمة ومحمد بن جعفر الأوصابي وعبد الوهاب بن الضحاك العرضي، روى عنه الطبراني. وقال الذهبي ونقله الحافظ في "اللسان" (١/ ١٠٥): "هو شيخ للطبراني غير معتمد".
[ ٣ / ١٥٦٠ ]
سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" على ما سيأتي، يدل على أن الصلاة مطلقًا معروضة عليه، فالجمع بينهما بأن يوم الجمعة لمزيد الفضيلة تعرض عليه من غير واسطة، كما فرق بين الصلاة عند الروضة الشريفة وسائر البقاع المنيفة، فقد أخرج أبو الشيخ في كتاب "ثواب الأعمال" بسند جيد مرفوعًا: "من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا بلغته" (^١).
وأبعد الحنفي في قوله: "يقال: إن هذه الملائكة إنما يعرضون عليه في يوم الجمعة، وكذا الحال في رد الروح عليه ورده السلام على أنه يمكن أن يقال: إنه ليس من قبيل العرض"، انتهى.
وبعده لا يخفى، وسيأتي الكلام على رد روحه ﵇.
(د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان؛ كلهم من حديث أوس بن أوسٍ الثقفي، وهو صحابي، سكن الشام، ورواه الحاكم وصححه، ورواه أحمد أيضًا (^٢).
_________________
(١) عزاه له ابن حجر في (فتح الباري ٤٨٨/ ٦) ورواه البيهقي في الشعب (١٥٨٣) (٢/ ٢١٨). ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال: هذا حديث لا يصح فيه محمد بن مروان قال ابن النمير: كذاب، وقال النسائي متروك انظر الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٣٠٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٠٨٥) وابن خزيمة (١٧٣٣). وابن حبان (٩١٠) والحاكم (١/ ٢٧٨) والبزار في مسنده (٨/ ٤١١ - ٤١٢ رقم ٣٤٨٥) وقال: وهذا الحديث بهذا اللفظ لا نعلم أحدا =
[ ٣ / ١٥٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يرويه إلا شداد بن أوس، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق عن شداد، ولا رواه إلا حسين بن علي الجعفي ويقال: إن عبد الرحمن بن يزيد هذا هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ولكن أخطأ فيه أهل الكوفة أبو أسامة والحسين الجعفي على أن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم لا نعلم روى عن أبي الأشعث وإنما قالوا ذلك لأن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم: لين الحديث، فكان هذا الحديث فيه كلام منكر عن النبي فقالوا: هو لعبد الرحمن بن تميم أشبه. تنبيه: وقع عند البزار شداد بن أوس والصواب أوس بن أوس. وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٩٧): سمعت أبي يقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لا أعلم أحدا من أهل العراق يحدث عنه، والذي عندي: أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفي واحد وهو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم لأن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد عن القسم عن أبي أمامة خمسة أحاديث أو ستة أحاديث منكرة، لا يحتمل أن يحدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر مثله، ولا أعلم أحدا من أهل الشام روى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئا، وأما حسين الجعفي فإنه روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ في يوم الجمعة أنه قال: "أفضل الأيام يوم الجمعة فيه الصعقة وفيه النفخة وفيه كذا" وهو حديث منكر لا أعلم أحدا رواه غير حسين الجعفي. وأما عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فهو ضعيف الحديث، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في جلاء الأفهام (ص ٨٠ - ٨٤) هذا الحديث وبين علله وقد رد عليها وصحح الحديث. وصححه النووي في الأذكار (ص: ١٥٤). قلت: وتتلخص مما مضى علتان: =
[ ٣ / ١٥٦٢ ]
قال الحافظ المنذري: "وله علة دقيقة أشار إليها البخاري وغيره من النقاد"، انتهى (^١).
وقال ميرك: "العلة المشار إليها هي أن كل من أخرج هذا الحديث أخرجه من طريق حسين بن علي بن الوليد الجعفي الكوفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصغاني، عن أوس بن أوس، وبعد تأمل هذا الإسناد لم يشك في صحته لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم".
وقال البخاري: "حسين الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو غير محتج به،
_________________
(١) = الأولى: وهم حسين بن علي بن الوليد الجعفي في إسناده فقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وإنما هو ابن تميم، وابن تميم قال أبو داود والنسائي والدارقطني: متروك. انظر: التهذيب (٥/ ١٩٧).
