أي: هذا فصل فضل القرآن العظيم جملة، وفضائل بعض السور منه وبعض الآيات منها أو منه مخصوصة.
(اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة) أي: يحضر حضورًا مَعْنَوِيًّا، أو حسِّيّا صوريّا، (شفيعًا لأصحابه) أي: ممن يقرأ القرآن غيبًا أو عينًا. (م) أي: رواه مسلم عن أبي أُمامة الباهلي (^١).
(يقول الله ﷾؛ من شغله القرآن) أي: لفظًا أو حفظًا، مبنًى أو معنًى، أو عملًا، أو تخلقًا، (عن ذكري) أي: من سائر الأذكار، (ومسألتي) أي: من بقية الأدعية، (أَعْطيْتُهُ أفضلَ ما أعْطِي) على صيغة المضارع المعلوم المتكلم الواحد، أي: أفضل ما أعطيه (السائلين) أي: والذاكرين، فهو من باب الاكتفاء، أو المراد بـ "السائلين" الطالبون في ضمن الذكر أو الدعاء، بلسان القال، أو ببيان الحال.
ثم قوله: (وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه) جُملةٌ استئنافيةٌ قائمةٌ مقامَ العلة للجملة السابقة، أي: سواء يكون من تتمة كلام الله ﷿ على أنه حينئذٍ فيه التفات، أو على أنه من كلام النبي ﷺ، وهو الأظهر؛ لئلا يحتاج إلى ارتكاب الالتفات، أو على أنه من كلام بعض الرواة على ما نُقل عن البخاري أنه قال: "هذا من كلام أبي
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٠٤).
[ ٣ / ١٣٩٦ ]
سعيد الخدري الراوي، أدرجه في الحديث ولم يثبت رفعه".
لكن فيه نظر؛ فإن هذه الجملة بانفرادها ذكرها السيوطي في "جامعه" -برواية البيهقي في "سننه"، وأبي يعلى في "معجمه"- عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: "فضل القرآن على سائر الكلام، كفضل الرحمن على سائر خلقه".
هذا، وقال المظهر: "يعني: من اشتغل بقراءة القرآن ولم يفرغ إلى الذكر والدعاء، أعطاه الله تعالى مقصوده ومراده أحسن وأكثر مما يُعطي الذي يطلبون من الله حوائجهم، والمعني: أنه لا يَظن القارئ أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه إياها، بل يعطيه أكمل الإعطاء؛ فإنه من كان الله كان الله له"، انتهى.
وعن الشيخ عبد الله بن خفيف الشيرازي قدس سرّه: "إنْ شَغَل القرآن القيام بواجبات إقامة فرائضه واجتناب محارمه، فإن من أطاع الله فقد ذكره وإن قلَّتْ صلاته وصومه، ومن عصاه فقد نَسيه وإن كثرت طاعته".
(ت، مي) أي: رواه الترمذي، والدارمي؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري، ولفظ الدارمي: "ذكري عن مسألتي"، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" أيضًا، وقال العسقلاني (^١): "رجاله ثقات، إلا عطية العوفي [فقية] (^٢) ضعيف" (^٣).
_________________
(١) انظر الفتح (٩/ ٦٦).
(٢) هذا ما يقتضيه السياق، وفي (أ) و(ب) و(د): "فثقة"، وفي (ج): "فقيل إنه".
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦) وإسناده ضعيف جدًّا. قال أبو حاتم في العلل (١٧٣٨): "منكر". وفي إسناده عطية وهو العوفي قال عنه الحافظ في =
[ ٣ / ١٣٩٧ ]
قال المصنف: "وفي رواية: "من شغله القرآن وذكري عن مسألتي"، والجمع بين ذلك: أن تلاوة القرآن أفضل من الذكر بلا خلاف كما تقدم في أول الكتاب، إلا فيما شُرِعَ لغيره، ثم الذكر أفضل من الدعاء إلا فيما شرع فيه الدعاء.
