(وإذا قُحِطُوا المطر أي: عدموه، والضمير راجع إلى الناس الذين يريدون دعاء الاستسقاء، وقال العسقلاني: "هو بضم القاف، وكسر المهملة"، أي: أصابهم القحط، أي: من جهة المطر، أو فيه تجريد أو تأكيد، إذ القحط غالبًا من فقد المطر، ففي "الصحاح" (^١): "أقحط القوم: إذا أصابهم القحط، وَقُحِطُوا أيضًا على ما لم يسم فاعله".
وفي "القاموس" (^٢): "احتباس المطر: احتباس المطر، قحط العالم كمنع وفرح وعني قحطًا، وقحط الناس كسمع، وقحطوا أو أقحطوا بضمهما لغتان".
وفي نسخة: "وإذا قحط المطر"، قال ميرك: "كذا وقع في أصل سماعنا، والظاهر حذفه"، انتهى. ولم يظهر وجهه، ففي "العباب": "القحط: الجدب، يقال: قحط المطر يقحط قحوطًا إذا احتبس، وقال أعرابي لعمر ﵁: قحط السحاب" (^٣).
وقال ابن دريد: "قحطت الأرض وقحطت قحطًا"، وحكى الفراء
_________________
(١) الصحاح (ص ٢٤٧).
(٢) القاموس (١/ ٦٨١).
(٣) عزاه في الكنز (٢٣٥٣٦) إلى ابن جرير والمحاملي.
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
قحط [مثال سمع] (^١)، وقحط الناس على ما لم يسم فاعله.
(فليجثوا) بفتح الياء وضم المثلثة، أي: فليقعدوا، (على الركب) بضم ففتح جمع الركبة، وفيه تجريد؛ لأن الجثو والجثي هو القعود بالركبة، ويعدى بـ "على" على ما في "التاج".
(ثم ليقولوا: يا رب، يا رب) أي: مرتين أو أكثر من خمس؛ لما ورد وسبق، أو أكثر إلى أن يجيء المطر، وتقدم أنه الاسم الأعظم، ويناسب النداء بنعت التربية للمقام، والله أعلم.
(عو) أي: رواه أبو عوانة عن سعد بن أبي وقاص: "أن قومًا شكوا إلى رسول الله قحط المطر، فقال: اجثوا على الركب، ثم قولوا: يا رب، يا رب، قال: ففعلوا فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم" (^٢).
(ودعاء الاستسقاء) في "القاموس" (^٣): "استسقى منه: طلب سقيا، وسقاه الله الغيث: أنزله، وسقاه يسقيه، وسَقَاه وأسْقَاه، أو سقَاه وسقّاه بِالشَّفَة، وأسقاه: دله على الماء، أو سقى ماشيته أو أرضه، أو كلاهما: جعل له ماء".
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "كسمع".
(٢) أخرجه أبو عوانة (٢٥٣٠) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٠٨)، والطبراني في الأوسط (٥٩٨١) عن سعد وفي إسناده عامر بن خارجة قال البخاري: في إسناده نظر، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٦)، والسلسلة الضعيفة: (١٨١٣).
(٣) القاموس (١/ ١٢٩٦).
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
(اللهم اسقنا) بهمزة وصل أو قطع، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].
(اللهم اسقنا. اللهم اسقنا) أي: ثلاث مرات، ويزيد ما شاء. (خ) أي: رواه البخاري عن أنس (^١).
(اللهم أغثنا) من باب الإفعال، قال المصنف: "أي: أنزل علينا الغيث، وهو المطر" (^٢)، انتهى. وفي "القاموس" (^٣): "استغاثني فأغثته إغاثة، وما أغثت به المضطر من طعام"، ذكره في مادة "الغوث"، وفي "الغيث": "غاث الله البلاد، والغيث الأرض أصابها". (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) أي: ثلاثًا. (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا (^٤).
وفي "الصحيحين" عنه: "أن رجلًا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فقال ﵇: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: فلا والله، ما نرى بالسماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت … " الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠١٣).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
(٣) القاموس (١/ ١٧٣).
(٤) أخرجه مسلم (٨٩٧).
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
ذكره ابن الهمام، واستدل به على أنه ﷺ اكتفى بالدعاء في الاستسقاء مرّة، كما أنه جمع بينه وبين الصلاة أخرى كما في الحديث الآتي.
(وإن كان) أي: أحد من المستسقين، (إمامًا) أي: سلطانًا أو نائبه، قاضيًا أو خطيبًا، (خرج إذا بدا) بالألف، أي: ظهر (حاجب الشمس) أي: أولها على ما في "المهذب"، وقيل: أول شعاعها، وقال صاحب "المغرب": "هو أول ما يبدو من الشمس، مستعار من حاجب الوجه".
(فقعد على المنبر) أي: الموضوع في الصَّحْرَاءِ، أو في أحد مسجدي الحرمين الشريفين، (فكبر) أي: فقال: الله أكبر، أو فعظم الله (وحمد الله عز) أي: بذاته، (وجلَّ) أي: بصفاته.
وفي "الهداية": "هي كخطبة العيد عند محمد، يعني: فتكون خطبتين يفصل بينهما بجلوس، ولذا قابله بقوله: وعند أبي يوسف خطبة واحدة، ولا صريح في المرويات يوافق قول محمد أنَّها خطبتان، بل في حديث أبي هريرة من رواية ابن ماجة، قال فيه: "ثم خطبنا، ودعا الله"، وهو غير لازم أن يكون كخطبة العيد" (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٦). وابن ماجة (١٢٦٨) وابن خزيمة (١٤٠٩ و١٤٢٢) قال ابن خزيمة: في القلب من النعمان بن راشد، فإن في حديثه. وذكر ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ١٦١) قال البيهقي في "خلافياته": رواة هذا الحديث كلهم ثقات. وقال في "سننه": تفرد به النعمان بن راشد عن الزهري. قلت: وهو من فرسان مسلم وتعاليق البخاري، وقال: صدوق، في =
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
ثم في حديث ابن عباس (^١) قوله: "فلم يخطب خطبتكم هذه"، فإنه يفيد نفي الخطبة المعهودة - وهو خطبة الجمعة - لا أصل الخطبة، فإن النفي إذا دخل على مقيد انصرف إلى القيد، ولذا لم ينتهض استدلالُ مَنِ استدل بحديث ابن عباس هذا للإمام أحمد على نفي الخطبة في الاستسقاء، فإن أحمد ينفيها كقول أبي حنيفة.
ولابد للإمام أحمد - إذا كان ينفيها - أن يحكم بعدم صحة الوارد فيها، وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم: "خرج ﵇ يستسقي، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة" (^٢)، ولم يقل باستنانها، وذلك لازم ضعف الحديث.
(ثم قال: الحمد لله رب العالمين) أي: على هذه الحال، وعلى كلّ حال، (الرَّحمن الرحيم) أي: المنعوت بالرحمة على صفة المبالغة الشاملة للعامة والخاصة، (مَلِكِ يوم الدين)، وفي نسخة: "مالك يوم الدين"،
_________________
(١) = حديثه وهم كثير. وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وضعفه يحيى القطان وابن معين. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال النسائي: كثير الغلط. قال البيهقي: تفرد به النعمان بن راشد عن الزهري. والمحفوظ عن الزهري أنه يرويه عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد. هكذا هو في كتب الصحاح، البخاري (١٠١١) ومسلم (٢٠٧٠).
(٢) أخرجه أبو داود (١١٦٥)، الترمذي (٥٥٨)، والنسائي ٣/ ١٥٧، وابن ماجة (١٢٦٦)، حسنه الألباني في صحيح الترمذي (٤٥٩).
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٩).
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
وهما قراءتان متواترتان، والأكثر على الأَوَّل، وهو أبلغ من الثاني عند الكُمَّلِ، (لا إله إلَّا الله يفعل ما يريد) أي: مما ينقص ويزيد.
(اللهم أنت الله) أي: لا غيرك، (لا إله إلَّا أنت، الغني) أي: بذاتك، (ونحن الفقراء) أي: إلى إيجادك وإمدادك، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]، (أنزل علينا الغيث) أي: المطر الذي يغيثنا عن الضرر.
(واجعل ما أنزلت) أي: من الخير المنزل، (علينا) وفي رواية: "لنا"، (قوة) أي: سببًا لقوتنا على الطاعة، (وبلاغًا) أي: قوتًا وزادًا.
قال المصنف: "البلاغ: ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب" (^١)، انتهى. والمعنى: مده لنا مددًا طوالًا، (إلى حين) أي: زمن كثير، أو إلى حين فراغ آجالنا.
(ثم يرفع يديه حتى يبدو) بفتح الياء وضم الدال بعده واو، أي: يظهر، (بياض إبطيه) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وقد يكسر: ما تحت الجناح. وفي رواية: "ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه".
(ثم يحول إلى الناس ظهره) أي: يستقبل القبلة للدعاء على وجه الإخلاص، ونهج الاختصاص، (ويحول رداءه) أي: يقلبه، وفي رواية: "ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه".
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
قال ميرك: "المشهور عند الشافعية في كيفية تحويل الرداء: أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضًا من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعك من جانب اليمين، والمقبوض باليسرى على كتفه الأعلى من اليسار، فإذا فعل ذلك انقلب اليمين يسارًا وبالعكس، والأعلى أسفل وبالعكس"، ذكره العلامة الكِرْمَانِيُّ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (^١): "وقع في بعض طرق الحديث بيان المراد بالتحويل، بلفظ: "جعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين"، وفي رواية أخرى: "فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن".
وفي رواية أخرى: "أن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه".
وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف، والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط.
وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك، واختلف أيضًا في الحكمة في هذا التحويل، فجزم بعض العلماء: بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وورد فيه حديث حسن"، انتهى.
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٤٩٨).
[ ٣ / ١٠٩١ ]
(وهو رافع يديه، ثم يقبل على الناس) أي: يتوجه إليهم، (وينزل فيصلي) وفي "أصل الجلال": "ويصلي" (ركعتين. د، حب، مس) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والحاكم، كلهم عن عائشة، وسيأتي رواية أبي داود عنها مفصلًا (^١).
قال ابن الهمام: "يخرجون للاستسقاء ثلاثة أيام، ولم ينقل أكثر منها، متواضعين متخشعين في ثياب خلق مشاة، يقدمون الصدقة كلّ يوم بعد التوبة إلى الله تعالى، إلَّا في مكة وبيت المقدس، فيجتمعون في المسجد".
قال صاحب "الهداية": "ثم صلى مرّة في الاستسقاء، وتركها في أخرى، فلم تكن سنة عند أبي حنيفة، وإنما يكون سنة ما واظب عليها، ولذا قال شيخ الإسلام: "فيه دليل على الجواز، عندنا: يجوز لو صلوا بجماعة، لكن ليس بسنة (^٢).
وبه يبطل أيضًا قول ابن العز: "الذين قالوا بمشروعية صلاة الاستسقاء لم يقولوا بتعينها، بل هي على ثلاثة أوجه: تارة يدعون عقيب الصلاة، وتارة يخرجون إلى المصلى فيدعون من غير صلاة، وتارة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١١٧٣) والمستدرك (١/ ٣٢٨) وصححه النووي في "الخلاصة" (٢/ ٨٧٠) وقال: "رواه أبو داود بإسناد صحيح". وأقره النووي في "الأذكار" (١/ ١٥٠)، والزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٤٢)، والحافظ في "البلوغ" (١/ ١٠٣) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٠٤٠).
(٢) فتح القدير (٢/ ٩١).
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
يصلون جماعة ويدعون، وأبو حنيفة لم يبلغه الوجه الثالث، فلم يقل به.
والعجب أنه قاله بعد نقله قول المصنف: "قلنا فعله مرّة، وتركه أخرى فلم يكن سنة"، وهو مصرح بعلمهم بفعله.
وكذا قول غير المصنف: "المروي فيه شاذ فيما تعم به البلوى"، وهو [جواب ظاهر] (^١) الرواية، فإن عبارته في "الكافي"الذي هو جمع كلام محمد، قال: "لا صلاة في الاستسقاء، وإنما فيه الدعاء، بلغنا عن النبي ﷺ: أنه خرج ودعا، وبلغنا عن عمر ﵁: أنه صعد المنبر فدعا واستسقى، ولم يبلغنا عن النبي ﷺ في ذلك صلاة إلَّا حديث واحد شاذ، لا يؤخذ به"، انتهى (^٢).
وقال: ثم الحديث الذي روي من صلاته ﵇ هو ما في السنن الأربعة عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: "أرسلني الوليد بن عتبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول الله ﷺ؛ فقال: خرج رسول الله ﷺ مبتذلًا متواضعًا متضرعًا، حتى أتى المصلى فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد" صححه الترمذي (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "ظاهر جواب".
(٢) "فتح القدير" (٢/ ٩١).
(٣) أخرجه أبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٩)، والنسائي (٣/ ١٥٦ - ١٥٧)، وابن ماجة (١٢٦٦)، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري، قال الحافظ: صدوق، التقريب (٣٦٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
وقال المنذري في "مختصره": "رواية إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن ابن عباس وأبي هريرة مرسلة"، ولا يضر ذلك؛ فقد صح من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، أخرجه الستة: "أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي؛ فصلى بهم ركعتين، وحوَّل رداءه ورفع يديه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة" زاد البخاري فيه: "جهر فيهما بالقراءة"، وليس هذا عند مسلم (^١).
وأما ما رواه الحاكم عن ابن عباس وصححه، وقال فيه: "فصلى ركعتين، كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وكبر فيها خمس تكبيرات"؛ فليس بصحيح كما زعم، بل هو ضعيف معارض.
أما ضعفه: فبمحمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرَّحمن بن عوف، قال البخاري: "منكر الحديث"، والنسائي: "متروك"، وأبو حاتم: "ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٤٣)، ومسلم (٨٩٤)، وأبو داود (١١٦٣)، والترمذي (٥٥٦)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والنسائي (٣/ ١٥٥)، وابن ماجة (١٢٦٧)، وانظر الفتح (١١/ ١٤٤).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٣٢٦) وعنه: البيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٤٨). أخرجه البزار (١/ ٣١٦ - كشف الأستار)، والدارقطني ٤: ٤٢٢ (١٨٠٠). وعنه ابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٥١٨/ ٨٤٤)، والطبراني في "الدعاء" - (٢٢٥٤). وقال البيهقي: محمد بن عبد العزيز هذا غير قوي وهو بما قبله من الشواهد يقوى قلت: محمد بن عبد العزيز قال فيه النسائي: متروك، حديث المتروك =
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا يتقوى بالشواهد لشدة ضعفه، لا سيما، وهي مجملة، وهذا مفصل. ولم يوافق المصنف أحد على تصحيحه فتعقبوه، ومنهم: الذهبي في "التنقيح" (١/ ٢٩٨): قال هذا منكر، ومحمد ضعيف. ابن عبد الهادي في "التنقيح" (٢/ ١١٣): رواه الحاكم وصححه وهو حديث منكر ومحمد بن عبد العزيز هو ابن عمر بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري القرشي المدني وهو ضعيف قال البخاري منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس له حديث مستقيم. وقد تكلم فيه أيضًا ابن حبان، وغيره. وقد تعقبه ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ١٤٦): وأعل عبد الحق هذه الرواية بأن قال: محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرَّحمن بن عوف ضعيف الحديث. قال أبو حاتم: هم ثلاثة إخوة ضعفاء ليس لهم حديث مستقيم: محمد وعبد الله وعمران بنو عبد العزيز، (وبمشورة محمد (هذا) جلد مالك فيما قال البخاري). قال ابن القطان: وعبد العزيز هذا مجهول الحال، يعل به الخبر. قلت: وأما الحاكم فإنه أخرج هذه الرواية في "مستدركه" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد. لكنه قال: في إسناده محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبيه. وكأنه وهم، والمعروف عبد العزيز بن عمر بن عبد الرَّحمن، ولم ينبه الذهبي في "اختصاره للمستدرك " على هذا، بل قال: فيه عبد العزيز بن عبد الملك وقد ضعف. وليس بجيد منه، وكان ينبغي أن يعترض عليه من الوجه الذي ذكرته، فتنبه لذلك. الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٤٠) وزاد: أنه معارض بحديث رواه =
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
وأما المعارضة: فيما أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أنس: "أنه ﵇ استسقى فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم ثزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلَّا تكبيرة" (^١)، وأخرج أيضًا عن ابن عباس قال: "لم يزد ﵊ على ركعتين مثل صلاة الصبح" (^٢).
ووجه الشذوذ أن فعله ﵇ لو كان ثابتًا لاشتهر نقله اشتهارًا واسعًا،
_________________
(١) = الطبراني في "معجمه الوسط" ٩: (٩١٠٨) حدثنا مسعدة بن سعد العطار ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا محمد بن فليح، حدثني عبد الله بن حسين بن عطاء عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ استسقى، فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم نزل، فصلى ركعتين، لم يكبر فيهما إلَّا تكبيرة، انتهى. وانظر تفصيل ذلك في "السلسلة الضعيفة" (٥٦٣٠).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩١٠٨) وقال الألباني: منكر بذكر (التكبيرة) (السلسلة الضعيفة ٥٦٣٢) وقال: ومن الغريب: أن جماعة من الحنفية ذكروا هذا الحديث من رواية "الأوسط" ساكتين عنه؛ كالزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وابن الهمام في "الفتح" (٢/ ٥٩)، والعيني في "عمدة القاري" (٧/ ٣٥) وعلي القاري في "مرقاة المفاتيح" (٢/ ٢٨٣) وهم نخبة محدثي الحنفية، وكأن ذلك لموافقته لمذهبهم! ولذلك عارضوا به حديث الشافعية الذي قبله! ومع أن الحافظ ابن حجر لما ذكره في "الدراية" (١/ ٢٢٦) لم يضعفه، ولا بين علته؛ إلَّا أنه أشار إلى الرد عليهم بقوله: "قلت: ولا حجة فيه؛ فإنها كانت حينئذ صلاة الجمعة". وليس هذا بظاهر من الحديث! بل هو حجة لهم لو صح، ولكنه منكر كما ذكرنا. والله أعلم.
(٣) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط (٩١٦٢).
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
ولفعله عمر حين استسقى، ولأنكروا عليه إذا لم يفعل؛ لأنَّها كانت بحضرة [جميع] (^١) الصحابة، لتوافر الكل في الخروج معه ﵇ للاستسقاء، فلما لم يفعل، ولم ينكروا، ولم يشتهر روايتها في الصدر الأول؛ بل هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في كيفيتها عن ابن عباس وأنس كان ذلك شذوذًا فيما حضره الخاص والعام، والكبير والصغير.
وفي "سنن أبي داود" عن عائشة، قالت: "شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت: فخرج ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله ﷿، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر [من] (^٢) زمانه عنكم، وقد أمركم الله تعالى ﷿ أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين … " إلى أن قال: "ثم أقبل على الناس ونزل عن المنبر، فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت ﵇ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنِّ ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُه؛ فَقَالَ: أشهد أن الله عَلَى كلّ شَيْء قدير، وَأَنِّي عبده وَرَسُوله"، انتهى. قال أبو داود: "حديث غريب، وإسناده جيد" (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب): "جمع من".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "عن"، وفي "سنن أبي داود": "عن إبان".
(٣) أخرجه أبو داود (١١٧٣) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٧٦) وقال الحاكم على شرط الشيخين وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١/ ٢١٧).
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
وذلك الكلام السابق هو المراد بالخطبة كما قاله بعضهم، ولعل الإمام أعله بهذه الغرابة أو بالاضطراب؛ فإن الخطبة فيه مذكورة قبل الصلاة، وفيما تقدم من حديث أبي هريرة بعدها، وكذا في غيره.
وهذا إنما يتم إذا تم [استبعاد أن] (^١) الاستسقاء وقع حال حياته بالمدينة أكثر من سنتين؛ السنة التي استسقى فيها بغير صلاة، والسنة التي صلى فيها، وإلا فالله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
وفيه: أنه أمر بإخراج المنبر، وقال المشايخ: لا يخرج، وليس الإنباء على عدم حكمهم بصحته.
قال الزيلعي: "المخرج عند قول صاحب "الهداية": "لم ينقل التحويل"، ليس كذلك؛ فعند أبي داود (^٢): "استسقى النبي ﷺ وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه" - زاد الإمام أحمد: "وتحول الناس معه". قال الحاكم: "على شرط مسلم" (^٣)، انتهى (^٤).
ودفع بأنه إنما قال في "الهداية": "لم ينقل"؛ لأنه لم ينقل أنه أمرهم
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "استسقاءان"، وفي (ب): "استشعار أن".
(٢) أخرجه أبو داود (١١٦١).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٢٧). قال الحاكم قد اتفقا على إخراج حديث عباد بن تميم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وهو صحيح على شرط مسلم. هو كما قال ولا وجه إذن لاستدراكه.
(٤) نصب الراية (٢/ ٢٤٢).
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
بذلك، فنقل أنهم فعلوا ذلك لا يمسه.
وأجيب: بأن تقريره إياهم إذ حولوا أحد الأدلة، وهو مدفوع بأن تقريره الذي هو من الحجج ما كان عن علمه، ولم يدلُّ شيء مما روي على علمه بفعلهم ثم تقريره، بل اشتمل على ما هو ظاهر في عدم علمه به، وهو ما تقدم من رواية، إنما حول بعد [تحويله] (^١) ظهره إليهم.
واعلم أن كون التحويل كان تفاؤلًا جاء مصرحًا به في "المستدرك" من حديث جابر وصححه، قال: "وحول رداءه ليتحول القحط" (^٢)، وفي
_________________
(١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ) و(ج): "تحويل".
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٢٦) إسناد رواته ما بين ثقة وصدوق واختلف في وصله وإرساله. وتحويل رداءه ثابت في الصحيحين، وقال الحافظ في الفتح (٢/ ٤٩٩) أخرجه الحاكم والدارقطني، ورجاله ثقات. وعن الحاكم أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٥١). وأخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦) حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج ثنا جدي ثنا إسحاق الطباع عن حفص بن غياث به. وقال البيهقي: كذا قال عن جابر، ورواه غيره عن إسحاق بن عيسى فلم يذكر فيه جابرًا وجعله من قول أبي جعفر. ثم ساقه من طريق الدارقطني المتقدمة مرسلًا، وقال الحافظ في الفتح (٢/ ٤٩٩) إنه أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه فوصله لأن محمد بن علي لقي جابرا وروى عنه إلَّا أنه قال: وعلى كلّ حال فهو أولى من القول بالظن. وجدته مرسلًا، أخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" (١/ ١٤٥) حدثنا عبيد بن جياد قال، حدثنا رجل، عن محمد بن أبان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن =
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
"طوالات الطبراني" من حديث أنس: "وقلب رداءه؛ لكي ينقلب القحط إلى الخصب"، وفي "مسند إسحاق": "ليتحول السنة من الجدب إلى الخصب"، ذكره من قول وكيع"، انتهى كلام المحقق ملخصًّا (^١).
(اللهم اسقنا غيثًا) أي: مطرًا [يغيثنا] (^٢) من الجدب؛ فقوله: (مغيثًا) تأكيد أو تجريد، أو أريد به المنقذ من الشدة على ما في "النهاية" (^٣)، وهو بضم الميم في جميع النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة، قال المصنف: "بضم الميم، يقال: غيثت الأرض فهي مغيثة إذا أصابها المطر" (^٤)، انتهى.