(٢) قول البخاري كما في علل الترمذي ص ٣٩٢/ ١٠٢ قال محمد أهل الكوفة يروون عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أحاديث مناكير وإنما أرادوا عندي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وهو منكر الحديث وهو بأحاديثه أشبه منه بأحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وقال في التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٥) عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمي الشامي عن مكحول سمع منه الوليد بن مسلم عنده مناكير ويقال هو الذي روى عنه أهل الكوفة أبو أسامة وحسين فقالوا: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر انظر الترغيب والترهيب (٢/ ٣٢٩).
[ ٣ / ١٥٦٣ ]
فلما حدث به حسين غَلِطَ في اسم الجد، وقال: ابن جابر، وقال غير واحد من الحفاظ: إن ابن تميم ضعيف عنده مناكير، وهو شيخ حسين في هذا الحديث"، انتهى.
لكنه معاضد بما سيأتي من حديث الحاكم عن أبي مسعود، وبما قال المنذري في "الترغيب" عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا علي من الصلاة في يوم الجمعة؛ فإن صلاة أمتي تعرض علي كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة"، رواه البيهقي بإسناد حسن، إلا أن مكحولًا قيل: "لم يسمع من أبي أمامة".
قلت: وهو غير ضائر عندنا على ما حققه ابن الهمام في "شرح الهداية".
(ليس يصلي علي) بتشديد الياء (أحد يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته. مس) أي: رواه الحاكم عن أبي مسعود الأنصاري (^١).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢١) هذا إسناد فيه أبو رافع، مختلف فيه، وعبد الرحمن بن بكار، صدوق تكلم فيه بل حجة، والحديث صحيح من طرق أخرى، عن أويس ابن أبي أويس، وغيره. هو في الإتحاف لابن حجر ١١: ٢٣١ (١٣٩٣٦)، وعلى هامشه كتب ما يلي: ذكره ابن حجر في مسند عقبة بن عامر، وجدت بخط الشيخ القاسم الحنفي ليس هذا من مسند عقبة بن عامر، وإنما هو من حديث عقبة ابن عمرو أبي مسعود، ولم يقل الحاكم إلا عن ابن مسعود الأنصاري، وليس فيه عقبة فلينتبه. =
[ ٣ / ١٥٦٤ ]
(ما من أحد يسلّم علي إلا ردَّ الله علي رُوحي) أي: من الجناب لأجل الجواب، أو راحتي الزائدة (حتى أرُدَّ عليه¬ السلام) قال صاحب "الأزهار": "الحديث يدل على بقاء الأرواح بعد الموت، وعلى بقاء أبدان الأنبياء، وعلى أن الأنبياء أموات في قبورهم، والصحيح خلافه؛ للأحاديث الصحيحة فيه"، انتهى.
يعني ورد في كثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة بأنهم أحياء في قبورهم مشغولون بعبادة ربهم، وقد أفرد السيوطي رسالة في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
(د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة، ورواه أحمد أيضًا (^١).
(أولى الناس بي) أي: بشفاعتي أو أقربهم منزلة بي (يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) أي: في الدنيا. (ت، حب) أي رواه: الترمذي، وابن حبان؛ كلاهما عن ابن مسعود (^٢).
_________________
(١) = قوله: هذا حديث صحيح الإسناد فإن أبا رافع هذا هو إسماعيل بن رافع ولم يخرجاه. تعقبه الذهبي في "التلخيص"، قال: إسماعيل بن رافع أبو رافع ضعفوه. وعنه: البيهقي في "حياة الأنبياء" (ص ٢) (١١)، وشعب الإيمان (٢٧٦٩)، وابن أبي عاصم في الصلاة على النبي ﷺ (٥٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (٢٠٤١)، وإسناده حسن.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٨٤)، وابن حبان (٩١١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٢١).
[ ٣ / ١٥٦٥ ]
(البخيل) أي: كل البخيل، أو البخيل الكامل على نفسه بامتناعه عن الخير الحاصل له وللغير (من ذُكِرْتُ) وفي بعض الروايات كرر الموصول للتأكيد والمبالغة بقوله: "البخيل الذي من ذكرت عنده" (فلم يصل علي. ت، س، حب، مس) أي رواه: الترمذي والنسائي عن علي، وابن حبان والحاكم عن حسين بن علي ﵄.
(أكثروا الصلاة علي، فإنها زكاة) أي: طهرة من السيئات، أو نماء في الطاعات (لكم). وقيل: "بمنزلة زكاة وصدقة لفقرائكم". (ص) أي: رواه أبو يعلى عن أبي هريرة.