والحاصل أن قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا، وقد يَعْرِضُ للمفضُول ما يجعله أولى من الفاضل بل يُعَيّنه، فلا يجوز أن يُعْدَل عنه إلي الفاضل. مثالها: أن التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن فيهما؛ فإنها مَنْهي عنها نَهْيَ [كراهةٍ] (^١) أو تحريمٍ، وكذلك التسبيح والتحميد في محلهما أفضل من القراءة، وكذلك التشهد، وكذا "رَبّ اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني" بين السجدتين= أفضل من القراءة والذكر. وأما الذكر عقيب السلام من الصلاة، من التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير= أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذا إجابة المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة، وإن كان فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه؛ إذ لكل مقامٍ مقالٌ، فليُعْلم ذلك" (^٢).
_________________
(١) = "التقريب" صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًا مدلسًا (ت ٤٦٤٩). وانظر: الضعيفة (١٣٣٥).
(٢) كذا في (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و(ج) و(د): "كراهية".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ أ).
[ ٣ / ١٣٩٨ ]
(تعلموا القرآن) أي: أوّلًا، (واقرءوه) أي: ثانيًا، وفي نسخة صحيحة: "فاقرءوه"، أي: [فَدَاوِمُوا] (^١) على قرأته ومتابعته، فإن المتابعة هي المقصودة الأصلية من التلاوة؛ ولذا قال: (فإن مثل القرآن) أي: وصفه العجيب الشأن، (لمن تعلمه فقرأه، وقام به) أي: عملًا أو تعليمًا؛ لما في حديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وفي كلام عيسى ﵇: "من عَلِم وعَمِل وعَلّم، يُدْعى في الملكوت عظيمًا".
(كمثلِ جِرَابٍ) بكسر الجيم، واحد الأجربة، معروفٌ، وفتحه خطأ، ذكره المصنف، ومن لطائف أهل اللغة: "لا يفتح الجراب ولا يكسر القنديل"، أي: وعاء، وفي "نسخة الجلال": "الجراب" [مُعَرَّفًا] (^٢)، قال الطيبي: "وخُصَّ الجراب بالذكر احترامًا؛ لأنه من أوعية المسك"، (مُلِئَ) بضم ميم، وكسر لام، فهمز، أي: امتلأ (مِسْكًا) تمييز، أي: طيبًا عظيمًا (يَفُوح رِيحُه) أي: يظهر [ريحه] (^٣) (في كل مكان).
(وَمَثَلُ من يتعلمه فَيَرْقُدُ) وفي نسخة: "ويرقد" (وهو في جوفه) جُملة حالية، أي: ينام ويغفل عنه، ولا يشتغل به على الوجه المذكور؛ لأن من كان كذلك كأنه نائمٌ، وذلك بقرينة مقابلته لقوله: "فقرأ وقام به"، فهو أولى من قول المصنف: ""قام به" يعني قيام الليل"، بدليل قوله: "فيرقد
_________________
(١) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "فَدُومُوا".
(٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ج): "معروفا"، وفي (ب): "معرفٌ".
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "رائحته".
[ ٣ / ١٣٩٩ ]
وهو في جوفه" (^١)؛ فإنَّ صرف الثاني عن الظاهر أولى من حيث المعني من عكسه، كما اختاره، على أن مآل العبارتين واحد؛ فإن من جملة القيام به علمًا وعملًا قيام الليل صلاةً وقراءةً؛
[أو] (^٢) لأن بركة القيام بقراءته في الليل سبب لبركة القيام بمتابعته في النهار.
(كمثل جرابٍ أُوكي) بصيغة المجهول، أي: شُدَّ بالوكاءِ، وهو: الخيط الذي يشد به الوعاء (على مِسْكٍ) أي: مشتملًا عليه مانعًا من فوح الري لديه.
قال المظهر: "يعني: صَدْرُ القارئ كجراب، والقرآن في صدره كالمسك في الجراب؛ فإن من قرأَ يصل بركته منه إلى بيته وإلى السَّامِعِين، ويحصل استراحة وثوابٌ إلى حيث يصل إليه صَوته، فهو كجرابٍ مملوءٍ من المسك، إذا فُتِحَ رأسهُ تصل رائحته إلى كل مكان حوله، ومن تعلم القرآن ولم [يقرأه] (^٣) لم يصل بركته منه، لا إلى نفسه ولا إلى غيره، فيكون كجراب [مشدودٍ] (^٤) رَأسهُ وفيه مسك، فلا تصل رائحته منه إلى أحد".