وفيه كما قال الحنفي أن ما ذكره من اللغة لا يلائم تقييده بالضم، بل
_________________
(١) = النبي ﷺ خرج يستسقي، فاستقبل القبلة وحول رداءه، وأومأ إلى الناس أن قوموا، فدعا قائما والناس قيام - قال محمد: فقلت لجعفر: ما أراد بتحويل ردائه؟ قال: أن يتحول القحط. والمعروف أنه يرويه إسحاق الطباع عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم يقول سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى واستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة. أخرجه أحمد (٤/ ٤١). وقوله ليتحول القحط، هو تعليل لهذا التحويل، ذكره إسحاق بن راهويه في مسنده عن وكيع: لتتحول السنة من الجدب إلى الخصب، وفي … الطبراني (١/ ٢٤٢) من حديث أنس: وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب.
(٢) يعني به الكمال ابن الهمام.
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "مغيثًا".
(٤) النهاية (٣/ ٤٠٠).
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
[ ٣ / ١١٠٠ ]
إنما يلائم الفتح؛ فالظاهر ما قاله الطيبي: "أنه عقب الغيث، وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط بالمغيث على الإسناد المجازي؛ وإلا فالمغيث في الحقيقة هو الله سبحانه".
وفي "النهاية": "غاث الغيث الأرض إذا أصابها، وغاث الله البلاد يغيثها" (^١)، وفي "القاموس": "غاث الله البلاد والغيث الأرض: أصابها، وغيثت الأرض تغاث فهي مغيثة ومغيوثة".
(مريًّا) بفتح الميم وتشديد التحتية، وفي نسخة صحيحة بياء فهمز، قال المصنف: "بفتح الميم وتشديد الياء، أي: كثيرًا غزيرًا، والمري والمرية: الناقة الغزيرة الدرّ، من المري وهو الحَلَبُ، ووزنها فعيل أو فعول"، انتهى. فعليه ناقص أو مهموز أبدل الهمز ياءً أو واوًا، فأدغم كما في النبي.
وقال صاحب "السلاح": "المريء بفتح الميم وبالمد وبالهمز هو المحمود العاقبة الذي لا وباء فيه"، انتهى. فهو مهموز، قال ميرك: "وهو المصحح في أصولنا من "الأذكار" و"السلاح" و"الحصن"".
قلت: ويلائمه ما في "النهاية" (^٢) من أنه: "مهموز، يقال: مرأني الطعام وأمرأني إذا لم يثقل على المعدة، وانحدر عنها طيبًا". قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
وقال التوربشتي في "شرح المصابيح": "مريًّا، أي: هنيًّا صالحًا
_________________
(١) النهاية (٣/ ٤٠٠).
(٢) (النهاية ٤/ ٣١٣).
[ ٣ / ١١٠١ ]
كالطعام الذي يمرؤ، ومعناه: الخلو عن كل ما ينغصه كالهدم والغرق ونحوهما"، ويحتمل أن يكون بغير همز، ومعناه مدررًا من قولهم: ناقة مري، أي: كثيرة اللبن، ولا أحققه رواية.
قال الحنفي بعد ما ذكر بعض الأقاويل المذكورة، والروايات المسطورة: "المقصود: التنبيه على اضطراب كلامهم رواية ودراية". قلت: مثل هذا الاختلاف لا يعد من باب الاضطراب عند أرباب الصواب؛ فإن اختلاف رواية المحدثين كاختلاف قراءة القراء المعتبرين، والدراية تابعة لكل من القراءة والرواية، كما هو معلوم عند أرباب الهداية، من أصحاب البداية والنهاية، ولكل وجهة (^١).
(مُريعًا) بضم الميم، أي: مخصبًا، وفي نسخة صحيحة بفتحها، أي: [خصيبًا] (^٢)، على ما في "المهذب"، وتحقيقه أن الريع هو الزيادة والنماء على الأصل، يقال: راع الطعام وأراع إذا صارت له زيادة في العجن والخبز، وأراعت الإبل إذا كثرت أولادها. فالمعنى: اسقنا غيثًا كثير النماء، كما ذكره التوربشتي.
وقال المصنف: "بضم الميم وفتحها، وهو المخصب الناجع، يقال: أمرع الوادي إذا أخصب، ومرع مراعة فهو مريع" (^٣)، انتهى.
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ج) زيادة: "يبين وجهه".
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "خصبًا".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
[ ٣ / ١١٠٢ ]
وفيه وارد ما قاله الحنفي من أن سياق كلامه يدل على أن ضم الميم من "أمرع"، وفتحها من "مرع"، والثاني مسلم، والأول محل بحث؛ لأنه لو كان من "أمرع" فهو ممرع لا مريع؛ لأنه من أراع هذا.
ويروى بضم الميم وبالباء الموحدة، أي: عامًّا يغني عن [الارتياء] (^١)، والنجعة اسم من الانتجاع وهو طلب الكلأ، كذا في "المغرب"، فالناس يريعون حيث شاءوا، أي: يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلأ، أو يكون من "أربع الغيث" إذا أنبت الربيع.
ويروى بضم الميم وبالتاء المثناة من فوق، أي: ينبت، من الكلأ ما يرتع فيه المواشي وترعاه، والرتع: التوسح في الخصب فكل مخصب مرتع، وهاتان الروايتان مشهورتان، وفي "النهاية" مذكورتان.
(نافعًا) إجمال بعد تفصيل، (غير ضارٍّ) مؤكد لما قبله، (عاجلًا. د، مص) أي رواه: أبو داود عن جابر (^٢)، وابن أبي
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "الارتياد".
(٢) أخرجه أبو داود (١١٦٩). وابن خزيمة (١٤١٦)، وعبد الله في "العلل ومعرفة الرجال: (٥٥٣٠)، والطبراني في "الدعاء" (٢١٩٧)، والبيهقي (٣/ ٣٥٥). وصححه النووي في "الخلاصة" (٢/ ٨٧٩) حسب شرطه في الكتاب بإيراده الحديث في قسم الصحيح: عن جابر لله رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقال في (الأذكار ١٥٠/ ١): "إسناده صحيح على شرط مسلم". وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٤٣٣) في "الاستذكار" (٢/ ٣٤٧): "ومن أحسن ما روي في ذلك حديث جابر". =
[ ٣ / ١١٠٣ ]
شيبة عن كعب بن مرة (^١).
_________________
(١) = والحديث أعله الدارقطني في "العلل" (١٣/ ٣٩١/ ٣٢٨٤) فقال: يرويه مسعر، واختلف عنه، فرواه جعفر بن عون، ومحمد بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر، أتت هوازن النبي ﷺ، وغيرهما يرويه عن مسعر، عن يزيد الفقير، مرسلا، وهو أشبه بالصواب.
(٢) أخرجه الطيالسي (١١٩٩)، وعنه الطبراني في "معجمه الكبير" (٢٠/ ٣١٩) ٧٥٥)، وأيضا البيهقي في "الدعوات الكبير" (٤٥٥)، وأحمد (٤/ ٢٣٥)، وعبد بن حميد (٣٧٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٢٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٥٦)، وفي "السنن الصغير" (١/ ٢٦٦/ ٥٣٨)، والحربي في "غريب الحديث" (٢/ ٨٦٠)، وابن شبة في "تاريخ المدينة (١/ ١٤٤) عن شعبة، أنبأني عمرو بن مرة، قال: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث، عن شرحبيل بن السمط، قال: قال مرة بن كعب، أو كعب بن مرة: بهز بن أسد ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن شرحبيل بن السمط عن مرة بن كعب: وعنه البيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٥٦). أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٨٣٥) والطيالسي (١١٩٩)، وعنه الطبراني في "معجمه الكبير" (٢٠/ ٣١٩/ ٧٥٥)، وأيضَا البيهقي في "الدعوات الكبير" (٤٥٥)، وأحمد (٤/ ٢٣٥)، وعبد بن حميد (٣٧٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٢٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٥٦) عن شرحبيل بن السمط، قال: قال مرة بن كعب، أو كعب بن مرة: هكذا بالشك، ورواه بدون الشك: الطبراني في "الدعاء" (٢١٩١) عن حفص بن عمر الحوضي. =
[ ٣ / ١١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (٥/ ٢٣٧٣/ ٥٨٢٧) عن يحيى بن أبي بكير. كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، أن شرحبيل بن السمط قال لكعب بن مرة: ورواه: أحمد (٤/ ٢٣٥ و٢٣٦). وابن ماجة (١٢٦٩) عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط، فذكره. كذا بدون تردد في اسم الصحابي على أنه لا يضر ما دام قد عرفت عينه. ورواه الطبراني في "الدعاء" (٢١٩٢) عن بدل بن المحبر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة وقتادة عن سالم بن أبي الجعد عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة عن النبي نحوه. واختلف فيه عن سالم بن أبي الجعد: فقيل: عن سالم بن أبي الجعد قال: قال كعب بن مرة: ذكره البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٢/ ١٠٥) وقال: رواه أحمد بن منيع، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. وهي رواية غير محفوظة. وقيل: عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك: ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ١٨٣) سألت أبي عن حديث رواه محمد بن الحسن الأسيدي عن شريك عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك. . . . فسمعت أبي يقول إنما هو سالم بن أبي الجعد عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة عن النبي. وطريق أنس هذه أخرجها ابن أبي الدنيا في "المطر والرعد والبرق" (٤٨ - حدثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي، نا أبي، نا شريك، عن منصور، عن سالم، عن أنس، قال: "استسقى رسول الله ﷺ، فقال: "اللهم اسقنا غيثًا". =
[ ٣ / ١١٠٥ ]
(غير آجل) مؤكد لـ "عاجلًا". (د) أي رواه: أبو داود عن جابر.
(غير رائث) بهمزة فمثلثة، قال المصنف: "غير بطيء متأخر" (^١)، (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن كعب.
(اللهم اسق) بالوجهين كما سبق تحقيقه لغة ورواية، فلا وجه لحصر الحنفي بقوله: "أمر من السقي من باب ضرب"، (عبادك) أي: من ذوي
_________________
(١) = والمحفوظ ما رواه شعبة وغيره ورجحه أبو حاتم كما سبق. والحديث صححه ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ١٦٤) قال: هذا حديث صحيح، إسناده على شرط الشيخين. قال: وقد روي عن مرة بن كعب. من غير شك، فذكره بإسناده، قال: ومرة بن كعب صحابي مشهور. وذكر هذا الحديث ابن أبي حاتم في "علله" من حديث أنس، وقال: سألت أبي عنه، فقال: إنما هو عن كعب بن مرة مرفوعًا. وكذلك أقره الحافظ في "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٣١)، وزاد: "وكذا قال أحمد بن حنبل، وجرى النووي في الأذكار على ظاهره، فقال: "صحيح على شرط مسلم". ونقل عبد الله في "العلل ومعرفة الرجال" (٥٥٣٠) عن أبيه الإمام أحمد قال: أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر فنسخناه ولم يكن هذا الحديث فيه ليس هذا بشيء كأنه أنكره من حديث محمد بن عبيد. وذكره الخطيب في "تاريخ بغداد" (١/ ٣٣٦) وقال: "هكذا رواه محمد بن عبيد عن مسعر موصولا ورواه أخوه يعلي بن عبيد عن مسعر عن يزيد عن النبي ﷺ مرسلًا لم يذكر فيه جابرا".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
[ ٣ / ١١٠٦ ]
العقول، (وبهائمك) أي: من الحيوانات والحشرات.
(وانشر) بضم الشين، أي: وابسط (رحمتك) أي: علي جميع الموجودات من النباتات والجمادات، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]، أي: في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان، ذكره البيضاوي.
(وأحي) أي: بالإنبات، أو بالنبات وهو أمر من الإحياء، (بلدك الميت) أي: بعد يبسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩] (د) أي: رواه أبو داود عن ابن عمرو بالواو (^١)، وهو المراد بما في بعض النسخ: "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو"، وفائدة هذا التطويل أن في هذا الإسناد اعتراضًا ودفع، بَسَطْنَا بحثهما في "المرقاة شرح المشكاة".
(اللهم أنزل على أرضنا زينتها) أي: ما تتزين بها، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، (وسكنها) قال المصنف: "بفتح السين والكاف، أي: غياث أهلها الذي تسكن نفوسهم إليه" (^٢)، انتهى. وصححه صاحب "الفائق" بضم السين وسكون الكاف، وقال: السكن: القوت، لأن السكنى به كما قيل
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١١٧٦) وإسناده حسن، للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
[ ٣ / ١١٠٧ ]
النزل؛ لأن النزول يكون به، (عو) أي: رواه أبو عوانة عن سمرة بن جندب.
(اللهم ضاحت جيالنا) قال المصنف: "بالضاد المعجمة، أي: برزت للشمس، وظهرت لعدم النبات فيها، وهي فاعلت من "ضحا" مثل: رامت من رمى، وأصلها ضاحيت" (^١)، انتهى.
فالمفاعلة للمبالغة لا للمغالبة، وهو ناقص يأتي، لكنه مخالف لما في "القاموس" (^٢) حيث ذكره في الأجوف، وقال: "ضاحت البلاد: خلت"، وقال في الناقص: "ضاحاه: أتاه في الضحوة".
(واغبرَّت) بتشديد الراء من الاغبرار المأخوذ من الغبار، أي: صارت مغبرة من قلة النبات، (أرضنا، وهامت دوابنا) بتخفيف الميم، أي: عطشت على ما في "النهاية"، والهائم أيضًا المتحير الذاهب على غير وجهه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥].
(معطي الخيرات) بالنصب؛ على نعت النداء، أو بحذف حرف النداء، (من أماكنها، ومنزل الرحمة) أي: المطر المسبب عن الرحمة، (من معادنها) أي: من حياض السماء وخزائنها، (ومجري البركات على أهلها) أي: من ينابيعها، (بالغيث المغيث) أي: بالمطر النافع، وهو متعلق بالأوصاف السابقة المنصوبة، ويجوز رفعها على أن التقدير: أنت معطي الخيرات. . . إلى أخوه.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٢) القاموس (١/ ٣٨٧).
[ ٣ / ١١٠٨ ]
ويؤيده قوله: (أنت المسْتَغْفَرُ) بفتح الفاء، أي: الذي طلب منه الغفران، (الغفار) أي: الذي يغفر الذنوب الكثيرة من الصغيرة والكبيرة، (ونستغفرك للحامَّات) بتشديد الميم، أي: المهمات، (من ذنوبنا) يقال: أحمَّتْه الحامَّة إذا أهمته، كذا في "السلاح"، أو الخاصات؛ ففي "النهاية": "حامة الإنسان: خاصته ومن يقرب منه، وهو الحميم أيضًا" (^١).
وقال المصنف: "بالحاء المهملة وتشديد الميم، جمع حامة وهي الخاصة، يقال: كيف الحامة والعامة، أي: الخاصات من ذنوبنا، ولذا عطف عليه، وقال: (ونتوب إليك من عوام خطايانا) " انتهى، وما في "السلاح" أظهر في المعنى.
ويمكن حمل كلام غيره على ما ذكر في المؤدى، فالخلاف في المبنى؛ ففي "القاموس": "أحم الأمر فلانًا: أهمه، كـ "حَمَّهِ"، والحميم كأمير: القريب، كالمحم كمهم. والحامة خاصة الرجل من أهله وولده".
(اللهم فأرسل) يعني: إذا كنت أنت موصوفًا بالنعوت المذكورة، فأرسل (السماء) أي: "علينا" كما في نسخة، وهي المطابقة لقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] (مدرارًا) أي: كثير الدرور والسيلان، وفسر السماء بالغيث، قال البيضاوي: "ويحتمل الظلمة والسحاب".
(وواصل بالغيث) أمر من المواصلة؛ للمبالغة في الوصل والإيصال، وفي نسخة صحيحة: "وأوصل" من باب الإفعال، (واكفِ) بهمز وصل
_________________
(١) النهاية (١/ ٤٤٦).
[ ٣ / ١١٠٩ ]
وكسر فاء، قال المصنف: "من الكفاية وهي الغناء، أي: اكفنا بالغيث وأوصلنا به" (^١)، (من تحت عرشك حيث ينفعنا، ويعود علينا) أي: يرجع علينا نفعه، (غيثًا) أعاده ليكون مقدمة لوصفه بقوله، (عامًّا) أو معناه: مغيثًا عامًّا؛ فعلى الأول نصبه على المصدر، وعلى الثاني على كونه حالًا.
(طَبَقًا) بفتحتين، أي: الذي يطبق وجه الأرض، وقال المصنف: "بفتح الطاء والباء، وهو العام الكثير" (^٢)، (غَبَقًا) بفتح الغين المعجمة والباء، ولم أر من ذكره، والظاهر أنه العزيز العظيم، ذكره المصنف.
قلت: يمكن أخذه من قول أهل اللغة: "الغبوق كصبور: ما يشرب بالعشي، وغبقه سقاه، ذلك على التجريد"، فمعناه: ساقيًا أو مَسقيًّا.
(مجلِّلًا) بكسر اللام المشددة، وفي نسخة بفتحها، قال المصنف: "بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشددة، أي: يجلل الأرض بمائه ونباته، ويروى أيضًا: بفتح اللام على المفعول" (^٣)، انتهى. ولعل معناه حينئذٍ واصلًا، أي: جميع جوانب الأرض كالشيء المجلل.
(غدقًا) بفتحتين أي: كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وقال المصنف: "بفتح الغين المعجمة، والدال المهملة: المطر الكبار القطر" (^٤).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
[ ٣ / ١١١٠ ]
(خِصبًا) بكسر فسكون، أي: ذا خصب، قال المصنف: "بكسر الخاء المعجمة، وإسكان الصاد المهملة، وهو ضد الجدب، يقال: أخصبت الأرض وأخصب القوم، ومكان مخصب وخصيب، أي: مطر يحصل منه الخصب" (^١).
وقوله: (راتعًا) من الرتع، وهو الاتساع في الخصب، ويروى: "مرتعًا"، أي: ينبت من الكلأ ما ترتع فيه المواشي وترعاه" (^٢)، انتهى. فالراتع بمعنى ذي راتع، كَلابِنٍ وَتَامِرٍ.
(ممرع النبات) أي: [كَثِيرُهُ] (^٣)، قال المصنف: "بضم الميم الأولى، وكسر الراء، ويقال: "أمرع الوادي إذا كثر نباته وأخصب" (^٤)، انتهى.
وفي "القاموس" (^٥): "المريع الخصيب، ومرع رأسه بالدهن، كمنع: أكثر. منه، كأمرعه" فالمعنى: مكثر النبات، ومسبب وجود الخصب وعدم الجدب.
(عو) أي: رواه أبو عوانة عن حريث (^٦)، كذا في حواشي النسخ، وقال
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "مكثره".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٥) القاموس (ص ٧٦٣).
(٦) أخرجه أبو عوانة في المسند (٢٥٢٨) من طريق المسيب بن شريك، عن =
[ ٣ / ١١١١ ]
ميرك: "رواه من حديث جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن جده، كذا في "سلاح المؤمن"، والظاهر أن لفظ "جده" زائد، وقع سهوًا من قلم النساخ؛ فإن حريثًا ليس بصحابي، وأما الصحبة لابنه عمرو".
(واستسقى عمر بن الخطاب فما زاد على الاستغفار) سبق تحقيقه فيما تقدم، (مص) أي رواه: ابن أبي شيبة، ولم يذكر أحد من المحشين أنه عمن رواه، والظاهر أنه عن عمر، أو عمن روى عنه، وعلى كل تقدير فهو موقوف، وإن كان في حكم المرفوع، فالأولى في حق المصنف أن يكتب "مو" قبل الرمز؛ لِيُعْلَمَ أنه مِنْ فِعْلِ عُمَرَ، ولعله اكتفى بما يفهم من العبارة؛ فإنها فوق الإشارة.
(وإذا رأى) أي: وكان إذا رأى ﵇، (سحابًا مقبلًا) أي: من أفق من الآفاق ترك العمل، وقال: (اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به) أي: هذا الجنس أو هذا المخصوص، وهو من باب الاكتفاء، ولذا لم يقل: ونسألك من خير ما أرسل به، أو لأنه يقوم مقامه قوله: (اللهم سيبًا) أي: اسقنا سيبًا، أي: مطرًا. وقوله: (نافعًا) تتميم في غاية الحسن؛ لأنه مظنة الضرر، والمعنى: لا مغرقًا ولا مضرًّا.
وقال المصنف: "بإسكان الياء أي: جاريًا، يقال: ساب الماء وانساب:
_________________
(١) = جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن جده. وفي الإسناد المسيب بن شريك ضعيف جدًّا، بل أجمعوا على ترك حديث، ضعَّفه البخاري، وقال أحمد: متروك (ميزان الاعتدال ٤/ ١١٤).
[ ٣ / ١١١٢ ]
إذا جرى" (^١)، وانتهى. وفي "القاموس": "السيب مصدر ساب: جرى" فأشار المصنف إلى أنه مصدر بمعنى الفاعل، وأنه صفة لموصوف محذوف، أي: مطرًا جاريًا، والأظهر أن التقدير: اللهم اجعل هذا السحاب ذا مطر كثير، بحيث يكون جاريًا.
ويلائمه حينئذ قوله: (فإن كشفه الله) أي: أزال ذلك السحاب ورفعه، (ولم يمطر) أي: ذلك السحاب، (حمد الله على ذلك) أي: من حيث إن الخير فيما اختاره الله، ولعل الشركان في ذلك السحاب، فيجب الحمد على دفع الشر.
وكأنه ﷺ تذكر قوله تعالى في قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي: سحابًا، ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي: من العذاب، الآية. (د، س، ق) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن عائشة (^٢).
(وإذا رأى المطر: اللهم صيبًا) قال المصنف: "بفتح الصاد وتشديد الياء المكسورة، أي: منهمرًا متدفقًا" (^٣)، انتهى. وأصله واو؛ لأنه من صاب يصوب إذا نزل فأصاب الأرض، وبناؤه "صيوب"، فأبدلت الواو
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٩٩) وأخرجه النسائي في " الكبرى" (١٨٣٠) و(١٠٧٥٠) وابن ماجه (٣٨٨٩) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٥٧).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
[ ٣ / ١١١٣ ]
ياء فأدغمت كـ "سيد"، كذا في "النهاية".
وفي "الأذكار": "الصيب بكسر الياء المثناة تحتها المشددة، وهو المطر الكثير، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه"، انتهى. وقال بعضهم: "الصيب: السحاب ذو الصوب، أي: المطر".
قال القاضي في قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] "فيعل من الصوب وهو النزول، يقال للمطر والسحاب، وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر الشديدة".
وقال ميرك: "تفسير الصيب بالمطر روي عن ابن عباس، وهو قول الجمهور". وقال بعضهم: "هو السحاب"، ولعله أطلق مجازًا.
ثم نَصْبُ "صيبًّا" هنا بفعل مقدر، أي: اجعله صيبًا أو اسقنا صيبًّا، أو أسألك صيبًّا، وقوله: (نافعًا) صفة للصيب احتراز عن الصيب الضار. (خ) أي: رواه البخاري عن عائشة أيضًا (^١).
(اللهم سيبًا) أي: مطرًا جاريًا (نافعًا، مرتين) أي: قاله مرتين، (أو ثلاثًا) على الشك من الراوي. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنها أيضًا (^٢).