(رَغِمَ) بكسر الغين، وفي نسخة بفتحها، ففي "سلاح المؤمن": "رَغِمَ - بكسر الغين المعجمة - أي: لصق بالرغام، وهو التراب، وقال الهروي: "رواه ابن الأعرابي بفتح الغين، وقال: معناه ذلَّ"" (أنف رجل ذُكِرْتُ عنده) بصيغة المفعول، (فلم يُصلِّ علي. ت، حب، ر، ط) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والبزار، والطبراني؛ كلهم من حديث أبي هريرة، وحسنه الترمذي.
ورواه الحاكم وابن حبان عن مالك بن الحويرث أيضًا، والطبراني من حديثه وحديث ابن عباس وكعب بن عجرة أيضًا، ذكره ميرك.
وفي بعض الهوامش: "رواه الترمذي وابن حبان عن ابن عباس، والبزار والطبراني عن أبي هريرة"، وفي بعضها: "رواه ابن حبان والطبراني عن مالك بن الحويرث، والطبراني عن ابن عباس وكعب بن عجرة".
[ ٣ / ١٥٦٦ ]
(من ذُكِرْتُ عنده فليصلِّ علي. س، طس، ص، ي) أي رواه: النسائي والطبراني في "الأوسط"، وأبو يعلى وابن السني؛ كلهم عن أنس، ورواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه.
(فإنه من صلّى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا) أي: بلا واسطة، وقيل: "هو أصل جزائه بلا ملاحظة تضعيف ثوابه". (ي) أي: رواه ابن السني بهذه الزيادة، قال ميرك: "ورواه الحاكم أيضًا".
(من ذكرني) أي: وكذا من ذُكِرْتُ عنده لما سبق (فليصل علي) الظاهر أن الأمر للوجوب، لكن قال الطَّحَاوِيُّ: "إنه يتداخل في المجلس كسجدة التلاوة". (ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس أيضًا.
(إن لله ملائكة) أي: جماعة من المقربين (سياحين) أي: سيارين في مجالس العلم والعمل وغيرهما، (يُبَلِّغُونِّي) بتشديد اللام من التبليغ، وفي نسخة بتخفيفه من الإبلاغ، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢] ثم النون مشددة على أن أصله "يبلغونني"، فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية، وفي نسخة مخففة على أنه حذف إحديهما على خلاف فيهما، وقرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] أي: يوصلون إلي.
(عن أمتي السلام) وكذا حكم الصلاة كما يدل عليه تعبيره بالسلام مرة وبالصلاة أخرى، فيستفاد منه أن الاكتفاء بأحدهما لا يكره خلافًا لما ذهب إليه النووي ومن تبعه، ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ
[ ٣ / ١٥٦٧ ]
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] لأن الواو لمطلق الجمع الشامل للتفريق عند أرباب التحقيق، فإن الأمة مأمورون بالفعلين، فإذا صَلَّوْا مرة وسلّموا أخرى، خرجوا عن عهدة التكليف في الدنيا والأخرى، نَعَم، الجمع بينهما أفضل وأكمل.
(س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم عن ابن مسعود، وفي نسخة: "عن أبي مسعود".
(إني لقيت جبريل فبشرني، وقال) وفي نسخة: "فقال" (إن ربك يقول: من صلى عليك صليت عليه) أي: "عشرًا" كما في رواية، (ومن سلّم عليك سلّمت عليه) أي: عشرًا، وما أحسن سلامًا يورث السلام من الله السلام، ومن نبيه ﵇، المنتج لدخول دار السلام، المقتضي لموت صاحبه على الإسلام وحسن الاختتام.
(فسجدت لله شكرًا) أي: على هذا الإنعام. (مس، أ) أي رواه: الحاكم، وأحمد، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁.
(يا رسول الله) وفي نسخة: "قلت: يا رسول الله" (جَعَلْتُ [لك]) (^١) وفي نسخة صحيحة: "إني جعلت"، وفي أخرى: "أجعل لك" (صلاتي) أي: دعواتي (كلها) أي: منحصرة لك، ومخصوصة بك، ومصروفة إليك.
(قال) وفي نسخة: "ﷺ" (إذًا) بالتنوين (يُكْفَى) بصيغة المجهول الغائب،
_________________
(١) من (ج) فقط.
[ ٣ / ١٥٦٨ ]
وقوله: (همّك) بالرفع على تصحيح الأصيل، على أنه نائب الفاعل بناء على أن "كفي" متعدٍّ إلى واحد على ما يفهم من "التاج"، حيث قال: "كفاك الشيء، أي: حسبك". وهو الملائم لمقابلة قوله: (ويغفر ذنبك).