(ت، س، ق، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ أ).
(٢) من (أ) و(ج) فقط، وفي (د): "و".
(٣) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "يقرأ".
(٤) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "مسدود".
[ ٣ / ١٤٠٠ ]
حبان، عن أبي هريرة (^١).
(من قرأ حَرْفًا من كتاب الله فله) أي: "به"، كما في نسخة، والمعنى: فللقارئ بسبب ذلك الحرف أو بدله (حسنة) أي: عدلًا، (والحسنة بعشر أمثالها) أي: فضلًا، وهذا أقل ما ورد من المضاعفة، والمراد بالحرف حرف البناء المعَبَّر عنه بحرف الهجاء، فقوله: "أَلِف حرف ولام حرف وميم حرف"، مُسَمياتها لما تقرر من أن لفظ "ألف ولام وميم" أسماء لهذه المسميات، فحمل الحروف في الحديث على المذكورات مجازًا؛ لأنه المراد منه في مثل "ضرب"، في: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كل واحد من "ضَهْ" وَ"رَهْ" وَ"بِهْ".
فعَلى هذا إن أريد بـ ﴿أَلَمْ﴾ مُفْتَتح سُورة الفيل يكون عدد الحسنات ثلاثين، وإن أريد به مفتتح سُورة البقرة وشِبْهها يبلغ العدد تسعين، كذا حَقَّقَهُ الطيبي وغيره من الشراح.
وقال المصنف: "أراد بالحرف الكلمة، بدليل قوله ﷺ: (لا أقول: ﴿ألم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، فلو كان المراد الحرف الهجائي لكان ﴿ألم﴾ تسعةَ أَحْرُفٍ، وقد بَيَّنْتُ ذلك وأوضحته في آخر كتاب "النشر"" (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٧٦)، والنسائي (٥/ ٢٢٧)، وابن ماجه (٢١٧)، وابن حبان (٥/ ٤٩٩) (٢١٢٦)، و(٦/ ٣١٦) (٢٥٧٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٥٢).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ أ).
[ ٣ / ١٤٠١ ]
(ت) أي: رواه الترمذي من حديث ابن مسعود، وقال: "حسن صحيح غريب، ووقفه بعضهم عليه" (^١).
(لا حسد) أي: لا غبطة، وهي: تمني النعمة من غير إرادة زوالها عن صاحبها، (إلا في اثنين) قال المصنف: "المراد بالحسد هنا هو الغبطة؛ فإن حقيقةَ الحسدِ أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنَّى زوالها عنه"، والمعنى: ليس الحسد يضر إلا في اثنين" (^٢)، انتهى، أي: في شخصين.
ويؤيده قوله: (رَجُلٍ) بالجر على البدل، وفي نسخة: بالرفع، على تقدير "أحدهما" أو "منهما"، وفي نسخة صحيحة: "اثنتين"، وهو "أصل الجلال"، بل قال العسقلاني: "إنه مُعْظم روايات البخاري"؛ فالتأنيث باعتبار النفسَين أو النَّسَمَتَيْن، فتتوافق الروايتان أو المعنى في خصلتين، فيحتاج إلى تقدير مُضاف أي: خصلة رجل.
(آتاه الله القرآن) أي: أعطاه قراءته أو حِفْظَهُ أو علمه، (فهو يقوم به) أي: علمًا وعملًا، (آناء الليل) أي: ساعاته، قال الأخفش: "واحدها إنًى مثل [مِعًى] (^٣)، وقال بعضهم: إِنًى، وإِنْوٌ"، ذكره المصنف (^٤)، وقال
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٠) وراجع الصحيحة (٦٦٠).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب) بتصرف.