(فإذا كثر) بضم المثلثة، أي: المطر، (وخيف الضرر) أي: على [مساكن] (^٣) الحضر، (اللهم حوالينا) بفتح اللام، وهو وحولنا وحوالنا
_________________
(١) أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) (٦٨٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٣٣).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "ساكني".
[ ٣ / ١١١٤ ]
وحولينا كلمة بمعنى واحد، ولا يقال: حواليه بكسر اللام على ما في "الصحاح"؛ يقال: رأيت الناس حوله وحواليه أي: [مطيفين] (^١) به من جوانبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] وهو ظرف هنا، وفيه حذف تقديره: واجعله، أو أمطر في الأماكن التي من حولنا.
(ولا علينا) أي: ولا تمطر علينا، أو لا تجعل ضرره علينا، والمراد به: [صرف] (^٢) المطر من الأبنية والدور، وفي قوله: "ولا علينا" بيان المراد بقوله: "حوالينا".
قال الطيبي: "في إدخال الواو هنا معنى لطيف؛ وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام وما معها فقط، حيث قال: (اللهم على الآكلام والآجام، والظراب والأودية، ومنابت الشجر)، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا بعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل".
وقال المصنف: "قوله "الآكام" بالمد ويروى [بالكسر والقصر] (^٣): جمع أكمة وهي الرابية، وجمع الآكام: أُكُم -ككتاب وكتب- وجمع الأكم:
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "مطبقين".
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب): "ضرر"، وليست في (د).
(٣) كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وحاشية (ج)، وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "بالقصر".
[ ٣ / ١١١٥ ]
آكام. والآجام مثلها، والأجمة من [القصب] (^١)، وآجام المدينة واحدها: أُجُم بضمتين. والظراب: بكسر الظاء، وهي الوادي الكبار، والجبال الصغار، جمع ظرب بكسر الراء" (^٢).
وقال ميرك: "في قوله: "اللهم على الآكام. . . " إلى آخره، بيان المراد بقوله: "حوالينا"، والإكام بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد، جمع أكمة بفتحات".
قال ابن السيرافي: "هي التراب المجتمع". وقال الداودي: "هي أكبر من الكدية". وقال الفراء: "هي التي من حجر واحد"، وهو قول الخليل. وقيل: "الجبل الصغير". وقيل: "ما ارتفع من الأرض". وقال الثعالبي: "الأكمة أرفع من الرابية، والجمع: إكام بكسر أوله والقصر، وآكام بالمد. والآجام: جمع الأجمة، وهي [الشجر الكثير] (^٣) المتلف"، انتهى.
والحاصل: أن الآكام والآجام بالمد فيهما أصح رواية وأفصح دراية، ويجوز قصرهما، وحينئذ يجوز فتح أولهما وكسرهما، وهو الملائم لقوله: "والظراب"، وهو بكسر الظاء لا غير وآخره موحدة، جمع: ظرب بكسر الراء، وقد يسكن.
قال الفراء: "وهو الجبل المنبسط" وقال الجوهري (^٤): "الرابية
_________________
(١) كذا في "اللسان" و"مفتاح الحصن الحصين" وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "القصبة".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٣) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "الشجرة الكثيرة".
(٤) الصحاح (١/ ١٧٤).
[ ٣ / ١١١٦ ]
الصغيرة"، والله أعلم. ثم "الأودية" جمع واد، والمراد: ما يتحصل فيه الماء فينتفع به.
(خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن أنس، وزاد في بعض الروايات: "ورءوس الجبال" بعد قوله: "الأودية"، كذا نقله ميرك عن الشيخ. (^١)
(وإذا سمع) أي: أَحَدٌ، أي: النبيُّ ﷺ وهو الأصل، (الرعد) أي: صوته؛ فعن ابن عباس: أنه سأل النبي ﷺ عن الرعد؛ فقال: "ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، معه مخاريق من نارٍ يسوق به السحاب حيثما شاء الله" على ما رواه الترمذي (^٢)، وقيل: "الرعد صوت يسمع من السحاب"، ولا تنافي بينهما؛ إذ المراد أنه يطلق على ذات الملك تارة، وعلى صوته أخرى.
(والصواعقَ) جمع صاعقة، وهي صعقة رعد هائل معها نار، لا تمر بشيء إلا أتت عليه، أي: أهلكته، وفي "الجلالين": "الصاعقة: شدة صوت الرعد"؛ فهي مأخوذة من الصعق، وهي شدة الصوت، وقيل: "هي نار تخرج من السحاب"، فيقدر له فعل، أي: ورأى الصواعق، فهو من باب:
* علفته تبنًا وماءًا باردًا *
أو لمجاورة الصاعقة غالبًا لصوت الرعد مسموعًا، ولعل اختيار الجمع موافقة للآية المراد فيها التعدد المحيط بهم زيادة للنكال.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٣٣) (١٠٣٣)، ومسلم (٨٩٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٧٩) والترمذي (٣١١٧)، وقال: حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٤٩٢).
[ ٣ / ١١١٧ ]
(اللهم لا تقتلنا بغضبك) أي: من صفة الذات، (ولا تهلكنا بعذابك) أي: بعقابك من صفة الفعل، (وعافنا) أي: من البلايا والخطايا الموجبة للغضب والعقاب، (قبل ذلك) أي: قبل حلول ما ذكر، وقبل وقوع ما سطر، والمراد: أنه لا يقع شيء من ذلك. (ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر (^١).
(سبحان الذي يسبح الرعد بحمده) أي: ملتبسًا به، فيقول: "سبحان الله، والحمد لله"، أو "سبحان الله وبحمده".
وقال البيضاوي: "أي: يسبح سامعوه [متلبسين] (^٢) بحمده، أو يدل الرعد بنفسه على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، ملتبسًا بالدلالة على فضله ونزول رحمته". أقول: لما ثبت في الحديث أن الرعد هو الملك؛ فلا يحتاج إلى التأويلات الزائغة.
(والملائكة) أي: ويسبح سائر الملائكة، (من خيفته) أي: من خوف الله وإجلاله. وقيل: "الضمير للرعد"، فالمعنى: يسبح أعوانه من خوفه،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٥٠) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة ولم أجد طريقا بدونه عند الترمذي. والله أعلم. وقال ابن علان في "الفتوحات الربانية على الأذكار النووية" (٤/ ٢٨٤) عن ابن الجزري أنه قال في "تصحيح المصابيح": ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" والحاكم وإسناده جيد، وله طرق وراجع "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١٠٤٢).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "ملتبسين".
[ ٣ / ١١١٨ ]
(موطا) أي: رواه مالك في "الموطإ" موقوفًا عن الزبير بإسناد صحيح (^١).
(وإذا هاجت الريح) أي: حدثت وهبت، (استقبلها بوجهه) أي: من أي جهة كانت، (وجثا) بالألف فهو من الجثو، وبالياء فهو من الجثي، وكلاهما بمعنى الجلوس على الركب؛ فقوله: (على ركبتيه) تأكيد أو تجريد، (ويديه) أي: وعلى يديه، لزيادة الاغتمام الموجب للاهتمام.
(طب، ط) أي رواه: الطبراني في "كتاب الدعاء"، و"الكبير" أيضًا عن ابن عباس (^٢).
(وقال: اللهم إني أسألك خيرها) أي: خير هذه الريح، (وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به) على صيغة المجهول الغائبة، (وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به. م، ت، س، طب) أي رواه: مسلم والترمذي والنسائي عن عائشة (^٣)، والطبراني في "الدعاء" عن ابن عباس (^٤).
فتحصل أن الطبراني له طريقان:
أحدهما: في "الكبير" عن ابن عباس، وهو صدر الحديث.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٩٢) رقم (٢٦).
(٢) أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (١١/ ٢١٤) رقم (١١٥٣٣) والدعاء (٩٧٧). وفي إسناده الحسين بن قيس متروك. وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ٢٥٩) رواه ابن عدي في الكامل وأعله بحسين بن قيس ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٠٦)، ومسلم (٨٩٩).
(٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (٩٧٧).
[ ٣ / ١١١٩ ]
وثانيهما: في "الدعاء" عن ابن عباس أيضًا، لكن يضم الحديث الثاني إلى الأول.
لكن لا يخفى أن "الواو" العاطفة في قوله: "وقال"، يوهم أن صدر الحديث موجود في مسلم أيضًا، وهو الظاهر المتبادر أن يكون كذلك، لكن غير مفهوم من كلام المصنف باعتبار اختلاف الرموز، والله أعلم.
(اللهم اجعلها) أي: هذه الريح، (رياحًا) أي: من قبيل الرياح المبشرات للرحمة، (ولا تجعلها ريحًا) أي: صرصرًا موضوعًا للعقوبة كما فسره بقوله: (اللهم اجعلها رحمة) أي: أثر رحمة أو سبب رحمة، (ولا تجعلها عذابًا) أي: موجب عذاب.
قال المصنف: "تقول العرب: "لا تلقح السحاب إلا من رياح مختلفة"، يعني: "اجعلها لقاحًا للسحاب ولا تجعلها عذابًا، ويحقق ذلك مجيء الجمع في آيات الرحمة، والواحد في قصص العذاب كـ: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، و﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] " (^١)، انتهى، وتوضيح ذلك في "المرقاة شرح المشكاة". (طب، ط) أي: رواه الطبراني في "الدعاء"، وفي "الكبير" أيضًا، عن ابن عباس (^٢).
(وإن جامع الريح ظلمة) أي: حصلت معها ووجدت فيها، (تعوذ
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٢) أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (١١/ ٢١٤) رقم (١١٥٣٣) والدعاء (٩٧٧).
[ ٣ / ١١٢٠ ]
بالمعوذتين) بكسر الواو المشددة، وقد تفتح. (د) أي: رواه أبو داود عن عقبة بن عامر (^١).
(اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح) أي: باعتبار ذاتها، (وخير ما فيها) أي: باعتبار صفاتها، (وخير ما أمرت به) أي: من خالقها لطفًا وجمالًا، (ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به) أي: من صانعها قهرًا وجلالًا. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي بن كعب (^٢).
(اللهم إني أسألك من خير ما أمرت به، وأعوذ بك من شر ما أمرت به. ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس مرفوعًا: "أنه إذا هاجت ريح شديدة قال: (اللهم لقحًا) بفتح اللام والقاف؛ تصحيح الجلال، وبفتح اللام وسكون القاف؛ تصحيح الأصيل.
وفي "القاموس" (^٣): "لَقِحَتْ الناقة كسَمِعَتْ لقحًا ولقحًا محركة ولقاحًا: قبلت اللقاح، فهو لاقح من لواقح، وألقحت الرياح والشجر
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٦٣). وقد جمع الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٦١١ - ٦١٢) طرق هذا الحديث وقال: فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٢٥٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٣٤) وإسناده صحيح.
(٣) "القاموس المحيط" (ص ٢٣٩).
[ ٣ / ١١٢١ ]
فهي من لواقح وملاقح" انتهى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢].
وقال الجوهري: "ألقح الفحل الناقة، والريحُ السحابَ، ورياح لواقح"، قال صاحب "السلاح": "هو بفتح اللام والقاف وسكون، الريح الحاملة للسحاب".
والعقيم بعكسه، فقوله: (لا عقيمًا) تأكيدٌ، وقال المصنف: "بفتح اللام والقاف، يقال: "ألقحت الريح السحاب، فهي في نفسها لاقحة"، قال الجوهري: "كأن الرياح لقحت بخير، فإذا أنشأت السحاب وفيها خير وصل ذلك إليه" (^١). (حب، طس) أي رواه: ابن حبان، والطبراني في "الأوسط"، عن سلمة بن الأكوع (^٢).
(وإذا سمع صياح الدِّيَكة) بكسر الدال، وفتح الياء آخر الحروف، جمع ديك، والصياح بالكسر: "الصوت، ولعل إيراد الجمع إشعار بأنواعه، (فليسأل الله من فضله) أي: لأنه يرى ملكًا حينئذٍ، قال ميرك: "وتتمة الحديث: "فإنها رأت ملكًا".
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٢) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٣٣٨١) والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٣٣) رقم (٦٢٩٦) وفي "الأوسط" (٢٨٥٧) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير المغيرة بن عبد الرحمن، وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٥).
[ ٣ / ١١٢٢ ]
قال القاضي عياض: "سببه: رجاء تأمين الملائكة على الدعاء، واستغفارهم، وشهادتهم بالتضرع والإخلاص، وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين، والتبرك بهم"، انتهى.
وقيل: "لعل المعنى أن الديك أقرب الحيوانات صوتًا إلى الذاكرين الله؛ لأنها تحفظ أوقات الصلوات غالبًا".
(خ، م، د، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة (^١).
(وإذا سمع نهيق الحمير) جمع الحمار، أي: صوته، (فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أي: لأنه يرى شيطانًا في تلك الحال.
(خ، م، د، ت، س، مس) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، كلهم عن أبي هريرة أيضًا، وهما حديث واحد.
ولعل وجه التفريق، وإعادة الرموز للتنبيه على أن الحاكم إنما روى الفقرة الثانية من الحديث، لكن قيل رقم "مس" ليس في "أصل الأصيل"، فَيَرِدُ الاعتراض على المصنف حينئذٍ، ثم التاء مقدم على الدال في "أصل الأصيل"، لكنه متأخر في "أصل الجلال" وأكثر النسخ، وهو المطابق للرموز السابقة، الموافق للترتيب الموضوع في صدر هذا الكتاب.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٠٣٩)، ومسلم (٢٧٢٩)، والترمذي (٣٤٥٩)، وأبو داود (٥١٠٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٤٤).
[ ٣ / ١١٢٣ ]
(وكذلك) أي: يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، (إذا سمع نُبَاح الكلاب) بضم النون ويجوز كسرها على ما في "القاموس" وهو كذا في نسخة صحيحة، أي: صياحها.
(د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن جابر بن عبد الله، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". (^١)
(وإذا رأى الكسوف) بضمتين، وهو لغة: [التغير] (^٢) إلى سواد؛ واختلف في الكسوف والخسوف: هل هما مترادفان أو لا؟.
قال الكرماني: "يقال: "كسفت الشمس والقمر، بفتح الكاف، وكسفت بضمها، وانكسفا وخسفا بفتح الخاء وضمها، وانخسفا كلها بمعنًى واحد".
وقيل: "الكسوف: تغيير اللون، والخسوف: ذهابه"، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري: "أنه أفصح"، وقيل يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكس ذلك وَغَلَّطَهُ، لثبوت الخاء في القرآن في القمر.
وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٦) والبخاري في الأدب المفرد (١٢٣٣) وأبو داود (١٥٠٣) وابن حبان (٥٥١٧) والحاكم (٤/ ٢٨٤) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٠).
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "التغيير".
[ ٣ / ١١٢٤ ]
مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف هو التغير إلى السواد، والخسوف هو النقصان.
فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنهما مترادفان، وقيل بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، والله أعلم.
(فليدع الله) أي: لدفع البلاء، (وليكبر) أي: على جهة التعظيم والثناء، (وليصل) أي: كلا من صلاتي الكسوف والخسوف جماعة أو منفردًا على ما هو مقرر عند الفقهاء، (وليتصدق) أي: على المساكين والفقراء.
(خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة (^١)، أن النبي ﷺ قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا".
(وإذا رأى الهلال) أي: غرة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع، ولليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع، وفي غير ذلك قمر، كذا في "القاموس"، والمشهور أنه من أول الشهر إلى ثلاث، واقتصر عليه في "المهذب". (الله أكبر. مي) أي: رواه الدارمي عن ابن عمر (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١)، وأبو داود (١١٩١)، والنسائي (٣/ ١٣٢).
(٢) أخرجه الدارمي (١٦٨٧)، وابن حبان (٨٨٨) وفي إسناده ضعف.
[ ٣ / ١١٢٥ ]
(اللهم أهله) بكسر الهاء وتشديد اللام المفتوحة أمر من الإهلال، قال المصنف: "بفتح الهمزة، يقال: أهل الهلال وأهل بالضم، واستهل إذا بصر، وأهله الله أي: أطلعه، وأهللته إذا أبصرته، وأصل الهلال: رفع الصوت، كأنهم إذا رأوا الهلال رفعوا أصواتهم بالتكبير، ومنه الإهلال في الإحرام، وهو رفع الصوت بالتلبية" (^١)، انتهى.
فالمعنى: اللهم أطلع هذا الهلال، (علينا باليمن) أي: مقرونًا بالبركة، (والإيمان) أي: ومصحوبًا به، (والسلامة) أي: من كل آفة، (والإسلام) أي: وامتثال شرائعه، (والتوفيق لما تحب وترضى) تعميم بعد تخصيص، وهو من مختصات رواية ابن حبان.
(ربي وربكَ الله) فيه التفات كما لا يخفى، وهو بفتح الكاف؛ فإن القمر مذكر كما هو مقرر فما وقع في بعض النسخ المصححة بكسر الكاف، فهو غير محرر. (ت، حب، مي) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والدارمي، عن طلحة بن عبيد الله (^٢).
(هلال خير) بالرفع، على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هذا هلال خير تفاؤلًا، أو خبر معناه دعاء، وفي نسخة بالنصب، أي: اجعله هلال خير، (ورشد) بضم فسكون ويجوز فتحهما، أي: هداية إلى القيام بالعبادة من
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ ب).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٦٢)، والترمذي (٣٤٣١)، والحاكم (٤/ ٢٨٥) وحسّنه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (الفتوحات الربّانية ٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠).
[ ٣ / ١١٢٦ ]
ميقات الحج والصوم وغيرهما، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية.
(اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر) أي: الذي بدا هلاله، وابتدا جماله، (وخير القدر) بسكون الدال وفتحها، أي: وخير ما قدر فيه من الأمور، وهو بالجر عطف على ما قبله، وهو الظاهر بحسب اللفظ والمبنى، وفي نسخة بالنصب على أنه عطف على محل "من خير"، أو على أن "من" زائدة فيه، وهو الظاهر باعتبار المعنى.
(وأعوذ بك من شره) أي: من شر هذا الشهر وشر القدر، فهو اختصار أو اكتفاء، أو أن المراد بالقدر ليلة القدر لا مكان وجودها في كل شهر وترك ذكره هنا، لأنه لا شر فيها، ولا يبعد أن يكون التقدير: وأعوذ بك من شر ما ذكر، (ثلاث مرات. ط) أي: رواه الطبراني عن رافع بن خديج (^١).
(اللهم ارزقنا خيره) أي: خير هذا الشهر أو الهلال، (ونصره) وهو مقدم على "خيره" في بعض النسخ، وهو موافق "للسلاح" ومطابق لـ"أصل الجلال"، وفي "أصل الأصيل": "خيره" مقدم، وهو خير فإنه أعم، وما بعده تخصيصات من قوله: (وبركته، وفتحه، ونوره) والمراد: وجود هذه الأشياء فيه.
(ونعوذ بك من شره) أي: شر هذا الهلال أو الشهر باعتبار أوله،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٧٦) رقم (٤٤٠٩) وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وإسناده حسن (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٩).
[ ٣ / ١١٢٧ ]
(وشر ما بعده) أي: إلى آخره. (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا عن علي ﵁.
(وإذا نظر إلى القمر فليقل: أعوذ بالله من شر هذا) قال المصنف: "يعني القمر إذا غسق أي: أظلم ودخل في المغيب" (^١)، انتهى. ويؤيده أنه في بعض النسخ: "من شر هذا الغاسق".
(ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم (^٢)، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ نظر إلى قمر فقال: "يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا؛ فإن هذا هو الغاسق إذا وقب".
قال ميرك: "الغاسق: هو الليل إذا غاب الشفق وقوي ظلامه، من غسق يغسق إذا أظلم، وأطلق هنا على القمر؛ لأنه يظلم إذا كسف"، انتهى.
وقال البيضاوي: " ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾ أي: ليل عظيم ظلامه من قوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: دخل ظلامه في كل شيء، وتخصيصه لأن المضار فيه تكثر ويعسر الدفع، ولذا قيل: "الليل أخفى للويل"، وقيل: المراد به القمر؛ فإنه يكسف ويغسق. ووقوبه دخوله في الكسوف".
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٦٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٠٥) والحاكم (٢/ ٥٤٠). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
[ ٣ / ١١٢٨ ]
قلت: "تفسير من أنزل عليه الكتاب، وأمر بتبيين ما في الخطاب، هو الصواب عند أولي الألباب، لا سيما وقد أتى بأداة الحصر المانع لإرادة غيره من المعاني المحتملة، مع أنه أيضًا من المعاني اللغوية الحقيقة لا على ما ذكره ميرك وجعله من المعاني المجازية؛ ففي "القاموس": "الغاسق القمر أو الليل إذا غاب الشفق، ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أي: الليل إذا دخل، وعن ابن عباس وجماعة (^١): "من شر الذَّكَرِ إذا قام"، انتهى.
فالتحقيق أن لفظ غاسق إذا كان مُنكَّرًا، يحتمل معاني مختلفة، وأما إذا كان مُعَرَّفًا فالفرد الأكمل هو القمر، وينصرف إليه أيضًا المُنكَّرُ، فتدبر.
(وإذا رأى ليلة القدر) أي: علامتها، فليقل: (اللهم إنك عفو) أي: كثير العفو، (تحب العفو) أي: من عبادك، أو تحب أن تعفو عنهم، وهو الملائم لقوله: (فاعف عني) وفي نسخة: "عنا". (ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن عائشة أيضًا (^٢).
_________________
(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٧٤٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥١٣)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (١٠٧٠٨)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، وأحمد (٦/ ١٨٢، ١٧١) والحاكم (١/ ٥٣٠). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ١٣٨): وعن عائشة ﵂. . . رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والحاكم وقال صحيح على شرطهما وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (٢٧٨٩).
[ ٣ / ١١٢٩ ]
(وإذا نظر وجهه) في "القاموس": "نظره كضربه وسمعه، وإليه: تأمله بعينه"، انتهى. وهو هنا بفتح الظاء، وقد يتعدى بنفسه، وإن كان استعماله الأكثر بـ "إلى"، فيحمل على نزع الخافض، أو "نظر" بمعنى أبصر، أي: إذا رأى وجهه (في المرآة) بكسر الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة، وهي المِنْظَرَةُ.
(اللهم أنت حَسَّنْتَ خَلْقِي) بتشديد السين وفتح الخاء، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، لا سيما وهو ﷺ كان في كمال حسن الخلق، كما أنه كان في خلق عظيم، ولذا قال: (فَحَسِّنْ خُلُقي) بضمتين، ويسكن الثاني، والمراد به: ثبوت ذلك التحسين، أو الزيادة في التزيين.
(حب، مي) أي رواه: ابن حبان عن ابن مسعود، والدارمي عن عائشة، وفي نسخة: بالقاف بدل الميم، فهو رمز البيهقي.
(اللهم كما حسنت خَلْقِي) أي: صورتي الظاهرة، (فأحسن خُلُقِي) أي: أخلاقي الباطنة، (وَحَرِّمْ وجهي) أي: ذاتي أو بدني، بذكر الجزء الأشرف وإرادة الكل، (على النار. ر) أي رواه: البزار، وفي نسخة صحيحة: "ابن مردويه" عن عائشة، وكذا عن أبي هريرة.