وفي كثير من النسخ: "تُكْفَى"، بصيغة المجهول المخاطب، ونصب "همك" على أن "كفي" متعدٍّ إلى مفعولين، كما يستفاد من المقدمة، حيث قال: "كفاه الشيء كفاية"، فمفعوله الأول ضمير الفاعل المخاطب، وثانيه "همك"، أي: إذًا تُكْفَى أنت همك على ما ذهب إليه الزعفراني من شراح "المصابيح".
قال صاحب "المفاتيح": "كفي متعدٍّ إلى مفعولين، وهنا مفعوله فيه ضمير أقيم مقام الفاعل، و"همك" مفعوله الثاني".
وأما ما ادعاه الحنفي من أن الرواية بالتاء المثناة من فوق، فدعوى بلا دليل؛ إذ مستنده في الرواية السيد جمال الدين، وهو تلميذ عمه السيد أصيل الدين، وقد علمت ضبطه وتصحيحه مع أن ميرك شاه بن السيد جمال الدين صرّح في شرح الشمائل أن ليس للمدعي رواية ولا سند معتمد عنهم.
(الحديثَ) أي: بطوله، كما سيأتي. (ت، مس، أ) أي رواه: الترمذي، والحاكم، وأحمد؛ كلهم عن أُبَيٍّ، "قال: قلت: يا رسول الله، إني أُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالنصف؟ قال: ما شئت،
[ ٣ / ١٥٦٩ ]
فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذًا تُكْفَى همّك، ويغفر لك ذنبك".
رواه أحمد وعبد بن حميد في مسنديهما، والحاكم في "المستدرك"، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، واختصره فقال: "عن أبي، قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها لك؟ قال: إذًا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك" (^١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٥٧) أحمد (٥/ ١٣٦)، وعبد بن حميد (١٧٠)، والحاكم (٢/ ٤٢١ و٥١٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦ و٨/ ٣٧٧)، والسلسلة الصحيحة (٩٥٤)، وقال الترمذي: حديث حسن. وقد حسنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار (٤/ ١٦). قال الإمام ابن القيم ﵀ في (جلاء الأفهام): وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل احْتج بهِ الْأَئِمَّة الْكِبَار كالحميدي وَأحمد وَإِسْحَاق وَغَيرهم وَالتِّرْمِذِيّ يصحح هَذِه التَّرْجَمَة تَارَة ويحسنها تَارَة. ثم قال: "وسُئِل شيخنا أبو العباس (ابن تيمية)، عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبَيِّ بْنِ كَعْبٍ دعاءٌ يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﵌: هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه ﵌؟ فقال: إن زِدتَ فهو خير لك. فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير، إلى أن قَالَ: "إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ"؛ لأن من صلى على النبي ﵌ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه ﵁ ". اهـ.
[ ٣ / ١٥٧٠ ]
قال بعض المحدثين: "معنى الحديث أن أبي بن كعب كان له دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﷺ: هل أجعل لك ربعه منه صلاة عليه إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذًا يكفى همك، ويغفر لك ذنبك؛ لأن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرًا، ومن صلى عليه الله لكفاه همه، وغفر ذنبه".
(من صلّى علي واحدة) أي: صلاة واحدة أو مرة واحدة (صلّى الله عليه عشرًا. م، د، ت، س، ط) أي رواه: مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة (^١)،
والطبراني عن أبي موسى الأشعري (^٢).
(جاء ﷺ) أي: حَضَرَ (ذات يوم) أو يومًا من الأيام، وقيل: بإقحام "ذات" ليكون صريحًا بإرادة النهار دون الوقت الشامل للملوين، (والبِشر) بكسر الموحدة، أي: البهجة والسرور، (في وجهه) والجملة حالية (فقال: إنه) أي: الشأن.
(جاءني جبريل فقال: إن ربك يقول: أما يرضيك) أي: عني، وهو من الإرضاء، (يا محمد، أنه) أي: الشأن، وهو بفتح الهمزة على أنه مفعول ثانٍ لـ "يرضى" (لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صلّيت عليه عشرًا، ولا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٠٨)، ووأبو داود (١٥٣٠)، والترمذي (٤٨٥)
(٢) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٣) قال الهيثمي: فيه حفص بن سليمان القارئ وثقه وكيع وغيره وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٧١ ]
يسلّم عليك أحد من أمتك إلا سلّمت عليه عشرًا).
(س، حب، مس، مص، مي) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، والدارمي؛ كلهم عن أبي طلحة زيد بن ثابت الأنصاري. قال ميرك: "ورواه أحمد أيضًا" (^١).