(٣) كذا في (د)، و"مفتاح الحصن الحصين"، و"مختار الصحاح"، وفي (أ) و(ب) و(ج): "مِنًا".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب).
[ ٣ / ١٤٠٢ ]
الطيبي: "واحدها إنًى، وأَنًى، وإنْيٌ، وإِنْوٌ، أربع لغات". (وآناء النهار) وفي نسخة: "أطرافَ النهار".
(وَرَجُلٌ) بالوجهين، (آتاه مالًا فهو يُنْفِقهُ) أي: في الطاعات، كما ورد مُصَرّحًا به في الأحاديث الأخر على ما في "التصحيح"، (آناء الليل وآناء النهار).
والمعنى: لا ينبغي أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل صاحب نعمةٍ نعمةً، إلا أن تكون النعمة مما يتقرب به إلى الله تعالى، كتلاوة القرآن والتصدق بالمال -أي: الحلال- وغيرهما من الخيرات، كذا ذكره المظهر، وفيه إشارة إلى أن ذكر الرجلين بطريق الحَصْر بناءً على نعمتي [العلم والمال] (^١)، وإيماءً إلى أن العلم خير من المال، وأن العالم أفضل من العابد.
فارتفع ما استشكل الحنفي بأن: "الحصر المذكور فيه محتاج إلى بيان؛ لأن المجاهد في سبيل الله والشهيد في سبيله مثلًا وغيرهما في حكم هذين الصنفين، بل بعض الأحاديث تدل على زيادة فضلهم"، انتهى.
ولا يخفى أنّ جميع العبادات لا تخرج عن العلم بالقرآن المشتمل على الطاعات البدنية قولًا وفعلًا، كما أشار إليه ﷺ بقوله: "فهو يقوم به"، ولعل ذكر المال من باب التخصيص بعد التعميم، أو للمقابلة المشعرة بأن صاحب المال المنفق في سبيله ولو كان ليس بعالمٍ لكن ينبغي أن [يغتبط] (^٢)
_________________
(١) هذا هو الأليق بالمسياق، وفي جميع النسخ: "العلمي والمالي".
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "يغبط"، وفي (ب): "يغبطه".
[ ٣ / ١٤٠٣ ]
به، لكن قد سبق في أول الكتاب حديث: "لو أنَّ رَجُلا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر الله، كان الذاكر لله أفضل"، ولا يبعد أن يرجع التقسيم إلى الفقير الصابر والغني الشاكر؛ فإن الغالب عدم الجمع بين العلم والمال، والله أعلم بالحال.
وقيل المعنى: "لو كان الحسد مجوزًا لجاز عليهما، فيكون مُبَالغة في بيان فضل كُلّ من هذين الوصفين"، وفي الإتيان بـ "الإيتاء"، إيماء إلى أن كلا منهما عَطِيّة إلهية، ونعمة ربانية، وأنه تعالى يخص من يشاء بما يشاء من النعم الدِّينية والمنح الدنيوية.
(خ، م) رواه البخاري، ومسلم؛ كلاهما عن ابن عمر، قال المصنف في "تصحيح المصابيح": "ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه" (^١).
(يُقال) أي: في الآخرة (لصاحب القرآن) أي: من يلازمه بالتلاوة والعمل به، وقيل: العالم بمعانيه، (اقرأ وارْتَقِ) أمر من الارتقاء، أي: اصعد، وهو كذا في جميع النسخ، لا من الثلاثي المجرد كما يُوهمُه كلام المصنف حيث قال: "من الرقِيّ، وهو: الصعود، وهذا يدله على أن حُفاظ القرآن المرتلين [له] (^٢) لهم أعلى منزلة في الجنة" (^٣)، انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٢٩)، ومسلم (٨١٥)، والترمذي (٨١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٠٧٢)، وابن ماجه (٤٢٠٩).
(٢) من (أ) و"مفتاح الحصن الحصين".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب).