(الحمد لله الذي سوى خلقي) بتشديد الواو من التسوية، وهي جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها، (وأحسن صورتي) أي: على وجه كمالها، (وزَانَ) أي: زَّين، (مني ما شانَ) أي: ما عَيَّبَه (من غيري) إما
[ ٣ / ١١٣٠ ]
بفقد، أو بنقص. (ر) أي رواه: البزار عن أنس.
(الحمد لله الذي سوى خلقي فعدَّله) بتشديد الدال وتخفيفها كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]؛ فالتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، أو معدلة بما يستعدها من القوى.
وأما التخفيف، فمعناه أنه عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، أو فَصَرَفَكَ عن خلقة غيرك، وميزك بخلقةٍ فارقت بها خلقة سائر الحيوانات، كذا حققه البيضاوي. وقال الجنيد: "تسوية الخلق بالمعرفة وتعديلها بالإيمان".
(وصوّرَ صورة وجهي) أي: الذي عليه مدار الحسن، وأساس ما به التمييز، (فأحسنها) أي: من بين العالمين، (وجعلني من المسلمين) أي: فجمع لي بين الحسن الحسي والمعنوي المعبر عنه بنور على نور، بل لا عبرة بحسن الظاهر مع سوء الباطن؛ قال تعالى في حق المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤].
(طس، ي) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن السني؛ كلاهما عن أنس أيضًا (^١)، وحُكي أن أبا يزيد رأى وجهه في المرآة؛ فقال: "ظهر
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٨٧)، وابن السني (١٦٥). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه هاشم بن عيسى البزي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٩). = =
[ ٣ / ١١٣١ ]
الشيب، ولم يذهب العيب، ولا أدري ما في الغيب".
(وإذا سلم على أحد، فليقل: السلام عليكم) أي: بصيغة الجمع ولو كان واحدًا؛ إما قصدًا لتعظيمه، أو ملاحظة لمن معه من الملائكة. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة (^١).
وفي "الأذكار": "ورد في "صحيح" البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: "اذهب فسلم على أولئك -نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يحيونك؛ فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه رحمة الله"، انتهى.
وفيه دليل على أن "السلام عليك" يصلح للتحية وجوابها، لكن بشرط أن يكون أحدهما بعد الآخر، فلا يكونا معًا كما يقع كثيرًا، فإنه حينئذٍ يجب على كل منهما جواب الآخر، (السلام عليك) أي: بصيغة الواحد؛ إشعارًا بأنه جائز، وأن الأول الأولى.
(د، ت، س، مي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي،
_________________
(١) = وقال العراق: إسناده ضعيف (إحياء علوم الدين ١/ ٣٢٨). قال الشيخ الألباني: ضعيف: ضعيف الجامع (٤٤٥٩)، الإرواء (٧٤).
(٢) أخرجه البخاري في خلق آدم (٣٣٢٦)، وفي الاستئذان (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١).
[ ٣ / ١١٣٢ ]
عن أبي جُرَيّ بضم جيم وفتح راء وتشديد ياء، واسمه جابر بن سليم (^١).
(ورحمة الله. د، ت، س، مي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، عن عمران بن حصين هذه الزيادة، وهذه نكتة إعادة الرموز (^٢).
وكذا قوله: (وبركاته. د، ت، س، مي) أي: رواه الأربعة المذكورة عنه أيضًا، ولعله روي عنه روايتان، قال ميرك: "ولم يعلم ما فائدة تكرار الأرقام". قلت: لعل الفائدة أن في بعض رواياته الاقتصار على: "رحمة الله"، وفي بعض رواياته بزيادة: "وبركاته"، والله سبحانه أعلم.
(فإذا رد السلام) أي: على أهل الإسلام، قال: (وعليكم السلام) أي: السلامة الدنيوية والأخروية، (ورحمة الله وبركاته)، وهذا أكمل أنواع جواب السلام وأتمها.
(ع، مر، س، حب) أي رواه: الجماعة وابن مردويه عن عائشة (^٣)، والنسائي وابن حبان عن أنس، فما وقع في بعض النسخ أن "كلهم عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٠٩)، والترمذي (٢٧٢٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣١٩) وقال الترمذي: حسن صحيح. وصحح إسناده النووي كما قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٦٨٩)، والنسائي في الكبرى (١٠١٦٩) وقال الترمذي: حديث حسن غريب، والنسائي في اليوم والليلة (٣٣٧).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٢٧)، ومسلم (٢١٦٥)، والترمذي (٢٧٠١)، والنسائي في الكبرى (١١٥٧٢).
[ ٣ / ١١٣٣ ]
أنس" ففيه بحث؛ إذ لا معنى لتكرار رمز النسائي مع دخوله في رمز الجماعة (^١).
ثم في بعض النسخ رمز مسلم بعد العين، فقال ميرك: "كذا وقع في أصل السماع، وهو لا يخلو عن تأمل"، انتهى. يعني: لدخوله مع الجماعة، لكن يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن لفظ الحديث لمسلم، أو له رواية أخرى عن أنس منفردًا به عن الجماعة، والله أعلم.
(وعلى أهل الكتاب) أي: وإذا رد عليهم، (قال: "عليك". م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، عن ابن عمر (^٢).
(أو: "وعليك") أي: بالواو، و"أو" للتنويع. (خ، م، د، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عنه أيضًا.
قال المصنف: "كذا ورد في الرد على أهل الإسلام بالواو، وأما على أهل الكتاب فورد بالواو وغير الواو، وأكثر الروايات بإثباتها، وقد استشكلَ جَمَاعَةٌ الإِثْبَاتَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ "الوَاوَ" تَقْتَضِي التَّشْرِيكِ؛ قال
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥١٩٦) وفي إسناده أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون وهو مختلف فيه. وترجم له الحافظ في "التقريب" (٤٠٨٧) وقال: صدوق زاهد. وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٦) بعد أن ذكر حديث أبي داود وابن السني: وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على: وبركاته أهـ.
(٢) أخرجه البخاري في الاستئذان (٦٢٥٧) وفي المرتدين (٦٩٢٨)، ومسلم (٢١٦٤).
[ ٣ / ١١٣٤ ]
الخَطَّابِي: "عَامَّةُ المُحَدِّثِينَ يَرْوونَ هَذَا الحَرْفَ: "وعليكم" بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو"، قال الخطابي: "هذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردودًا عليهم خاصة، وإذا ثبت الواو تقتضي المشاركة معهم فيما قالوه"، انتهى (^١). وإذا كان إثبات الواو أكثر، واتفق عليه الشيخان، فلا إشكال فيه من وجهين:
أحدهما: أن السام هو الموت فورد على ظاهره، فلما قالوا: "الموت عليكم؛ قال: "وعليكم الموت"، أي: نحن وأنتم فيه سواء، أي: كلنا نموت.
والثاني: أن الواو للابتداء أو للاستئناف لا للعطف والتشريك؛ فالتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذم واللعن" (^٢)، انتهى كلامه.
ويمكن أن يقال: "إنه لما سمع منهم لفظ " [السام] (^٣) عليك"، قال: "عليك"، ولما سمع منهم لفظ: "السلام عليك"، قال: "وعليك"، وأراد به السلامة الدنيوية؛ بناء على حسن المعاشرة العرفية، وهو الظاهر من إطلاق الآية القرآنية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]؛ فالأحسن للمسلمين، والرد لأهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.
هذا، وفي "الأذكار": "اعلم أن الأفضل أن يقول المسلِّم: "السلام
_________________
(١) انظر: معالم السنن (٤/ ١٤٣).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "السلام".
[ ٣ / ١١٣٥ ]
عليكم ورحمة الله وبركاته"، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ويقول المجيب: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، ويأتي بواو العطف، ثم ذكر أنه قال أصحابنا: "فإن قال المبتدئ: "السلام عليكم، حصل السلام، وإن قال: "السلام"، أو سلام عليك، حصل أيضًا.
وأما الجواب فأقله: "وعليك السلام، أو وعليكم السلام. فإن حذف الواو فقال: عليكم السلام، أجزأه ذلك وكان جوابًا"، انتهى (^١).
ولا يخفى أن قوله: "وإن قال: "السلام أو سلام عليك""، مراده: إن قال: "السلام عليك"، أو: "سلام عليك" باللام أو التنوين جاز، وليس المراد أنه إن قال: "السلام"، بدون "عليك"؛ فإنه غير جائز اتفاقًا.
ثم السلام سنة، والجواب فرض كفاية إجماعًا، لكن هذه السنة أفضل من الفرض؛ لما فيه من التواضع وحمل المجيب على الجواب بالتسبب، ولا بد من إسماع على كل منهما خلافًا لما يفعله كثير من العامة وبعض الطلبة بإخفاء السلام أو رده، والاكتفاء بإشارة بعض الأعضاء ونحوه.
(وإذا بُلِّغَ) بضم الباء وتشديد اللام من التبليغ، أي: بلغه، (أحد سلامًا من أحد، فليقل: "وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. ع) أي رواه: الجماعة عن عائشة (^٢)، (أو: وعليك وعليه السلام. س) أي رواه:
_________________
(١) الأذكار (ص ٤٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢١٧)، (٦٢٤٩). (٣٧٦٨)، (٦٢٠١)، ومسلم (٢٤٤٧)، والنسائي في الكبرى (٨٣٥٨).
[ ٣ / ١١٣٦ ]
النسائي عن أنس، فيجوز الاكتفاء بالأول، والجمع بينهما أفضل؛ فَـ "أَوْ" للتنويع واختلاف الرواية.
(وإذا عطَس) بفتح الطاء، وفي نسخة بكسرها ولم أر لها أصلًا في اللغة، (فليقل) أي: ندبًا، (الحمد لله) وهذا أدناه. (خ، د، س) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة (^١).
(على كل حال. د، ت، س، مس، ق) أي رواه: أبو داود والترمذي والنسائي عن رفاعة بن رافع (^٢)، والحاكم وابن ماجه عن علي (^٣)، والحاكم عن ابن مسعود كذا في نسخة صحيحة (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٢٤)، وأبو داود (٥٠٣٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٦٠)، وفي عمل اليوم والليلة (٢٣٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٣٦)، والترمذي (٢٧٤٤) وابن السني في اليوم والليلة (٢٥٢) قال الترمذي: هذا حديث غريب وإسناده مجهول.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٧١٥)، والطبراني في "الدعاء" (١٩٧٧) والحاكم (٤/ ٢٦٦) قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف (مصباح الزجاجة ٤/ ١١٢).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٢) رقم (١٠٣٢٦)، والحاكم (٤/ ٢٦٦) والبيهقي في الشعب (٩٣٤٦)، وقال الحاكم: هذا حديث لم يرفعه عن عبد الله بن مسعود غير عطاء بن السائب وتفرد بروايته عن جعفر بن سليمان الضبعي وأبيض بن أبان القرشي، انظر الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (١/ ٦٣). أهـ. وانظر علل ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٤٣)، قال أبي: هذا خطأ يرونه عن عبد الله موقوف منهم جعفر بن سليمان انظر: التقريب [٩٤٢] وغيره وأبيض =
[ ٣ / ١١٣٧ ]
وقال ميرك: "رواه أبو داود عن أبي هريرة، والترمذي عن أبي أيوب، والباقي عن علي، والحاكم والنسائي عن ابن مسعود أيضًا"، انتهى.
والمقصود أن هذه الزيادة ذكرها أصحاب الرموز المذكورة أيضًا فتأمل، فإنه غير ظاهر من العبارة المسطورة، فكان حقه أن يقول: "الحمد لله على كل حال، رواه كذا.
(الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا) أي: مقرونًا بالإخلاص، (مباركًا فيه، مباركًا عليه) الظاهر أن كلا الضميرين للحمد، وأن البركة فيه باعتبار ذاته، وعليه باعتبار آثاره، (كما يحب ربنا) أي: في الدنيا، (ويرضى) أي: يثيب عليه في العقبى. (د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن رفاعة بن رافع (^١).
(الحمد لله رب العالمين. د، ت، س، حب) أي رواه: أبو داود،
_________________
(١) = شيخ وعطاء بن السائب اختلط بآخره، انظر: التقريب [٤٥٩٢]. وأخرجه أحمد بن حنبل (٦/ ٧) وأبو داود (٥٠٣١) والترمذي (٢٧٤٠) والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦٦) والبيهقي في الشعب (٩٣٤٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٧٧٣)، والترمذي (٤٠٤)، والنسائي (٢/ ١٩٦) والحاكم (١/ ٢٢٥) وإسناده صحيح. قال الترمذي: "حديث رفاعة حديث حسن، وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع، لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا في أكثر من ذلك".
[ ٣ / ١١٣٨ ]
والترمذي، والنسائي، وابن حبان؛ كلهم عن سالم بن عبيد (^١).
(وليقل) أي: السامع وجوبًا، (له) أي: للعاطس، وفي نسخة بصيغة المجهول، وجزم الحنفي به، (يرحمك الله) جملة خبرية مبنًى، دعائية معنًى.
(خ، د، س، ت، مس، ق) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة، وأبو داود والنسائي والترمذي عن سالم بن عبيد أيضًا، والترمذي والنسائي والحاكم عن أبي أيوب أيضًا، والنسائي وابن ماجه والحاكم عن علي أيضًا، والنسائي والحاكم عن ابن مسعود أيضًا، كذا ذكره ميرك.
وفي نسخة صحيحة: "رواه الثلاثة الأول عن أبي هريرة، والثلاثة الأخيرة عن أبي أيوب وعلي أيضًا". هذا، ولا يظهر وجه لتقديم الحاكم على النسائي.
هذا، وقال المصنف: "قوله "وليقل له" أي: للعاطس؛ لما في "صحيح
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٣١)، والترمذي (٢٧٤٠)، والنسائي في اليوم والليلة (٢٢٩). وإسناده ضعيف لإبهام رجلين فيه ولاضطرابه كما قال الترمذي. وقد اختلف في ذكر الواسطة بين هلال وسالم بن عبيد، وهلال بن يساف لم يدرك سالم ابن عبيد ولم يره وبينهما رجل مجهول. وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠٦٧). والصحيح في هذا الباب كما قال البخاري في تاريخه الأوسط (٢/ ٢٣٣): إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، فإذا قال: الحمد لله، قال له أخوه: يرحمك الله، فإذا قيل له: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم وهو في صحيح البخاري (٦٢٢٤).
[ ٣ / ١١٣٩ ]
البخاري" (^١) عن أبي هريرة يرفعه: "إذا عطس أحدكم، وحمد الله، كان حقًّا على كل من سمعه أن يقول له ذلك"، لا كما قال بعضهم: أنه على الكفاية، فإذا قال بعض السامعين سقط عن الباقين كرد السلام وليس كذلك، بل هو كالتسمية على الأكل لا تسقط عن أحد، بقول بعض الآكلين، بل على كل آكل أن يسمي، والله أعلم" (^٢)، انتهى.
وهو مخالف لمذهبنا من جهة أنه فرض كفاية بلا خلاف، ومخالف لمذهبه من وجهين:
أحدهما: أن التسمية سنة كفاية عند الشافعي كما حررناه في "شرح الشمائل".
وثانيهما: أن جواب العاطس سنة كفاية في مذهب الشافعي؛ ففي "شرح مسلم" للنووي (^٣): "تشميت العاطس سنة الكفاية، إذا فعل بعض الحاضرين يسقط عن الباقين"، وقال في "الأذكار": "أصحابنا ﵏ قالوا: "تشميت العاطس سنة على الكفاية"، انتهى (^٤).
نعم، الأفضل أن يشمت العاطس كل سامعِ حَمْدِهِ كما في رد السلام، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٨٩ و٦٢٢٦).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
(٣) المنهاج (١٤/ ٣٢).
(٤) الأذكار (ص ٤٠٨).
[ ٣ / ١١٤٠ ]
(وليُرَدّ عليه) بصيغة المجهول، وفي نسخة علي بناء الفاعل، (يهديكم الله، ويصلح بالكم) أي: شأنكم، أو قلبكم، أو حالكم، وفي "شرح المفاتيح": "البال القلب، تقول: فلان ما يخطر ببالي، أي: بقلبي، والبال: رخاء العيش، يقال: فلان رخي البال، أي: واسع العيش، والبال الحال، تقول: "ما بالك، أي: ما حالك، والبال في الحديث يحتمل المعاني الثلاثة، والأولى أن الحمل على المعش الثاني أنسب لعمومه المعنيين الأولين أيضًا. قلت: "وكذا إذا حمل على المعنى الأول يعم، فتأمل.
ويجوز الاكتفاء بأحدهما وإفراد الخطاب، لكن التعظيم أكمل، والجمع بينهما أفضل، وهذا الرد سنة، والضمير في "عليه" لمجيب العطس.
(خ، د، س، ت، مس) أي رواه: البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة (^١)، والترمذي والحاكم عن أبي أيوب (^٢).
(يغفر الله لي ولكم. د، ت، س، حب) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، كلهم عن سالم بن عبيد.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٢٤)، وأبو داود (٥٠٣٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٦٠)، وفي عمل اليوم والليلة (٢٣٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٤١)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٤١)، واليوم والليلة (٢١٣)، والحاكم (٤/ ٢٦٦) والبغوي في شرح السنة (٣٣٤٢)، وإسناده ضعيف: لسوء حفظ محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى وترجم له الحافظ في "التقريب" (٦١٢١) وقال: صدوق سيء الحفظ جدًّا. وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة وإسناده صحيح وبه يرتقي الحديث.
[ ٣ / ١١٤١ ]
(لنا ولكم. س، ق، مس) أي رواه: النسائي وابن ماجه والحاكم؛ كلهم عن علي، والنسائي والحاكم، عن ابن مسعود أيضًا، قوله: "لنا ولكم" بدل "لي ولكم"؛ فيكون الحديث عندهم: "يغفر الله لنا ولكم" (^١).
ثم قوله: (يرحمنا الله وإياكم، ويغفر) أي: الله، (لنا ولكم. مو طا) أي رواه: مالك في "الموطأ" موقوفًا (^٢) من قول عمر بزيادة الجملة الأولى.
(وإن كان) أي: العاطس الحامد، (كتابيًّا) أي: يهوديًّا أو نصرانيًّا، (قيل له) الأظهر "لهم"، أي: لجنس الكتابي، (يهديكم الله، ويصلح بالكم) يعني: ولم يقل لهم: "يرحمكم اللَّه" أو "يغفر الله لكم".
(ت، د، س، مس) أي رواه: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن أبي موسى الأشعري (^٣): "أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ، يرجون أن يقول لهم: "يرحمكم الله"، فيقول لهم: "يهديكم الله ويصلح بالكم".
(ومن قال عند كل عطسة: الحمد للَّه رب العالمين على كل حال ما كان؛ لم يجد وجع ضرس، ولا أذن) الجملة خبر "من قال"، أو "جزاؤه"،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٧٣٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٣٨)، والترمذي (٢٧٣٩)، والنسائي في اليوم والليلة (٢٣٢)، وفي الكبرى (١٠٠٥٩)، والطيالسي في مسنده (١٢٩٩). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٢٠١).
[ ٣ / ١١٤٢ ]
والمعنى: ما دام حيًّا لم يجد وجع شيء من ضرس، ولا أذن، (أبدًا) أي: إلى آخر عمره.
(مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول علي (^١)، قال العسقلاني: "هذا موقوف، ورجاله ثقات، ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع"، ذكره ميرك.
(وإذا طنّت) بتشديد النون، أي: صوتت (أذنه) من الطنين كأمير: صوت الذباب والطست، على ما في "القاموس"، (فليذكر النبي ﷺ، وليصل عليه) الظاهر أنه عطف تفسير، (وليقل: ذكر الله بخير من ذكرني) أي: بخير، وفيه إيماءٌ إلى أن هذا علامة من يذكره في الجملة، والجملة في المبنى خبرية، وفي المعنى دعائية إنشائية.
(ط، ي) أي رواه: الطبراني، وابن السني؛ كلاهما عن أبي رافع القبطي مولى رسول الله ﷺ. (^٢)
(وإذا بشر) بصيغة المجهول من التبشير، أي: إذا بشر أحدٌ، (بما يسره) أي: يحبه ويعجبه ويفرحه، (فليحمد الله) أي: فليشكره، وخص الحمد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٤٣٠) وانظر السلسلة الضعيفة (٦١٣٨).
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٩٢٢٢) وقال الهيثمي: ورواه الطبراني في الثلاثة، والبزار باختصار كثير، وإسناد الطبراني في "الكبير" حسن، مجمع "الزوائد" (١٠/ ١٤١). وقال الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٦).
[ ٣ / ١١٤٣ ]
لأنه رأس الشكر؛ فإنه أظهر أنواعه. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن عائشة في أثناء حديث الإفك (^١).
(أو حَمِدَ وكبر. خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم؛ كلاهما عن أبي سعيد (^٢).
(أو سجد لله شكرًا) أي: إن كان نعمة جليلة أو منحة جزيلة، وهي غير مكروهة عند أصحاب أبي حنيفة، وسنة عند الشافعي وأتباعه، (مس، أ) أي رواه: الحاكم، وأحمد؛ كلاهما عن عبد الرحمن بن عوف. (^٣)
(وإذا رأى من نفسه، أو ماله، أو غيره) أي: من نفس غيره أو ماله، (ما يعجبه) من الإعجاب، أي: ما يستحسنه، (فليدع بالبركة) أي: بأن يقول:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠)، وأبو داود (٤٧٣٥) والنسائي في (عشرة النساء) (٤٥) وابن ماجه (٢٥٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٠) ومسلم (٣٧٩).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٩١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٠)، وقال: صحيح الإسناد. قال الألباني في "الإرواء" (٢/ ٢٢٩): بل هذا إسناد ضعيف، وبين ضعفه، ثم قال: وجدت له طريقا أخرى عن عبد الرحمن بن عوف عند أبي شيبة بسند ضعيف، فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف، ومن طريقه رواه ابن أبي الدنيا وأبو يعلى كما في "الترغيب" (٢٧٨/ ٢) فالحديث بالطريقين حسن. اهـ. وفي "صحيح الترغيب" (١٦٥٨): الحديث حسن لغيره.
[ ٣ / ١١٤٤ ]
"بارك الله في نفسي أو مالي"، أو: "بارك الله له في نفسه أو ماله"، أو نحو ذلك. (س، ق، مس) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن عامر بن ربيعة (^١).
(وإذا أراد نُمُوَّ مَاله) بضم نون وميم وتشديد واو، أي: زيادته. وقال المصنف: "أي كثرته" (^٢)، أقول: وهو بكسر اللام في الأصول، ولو روي بفتح اللام له وجه وجيه؛ من شموله حينئذ جميع ماله من جماله وكماله.
(قال: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك) أي: أصالة، (وعلى المؤمنين والمؤمنات) أي: تبعًا (وعلى المسلمين)، كذا في "أصل الجلال"، وفي "أصل الأصيل": "والمسلمين (والمسلمات) "، وهو الأظهر؛ فإن المؤمن والمسلم بمعنى واحد على الأشهر؛ لأنهما متحدان شرعًا وإن اختلفا لغة، ولا يبعد أن يراد بالمؤمنين عمومهم من جميع الأمم، وبالمسلمين خصوص هذه الأمة؛ كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] الآية، وحينئذ وجود "على" أعلى؛
_________________
(١) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٧٥١١) و(١٠٠٣٩) و(١٠٨٧٢) - وهو في "عمل اليوم والليلة" (٢١١) و(١٠٣٣) -، وابن ماجه (٣٥٠٦)، وأبو يعلى (٧١٩٥)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٢٩٠١)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٢٠٦) والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٨١) رقم (٥٥٧٩) والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١٥) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بذكر البركة وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٦).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
[ ٣ / ١١٤٥ ]
لما فيه من الإشعار بالاستقلال، والله أعلم بالحال. (ص) أي: رواه أبو يعلى عن أبي سعيد (^١).