(من صلّى علي واحدة صلّى الله عليه عشر صلوات، وحُطَّت) بضم حاء وتشديد طاء، أي: وضعت (عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات).
(س، حب، مس، ر، ط) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، والبزار، والطبراني؛ كلهم عن أنس (^٢)، والنسائي عن عمر بن سعد الأنصاري أيضًا، وزاد فيه: "وكتب له عشر حسنات"، كما ذكره المصنف بقوله: (وكتب له بها عشر حسنات. س، ط) أي رواه: النسائي عن عمر بن سعد (^٣)، والطبراني عن أبي بردة (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٠)، وابن أبي شيبة (٨٦٩٥ و٣١٧٨٨) والدارمي (٢٧٧٣) والنسائي (٣/ ٤٤ و٥٠) في "الكبرى" (٩٨٨٨) والحاكم (٢/ ٤٢٠) وقال: صحيح الإسناد. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٢٩).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٠٢ و٣/ ٢٦١) والنسائي (٣/ ٥٠)، وفي "الكبرى" (١٢٢١)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٤) وابن حبان (٩٠٤) والحاكم (١/ ٥٥٠).
(٣) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩٨٩٢).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩٥) رقم (٥١٣) وأورده الألباني في الصحيحة (٣٣٦٠).
[ ٣ / ١٥٧٢ ]
(من صلّى على النبي ﷺ واحدة صلى الله عليه وملائكته) بالرفع، وفي نسخة بالنصب، أي: مع ملائكته، (سبعين صلاة) يحتمل أن يراد بها الكثرة. (أ) أي: رواه أحمد عن ابن عمرو، بالواو.
(وكيف الصلاة) بفتح الفاء ورفع الصلاة، وفي نسخة بالضم وخفضها، وفي أخرى: "وكيفية الصلاة" (والسلام عليه ﷺ تقدم) أي: في الصلاة بعد التشهد.
(قال علي ﵁: كل دعاء محجوب) أي: ممنوع عن كمال وصوله وجمال حصوله (حتى يصلى) بصيغة المجهول، وفي نسخة بصيغة الفاعل الغائب، أي: الداعي، وفي نسخة بالمخاطب، أي: تصلي أيها المخاطب أو الداعي (على محمد) وفي نسخة: "على النبي محمد" (ﷺ، وآل محمد) الظاهر أنه عطف على محمد، وما بينهما جملة دعائية اعتراضية، ويحتمل أن يكون عطفًا على الضمير المجرور في "عليه"، بغير إعادة الجار عند من قال به من النحاة والقراء الأخيار. (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن علي (^١).
قال ميرك: "هكذا رواه الطبراني في "الأوسط" موقوفًا، وروى الحسن
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٢١). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٦٠) والحديث صحيح لغيره كما في "صحيح الترغيب" (١٦٧٦) وانظر السلسلة الصحيحة (٢٠٣٥).
[ ٣ / ١٥٧٣ ]
بن عرفة عن علي مرفوعًا، وسنده ضعيف، والصحيح وقفه، وكذا حديث عمر الذي بعده رواه الترمذي موقوفًا، وقد روي مرفوعًا أيضًا، والصحيح وقفه". لكن قال المحققون من علماء الحديث: "إن مثل هذا لا يقال من قبيل الرأي، فهو مرفوع حكمًا".
قلت: وعلى كل حالٍ فلا اعتراض على المصنف أصلًا بعدم إيراد "مو" قبل الرمز، مع أن الصحيح في كل منهما أنه موقوف؛ لأن اللفظ الذي أورده لا يصلح إلا أن يكون موقوفًا في اللفظ وإن كان في الحكم مرفوعًا؛ فاندفع ما قال الحنفي من أن ما روي عن علي وعمر يحتمل موقوفًا ومرفوعًا.
(وعن عمر ﵁ أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد) وفي نسخة: " [فلا] (^١) يصعد"، وهو بفتح الياء والعين، وفي نسخة بضم أوله، أي: لا يرتفع أو يرفع (منه) أي: من الدعاء بأنواعه (شيء) أي: ولو واحد، (حتى تصلي) أي: أنت (على نبيك)، وفيه تنبيه على أن المنشأ الحكم المذكور هو وصف النبوة، والعدول عن وصف الرسالة مع كونها أخص للمبالغة والدلالة على أنه بوصف النبوة إذا كان يستحق الصلاة، فكيف بنعت الرسالة.
ويمكن أن جهة النبوة التي هي ولايته المختصة بالتوجه إلى الحضرة أعلى وأعلى من نسبة الرسالة المشتغلة بالخلق، ولعل هذا هو الوجه في تخصيصه بوصف النبوة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "ولا".