[ ٣ / ١٤٠٤ ]
يعني: كما يدل عليه قوله: (ورتل كما كنت ترتل في الدنيا) منَ الترتيل وهو: التأنّي في القراءة، (فإنّ منزلتك) أي: مرتبتك المنتهية، ودرجتك العالية، وفي نسخة: "فإن منزلك" (عند آخر آية تقرأُ) أي: عند انتهائها بقدر آيها، وفيه إيماء إلى قول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
فقيل: "ورد في الأثر: أن درجات الجنة بعدد آي القرآن، فمن لازم القرآن في الدنيا عِلْمًا وعَملا، يستولي على أقصى درجات الجنة"، وقيل: "المراد أن الترقي ثابت دائمًا، فكما أن قراءته في حال الاختتام استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له، كذلك حال القراءة والترقي في المنازل التي لا تتناهى، وهذه القراءة كالتسبيح للملائكة لا يشغلهم عن مُسْتَلَذَّاتهم، بل هي أعظم مُسْتَلَذَّاتهم، ثم إن هذا للقارئ حق قراءته، وهو: أن يتدبر معناه ويتأَتّى بما هو مقتضاه، لا الذي يقرؤه والقرآن يلعنه".
(د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي، عن ابن عمر، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال ميرك: "ورواه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان أيضًا" (^١).
(الذي يقرأ القرآن وهو ماهِرٌ به) "أي: حاذقٌ في حفظه كامل في تلاوته،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤)، والنسائي في الكبرى (٨٠٥٦) وابن حبان (٧٦٦) وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٤٠).
[ ٣ / ١٤٠٥ ]
لا يتوقف فيه ولا يشق عليه قراءته؛ لجودة إتقانه، وحسن حفظه"، ذكره المصنف (^١). (مع السَّفَرة) بفتحتين، أي: الرسل أو الكتبة (الكرام) جمع كريم، (البَرَرَة) جمع بارّ، كالطلبة جمع طالب، من البرّ، وهو: الطاعة.
وقال المصنف: "السفرة جمع سافر، وهو: الرسول، والسفرة: الرسل ﵈؛ لأنهم يُسْفِرُون إلى الناس برسالات الله، وقيل السَّفرة: الكتبة، والبررة: المطِيعُون، ويحتمل أن يكون له منازل في الآخرة يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله ﷿" (^٢).
(والذي يقرؤهُ ويتعتع فيه، وهو عليه شاقٌّ) أي: يتردد في تلاوته ويشق عليه لضعف حفظه، (له أجران) أي: أجر بالقراءة، وأجر بما عليه من المشقة، وليس المعنى: أن الذي يشق عليه القراءة يكون له من الأجر أكثر من الماهر، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا، فإنه مع السفرة وله أُجور كثيرة، ولم تكن هذه المنزلة لغيره، وكيف يلتحق به من لم يَعْتَنِ بكتاب الله تعالى وحِفظه وإتقانه، وكثرة تلاوته ودراسَتِهِ، حتى صار ماهرًا فيه"، انتهى كلام المصنف (^٣).
(خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم؛ [كلاهما] (^٤) عن عائشة رضي الله
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٧/ ب).
(٤) من (ج) و(د) فقط.
[ ٣ / ١٤٠٦ ]
عنها، ورواه الأربعة أيضًا، ذكره ميرك (^١).
(الفاتحة) في كثير من النسخ كُتِبَتْ بالحمرة وهو غير مُلائم؛ لأنه يوهم أن يكون عُنوانًا، والحال أنه ليس كذلك، بل [هو] (^٢) من نفس الحديث، والمعنى: سورة الفاتحة، أو فاتحة: الكتاب، أو القراءة، [أو] (^٣) الصلاة، ثم العَلَم للسورة المَعْهُودة، إما الفاتحة -كما أن فاتحة الكتاب أيضًا كذلك-، أو فاتحة الكتاب، والفاتحة اختصار منها، وإن اشتهر فيما بينهم أن الأعلام لا [تتغير] (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨)، وأبو داود (١٤٥٤)، والترمذي (٢٩٠٤)، وابن ماجه (٣٩٧٩).
(٢) من (أ) و(ج) و(د) فقط.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "و".
(٤) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "يتغيَّر".
[ ٣ / ١٤٠٧ ]