(وإذا رأى أخاه المسلم يضحك) أي: لما بدا له من الفرح والسرور، (قال) أي: له، (أضحك الله سنَّك) أي: أدام الله ضحك سنك ظاهرًا، وسرور قلبك باطنًا. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن عمر ﵁، وفي نسخة: "كلهم عن سعد بن أبي وقاص".
(وإذا أحبّ أخاه) أي: محبة زائدة على ما تقتضيه عموم محبة المؤمنين، (فليعلمه ذلك) من الأعلام، أي: فليخبر كونه محبًا له؛ ليحبه أيضًا فيكتبان في المتحابين في الله. (ي، س، د، حب) أي رواه: ابن السني عن المقدام بن معدي كرب، والنسائي في "اليوم والليلة" وأبو داود وابن حبان عن أنس، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: "حسن صحيح".
(فإذا قال له: إني أحبك) أي: في الله، كما في رواية ابن السني، أي: لأجله، (قال: أحبك الذي) أي: الله الذي (أحببتني له. س، د، حب، ي) أي رواه: النسائي وأبو داود وابن حبان عن أنس، وابن السني عن المقدام.
والظاهر أنه مع ما قبله حديث واحد، فلم يظهر وجه تفريقهما وتكرير رموزهما، وتقديم الياء تارة وتأخيرها أخرى، ولا بد من توجيهٍ يبين الوجه الأحرى.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (١٣٩٧)، وابن حبان (٤٢٣٦)، والحاكم (٤/ ١٣٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٣٩).
[ ٣ / ١١٤٦ ]
لكن كتب ميرك في الهامش: "أن الحديث الأول رواه كلهم عن المقدام، والثاني كلهم عن أنس"، وهو -[مع] (^١) مخالفته لسائر الحواشي- غير ملائم للفاء الرابطة بين الحديثين في قول المصنف "فإذا قال له"، فتأمل يظهر لك وجه الخلل.
(وإذا قال) أي: المحب أو غيره (له: غفر الله لك، قال: ولك) أي: وغفر لك، أو لك غفر أيضًا، وأما ما شاع على ألسنة العامة: "وبدأ بك"، فهو مخالف للرواية ومناف للدراية؛ فإن المستحب في مقام الدعاء هو أن يكون بنفسه البداء.
(س) أي: رواه النسائي عن عبد الله بن سرجس، قال ميرك: "ورواه مسلم أيضًا معناه من حديثه" (^٢).
(وإذا قيل له: كيف أصبحت؟) أو أمسيت (قال: أحمد الله إليك) أي: أحمده معك، فأقام "إلى" مقام "مع"، وقيل معناه: "أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها"، كذا في "النهاية"، والأظهر أن يقال: "التقدير: أحمد الله منهيًا إليك". (ط) أي رواه: الطبراني عن ابن عمرو بالواو. (^٣)
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٤٦) والترمذي في "الشمائل" (٢٢)، والنسائي في "الكبرى" (١١٤٩٦)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٤٢٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٠٣) و(١١٠٤)، وأبو يعلى (١٥٦٣)، وابن حبان (٦٢٩٩).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٢٢) رقم (٣٧). =
[ ٣ / ١١٤٧ ]
(وإذا ناداه رجل رد عليه: لبيك) أي: من كمال الأدب. (ي) أي: رواه ابن السني عن معاذ، وفي نسخة: "عن علي"، وفي أخرى: "عن عمر".
(وإذا صُنِعَ) بصيغة المجهول، أي: فعل (إليه معروف) أي: إحسان صوري أو معنوي، من إفادة علم أو إفاضة معرفة؛ (فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء) أي: بالغ في ثناء صانع المعروف، وخرج عن عهدة شكره، حيث أظهر عجزه، وأحاله على ربه.
(ت، س، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن حبان، عن ابن عمر، وفي نسخة منسوبة إلى ميرك: "كلهم عن أسامة"، وقال الترمذي: "حسن غريب".
(وإذا عرض عليه أخوه من أهله وماله) أي: ليأخذ ما شاء منهما كما فعله الأنصار مع إخوانهم من المهاجرين، حيث عرضوا عليهم نساءهم وعبيدهم وجواريهم وبيوتهم وبساتينهم، على أن ما اختاروه من الأموال يُمَلِّكُونَهُم، ومن النساء يطلقونها حتى يخرجن من العدة فيتزوجوها، (قال) أي: المعروض عليه للعارض سواء اختار شيئًا منهما أم لا: (بارك الله في أَهْلِكَ وَمَالِكَ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَلَوْ رُوِيَ بِفَتْحِهَا لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ.
(خ، ت، س، ي) أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن السني، عن أنس.
_________________
(١) = قال الهيثمي: رواه الطبراني، وإسناده حسن. (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٤) وانظر السلسلة الصحيحة (٢٩٥٢).
[ ٣ / ١١٤٨ ]
(وإذا استوفى دينه) أي: أخذه وافيًا وقبضه تمامًا، (قال: أوفيتني) أي: أعطيتني حقي وافيًا، أي: فعلت الوفاء معي حيث أديت فيما عهدت من الأجل، (أوفى الله بك) أي: أعطى الله أجرك وافيًا، أو قام بجزاء عهدك ووفاء وعدك، إيماءٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] (خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة.
(وفى الله بك) بالتخفيف، وفي نسخة بالتشديد، وهو أبلغ في مقام التأكيد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، وقال المصنف: "يقال: وَفَى بالشيء وَأَوْفَى وَوَفَّى بمعنًى، أي: أَدَّيْتَ مَا عَلَيْكَ أَدَّى اللهُ عَنْكَ" (^١). (خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة.
(أوفاك الله. م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا، ويفهم من كلام صاحب "السلاح" أنه رواية للبخاري أيضًا، حيث قال: "وفي رواية للبخاري: "أوفيتني وفى الله بك"، وفي أخرى له: "أوفاك الله"، فتأمل"، ذكره ميرك.
(وإذا رأى ما يحبُّ) أي: ما يستحسنه في نفسه أو غيره، وفي نسخة بفتح الحاء، أي: إذا رأى شيئا مما يحب ويطلب من استجابة دعاء، أو قدوم سفر، أو عافية مرض، أو فراغ تصنيف، وأمثال ذلك، (قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات) أي: تكمل الأعمال المصالحة من الصلاح
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
[ ٣ / ١١٤٩ ]
ضد الفساد.
(وإن رأى ما يكره) بفتح الياء، وفي نسخة بضمها، (قال: الحمد للَّه على كل حال) أي: من السراء والضراء، وزيد في رواية: "ونعوذ بالله من حال أهل النار"، إيماء إلى أن كل حال من الشدائد المكروهة على النفس ما عدا حال أهل النار موجب للحمد والشكر؛ فإنه إما كفارة للسيئات، وإما رفعة للدرجات. (ق، مس، ي) أي رواه: ابن ماجه، والحاكم، وابن السني، عن عائشة.
(ما أنعم الله على عبد من نعمة) "ما" نافية، و"من" زائدة للاستغراق، أي: ما أنعم الله على عبد من عبيده أَيَّ نِعْمَةٍ كَانَتْ؛ (فَقَالَ: الْحَمْدُ لله، إِلَّا وَقَدْ أَدَّى شُكْرَهَا) أَيْ: إلا عرف منعمها، وقام بحقها، (وكتب الله له ثوابها؛ فإن قالها الثانية جدد الله له ثوابها) أي: جزاءها وأجرها؛ (فإن قالها الثالثة غفر الله) أي: (له) كما في أكثر النسخ المصححة، (ذنوبه) أي: جميعها. (مس) أي: رواه الحاكم عن جابر.
(ما أنعم الله على عبد نعمة) أي: دنيوية أو أخروية، [ظاهرة أو باطنة] (^١)؛ (فقال: الحمد لله رب العالمين، إلا كان) أي: العبد، (قد أعطى خيرًا مما أخذ) لأن ما أخذه من الأمور الفانية، وأما ما أعطاه فمن الكلمات الباقية، أو إلا كان الله قد أعطى العبد خيرًا مما أخذه العبد.
وحاصله: أن توفيق الله تعالى إياه بالحمد له أفضل من كل إعطاء نعمة.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "ظاهرية أو باطنية".
[ ٣ / ١١٥٠ ]
ثم اعلم أن قوله: "أعطى" بصيغة المعلوم تصحيح "أصيل"، وبالمجهول تصحيح "جلال"، واللَّه أعلم بالحال. (ي) أي: رواه ابن السني عن أنس (^١).
(وإذا ابتلي بالدّين) أي: الكثير، (قال: اللهم اكفني) بهمز وصل وكسر الفاء، من كفى كفاية وكفاك الشيء يكفيك، على ما في "الصحاح"، وفي نسخة: "اكففني" من الكف، أي: امنعني واحفظني، (بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك) وفي رواية: "يقول بعد صلاة الجمعة سبعين مرة: "اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك". (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم، عن علي ﵁ (^٢).
(اللهم فارج الهم) أي: مزيل الهم الذي يذيب الإنسان، ويهمه دفعه، (كاشف الغم) أي: دافع الغم الذي يغم فؤاد السالك ويغشاه، (مجيب دعوة المضطرين) أي: ولو كان المضطر كافرًا أو فاجرًا، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، (رحمن الدنيا) أي: لجميع أفراد (^٣) من فيها، (ورحيمها) أي: لخصوص المؤمنين الكائنين فيها، وفي
_________________
(١) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٥٦).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٥٣)، والترمذي (٣٥٦٣)، والحاكم (١/ ٥٣٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٢٥).
(٣) بعدها في (ب) و(د) زيادة: "عموم".
[ ٣ / ١١٥١ ]
نسخة: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما"، لكنها مخالفة لما ذكره المصنف، حيث قال: "الرحمن الرحيم: مشتقان من الرحمة، مثل ندمان ونديم من أبنية المبالغة، ورحمن أبلغ من رحيم، وهو خاص بالله تعالى لا يسمى به غيره ولا يوصف، بخلاف الرحيم فإنه يوصف به غيره، ولذلك ورد في الدنيا ولم يرد في الآخرة" (^١)، انتهى.
ولا يخفى عدم ظهور ارتباط وجه التعليل الذي ذكره بما قبله، بل إنما يلائم لما قبل من أن رحمة الرحمن لعمومه المستفاد من زيادة المبالغة أن يكون في الدنيا عامة للمؤمن والكافر، بخلاف رحمة الرحيم؛ فَإِنَّه مع إفادة مبالغة مختصة برحمة المؤمنين كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
لكن التحقيق: أن رحمة "الرحمن" عامة للخلق في الدنيا والآخرة، ولذا ورد: "رحمن الدنيا والآخرة" كما في الحديث الذي يليه، وأن رحمة الرحيم متعلقة بالمؤمنين خاصة في الدارين كما قال في هذا الحديث: "رحمن الدنيا ورحيمها"، ولعل ما ورد في بعض الروايات: "يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة" روعي فيه جانب التغليب في كل منهما.
فإن قيل: أَيُّ رحمة توجد في حق الكفار حال خلودهم في النار؟ قلت: نعمة الوجود، وسائر وجوه الإدراكات منح صورة وإن كانت محنًا حقيقة.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤ / أ).
[ ٣ / ١١٥٢ ]
كما حقق في نعم الكفار أيضًا في هذه الدار، ولولا نعمة وجودهم المسببة عن رحمته لفنوا بالكلية، وهو وإن كان قد يقال: إنه نعمة في حقهم، لكن يفوت كونها نعمة في حق غيرهم، وأيضًا لم يظهر كمال مظاهر الجلال إلا بوجودهم في النار؛ مقابلة لمظاهر الجمال بوجود أهل الجنة فيها، ولما كان مقتضى الجلال أن يعدمهم ويفنيهم وغلب الجمال في أن يبقيهم، ظهر معنى الحديث القدسي والكلام الأنسي: "غلبت رحمتي غضبي"، كما أن العدم السابق كان موجبًا لرحمة بعض الخلق، ولذا جاء في رواية: "سبقت رحمتي غضبي"، والله أعلم بدقائق الحقائق.
(أنت ترحَمُني) أي: حيث لا راحم في الحقيقة إلا أنت، (فارحمني برحمة) أي: عظيمة، (تغنيني) من الإغناء، وهو مرفوع بإثبات الياء، أي: تجعلني غنيًّا أنت (بها) أي: بسببها (عن رحمة من سواك) والمقصود من الدعاء: الرحمة التي هي بلا واسطة مخلوق، وإلا فالرحمة الحاصلة من غيره ليست حاصلة من سوى رحمته.
وأما ما في بعض النسخ من جزم: "تُغنني"، بحذف الياء على جواب الأمر، ولزوم أن يكون الضمير للرحمة مجازًا، فلا يصح؛ لأنه يمنع من صحته وجود لفظ "بها" المتفق عليه في جميع النسخ، وأما على الخطاب فيصح كما لا يخفى.
(مس، مر) أي رواه: الحاكم، وابن مردويه - وفي نسخة برمز "الراء"
[ ٣ / ١١٥٣ ]
علامةً للبزار - عن أبي بكر الصديق ﵁ (^١).
(اللهم مالك الملك) أي: جنسه أو جميع أفراده من الملك الظاهر والباطن كالعلم، والزهد والقناعة، والاستغناء عما سوى الله، (تؤتي الملك) أي: تعطي بعض أفراده من بعض أنواعه، (من تشاء) أي: من عبادك (وتنزع الملك) أي: تخلعه (ممن تشاء).
(وتعز من تشاء) أي: بما تشاء (وتذل من تشاء) أي: بما تريد (بيدك الخير) أي: والشر، فهو من باب الاكتفاء، أو بتصرفك الخير لا بتصرف الغير، كما يدل عليه تقديم الجَارِّ، أَوْ لا ينسب إليك الشر على مقتضى الأدب، أو لا شر إلا ويتضمنه خير (إنك على كل شيء) من: الإتيان، والنزع، والإعزاز، والإذلال، وغيرها (قدير) أي: تام القدرة كامل القوة.
(رحمن الدنيا والآخرة) قال صاحب "الكشاف": "وفي الرحمن من
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥١٥) والبزار (٦٢) والطبراني في "الدعاء" (١٠٤١)، والمروزي في "مسند أبي بكر" (٤٠) وقال الحاكم: قد احتج البخاري بعبد الله بن عمر النميري، وهذا حديث صحيح غير أنهما لم يحتجا بالحكم بن عبد الله الأيلي. قال المنذري: رواه البزار والحاكم والأصبهاني كلهم عن الحكم بن عبد الله الأيلي عن القاسم عنها وقال الحاكم صحيح الإسناد. قال الحافظ عبد العظيم كيف والحكم متروك متهم والقاسم مع ما قيل فيه لم يسمع من عائشة "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٨٢). وقال الهيثمي: رواه البزار، وفيه الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو متروك (١٠/ ١٨٦).
[ ٣ / ١١٥٤ ]
المبالغة ما ليس في الرحيم، ولذا قالوا: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم [الدنيا] (^١)، ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى"، انتهى. وسبق التحقيق والله ولي التوفيق.
(تعطيهما) "أي: الرحمة في الدنيا والآخرة" (^٢)، ذكره المصنف وهو غير ظاهر لفظًا ومعنًى؛ فالصواب: تعطي الدنيا والآخرة جميعًا (من تشاء) أي: من خواص عبادك كسليمان من الأنبياء، وعثمان من الأولياء، (وتمنع منهما) أي: بعضهما، (من تشاء) أي: من عبادك بأن تمنعه من زيادة الدنيا فقط؛ تكميلًا لآخرته، وهو حال أكثر الأنبياء وغالب الأولياء، وله ﷺ حظٌ وافر من المقامين، وإن كان هو بنفسه مائلًا إلى كونه من الفقراء والمساكين؛ إيماءً إلى أنه الحال الأكمل والمقام الأفضل.
ولهذا ذهب جمهور العلماء وعامة المشايخ إلى أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، وتفصيل المبحث يحتاج إلى بسط ليس هذا محله، وبأن تمنع من تشاء من [عبادك] (^٣) من حظ الآخرة ونعيمها، وهو أعم من أن يكون له حظ وافر في الدنيا أم لا، وفيه إيماء إلى أنه لا يمنعهما جميعًا
_________________
(١) كذا قال الزمخشري في الكشاف (١/ ٤٩ - ٥٠)، ولا أدري هل هو سبق قلم منه أم ماذا؛ فصواب الكلمة: "الآخرة"، لما قرره هو -وما سبق تحريره- من أن الرحمن أبلغ من الرحيم، وأن الرحيم خاصة بالمؤمنين، ومعلوم أن الرحمة يوم القيامة للمؤمنين، والله أعلم.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
(٣) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "عباده".
[ ٣ / ١١٥٥ ]
من بعض عباده، كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] أي: ممنوعًا.
نعم، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ثم قال سبحانه تسلية للفقراء من المؤمنين ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].
(ارحمني رحمة [تغنيني] (^١) بها عن رحمة من سواك. صط) أي: رواه الطبراني في "الصغير" عن أنس: أنه ﷺ قال لمعاذ: "لو كان عليك مثل جبل أحد دَيْنًا، فدعوت بهذا الدعاء قضى الله عنك" (^٢).
(وتقدم ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى. د) أي: رواه أبو داود، عن أبي سعيد مرفوعًا، ولفظه: "وإن ابتلي بِهَمٍّ أو دَيْنٍ فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال" (^٣).
(وإذا أخذه إعياء) بكسر الهمزة أي: عجز وكسل (من شغُل) أي: عظيم، أو من جهة مباشرة شغل جسيم، قال المصنف: "الإعياء: التعب
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "تغنني".
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٥٥٨). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٨٦).
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٥٥)، قال المناوي: فيه عتبان بن عوف بصري ضعيف. وانظر "فيض القدير" (٣/ ١١٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢١٦٩).
[ ٣ / ١١٥٦ ]
والنصب والعجز، يقال: أعيا الرجل في المشي فهو مُعْييٍ، وأعياه الله، وأعيا عليه الأمر أي: غلبه" (^١)، انتهى.
(أو طلب زيادة قوة) بفتح الطاء واللام فعل ماض عطف على "أخذ"، و"أو" للتنويع لا للشك، والمعنى: أو إذا طلب زيادة قوة ونشاط في شغل من طاعة أو عبادة.
(فليسبح عند نومه ثلاثًا وثلاثين، وليحمد ثلاثًا وثلاثين، وليكبر أربعًا وثلاثين أو من كلٍّ ثلاثًا وثلاثين. أو من إحداهن أربعًا وثلاثين مرة. خ، م، د، س، ت، حب، أ، ط) أي رواه: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان عن علي، وأحمد والطبراني كلاهما عن أم سلمة (^٢).
قال المصنف: "ولما شكت فاطمة ﵂ مما تقاسيه من [التعب] (^٣) وطلبت خادمًا يعينها، فدلَّها ﷺ على هذا الذكر عند النوم، وذلك مجرب، واختلف الروايات فيما تقدم من التسبيح والتحميد والتكبير وكلها في الصحيح، والمختار [البدء] (^٤) بالتكبير، ويكون منه
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
(٢) أخرجه البخاري (٣١١٣) ومسلم (٢٧٢٧)، والترمذي رقم (٣٤٠٨) وأبو داود (٢٩٨٨) و(٢٩٨٩). وعن أم سلمة أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٣٩) رقم (٧٨٧).
(٣) كذا في (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و(ج) و(د): "الطلب".
(٤) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "البداء".
[ ٣ / ١١٥٧ ]
أربع وثلاثون" (^١).
قلت: ليس في هذه الروايات الصحيحة دلالة صريحة بتقديم التكبير أصلًا؛ بل الظاهر من اللفظ الأول تقديم التسبيح لا غيره، وكذا الكلام في الرواية الآتية، وهو قوله: (أو من كُلٍّ) أي: من الكلمات المذكورة (دبر كل صلاة عشرًا، وعند النوم ثلاثًا وثلاثين) أي: من كلٍّ.
(والتكبير) بالجر، أي: ومن التكبير، وفي نسخة بالرفع، أي: ويذكر التكبير (أربعًا وثلاثين. أ) أي: رواه أحمد عن ابن عمر، وفي نسخة: عن ابن عمرو بالواو (^٢)، وهو هكذا في "أصل الأصيل"؛ حيث يدل بظاهره أيضًا على أن التكبير متأخر عن أخويه.
نعم، وقع الاختلاف في أن الزيادة عن الثلاثين هل هي موجودة أم لا؟ وعلى تقدير وجودها: هل هي مختصة بالتكبير أو لا؟ فمع هذا كله كيف يقال: "وكلها في الصحيح والمختار [البدء] (^٣) بالتكبير"، مع ما ورد من حديث صحيح: "لا يضركِ بأيهن بدأتِ".
نعم، روي في بعض الطرق الصحيحة الواردة في غير هذا الكتاب ما يؤخذ منه في الجملة تقديم التكبير، وهو ما أخرجه صاحب "الرياض
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٦٥)، والترمذي (٣٤١٠)، والنسائي (٣/ ٧٤)، وابن ماجه (٩٢٦)، وأحمد (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥) وإسناده صحيح.
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "البداء".
[ ٣ / ١١٥٨ ]
النضرة" عن علي: "أن فاطمة اشتكت ما تلقى من أئر الرحى، فأتى النبي ﷺ سبيٌ، فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي ﷺ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم؛ فقال: على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدتُ برد قدمه على صدري؛ فقال: ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعًا وثلاثين، وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، [واحمدا] (^١) ثلاثًا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم يخدمكما" أخرجه البخاري (^٢).
وإنما قلت: يدل على تقديم التكبير في الجملة بناءً على اعتبار الترتيب الذكري، وإلا فما بعد التكبير جيء بالواو الموضوعة للجمع المفيد لمطلق التشريك، وأما الفاء التي في قوله: "فَكَبِّرَا" فجزائية داخلة على مجموع الجمل، فلا يفيد تقديم التكبير.
ولذا، لم يقل علماؤنا بوجوب الترتيب في الوضوء مع ورود قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ …﴾ [المائدة: ٦] الآية، وإنما قالوا بسنيته للمواظبة المأخوذة من السنة.
على أن هذا الحديث معارض [لسائر] (^٣) الأحاديث التي أصح منه، وأكثر رواية، وأشهر رجالًا، ومخالف لظاهر الرواية أيضًا من المناسبة
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "وحمِّدا".
(٢) أخرجه البخاري (٣١١٣)، (٥٣٦١)، (٥٣٦٢)، ومسلم (٢٧٢٧)، وأبو داود (٥٠٦٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨١٤، ٨١٥).
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "بسائر".
[ ٣ / ١١٥٩ ]
الترتيبية بين التسبيح الموضوع للتنزيه عن النقائص، والحمد الموجب لإثبات صفات الكمال، ثم إيراد التكبير الدال على العظمة والكبرياء، فيكون نسقه على طبق "لا إله إلا الله، والله أكبر".