[ ٣ / ١٥٧٤ ]
النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
(ت) أي: رواه الترمذي من طريق أبي قرة الأسدي عن سعيد بن المسيب عن عمر، وسعيدٌ من كبار التابيعن، وأبوه صحابي (^١).
(وقال الشيخ أبو سليمان الداراني) نسبة إلى "داريا" قرية بالشام، والنسبة داراني على غير قياس على ما ذكره صاحب "القاموس" (رحمة الله عليه) وهو من جملة الأولياء الكبار.
(إذا سألت الله حاجة) أي: إذا أردت أن تسأل عن الله مطلوبًا (فابدأه) أي: سؤالك أو مسئولك (بالصلاة على النبي ﷺ، ثم ادعُ بما شئت، ثم اختم بالصلاة عليه ﷺ، فإن الله سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين) أي: لا محالة كرامةً لنبيه ﵇.
(وهو) أي: سبحانه (أكرم من أن يدع) أي: يترك (ما بينهما) أي: من الدعاء غير مقبول، وفي نسخة: "يدع بينهما" بدون "ما"، فالتقدير: هو أكرم من أن يدع الحاجة الواقعة بينهما. إلى هنا كلام الداراني.
ثم قال المصنف: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) تقدم مبناه ومعناه، وسبق أنه رواه أصحاب الكتب الستة، وهو أصح ألفاظ الصلوات
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤٨٦). وهو حديث صحيح لغيره كما في "صحيح الترغيب" (١٦٧٦).
[ ٣ / ١٥٧٥ ]
الواردة في الصلاة وغيرها؛ فينبغي المواظبة والمداومة عليه.
(اللهم صلِّ عليه كلما ذكلره الذاكرون، اللهم صلِّ عليه كلما غفل عن ذكره الغافلون) والمقصود الدوام والاستمرار منه، فإن الزمان والمكان [لا يخلوان] (^١) عن ذاكرٍ له وغافلٍ عنه (وسلِّم) بكسر اللام المشددة، (تسليمًا كثيرًا) فيه إيماء إلى أن التنوين في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] للتكثير المفيد للتعظيم.
(اللهم بحقه) أي: باحترامه واستحقاقه في جاهه (عندك) أي: في مقام قربك، (ارفع عن الخلق) أي: عن عمدتهم وزبدتهم، وهم المسلمون عامة في دار الإسلام وخاصة في بلدة الشام، (ما نزل بهم) من البلاء العام، (ولا تُسلِّط عليهم مَن لا يرحمهم) أي: من الظَّلَمَةِ الذين هم كالأنعام؛ (فقد حلَّ) أي: نزل (بهم ما لا يرفعه غيرك، ولا يدفعه) أي: عنهم (سواك) أي: سوى حكمك وأمرك.
(اللهم فرِّج) أي: أزل الكربة وكشف الغم (عنا يا كريم) أي: يا أكرم الأكرمين، (يا أرحم الراحمين) أي: بحرمة نبيك الكريم ورسولك الرحيم، واختم لنا بالخير، وادفع عنا شر الغير. اللهم سلِّط الظالمين على الظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين غانمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "لا يخلو".
[ ٣ / ١٥٧٦ ]
(قال مؤلفه ﵀ كذا في نسخة، وفيه دلالة على أن هذا من تصرف الكتاب بعد موته، وفي نسخة لبعض تلاميذه: "قال مؤلفه" (الشيخ الأجل) أي: الأعظم (رُحْلة أجلة العلماء) بضم راء وسكون حاء: مَنْ يرحل إليه لأخذ علم ونحوه، والأَجِلَّةُ: بفتح الهمز وكسر الجيم وتشديد لام، جمع الجليل بمعنى: العظيم.
(وارث علوم الأنبياء) أي: من الكتاب والسنة، والفقه وأحكام الملة، (ختم المحدثين) بمعنى خاتمهم مطلقًا، فإن من بعده لم يجئ مثله.
(وحيد العصر شرقًا وغربًا) لا سيما في علم [القراءة] (^١) كما يظهر من "طيب نشره"، (وفريد الدهر برًّا وبحرًا) أي: بدوًا وحَضَرًا، (الذي نال في الآفاق حظًا) أي: نصيبًا وافرًا (من الاشتهار) أي: بعلمي القراءة والحديث، (اشتهار الشمس في نصف النهار) أي: كمال الظهور واستعلاء النور.