ومع هذا مناقض بما روي في "الرياض" أيضًا عن علي: "أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحاتين وسقاء وجرابين؛ فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى فجلت يداي، وقد جاء الله بسبي وسعة فأخدمنا؛ فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعه وأنفق عليهم أثمانه فرجعا، فأتاهما ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رءوسهما انكشفت أقدامهما، وإذا غطت أقدامهما انكشفت رءوسهما فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بك، قال: كلمات علمنيهن جبريل، فقال: تسبحان دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين.
قال علي: فما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ؛ فقيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين" أخرجه الإمام أحمد (^١).
هذا، وأخرجه أيضًا عن أنس: "أن بلالًا أبطأ عن صلاة الصبح يومًا؛
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٠٦).
[ ٣ / ١١٦٠ ]
فقال له النبي ﷺ: ما حبسك؟ قال: مررت بفاطمة تطحن والصبي يبكي، فقلت لها: إن شئت كفيتك الرَّحَى وكفيتيني الصبي، وإن شئت كفيتك الصبي وكفيتيني الرَّحَى؛ فقالت: أنا أرفق بابني منك، فذاك حبسني، قال: فرحمتها رحمك الله" (^١).
فإن قلتَ: فكيف ما رحمها ﷺ مع أنها من رَحِمِهِ، وهو نبي الرحمة، ورحمة للعالمين؟ قلتُ: عدم رحمة الدنيوي عليها من كمال رحمة الأخروي لها، وهو نظير ما يفعل الله تعالى بعباده الصالحين من الفقراء والمساكين، مع أنه أرحم الراحمين حيث يمنع الدنيا عن المؤمن، كما تمنع الوالدة الشفيقة الماءَ من ولدها المريض المضر في حقه كثرة الماء.
فالمنح الدنيوية غالبًا هي المحن الأخروية وبالعكس، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٤١]، فقد جاء البلاء بمعنى النعمة والمحنة؛ بناء على أن البلاء بمعنى الاختبار، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
فيجب عليك الفرق في الفتنة بين المحنة والمنحة؛ فإن مادتها متحدة، وهيئتهما متقاربة، وصورتهما متشاكلة، لا يفرق بينهما إلا كامل العقل تام التمييز، البالغ مبلغ الرجال، وهو الذي [خرج عن] (^٢) منيه، لا من
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٠) وإسناده ضعيف لانقطاعه عمار وهو ابن عمارة لم يدرك أنسًا وهذا الحديث مما تفرد به الإمام أحمد.
(٢) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب): "خرج عن"، وفي (ج): "خرج من".
[ ٣ / ١١٦١ ]
خرج عنه المني؛ فإن الثاني هو البالغ في الشريعة، والأول هو البالغ في الطريقة، والفارق بينهما أصحاب الحقيقة، وأرباب البصائر الدقيقة.
(ومن ابتلي بالوسوسة) أي: النفسانية أو الشيطانية في الأمور الاعتقادية، أو الأعمال البدنية؛ فهو عام بالنسبة إلى قوله الآتي، وإن كانت الوسوسة في الأعمال فاندفع قول ميرك في أن الظاهر أن المراد الوسوسة في الاعتقاد؛ لقرينة مقابلة الأعمال، (فليستعذ بالله) إشعارًا بأنه عاجز بالله، ولا حول ولا قوة إلا به، وإيماءً إلى قوله ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣].
(ولينته) أمر من الانتهاء، أي: وليترك التفكر في ذاك الخاطر الواقع فيه الوسوسة، وإن لم يزل التفكر بالاستعاذة فليقم وليشتغل بأمر آخر، كذا قاله ميرك، وهو يؤيد ما قدمناه، وفيه إيماء إلى أن الواو بمعنى "أو"، ولا بدع أن يجمع بينهما. (خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي؛ كلهم عن أبي هريرة (^١).
(أو ليقل: آمنت بالله ورسله. م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا، (الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل) بضم الفاء ويكسر، أي: ليبزق من فمه المشير به إلى كراهته وتنفره رغمًا للشيطان وتبعيدًا له (عن يَسَاره ثلاثًا) فإنه لم يأته إلا من جهة الشمال المنسوب
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤)، وأبو داود (٥١١٢). والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٦٣)، وفي الكبرى (١٠٤٩٩)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٥).
[ ٣ / ١١٦٢ ]
إليها المعاصي، ولذا يدخله صاحبه في أصحاب الشمال، وكاتب السيئة أيضًا يقف في اليسار إشعارًا بما وقع أصحاب الميثاق في عالم الأرواح عن يمين آدم ويساره بحسب ما تعلق به القضاء والقدر؛ فقال: "هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي"، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
(وليستعذ بالله من الشيطان. د، س، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن السني، عنه أيضًا.
(ومن فِتَنِهِ. س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا، قال ميرك: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ ولينته"، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
ولفظ مسلم والنسائي: "فليستعذ بالله ولينته"، وفي رواية مسلم: "فليقل: آمنت بالله ورسله"، وفي رواية أبي داود والنسائي: "فيقول: الله أحد … " إلى آخره، وفي رواية النسائي [أيضًا] (^١): "فليستعذ بالله من فتنه"، والظاهر من هذه الرواية أن هذه الأقوال مخصوصة بهذه الوسوسة لا في مطلق الوساوس، خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ قدس سره، فتأمل. ميرك".
قلت: الخاص داخل في العام، ولا دلالة فيه على اختصاصه مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أن القياس يقتضي العموم،
_________________
(١) من (د) فقط.
[ ٣ / ١١٦٣ ]
وقد بسطنا هذه المسألة المتعلقة بالوسوسة في أول "المرقاة شرح المشكاة" نوع بسط يحتاج إليه السالك المبتدي، ولا يستغني عن تَذَكُّرِهِ المنتهي.
(وإن كانت الوسوسة في الأعمال) أي: المستقلة كالصلاة، أو الوسائل كالوضوء والغسل، (فإن ذلك) أي: صاحب تلك الوسوسة أو موسوس الأعمال (شيطان) وقد أغرب الحنفي حيث قال: "أي: من الشيطان، وإن حملت الوسوسة على معنى الموسوس فهو على ظاهره"، انتهى.
ولا يخفى عدم صحة الأول، وكذا قوله الثاني؛ فإن الوسوسة المذكورة لا يمكن أن تكون بمعنى الموسوس لعدم صحة الحمل.
فالصواب: أن ذلك إشارة إلى ما ذكره من الوسوسة إما على تقدير مضاف، أو بتأويل المصدر بمعنى الفاعل كما قررناه، وأشرنا إليه في ضمن ما حررناه.
(يقال له: خِنْزِبٌ) بكسرتين وبينهما سكون، وفي نسخة بفتح الزاي، وفي "القاموس": "الخُنزوب بالضم والخِنزاب بالكسر: الجريء على الفجور، وَخَنْزَب بالفتح: شيطان"، انتهى. والظاهر أن مراده بـ"الفتح": فتحُ الخاء والزاي.
وقال المصنف: "بكسر الخاء المعجمة والزاي، هذا هو المحفوظ، ورُوي بالضم وهو لقب، والخنزب في اللغة: قطعة لحم منتنة" (^١)، انتهى.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ أ، ب).
[ ٣ / ١١٦٤ ]
وتقدم عن "القاموس" أنه اسم للشيطان، وأن أصله الجريء على الفجور، وقال الطيبي: "بخاء معجمة مكسورة، ثم نون ساكنة، ثم زاي مكسورة أو مفتوحة"، ويقال أيضًا: "بفتح الخاء والزاي" كما حكاه القاضي عياض، ويقال أيضًا: "بضم الخاء وفتح الزاي"، كذا في "النهاية"، وهو غريب.
(فليتعوذ بالله منه، وليتفل عن يساره ثلاثًا. م، مص) أي رواه: مسلم، وابن أبي شيبة، عن عثمان بن أبي العاص (^١).
(ومن غضِب) بكسر العين، (فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذَهَبَ عنه ما يجد) أي: ما يدركه من آثار الغضب إن كان غضبه شيطانيًّا، والحديث مُقْتبَسٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
قيل: وذلك في حق من يتقي الله ولا يسيء الأدب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. قلت: الإبصار مقيد بالاتقاء، وأما إذهاب الغضب المذموم بالاستعاذة فعلى عمومه وإطلاقه كما لا يخفى.
(خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن سليمان بن صُرَد، بضم ففتح (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٢٠٧)، ومسلم (٢٢٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦١١٥٩)، ومسلم (٢٦١٠)، وأبو داود (٤٧٨٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٨٩).
[ ٣ / ١١٦٥ ]
(ومن كان حدّ اللسان) بفتح الحاء وتشديد الدال، أي: حديده في الأذى وحاده؛ فقوله: (فاحشه) تفسير لما قبله، والمعنى: من كثر فحش لسانه، وكثر من كثر لغو بيانه، وأراد تكفيره، أو قصد إصلاح شأنه، وحفظ لسانه.
(لازم الاستغفار) لاسيما في أطراف النهار، وهو لا ينافي أن فحش اللسان مما يوجب الاستحلال عمن حصل به الأذى؛ لكونه من حق العباد، فإنه مع ذلك لا يستغني عن الاستغفار من حيث إنه حق الله تعالى أيضًا.
(لحديث: شكوت) بالإضافة، ويجوز تنوينه على أن التقدير: لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثٍ، هُوَ: شَكَوْتُ (إلى رسول الله ﷺ ذَرَب لساني) وفي نسخة: "ذرب اللسان". قال المصنف: "بفتح الذال المعجمة والراء، أي: حدته فلا يبالي ما يقول" (^١)، انتهى. وفي "القاموس": "ذرب اللسان محركة: فساد اللسان وبذاؤه، والفحش".
(فقال: أين أنت من الاستغفار؟) أي: كيف يغيب فهمك عن الاستغفار، وكان ينبغي لك أن تستحضره وتعتقد أن من لزمه أذهب الله عنه فحش لسانه.
(إني) أي: مع جلالة قدري وعصمة أمري، (لأستغفر الله في كل يوم مئة مرة) أي: لأمتي، أو لتقصيري في عبادتي، أو لغفلتي عن حقيقتي، أو لقناعتي بمرتبتي في الحال، وعدم الاستزادة في العلم وقرب المتعال؛ فإنه لا نهاية لغايتهما عند أرباب الكمال، أو لتنزلي عن مرتبة العين إلى
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
[ ٣ / ١١٦٦ ]
غيبة الغين وما يحصل في البين، فما بين أنواع الاستغفار الصادر من الأبرار والفجار بَوْن بَيِّن عند ذوي البصيرة والإبصار.
فالمراد بالمئة الكثرة؛ لأن حال السالك في ميدان المحاربة وفي إيوان المغالبة بين الحضور والغفلة، متردد بين العزة والكدرة، وإنما الاختلاف في الغلبة.
(س، ق، مس، مص، ي) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن أبي شيبة، وابن السني، عن حذيفة (^١).
(ومن انتهى إلى مجلس فليسلم) أي: على أهله استحبابًا، (فإن بدا) بالألف، أي: ظهر (له) في رأيه (أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام) أي: عن أهل المجلس، (فليسلم) أي: ندبًا سلام الوداع، وفي رواية: "وليست الأُولَى بالأَوْلى من الثانية". (د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٥٤)، وأحمد (٥/ ٣٩٤ وفي ٥/ ٣٩٦ وفي ٥/ ٣٩٧ وفي ٥/ ٤٠٢)، والدارمي (٢٧٢٣)، وابن ماجه (٣٨١٧)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٤٩) وفي (٤٥٠) وفي (٤٥١) وفي (٤٥٢) وفي (٤٥٣) ابن حبان (٩٢٦)، والحاكم (١/ ٥١٠) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٦٢).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٠) وأبو داود (٥٢٠٨) والترمذي (٢٧٠٦) والنسائي في الكبرى (١٠٢٠١)، وفي عمل اليوم والليلة (٣٦٩) وابن حبان (٤٩٣) وقال النووي في الأذكار (٦٣٨) إسناده جيد، وانظر علل الدارقطني (١٠/ ٣٨٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٩) والسلسلة الصحيحة (١٣٢١).
[ ٣ / ١١٦٧ ]
(وكفارة المجلس) أي: مكفر ما يقع فيه من اللغو أو نحو الغيبة، (أن يقول) أي: قوله (قبل أن يقوم) (سبحان الله وبحمده) وهذه من مختصات رواية النسائي والطبراني، (سبحانك اللهم وبحمدك)، قال الطيبي: "اللهم معترض؛ لأن قوله "وبحمدك" متصل بما قبله "سبحانك"، إما بالعطف، أي: أسبح وأحمد، أو بالحال أي: أسبح حامدًا لك.
(أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. د، ت، س، حب، مس، ط، مص) أي رواه: أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة (^١)، والحاكم عن عائشة أيضًا (^٢)، والطبراني عن ابن عمر وجبير بن مطعم (^٣)، وابن أبي شيبة عن أبي برزة الأسلمي (^٤)؛
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٣٣) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٩٧)، وأحمد (٢/ ٤٩٤) أبو داود (٤٨٥٨)؛ وابن حبان بإثر الحديث (٥٩٣) والحاكم (١/ ٥٣٦)، وإسناده صحيح بشواهده انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥) والنكت على ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (٢/ ٧٣١) ومعرفة علوم الحديث (١١٣).
(٢) أخرجه النسائي (٣/ ٧٢) وفي "الكبرى" (١٠٢٣١)، وفي عمل اليوم والليلة (٣٩٨) والحاكم (١/ ٤٩٥).
(٣) الطبراني في "الكبير" (٢/ ١٣٩) رقم (١٥٨٦)، وفي "الدعاء" (١٩١٩)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٢٤)، وصححه الحاكم (١/ ٥٣٧)، والحديث في "صحيح الترغيب" (١٥١٩).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٣٢٧) والخلاصة أن حديث كفارة المجلس حديث =
[ ٣ / ١١٦٨ ]
هكذا ذكره ميرك.
وفي نسخة صحيحة: "أن الثلاث الأول عن أبي هريرة، وابن حبان والحاكم عن عائشة، والباقي على حاله". وفي أخرى: "رواه الأربعة عن أبي هريرة، والحاكم والطبراني عن عائشة"، والله سبحانه أعلم.
(ثلاث مرات. د، حب) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، عمن تقدم أيضًا.
(عملت سوءًا وظلمت نفسي) أي: بهذا العمل أو بغيره، (فاغفر لي) أي: جميع ذنوبي، (إنه) أي: الشأن وهو بالكسر، استئناف فيه معنى التعليل، (لا يغفر الذنوب إلا أنت. س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم -وفي نسخة رمز ابن أبي شيبة بدله- عن رافع بن خديج، والظاهر أنه من تتمة الحديث السابق.
(ما جلس قوم مجلسًا) أي: لم يجلسوا جلوسًا، أو في مكان جلوس، أو زمانه، ومن وَصْفِهم أنهم (لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا) [و] (^١) لم يسلموا، (على نبيهم ﷺ) وفيه إيماء إلى أنهم لو ذكروه ولم يصلوا عليه فكأنهم ما ذكروه حيث لم يذكروه على وجه التعظيم، ولعل هذا هو وجه
_________________
(١) = صحيح، وبعض طرقه صحيحة وحسنة، ومنها حديث السائب بن يزيد مرفوعًا، وحديث عبد الله بن عمرو موقوفًا، وهي مع المراسيل تدل على ثبوت الحديث، وصحته. وقد صحح عدد من الأئمة بعض وجوهه. وانظر فتح الباري (١٣: ٥٤٥).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "أو".
[ ٣ / ١١٦٩ ]
العدول عن العطف، أو دفعًا لتوهم التشريك في الأمر.
(إلا كان) أي: ذلك المجلس، (عليهم ترة) بكسر التاء وتخفيف الراء، أي: نقصًا، من وتره يتره ترة ووترًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وقيل: حسرة؛ لأنها من لوازم النقص، وفي نسخة برفعها، أي: وقع عليهم نقص.
(فإن شاء) أي: الله، (عذبهم) أي: بما سبق لهم من الذنوب والعيوب بمخالفة أمر الله ورسوله، (وإن شاء غفر لهم) بخلاف ما إذا ذكروا وصلَّوا، فإن الله يغفر لهم لا محالة، بناءً على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، يعني: الصغائر، وأما الكبائر فتحت المشيئة إلا أن يتوبوا منها لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
(د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة (^١).
(ومن دخل السوق) أي: جنسها، (فقال) أي: رافعًا صوته أو خافضًا أو ملاحظًا بقلبه، (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له) إيماءً إلى ما قاله الصوفية من أن وجود الكثرة لا تنافي شهود الوحدة، (له الملك) أي: خلقًا وملكًا، (وله الحمد) أي: على نعمه ظاهرًا وباطنًا، (يحيي ويميت)
_________________
(١) أخرجه، أحمد (٢/ ٣٨٩ و٢/ ٥١٥ و٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (٤٨٥٥) والترمذي (٣٣٨٠) والبيهقي في "الآداب" (٢٥٨)، والنسائي في "الكبرى" (١٠١٦٩)، وابن حبان (٥٩٠)، والحاكم (١/ ٥١٤) وقال الترمذي: حديث حسن.
[ ٣ / ١١٧٠ ]
أي: يوجد جمعًا ويفني قومًا، (وهو حي) أي: ثابت الحياة أزلًا ودائمها أبدًا، كما أشار إليه بقوله: (لا يموت) والمعنى: أنه لا [يمكنه] (^١) الموت، (بيده الخير) أي: لا بتصرف الغير، (وهو على كل شيء) أي: من الخير والشر، (قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة).
ولعل وجه هذه الفضيلة بخصوص السوق؛ لأنها محل [الغفلة] (^٢)، فالذاكر فيهم كالمجاهد في الغازين، وهذا دليل لما اختاره السادة النقشبندية من أكابر الصوفية؛ حيث قالوا: "الخلوة في الجلوة، والعزلة في الخلطة، والصوفي كائن بائن، وغريب قريب، وعرشي فرشي"، ونحو ذلك من عباراتهم نفعنا الله ببركاتهم.
ومن تتبع أحاديثه ﷺ، وعرف أخباره وأحواله، وعلم أقواله وأفعاله - تبين له أن هذه الطريقة هي التي اختارها ﷺ بعد البعثة، [وحث] (^٣) أمته على هذه الحالة، وتبعه أكابر الصحابة دون ما ابتدعه المبتدعة، ولو كان بعضها مستحسنة في الجملة.
(ت، ق، أ، مس، ي) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وأحمد والحاكم،
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "يملك"، وكلاهما لا تصح نسبته إلى الله تعالى.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "اللغط".
(٣) كذا في حاشية (ج) وهو الصواب، وفي جميع النسخ: "بعث".
[ ٣ / ١١٧١ ]
وابن السني، عن عمر ﵁ (^١).
(وبنى) أي: الله، (له) أي: لمن قال ما سبق، (بيتًا) أي: مكانًا عظيمًا، (في الجنة)، وفيه إشعار بأن الأذكار في الدنيا تورث بناء القصور وغرس الأشجار في العقبى، وأنها مهور الحور، ومبخرة البخور في الجنة الأعلى.
(ت، ي) أي رواه: الترمذي، وابن السني عنه (^٢).
(وإذا دخله) أي: السوق، فإنه يذكر ويؤنث على ما في "الصحاح"، والمعنى: إذا أراد دخوله، فيلائم قوله: (أو خرج إليه) أي: وصل إلى مكانه، (قال: باسم الله) أي: أدخله، (اللهم إني أسألك خير هذه السوق) أي: ذاتها أو مكانها، (وخير ما فيها) أي: مما ينتفع به في الأمور الدنيوية
_________________
(١) خرجه أحمد (١/ ٤٧) والترمذي (٣٤٨٩) وابن ماجه (٢٢٣٥)، والدارمي (٢٦٩٢)، والحاكم (١/ ٥٣٨). قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ١٧١/ ٢٠٠٦) سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن دينار وكيل آل الزبير عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ. قال من دخل سوقًا يصاح فيها ويباع فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث فقال أبي هذا حديث منكر جدا لا يحتمل سالم هذا الحديث. وقال الترمذي في "العلل الكبير" سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال هذا حديث منكر قلت له من عمران بن مسلم هذا هو عمران القصير قال لا هذا شيخ منكر الحديث "العلل الكبير" (١/ ٣٦٣).
(٢) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١٨٢).
[ ٣ / ١١٧٢ ]
التي يستعان بها على الأحكام الأخروية، (وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) أي: مما يشغل عن ذكر الرب، أو مخالفته بنحو غش، وخيانة، وارتكاب ربا، أو عقد فاسد، وأمثال ذلك.
(اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينًا فاجرة) أي: حلفًا كاذبًا، (أو صفقة خاسرة) أي: عقدًا فيه خسارة دنيوية أو أخروية، وذكرهما تخصيصًا بعد تعميم؛ لكونهما أهم وقوعهما أغلب.
قال المصنف: "قوله: "صفقة" أي: بيعة، ومنه: "ألهاهم الصفق بالأسواق" أي: التبايع" (^١)، انتهى. وألهاه عن كذا أي: شغله، كذا في "النهاية"، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
(مس، ي) أي رواه: الحاكم، وابن السني، عن بريدة (^٢).
(يا معاشر التجار) بضم وتشديد، جمع التاجر، وجمع "معاشر" لإرادة
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٣٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢/ ٢١) رقم (١١٥٧) وفي "المعجم الأوسط" (٥٥٣٤ و٥٥٨٩)، وفي "الدعاء" - (٧٩٤ - ٧٩٥) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٨١). وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن علقمة بن مرثد إلا محمد بن أبان". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٧٨) و(١٠/ ١٢٩): رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن أبان الجعفي وهو ضعيف. قال المناوي: إسناد ضعيف وتصحيح الحاكم مردود (التيسير ٢/ ٢٤٨). قال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ٢٩٢) فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولعله حفص بن سليمان الأسدي مختلف فيه.
[ ٣ / ١١٧٣ ]
الأنواع، وفي نسخة: "يا معشر التجار"، (أيعجز) بكسر الجيم ويجوز فتحه، أي: ألم يقدر، (أحدكم إذا رجع من سوقه) أي: إلى بيته أو إلى بيت ربه، (أن يقرأ عشر آيات) أي: من قراءة عشر آيات، (فيكتبَ) بالنصب؛ على جواب الاستفهام لا على "يقرأ" لفساد المعنى، والمعنى فيثيب، (الله له) أو فيأمر الملائكة أن يكتبوا له، (بكل آية حسنة) أي: عظيمة في الكمية تقابل حسنات كثيرة في الكمية.
فلا ينافي ما ورد من أن: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿آلم﴾ حرف، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، ولا ما ورد من زيادة حسنات الحرم بمئة ألف.
(ط) أي: رواه الطبراني عن ابن عباس (^١).
(وإذا رأى باكورة تمر) أي: سواء ذاقها أو لم يذقها، وثمر أول كل شيء باكورة على ما في "النهاية"، (اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا) أي: في أهلها وأرزاقها، وإصلاح أمرها بجميع ما فيها، وقيل: التقدير: في بقاء مدينتنا.
(وبارك لنا في صاعنا) أي: خصوصًا، وهو مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه؛ فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٩٨) رقم (١٢١١٩)، والدارمي (٣٣٣٦). قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير الربيع بن ثعلب، وأبي إسماعيل المؤدب، وكلاهما ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ١٢٩).
[ ٣ / ١١٧٤ ]
وفقهاء الحجاز، وقيل: هو رطلان، وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثًا، أو ثمانية أرطال.
(وبارك لنا في مدنا) خص؛ لأنه أكثر ما يتداول وأعم فنفعه أتم، والله أعلم. (م، ت، س، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة (^١).
(فإذا أتي بشيء منه) كذا في "أصل الجلال"، أي: من أول الثمرة، وفي "أصل الأصيل": "منها"، أي: من الباكورة وهو أظهر، والأول أنسب لقوله: (دعا أصغر وليد حاضر فيعطيه ذلك) حيث ذكر اسم الإشارة، ويمكن تأويله بما ذكر، والوليد المولود، وإنما خص به للمناسبة الخلقية، ولأن طبع الصغير أميل إليه، وفيه نوع مخالفة للنفس، وطرف من الإيثار الذي هو من وظيفة الأحرار من الأبرار.
(م، ت، س، ق) أي رواه: الأربعة المذكورة عنه أيضًا (^٢).
قال ميرك: "وهذا من تتمة الحديث السابق، فلا وجه لإيراد الأرقام مكررًا وفصله عنه". قلت: مثل هذا ما وقع في البخاري كثيرًا، حيث قَطَّعَ الحديث فأورد بعضه في باب وبعضه في باب آخر، ولا شك في تغاير الحكمين المستفادين من الشرطين.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣٧٣)، والترمذي (٣٤٥٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٠٢) وابن ماجه (٣٣٢٩).
(٢) انظر السابق.
[ ٣ / ١١٧٥ ]
(ومن رأى مبتلًى) أي: ببلاء ديني كارتكاب معصية، أو دنيوي من مالٍ كثيرٍ أو جاهٍ وسيعٍ مما يوجب الظلم، أو بمرض من سيئ الأسقام، وهو سالم منه؛ (فقال: الحمد للَّه الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا) أي: بزيادة الفضيلة الدنيوية أو البدنية المستعان بها على الأمور الأخروية، (لم يصبه ذلك البلاء) أي: المذموم، وزاد في "المشكاة": "كائنًا ما كان"، أي: ذلك البلاء.
(ت، ق، طس) أي رواه: الترمذي عن أبي هريرة وحسن إسناده (^١)، وعن عمر بن الخطاب بمعناه وضعفه (^٢)، وابن ماجه عن ابن عمر (^٣)، والطبراني في "الأوسط" عن ابن عمرو بالواو (^٤).
(يقول ذلك في نفسه. موت) أي: رواه الترمذي موقوفًا وفيه مسامحة؛ لأن الترمذي قال بعد إيراد الحديث المرفوع: "وقد روي عن أبي جعفر
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٣١) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٣٨٩٢) وفي إسناده عمرو ابن دينار مولى آل الزبير، قال الحافظ في "التقريب" ضعيف (ت ٥٠٦٠). وكذلك في اضطراب واختلاف. فقد روي عن ابن عمر عن عمر وروي عن سالم مرسلًا. انظر: علل الدارقطني (٢/ ٥٣).
(٢) حديث عمر ﵁ أخرجه الترمذي (٣٤٢٧)، والطبراني في "الدعاء" (٧٩٧)، وابن ماجه (٣٨٩٢)، والبيهقي في "الشعب" (٤٤٤٥). والحديث صحيح لغيره كما في "صحيح الترغيب".
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٨٩٢).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٥٣٢٤) عن ابن عمر.
[ ٣ / ١١٧٦ ]
محمد بن علي أنه قال: "إذا رأى صاحب بلاء يتعوذ، يقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء""، انتهى.
وقيل: إن كان البلاء دينيًا يجوز إسماعه بل هو أفضل إن لم يترتب عليه فساد دنيوي، أولم يجر إلى ضرر ديني، وقد كان الشبلي إذا رأى بعض أرباب الدنيا، قال: "اللهم إني أسألك العافية".
(وإذا ضاع له شيء) أي: بأن سقط، أو سرق منه، (أو أبق) بفتح الباء، أي: هرب عبد له، أو شردت دابة له، (اللهم راد الضالة) أي: الضائعة أو التي ضلت طريقها العادلة، (وهادي الضلالة) أي: في الأمور الدينية والأحوال الدنيوية، (أنت تهدي من الضلالة) أي: وأنت ترد الضالة، ولعل حذفه للاكتفاء.
(اردد) بضم الدال، أي: رد، (علي ضالتي بقدرتك وسلطانك) أي: بقوتك وحكمك على كل شيء؛ (فإنها) أي: الضالة، (من عطائك) أي: من جملة عطائك، (وفضلك) أي: ومن تفضلك أولًا، فكذلك تكون من كرمك وإحسانك آخرًا.
(ط) أي: رواه الطبراني عن ابن عمر مرفوعًا (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٤٠) رقم (١٣٢٨٩) والأوسط (٤٦٢٦) والصغير (٦٦٠). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبد الرحمن يعقوب بن أبي عباد المكي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٣).
[ ٣ / ١١٧٧ ]
(أو يتوضأ ويصلي ركعتين ويتشهد، ويقول) أي: بعد الصلاة، (باسم الله، يا هادي الضال) أي: من ذوي العقول، (وراد الضالة) أي: من الدواب والأمتعة الضائعة الساقطة، (اردد علي ضالتي بعزتك وسلطانك) أي: بغلبتك وقهرك، أو بقوتك وقدرتك؛ (فإنها) أي: الضالة، (من عطائك وفضلك. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر أيضًا (^١).
(ولا يتطير) بصيغة النهي، أو النفي ومعناه النهي بل هو أبلغ، قال المصنف: "أي: لا يتشاءم، [وأصله] (^٢): التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء مما كان في الجاهلية" (^٣)، انتهى.
والظاهر: أن أصله التطير من الطير، ثم توسع واستعمل في الظباء وغيرها من الدواب، وفي "الصحاح" (^٤): "برح الظبي -بالفتح- بروحًا: إذا ولاك مياسره، والسنيح والسانح: ما ولاك ميامنه من ظبي أو طائر أو غيرهما، تقول: سنح الظبي يسنح سنوحًا: إذا مر من مياسرك إلى ميامنك. والعرب تتيمن بالسانح، وتتطير من البارح؛ لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف. وسنح وسانح بمعنًى".
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٣٣٨).
(٢) كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي جميع النسخ: "وأصل".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٤) الصحاح (١/ ٣٥٦).
[ ٣ / ١١٧٨ ]
وقال صاحب "النهاية" (^١): "وكان التطير يصدهم عن مقاصدهم فنساه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر".
ولذا قال ﷺ: (فإن فعل) أي: التطير أو قصد فعله، (فكفارته أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك) أي: الذي تريد أنت، (ولا طير إلا طيرك) أي: ولا يطير بسانح أو [بارح] (^٢) إلا بأمرك.
قال المصنف: "يريد ما حصل له في علم الله تعالى مما قدر له" (^٣) (ولا إله غيرك) أي: فلا نافع ولا ضار إلا أنت. (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني، عن عبد الله بن عمرو بالواو في نسخة، وبدونها في أخرى.
قال ميرك: "وسنده جيد، ولفظ الطبراني: "من ردته الطيرة من [حاجة] (^٤) فقد أشرك، وكفارته أن يقول: اللهم لا خير. . ." إلى آخره".
(إذا رأيتم من الطيرة) كالخيرة، وهما مصدران من تطير وتخير، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما - كذا في "النهاية"، وقال المصنف: "بكسر الطاء وفتح الياء وقد يسكن، وهي التشاؤم" (^٥).
_________________
(١) النهاية (٣/ ١٥٢).
(٢) هذا هو الصواب، وفي (أ) و(ج) و(د): "رابح"، وفي (ب): "براح".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "حاجته".
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
[ ٣ / ١١٧٩ ]
وقال ميرك: "وأصل الطيرة: أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطيرة؛ فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن رآه طار عن يساره تشاءم به ورجع، وربما كان [أحدهم] (^١) يهيج الطير لتطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمون السانح -بمهملة ونون ثم حاء مهملة- والبارح -بموحدة وآخره مهملة-، والسانح: ما ولاك ميامنه بأن يمر من يسارك أي يمينك، والبارح بالعكس؛ لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه.
وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير ولا تمييز يستدل على فعله مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير [مظانه] (^٢) جهل عن فاعله، وكان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدح بتركه".
فإذا عرفت ذلك فقوله: "إذا رأيتم من الطيرة"، (شيئًا تكرهونه فقولوا) ليس له مفهوم معتبر، بل يقول على كل حال إذا خطر شيء من الطيرة بالبال: (اللهم لا يأتي بالحسنات) الباء للتعدية، أي: لا يقدر ولا يحصل المستحسنات على وفق المرادات، (إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات) أي: ولا يزيل المكروهات، (إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) وفي رواية ابن أبي شيبة: "إلا بالله"، وهو "أصل الجلال"، والأول "أصل الأصيل"
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "بعضهم".
(٢) هذا الأليق بالسياق، وفي (أ): "مظن"، وفي (ب) و(ج) و(د): "مظان".
[ ٣ / ١١٨٠ ]
وهو رواية أبي داود، فالأولى لفظ "الجلال" لتقديم "مص" في رمز المصنف.
(مص، د) أي رواه: ابن أبي شيبة، وأبو داود من حديث عروة بن عامر المكي (^١)، وهو مختلف في صحبته، وله حديث في الطيرة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، كذا في "التقريب"، وعلى هذا فالحديث مرسل ولا يضر؛ فإنه حجة عندنا وعند الجمهور خلافًا للشافعي ومن تبعه، على أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا.
(ومن أصيب) بضم فكسر، أي: ابتلي، (بعين) أي: بوجع عين أو برمد، بذكر المحل الصوري وإرادة الحال المعنوي، (رقى) بفتح القاف، أي: نفسه، وفي نسخة بصيغة المجهول، أي: لنفسه [ولغيره] (^٢).
والرقية: ما يقرأ من الدعاء وآيات القرآن؛ لطلب الشفاء، والاسترقاء طلب الرقية، والضمير في قوله: (بقوله) للنبي ﵇، (باسم الله، اللهم أذهب) أمر من الإذهاب، أي: أزل، (حرها وبردها) أي: حرارتها وبرودتها
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٩٢٠)، وأبو داود (٣٩١٩)، وقال المنذري في "مختصره" (٥/ ٣٧٩): عروة هذا قيل فيه القرشي كما تقدم وقيل فيه: الجهني. حكاهما البخاري وقال أبو القاسم الدمشقي: ولا صحيحة له تصح، وذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس فعلى هذا فالحديث مرسل. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٨٤٣).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "ثم لغيره".
[ ٣ / ١١٨١ ]
الزائدتين، (وَوَصَبَهَا) بفتحتين، أي: وجعها وتعبها، وقال المصنف: "الوَصَبُ -بفتح الواو والصاد-: دوام الوجع ولزومه" (^١)، انتهى.
ولا يخفى أن قيد الدوام واللزوم ليس بلازم، بل مخل للمقصود الذي هو دفع الوجع ورفع التعب بالكلية، مع أن الوصب مفسر بالمرض على ما في "القاموس"، وبالتعب كما في "النهاية" من غير قيد فيهما، فهذه زيادة ضرر.
(ثم قال) أي: النبي ﷺ، (قم بإذن الله) أي: فقام، وهذا من خصوصياته ﵇ حيث كانت معجزة له، فالظاهر أن لا يقول غيره إلا إذا كان وليًّا، ويكون هذا كرامة له.
(س، ق، مس، ط) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، والطبراني، عن عامر بن ربيعة (^٢).
وروى أحمد (^٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان أبي يسمر مع علي ﵁، وكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء، وثياب الشتاء في الصيف، فقيل
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٧٥١١) و(١٠٠٣٩) و(١٠٨٧٢) -وهو في "عمل اليوم والليلة" (٢١١) و(١٠٣٣) -، وابن ماجه (٣٥٠٦)، وأبو يعلى (٧١٩٥) والحاكم ٤/ ٢١٥). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٥٧٢).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٩٩، ١٣٣) و"ابن ماجه" (١١٧).
[ ٣ / ١١٨٢ ]
له: لو سألته، فسأله فقال: إن رسول الله ﷺ بعث إليَّ وأنا أرمد العين يوم خيبر، فقلت: يا رسول الله، إني أرمد العين، قال: فتفل في عيني، وقال: اللهم أذهب عنه الحر والبرد، فما وجدت حرًّا ولا بردًا منذ يومِئِذٍ".
(وإن كانت) أي: الذات المصابة بالعين، (دابة) كذا قاله الحنفي وهو بعيد؛ لأن ما سبق صرح بأن المراد بالعين وجعها لا إصابتها بالعين على ما هو المتبادر إلى الفهم، ويتسارع إليه الوهم.
نعم، يؤيده قوله: (نفث في منخره) لأنه لو كان المراد وجع عين الدابة لنفث في عينها لا في منخرها كما هو ظاهر، وأيضًا دواء العيون [باستغسال] (^١) العائن على ما بينته في "المرقاة شرح المشكاة".
وإن كان ما ينافيه استرقاؤه بهذه الرقية، فحينئذٍ يتعين ارتكاب الاستخدام في قوله: "وإن كانت دابة" منصوبة، وأما إذا كانت مرفوعة كما في نسخة؛ فينبغي أن يقدر لها خبر بأن يقال: "إن كانت دابة مريضة نفث في منخره" (الأيمن) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة: ثقب الأنف، وقد تكسر الميم اتباعًا لكسر الخاء على ما في "الصحاح".
وفي "القاموس": "المنخر -بفتح الميم والخاء، وبكسرهما، وضمهما، وكَـ"مَجْلِس"-: الأنف"، انتهى. وأكثر النسخ على فتح الميم وكسر الخاء، وفي نسخة صحيحة بالعكس.
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "أن يكون باستغسال"، وفي (ب): "باشتغال".
[ ٣ / ١١٨٣ ]
ثم تذكير الضمير مع أنه راجع إلى الدابة؛ [إرادة] (^١) المركوب أو الحيوان، وقال الحنفي: "بالنظر إلى الشخص"، وهو غير صحيح لغةً؛ لما في "القاموس": "الشخص: سواد الإنسان وغيره تراه من بعد، وعرفًا أيضًا، فإنه لا يقال: جاء شخص وأريد به دابة، كما هو ظاهر عند ذوي التشخيص".
(أربعًا) أي: أربع مرات أو نفثات، (وفي الأيسر ثلاثًا) والمقصود تسبيع العدد؛ لوصول أثره إلى الأعضاء السبعة، وميز اليمين بزيادة الواحدة.
(وقال: لا بأس) بالهمز، ويجوز إبداله ألفًا عند السوسي مطلقًا، وعند حمزة وقفًا، فلا حاجة إلى ما تكلف له العسقلاني حيث قال: "بغير همز للازدواج؛ فإن أصله الهمزة".
اللهم إلا أن يقال: مراده أن اختيار الإبدال في الرواية لما فيه من التشاكل والتناسب في الفواصل، من قوله: (أذهب الباس، رب الناس) فأبدل همزة "البأس" مراعاة للفظ "الناس".
والبأس: هو العذاب، والشدة في الحرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، والمراد هنا: شدة المرض أو تعبه، وهو نوع من العذاب، ولذا قال صاحب "المفاتيح" شارح "المصابيح": "المراد هنا الشدة أو العذاب".
(اشف) بهمزة وصل وكسر فاء، (أنت الشافي) أي: لا غيرك، (لا
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "لإرادة".
[ ٣ / ١١٨٤ ]
يكشف الضر) أي: لا يزيل الضرر من المرض وغيره، (إلا أنت. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن مسعود (^١).
(وإن أصيب أحد بلمم) قال المصنف: "بفتح اللام والميم، ضرب من الجنون يلم بالإنسان، أي: يقرب منه" (^٢)، انتهى. فقوله: (من جن) أي: حاصل من جهة الجن، وفي "أصل الأصيل": "من الجن"، (وضعه) أي: أقعده (بين يديه) أي: قدامه ليحصل كمال التوجه إليه، (وعوَّذه) أي: جعل معوذًا، (بالفاتحة، و﴿الم﴾ إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾) وهو كذا في "أصل الأصيل".
وفي بعض النسخ: "وسورة البقرة إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ " وهو مطابق لما في "أصل الجلال"، (﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ …﴾ [البقرة: ١٦٣] الآية) تمامها: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، (وآية الكرسي، و﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلى آخر البقرة، و﴿شَهِدَ اللَّهُ …﴾ [آل عمران: ١٨] الآية، و﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ …﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعراف الآية، و﴿فَتَعَالَى اللَّهُ …﴾ إلى آخر المؤمنون، وعشر من أول الصافات إلى ﴿لَازِبٍ﴾، وثلاث) وفي "أصل الأصيل": "وثلاث آيات"، (من آخر الحشر، و﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ الآية من الجن) أي: من سورته، (و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٠٢).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
[ ٣ / ١١٨٥ ]
أَحَدٌ﴾ والمعوذتين) بكسر الواو ويفتح، وقد ذكرت الآيات مبسوطة مفسرة في "شرح حزب الشيخ أبي الحسن البكري" قدس سره السري.
(مس، ق، أ) أي رواه: الحاكم، وابن ماجه، وأحمد (^١)، عن أبي بن كعب قال: "كنت عند النبي ﷺ فجاء أعرابي؛ فقال: يا رسول الله، إن لي ابنًا به وجع، قال: [وما] (^٢) وجعه؟ قال: به لمم، قال: فأتني به، فأتى به فوضعه بين يديه، فَعَوَّذه النبي ﷺ بفاتحة الكتاب … " إلى آخره [وقال في آخره] (^٣): "فقام الرجل كأنه لم يَشْكُ شيئًا قط".
(ويَرقي المعتوه) بصيغة الفاعل، وفي نسخة بناء على المجهول وهو "أصل الجلال"، قال المصنف: "أي: يُعَوِّذُ المعتوهَ المجنونَ المصابَ بعقله"، انتهى. وهو كلام صاحب "النهاية".
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد (٥/ ١٢٨)، وابن ماجه (٣٥٤٩)، والحاكم (٤/ ٤١٢ - ٤١٣) وقال: الحديث محفوظ صحيح ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: أبو جَنَاب ضعفه الدارقطني، والحديث منكر. وأخرجه أبو يعلى (١٥٩٤)، وعنه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٣٢) من طريق صالح بن عمر، عن أبي جناب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل، عن أبيه. قال ابن حجر في "أطراف المسند" (١/ ٢٢١): لعله ابن أُبيِّ بن كعب. لكن نقل صاحب "الفتوحات الربانية" (٤/ ٤٢) كلامًا طويلًا عنه مقتضاه أن هذا الحديث من مسند أبي ليلى الأنصاري.
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "ما".
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) زيادة: "وقال في آخر الحديث"، وليست في (ب).
[ ٣ / ١١٨٦ ]
وفي "المغرب" (^١): "أنه الناقص العقل، وقيل: المدهوش من غير جنون". وفي "القاموس" (^٢): "هو من نقص عقله أو فقد أو دهش"، انتهى.
وفرق أصحابنا من علماء المذهب بين المجنون والمعتوه، حيث قال بعضهم: "هو مَنْ كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير؛ إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كالمجنون".
وقيل: "العاقل: من يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادرًا، والمجنون ضده، والمعتوه من يستوي ذلك منه"، وقيل: "المجنون: من يفعل لا عن قصد مع ظهور الفساد، والمعتوه: من يفعل فعل المجنون عن قصد مع ظهور الفساد".
والمعنى: أنه يرقي المعتوه، وكذا المجنون، (بالفاتحة) أي: بقراءتها، (ثلاثة أيام غدوة) بضم أوله، أي: بكرة وصباحًا، (وعشية) أي: عشاءً ومساءً، أي: في وقتين من ثلاثة أيام، فالمراد طرفيهما، أو التقدير: ثلاثة أيام ولياليها، فالمراد بالعشية أول الليل.
(كلما ختمها جمع بزاقه) أي: المُتبَرَّكُ بالقراءة، (ثم تفله) أي: عليه بقصد جِنِّيِّه، ولا يبعد أن يكون من باب التداوي الجائز بكل طاهر، أو المعنى رمى بزاقه على الأرض تنفيرًا للجن. (د، س) أي رواه: أبو داود،
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب (ص ٣٠٤).
(٢) القاموس (١/ ١٢٤٩).
[ ٣ / ١١٨٧ ]
والنسائي، عن عِلاقة بن صحار بكسر العين (^١).
(ويرقي اللديغ) وفي "أصل الجلال" بصيغة المجهول، قال المصنف: "بالدال المهملة والغين المعجمة، الملدوغ -فعيل بمعنى مفعول- وهو الذي لدغته العقرب، أي: أصابته بسمها" (^٢)، انتهى. وكذا في "التاج" مقيد بالعقرب.
وأما في "القاموس" (^٣): "يقال: لدغته العقرب والحية -كـ"منع"- لدغًا فهو ملدوغ ولديغ"، وكذا اللسع مشترك بينهما على ما في "القاموس"، بخلاف اللذع بالذال المعجمة والعين المهملة؛ فإنه يقال: "لذع الحب قلبه" كـ"منع". (بالفاتحة) أي: المسماة بـ"الشافية". (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي سعيد (^٤).
(سبع مرات. ت) أي: رواه الترمذي عنه أيضًا هذه الزيادة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٢٠) (٣٨٩٦)، والنسائي (١٠٨٦٧). وعلاقة بن صُحار، صحابي، له حديث في الرقية، التقريب (٥٣٠١). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠٢٧)
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٣) القاموس (١/ ٧٨٧).
(٤) أخرجه البخاري (٢١٥٦) (٥٤١٧) (٥٤٠٤)، ومسلم (٢٢٠١) (٢٢٠١) والترمذي (٢٠٦٤) وأبو داود (٣٤١٨) (٣٩٠٠) و(٣٩٠١ والنسائي في "الكبرى" (٧٥٣٣)، (٧٥٤٧) (١٠٨٦٧) (١٠٨٦٨) و"ابن ماجه" (٢١٥٦).
[ ٣ / ١١٨٨ ]
(ولدغت النبي ﷺ عقرب) في "القاموس" (^١): "هو معروف، ويؤنث"، فأشار إلى أنه في الأصل مذكر، (وهو يصلي) جملة حالية، (فلما فرغ قال: لعن الله العقرب؛ لا تدع) بفتح الدال، أي: لا تترك، (مصليًّا ولا غيره) أي: فضلًا عن غيره، والمعنى: أن أذاها عام، وبلاها تام.
(ثم دعا بماء وملح) أي: طلبهما فَأُتِيَ بهما، (فجعل) أي: شرع (يمسح) أي: بهما (عليها) أي: على موضع لدغها، (ويقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾) فيه إيماء إلى أنها كافرة من بين الحيوانات، ولذا لعنها وأمر بقتلها ونحوها في الحل والحرم، (و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) لما فيها: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، (و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) إشعارًا بأنها لعلها جنية ظهرت في تلك الصورة.
(صط) أي: رواه الطبراني في "الصغير" عن علي ﵁ (^٢).