(صاحب الأنفاس القدسية) أي: حال تقريره، (والكمالات الأنسية) أي: وقت تحريره، (والأخلاق السَّنِيَّة) بفتح فكسر فتشديد أي: الرضية العلية (السُّنية) بضم فتشديد أي: المنسوبة إلى السنة من القراءة والرواية والدراية، (والملكات) أي: الحالات الباطنية (المَلَكيّة) أي: المشابهة بأحوال الملائكة العُلْوية.
(مولانا) أي: سيدنا، (ومخدومنا شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الجزري) تقدم تحقيقه، (أفاض الله بركاته) أي: بركات أقواله وأعماله
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ): "القراءات".
[ ٣ / ١٥٧٧ ]
وأحواله (على العالمين عمومًا، وعلى أصحابه خصوصًا) أي: [من] (^١) أدركه وصاحبه، سواء أخذ منه العلم أم لا.
وفي نسخة بخطه: (قال كاتبه: محمد بن محمد بن الجزري لطف الله تعالى في غربته، وأخذ بيده في شدته) إيماء إلى أن آخر تأليف هذا الحصن كان وقت الغربة وحال الشدة كما سيأتي.
(فرغت من ترصيف هذا الحصن الحصين) أي: تعميره، مأخوذ من الرَّصَف محركة، واحدة الرصف، حجارة مرصوفة بعضها إلى بعض في المسيل، ومنه عمل رصيف بَيِّنُ الرصافة، أي: محكم على ما في "القاموس"، وفي نسخة: "من تصنيف هذا الحصن الحصين".
(من كلام سيد المرسلين، يوم الأحد) ظرف "فرغت" (بعد الظهر) حال، (الثاني والعشرين) صفة يوم الأحد، (من ذي الحجة) بكسر الحاء، أي: من شهر مشتمل على وقت يقصد الحج فيه، فإن الحج قصد مكة للنسك، وبالكسر الاسم على ما حققه صاحب "القاموس"، زاد في نسخة (الحرام) بمعنى المحترم، أو باعتبار أنه كان القتال فيه حرامًا، فإنه من أشهر الحرم الأربعة.
(سنة إحدى وتسعين وسبع مئة) أي: من الهجرة (بمدرستي التي أنشأتها) أي: بنيتها ابتداء من عندي من غير سبق لأحد علي في بنائها (برأس عقبة الكَتَّان) بفتح كاف فتشديد تاء معروف، وثيابه معتدلة في
_________________
(١) من (ج) فقط.
[ ٣ / ١٥٧٨ ]
الحر والبرد واليبوسة، ولا يلزق بالبدن، ويقل قَمْلُهُ. كذا في "القاموس".
فما اشتهر من أنه إنما يناسب الحر غير صحيح، والحاصل: أنها مكان يعمل فيه الكَتَّان واقع (داخل دمشق) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر، وهو المشتهر بالشام (المحروسة) أي: المحفوظ من أنواع البلية (حماها الله تعالى) أي: صانها (من الآفات) أي: الدينية والدنيوية، (وسائر بلاد المسلمين) أي: صان جميعها أو باقيها، والأول أبلغ وآكد لخصوص الشام.
(هذا) أي: خذ هذا، أو اعلم، أو هذا التصنيف ختم (وجميع أبواب دمشق) أي: قلعته (مغلقة) بتشديد اللام المفتوحة أي: مصكوكة، (بل مشيدة) أي: مؤكدة ومؤيدة (بالأحجار) أي: الكبار المرصوفة من وراء الأبواب لزيادة التقوية.
(والخلائق) أي: أنواع وأصناف من الخلق (يستغيثون) أي: الله، (على الأسوار) أي: على كل جانب من جوانب السور، (والناس في جهد) بضم الجيم ويفتح أي: مشقة وتعب (عظيم من الحصار) بكسر الحاء أي: من جهة المحاصرة، (والمياه) أي: مياه الشام (مقطوعة) أي: ممنوعة من الوصول إلى داخلها.
(والأيادي) وفي نسخة: "والأيدي" إلى الله تعالى بالتضرع (مرفوعة، وقد أحرق ظواهر البلد) أي: نواحي الشام من البيوت والأشجار، (ونهب أكثره) أي: أكثر ما كان في ظواهر البلد من الأموال.
(وكل أحد خائف على نفسه) أي: كيوم القيامة، (وماله) أي: الذي
[ ٣ / ١٥٧٩ ]
به قوت حاله وقوة مجاله، (وأهله) أي: من عياله، ولفظة "أهله" مقدم على "ماله" في "أصيل" مؤخر في "جلال"، وضبط في بعض النسخ: "مآله" بهمز ممدود أي: ما يئول إليه أمره، (وَجِلٌ) بفتح فكسر جيم أي: خائف، (من ذنوبه وسوء أعماله) أي: الموجبة لسوء أحواله.
(وقد تحصن) بتشديد الصاد أي: استحكم الشام، (بما يقدر عليه) بصيغة المجهول، أي: بأقصى ما يمكن من [التحصن] (^١).
(فجعلت هذا) أي: التأليف المسمى بالحصن، (حصني) أي: حمايتي ووقايتي، (وتوكلت على الله) أي: في بدايتي ونهايتي، (وهو حسبي) أي: كَافِيَّ جميع أموري، (ونِعْمَ الوكيلُ) أي: الموكول إليه الأمرُ.
(وقد أجزت [أولادي] (^٢) أبا الفتح محمدًا وأبا بكر أحمد) كذا في "الجلال"، وفي "الأصيل": "محمدًا"، (وأبا القاسم عليًّا وأبا الخير محمدًا وفاطمة وعائشة وسلمى وخديجة روايته) أي: رواية كتاب الحصن، (عني مع جميع ما يجوز لي روايته) أي: من سائر مصنفاتي في علمي القراءة والحديث.
(وكذا أجزت أهل عصري) وتحقيق الإجازة وأنواعها بيناها في "شرح النخبة" (والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلاته) وفي نسخة: (على سيد الخلق) وفي نسخة: (وأشرفهم محمد، وعلى آله
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب): "التحصين".
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): "لأولادي".
[ ٣ / ١٥٨٠ ]
وصحبه، وسلامه) أي: وسلام الله تعالى كذلك (عليه وعليهم)، انتهى.
وانتهى فراغ تحرير هذا الشرح وتنميقه بعون الله وتوفيقه بمكة المشرفة المكرمة قبالة القبلة المعظمة في النصف الأخير من جمادى الأخرى، من شهور عام ثمان بعد الألف من الهجرة النبوية، على صاحبها آلاف صلاة وألوف تحية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبرحمته تكمل العطيات، وتقبل الطاعات والعبادات، والمسئول من فضل أرباب الوصول ممن أخذ حظًّا من هذا المحصول الدعوة الخالصة بالجهة الخاصة لهذا الفقير الحقير الكسير بوصف الكثير القليل البضاعة والضعيف الاستطاعة عِلْمًا وعَمَلًا وقالًا وحالًا حال حياته ووقت مماته ممدًا ومعينًا، ويرحم الله عبدًا قال آمينا (^١).
_________________
(١) كتب بعدها في (أ): "قال كاتبه: حررت وأرخت هذه النسخة الشريفة الجميلة، الموجبة للقبول والتعظيم نقلًا محررًا مقابلًا من نسخة الأصيل، وهي خط مؤلفه رحمه الله تعالى وكان ذلك بعون الله تعالى بمكة المكرمة في النصف الأول من رجب الفرد ثلاث وخمسين وألف من الهجرة النبوية، أفضل التحيات. وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة في وقت بعد الظهر يوم الثلاثاء نصف ذي الحجة الذي هو من شهور سنة أربع عشرة ومئة وألف على يد الفقير الحقير المعترف بالذنب والتقصير الراجي عفو ربه الكريم رجب بن محمود الشهير بقيم جامع سلطان سليمان غفر الله له ولوالديه، ولمشايخه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".=
[ ٣ / ١٥٨١ ]
قال كاتبه: كتبت وحررت هذه النسخة الشريفة من خط مؤلفه بعون الله تعالى بمكة المشرفة المكرمة في النصف الأول من رجَبٍ الفرد من شهور عام ثلاث وخمسين وألف من الهجرة النبوية عليه أفضل التحية.
وقد فرغت من كتابة هذه النسخة المباركة في يوم السبت المبارك سادس شهر صفر الخير من شهور عام تسعة وثمانين ومئة وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، آمين.
_________________
(١) = وكتب بعدها في (ج): "تمت هذه النسخة الميمونة مسمى شرح حصن حصين من تصنيف مولانا علي قاري رحمه الله تعالى، في شهر جمادى الآخر في تاريخ، جهارم سنة دويم في عهد باد شاه دين بناه سلطان السلاطين مالك ملك سليمان باد شاه بهادر شاه عالم خلد الله ملكه وإبقاؤه موافق سنة هجرة النبوي صلى الله عليه وآله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأهل بيته وسلم، سنة يكهزار يكصد وبيت بد ستخط فقير الحقير تقصير خاكياتي بن زكران دين شيخ عبد الرسول ولد شيخ محمد القرشي الهاشمي عفي عنه".
[ ٣ / ١٥٨٢ ]