(عرضنا على رسول الله ﷺ رقية) بضم راء فسكون قاف فتحتية، واحدة الرقى، (من الحُمَة) أي: من أجلها، وهو بضم الحاء وتخفيف الميم في جميع النسخ، قال صاحب "النهاية" (^٣): "الحُمَةُ -بالتخفيف-: السم، وقد يشدد"، وأنكره الأزهري.
_________________
(١) القاموس (١١٧).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٨٣٠)، وقال الهيثمي (٥/ ١١١): إسناده حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٤٨).
(٣) النهاية (١/ ٤٤٦).
[ ٣ / ١١٨٩ ]
ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأن السم منها يخرج، وأصله: حُمَوٌ أو حُمَيٌ -بوزن صُرَدٍ، والهاء عوض من الواو المحذوفة أو الياء، وذكرها صاحب "القاموس" (^١) في مادة "الياء"، وقال: "الحُمَةُ كـ"ثُبَةٍ": السُّمُّ".
وقال المصنف: "بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم، يعني: حمة العقرب، وهو: سمها وضرها، ويقال لكل سُمٍّ، وربما شددت الميم" (^٢)، انتهى. ولا يخفى عدم ظهور وجه التقييد بحمة العقرب.
(فأذن) بكسر الذال، أي: أجاز، (لنا فيها) أي: في تلك الرقية أو الكلمات، (وقال: "إنما هي من مواثيق الجن") أي: عهودهم بأنهم لا يضرون من رقى منها، وهو جمع الميثاق بمعنى العهد، وفي الأصل: حبل أو قيد يشد به الأسير والدابة.
(باسم الله، شجة) بالتشديد، (قرنية) بفتحتين وتحتية مشددة، (ملحة بحر) بالإضافة، (قفطا) قال المصنف: "شجة: بفتح الشين المعجمة وتشديد الجيم، قرنية: بفتح القاف والراء وبالنون، ملحة: بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة، قفطا: بفتح القاف، وإسكان الفاء، وبالطاء المهملة، على وزن فَعْلَى؛ كلمات لا يعلم معناها تقرأ كما وردت" (^٣)، انتهى.
_________________
(١) القاموس (ص ١٠٩٧).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
[ ٣ / ١١٩٠ ]
ولا يخفى أن غير هذه الرقية من كلمات أو أسماء عربية، أو أعجمية، أو هندية، أو تركية، لا يعرف معناها = لا يجوز أن يقرأ بها ولا يرقى؛ لاحتمال أن يكون فيها ما يكون كفرًا، ولا يبعد أن يقال: باسم الله في رقية مجربة لا يعرف معناها قياسًا على ما فعله ﷺ، بناءً على أن الأصل عدم وجدان الكفر فيها.
والاحتمال يفتقر ببركة اسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء، ولذا يبتدأ به في [كل] (^١) طعام مشكوك في [حرمته] (^٢)، أو في كونه مسمومًا، لكن يشكل بما في "أصل الأصيل" حيث ترك البسملة، لكن يحمل على الغفلة، أو الاكتفاء بنفس الرقية، والله أعلم.
(طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن عبد الله بن زيد (^٣).
(ويرقي المحروق) وفي نسخة بصيغة المجهول بقوله: (أذهب الباس، رب الناس، اشف أنت الشافي) أي: لا غيرك؛ لما يدل عليه من تعريف المبتدأ والخبر، فقوله: (لا شافي إلا أنت) تأكيد وتوضيح وتأييد. (س، أ) أي رواه: النسائي، وأحمد (^٤)، عن محمد بن حاطب، وهو صحابي صغير
_________________
(١) من (أ) فقط.
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "حله وحرمته".
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٦٨٦) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن (٥/ ١١١).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٨)، و"النسائي" في "الكبرى" (٧٤٩٦)، و"عمل اليوم والليلة" (١٠٢٦).
[ ٣ / ١١٩١ ]
كما ذكره ميرك.
(فإذا) وفي نسخة: "وإذا"، (رأى الحريق) أي: المحرق، فعيل بمعنى [الفاعل] (^١)، (فليطفئه) من الإطفاء مهموزًا، أي: فليستعن [على] (^٢) إطفائه (بالتكبير) أي: بأن يقول: "الله أكبر" على وجه التكثير.
(ص، ي) أي رواه: أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعًا (^٣)، ولفظه: "أطفئوا الحريق بالتكبير"، وابن السني عن ابن عمرو (^٤)، وقال ميرك: "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم الحريق فكبروا؛ فإن التكبير يطفئه". (مجرب) هذا قول المصنف، وفيه تقوية لصحة الحديث.
_________________
(١) كذا في النسخ، والصواب: "المفعول"؛ ليستقيم المعنى.
(٢) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "في".
(٣) أخرجه أبو يعلي كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٦١٥٤)، والطبراني في الأوسط (٨٥٦٩). قال الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٨): فيه من لم أعرفهم.
(٤) أخرجه ابن السني (٢٩٥) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥١) وابن عساكر (٣٢/ ١٥١)، وأورده الذهبي في "الميزان" (٤/ ١٧٣). قال الدوري: سمعت يحيى بن معين، يقول: عرض على ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم الحريق فكبروا". فأقر به، فقال له رجل: أنت سمعت هذا؟ فقال: ما أدري قرئ علي، فقيل له: إنما هذا عن القاسم بن عبد الله بن عمر. (٥٣٩٦). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٤) والسلسلة (٢٦٠٣).
[ ٣ / ١١٩٢ ]
(ويرقي) بصيغة الفاعل أو المفعول، (من احتبس بوله) يجوز أن يكون على صيغة المعلوم، وهو الظاهر الموافق لبعض النسخ المصححة، ويجوز أن يكون علي بناء المفعول؛ لأن الاحتباس جاء متعديًّا ولازمًا على ما في "التاج"، وقال صاحب "القاموس" (^١): "الحبس: المنع، حبسه يحبسه، واحتبسه حبسه فاحتبس"، فقوله: "بوله" مرفوع بلا خلاف.
(أو أصابته حصاة) أي: حجر المثانة، (بقوله: ربنا) بالنصب على النداء، فقوله: (الله) على ما هو في "أصل الأصيل" و"حاشية الجلال" مرموزًا على الجلالة حرف الدال، إما منصوب على أنه عطف بيان له، أو مرفوع على المدح، أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: أنت الله، والأصح: أن [كلا من] (^٢) قوله "ربنا"، "الله" مرفوعان على الابتداء والخبر.
قوله: (الذي في السماء) صفته، والمعنى: الذي هو معبود في السماء، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، ولعله من باب الاكتفاء أو الاقتصار عليها؛ لظهور عبادته فيها.
أو معناه: الذي في السماء عرشه، وظهور كبريائه وعظمته، ووضوح ملكه وملكوته. وقال الطيبي: "فيه إشارة إلى علو الشأن والرفعة لا إلى المكان؛ لأنه منزه عن المكان".
(تقدس اسمك) خبر بعد خبر أو استئناف؛ ففيه التفات من الغيبة إلى
_________________
(١) القاموس (ص ٥٣٧).
(٢) من (ب) فقط.
[ ٣ / ١١٩٣ ]
الخطاب على رواية رفع "رَبُّنَا"، والمعنى: تطهر اسمك عما لا يليق بك، أو "الاسم" [زائدة] (^١)، فالمعنى: تنزه ذاتك العلي الشأن عن الزوال والنقصان.
(أمرك في السماء والأرض) أي: نافذ وماض وجار، (كما رَحْمَتُكَ) بالرفع على أن "ما" كافة، (في السماء فاجعل رحمتك في الأرض).
قال الحنفي: "اعلم أن أمره -تعالى-: حكمه وتدبيره وخلقه جار في جميع الموجودات الممكنة بخلاف رحمته تعالى، فطلب رسول الله ﷺ منه تعالى أن يجعلها في الأرض أيضًا"، انتهى.
ولا يخفى أن رحمة الله تعالى تعم المؤمن والكافر الموجودين في الأرض كما تقدم تحقيقه وسبق تدقيقه، فينبغي أن يقال: "المعنى: كما رحمتك الكاملة في أهل السماء من الملائكة، وأرواح الأنبياء والأولياء، فاجعل رحمتك -أي: بعض آثارها الموجبة للشفاء- في أهل الأرض، الذي هذا المبتلي من جملتهم".
(واغفر لنا حُوبنا) بالضم، وفي نسخة صحيحة بالفتح وسبق ذكره، والمراد به هاهنا: الذنب الكبير، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]؛ فقوله: (وخطايانا) يراد بها: الذنوب [الصغار] (^٢)،
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "زائد".
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "الصغائر".
[ ٣ / ١١٩٤ ]
أو المراد بالحوب: الذنب المتعمد، وبالخطأ ضده، ولعل نكتة الجمع تحقق كثرة أفراده.
(أنت رب الطيبين) أي: أنت رب الذين اجتنبوا عن الأفعال الردية والأقوال الدنية كالشرك والفسق، وهذا إضافة تشريف كـ"رب هذا البيت" و"رب محمد ﵇ "، أو المعنى: أنت محب الطيبين على ما ذكره المظهر، والأول أظهر فتدبر.
ولا يبعد أن يقال: "الطيبين" هنا بمعنى: المتعافين على أنه من باب الاكتفاء، يعني: أنت رب كل منهما، ويستوي عندك وجودهما وعدمهما، فاجعل هذا المريض من الطيبين، كما أشار إليه بقوله: (فأنزل شفاء) أي: نوع شفاء، (من شفائك) أي: من أنواع شفائك المقيدة بسبب أو المطلقة عنه، (ورحمة) أي: نوع رحمة يترتب عليها صنف نعمة، (من رحمتك) أي: من أجناس رحمتك الكاملة التي لا يعتريها النقصان في كل مكان وزمان، (على هذا الوجع) بفتح الجيم، أي: المرض، وفي نسخة بكسرها، أي: المريض، وقال المصنف في شرحه "للمصابيح": "بفتح الجيم، وضبطه بعضهم بالكسر".
(فيبرأ) بفتح الراء من البرء، أي: فيتعافى، ويصح ضم رائه؛ ففي "القاموس" (^١): "برأ المريض يبرأ ويبرؤ"، لكن في "النهاية" (^٢): "يقال: برأت
_________________
(١) القاموس (١/ ٣٤).
(٢) النهاية (١/ ١١١).
[ ٣ / ١١٩٥ ]
من المرض، أبرء بالفتح، فأنا بارئ، وأبرأني الله من المرض، وغير أهل الحجاز يقولون: بَرِئْتُ بالكسر، بُرْأً بالضم"، انتهى. والظاهر منه أن ما في "القاموس" سهو من الكُتَّابِ، أو من صاحب الكتاب، والله أعلم بالصواب.
(س، د، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، والحاكم؛ كلهم عن أبي الدرداء (^١)، كذا في هوامش أكثر النسخ، وقال ميرك: "رواه الأوَّلان عن أبي الدرداء، والآخر عن فضالة بن عبيد" (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٩٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٧) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٤) وقال: قد احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث غير زيادة بن محمد، وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: قال البخاري وغيره: منكر الحديث. مداره على زيادة بن محمد الأنصاري: قال البخاري والنسائي وأبو حاتم والهيثمي وابن حجر: منكر الحديث. وقال ابن عدي: لا أعلم له إلا حديثين أو ثلاثة ومقدار ما له لا يتابع عليه وهو في جملة الضعفاء ويكتب حديثه على ضعفه، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. روى له: أبو داود والنسائي في اليوم والليلة حديثا واحدًا. انظر التاريخ الكبير (٣/ ٤٤٦)، والضعفاء للنسائي (٢٢١)، والجرح والتعديل (٣/ ٦١٩) رقم (٢٨٠٦)، والمجروحين لابن حبان (١/ ٣٠٨)، والضعفاء للعقيلي (٢/ ٩٣)، وتهذيب الكمال (٩/ ٥٣٣)، وتقريب التهذيب (٢١١٩)، وقال الألباني: ضعيف جدًّا "ضعيف الترغيب والترهيب" (٢٠١٣).
(٢) حديث فضالة أخرجه أحمد (٦/ ٢٠) وإسناده ضعيف لضعف أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم.
[ ٣ / ١١٩٦ ]
(ويداوي من به قَرْحة) بفتح القاف وسكون الراء، وفي "القاموس" (^١): "القرح ويضم: عض السلاح ونحوه مما يجرح البدن، أو بالفتح: الأثر، أو بالضم: الألم"، انتهى.
وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]؛ فقيل: "هما لغتان، كَالضَّعْف والضُّعْف"، وقيل: "هو بالفتح: الجراح، وبالضم: ألمها"، لكن النسخ هنا متفقة على الفتح، ولعله هو الرواية.
(أو جُرْح) بضم جيم وسكون راءٍ؛ ففي "القاموس" (^٢): "جَرَحَهُ كَـ "مَنَعَهَ": كَلَمَهُ كَجَرَحَهُ، والاسْمُ: الجُرْحُ بالضم"؛ فالمفهوم منه أن المصدر بالفتح، لكن لا خلاف في ضم الجيم على ما في النسخ.
(بأن يضع أصبعه السبابة) أي: المسبحة بعد أن بزق عليها كما سُمِعَ من المشايخ، ويستفاد من قوله الآتي: "بريقة بعضنا"، (بالأرض) أي: فيها، قيل المراد بها: "أرض المدينة" لوروده فيها، والأصح: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإلا لخص أيضًا ببزاقه ﷺ.
(ثم يرفعها) أي: مشيرًا إلى التوحيد، (قائلًا: باسم الله) أي: أتبرك باسم الله، أو أتداوى به، (تربة أرضنا) بالرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هذه تربة أرضنا، (بريقة بعضنا) أي: معجونة بها، وهذا [يدل] (^٣) على أنه كان يتفل
_________________
(١) القاموس (ص ٢٣٥).
(٢) القاموس (ص ٢١٥).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "دليل".
[ ٣ / ١١٩٧ ]
عند الرقية.
قال القرطبي (^١): "فيه دلالة على جواز الرقي من كل الآلام، وأن ذلك كان أمرًا فاشيًا معلومًا بينهم". قال: "وَوَضْعُ النَّبِيِّ ﷺ سَبَّابتَهُ بِالأَرْضِ وَوَضْعُهَا عَلِيه يدل على استحباب ذلك عند الرقي".
وفي بعض الروايات الآتية: "وريقة بعضنا" بالواو، قال النووي: "أي: هذه تربة أرضنا وريقة بعضنا مزجت إحداهما بالأخرى". قالوا: "المراد بأرضنا جملة الأرض"، وقيل: "أرض المدينة خاصة".
ومعنى الحديث: أن يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب ليتعلق بها شيء منه فيمسح به على موضع العليل أو الجريح، ويقول هذا الكلام في حال المسح.
(يُشْفَى سقيمنا) بصيغة المجهول، وفي بعض النسخ بفتح الياء وكسر الفاء على بناء الفاعل، والجملة خبرية مبنًى، دعائية معنًى.
قال المصنف: "بضم الياء وفتح الفاء على البناء للمفعول، وسقيمنا: بالرفع لنيابة الفاعل، والسقيم: المريض" (^٢)، انتهى. وقال العسقلاني: "ضبط بضم أوله على البناء للمفعول، و"سقيمنا" بالرفع وبفتح أوله؛ على أن الفاعل مقدر، و"سقيمَنا" بالنصب على المفعولية".
(أو: ليشفى سقيمنا) بصيغة المجهول في النسخ الحاضرة كلها، والظاهر
_________________
(١) المفهم (١٨/ ٦٤).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
[ ٣ / ١١٩٨ ]
جواز الوجهين فيه أيضًا، فقيل: "اللام للعلة"، ولا يبعد أن تكون لام الأمر بمعنى الدعاء، وأن إثبات الألف في المجزوم لغة، كما حقق في أول الكتاب، أو نشأ من الإشباع كما قيل في فعليته للمخاطبة، والظاهر أن "أو" للشك من الراوي، ويحتمل أن يكون من باب اختلاف الرواة.
(بإذن ربنا) أي: بأمره وتيسيره، وحكمه وتقديره. (م) أي: رواه مسلم عن عائشة (^١).
(وإذا خدرت) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، أي: رقدت (رجله) وفترت، من الخادر، بمعنى: الفاتر الكسلان؛ على ما في "الصحاح"، (فليذكر أحب الناس إليه) [لتحصيل] (^٢) النشاط لديه، فيقول: "محمد ﷺ". (موي) أي: رواه ابن السني موقوفًا من قول ابن عباس (^٣).
(ومن اشتكى ألمًا) أي: وجعًا مؤلمًا، (أو شيئًا) أي: من ضعف، أو حرارة، أو برودة، ونحوها (في جسده) وفي نسخة: "من جسده"، (فليضع يده) أي: "اليمنى" كما في رواية ابن أبي شيبة، (على المكان الذي
_________________
(١) عزوه لمسلم فقط قصور فقد أخرجه أخرجه البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩٤). وكذلك أبو داود (٣٨٩٥)، والنسائي في الكبرى (٧٥٥٠)، وابن ماجه (٣٥٢١).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "ليحصل".
(٣) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١٦٩).
[ ٣ / ١١٩٩ ]
[يألم] (^١)، وليقل: باسم الله) أي: بحضور القلب مع الرب، ونسيان ما سواه، (ثلاث مرات).
(وليقل سبع مرات) أي: ليسري أثره في الأعضاء السبعة، (أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد) أي: من الألم، (وأحاذر) وفي نسخة: "وما أحاذر"، أي: وما أحذره من التعب [والألم] (^٢)، واختيار المفاعلة للمبالغة حيث لا تصح المغالبة.
قال الطيبي: "نعوذ من مكروه ووجع هو فيه، ومما يتوقع حصوله في المستقبل من الحزن والخوف، فإن الحذر هو الاحتراز عن المخوف".
(م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة؛ كلهم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي (^٣).
(أو: أعوذ بعزة الله) أي: بغلبته وقوته، (وقدرته من شر ما أجد سبعًا. طا، مص) أي رواه: مالك في "الموطأ" وابن أبي شيبة عن عثمان بن أبي العاص (^٤) أيضًا بهذا اللفظ، فله روايتان؛ ولذا أتى المصنف بقوله: "أو أعوذ"، كما أن هنا رواية أخرى على ما أشار إليه أيضًا بقوله: (أو: أعوذ
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "ألم"، ثم قال شارحًا: "أي: الذي يؤلمه".
(٢) من (أ) فقط.
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٢)، وأبو داود (٣٨٩١)، والترمذي (٢٠٨٠)، وابن ماجه (٣٥٢٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٩٩) (١٠٠١).
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٤٢) رقم (٩) وابن أبي شيبة (٢٤٠٤٩).
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
بعزة الله وقدرته على كل شيء من شر ما أجد سبع مرات يضع) أي: يقوله سبعا حال كونه يضع (يده تحت ألمه) أو: الخبر بمعنى الأمر (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني، عن كعب بن مالك.
(أو: باسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا. وترًا) أي: ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا ونحوها، والسبع أقل الكمال؛ لما سبق في الحديث.
وقال المصنف: "أي: ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا وهو الأولى، كما صرح في الحديث قبل" (^١).
(ثم يرفع يده، ثم يعيدها) أي: تلك الكلمات، أو ثم يعيد إليه بأن يضعها عليه ويقرأها. (ت) أي: رواه الترمذي عن أنس (^٢).
(أو: يقرأ على نفسه بالمعوذات) بفتح الواو، وفي نسخة بكسرها، قال الحافظ العسقلاني: "أراد بالمعوذات سورة الفلق والناس، وجمع إما باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو باعتبار أن المراد بها الكلمات التي تقع فيها من السورتين، ويحتمل أن يكون المرادَ بالمعوذات هاتان السورتان مع سورة الإخلاص، وأطلق ذلك تغليبًا وهو المعتمد"، انتهى.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠٨٨) والحاكم (٤/ ٢١٩) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٦) والسلسلة الصحيحة (١٢٥٨).
[ ٣ / ١٢٠١ ]
ولا يبعد أن يراد بها السورتان مع الكافرون؛ لما سبق في الملدوغ، ولا منع من الجمع، وهو الأولى وبالإجابة أحرى؛ لاشتراك الأربعة في الأمر بقوله: ﴿قُلْ﴾، فكأن الأوليين بمنزلة الحمد والثناء الناشئ عن الإخلاص، والأخريين لمحض الدعاء وطلب الخلاص بالمناص.
(وينفث) بضم الفاء ويكسر، قال العسقلاني (^١): "وقع عند البخاري: قال معمر: قلت للزهري: كيف ينفث؟ قال: ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه وجسده"، انتهى.
والمعنى: أنه يمسح جسده يمينًا ويسارًا، وإقبالا وإدبارًا. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن عائشة (^٢).
(ومن أصابه رمد) بفتحتين، أي: وجع عين على ما في "المهذب"، ([فليقل] (^٣): اللهم متعني ببصري) أي: بنظري؛ فإن الرمد مخوف، أو بعافية بصري، (واجعله الوارث مني) قيل: الضمير للبصر، أي: اجعل بصري باقيًا لازمًا عند الموت لزوم الوارث، وقيل: الضمير للتمتع الذي دل عليه التمتيع في "متعني"، وهو المفعول الأول، و"الوارث" هو الثاني،
_________________
(١) فتح الباري (٨/ ١٣٢).
(٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢)، وأبو داود (٣٩٠٢)، والنسائي (٧٠٨٦) وابن ماجه (٣٥٧٤).
(٣) من (أ) و(م).
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
و"مني" صلته، أي: اجعل التمتع ببصري باقيًا مني مأثورًا فيمن بعدي، أو محفوظًا فيهم إلى يوم القيامة.
(وأرني) بكسر الراء ويجوز إسكانها واختلاسها، كما قرئ [بها] (^١) في نحو قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وهو أمر من الإراءة، متعدي.
رأى بمعنى: أبصر، أي: أَظْهِرْ لنظري أو أدركني، (في العدو ثأري) بفتح مثلثة وسكون همزة ويبدل؛ ففي "القاموس" (^٢): "الثأر: الدم وقاتل حميمك، وثأر به كمنع: طلب دمه كثأره وقتل قاتله، وأثار: أدرك ثأره".
وفي "النهاية" (^٣): "يقال ثأرت القتيل وثأرت به فأنا ثائر، أي: قتلت قاتله"، انتهى. وقيل: الثأر جاء مصدرًا أو اسمًا، وهو في الأصل: الحقد، والمراد به هنا: قتل قاتل القتيل. والمعنى: أرني ثأري كائنًا في العدو، غير متجاوز إلى غير الجاني، كما كان معهودًا في الجاهلية.
(وانصرني على من ظلمني) تعميم وتتميم. (مس، ي) رواه الحاكم، وابن السني؛ كلاهما عن أنس (^٤).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "بهما".
(٢) القاموس (ص ٣٥٨).
(٣) النهاية (١/ ٢٠٤).
(٤) أخرجه الحاكم (٤/ ٤١٤)، وابن السني (٥٦٥). قال الذهبي في التلخيص: فيه ضعيفان. في الإسناد يوسف بن عطية، يزيد الرقاشي ضعيفان وقال الألباني ضعيف جدًّا ضعيف الجامع (٤٣٤٢).
[ ٣ / ١٢٠٣ ]
(ومن حصلت له حمى) بضم مهملة وتشديد ميم مقصورًا بألف التأنيث، (يقول: باسم الله الكبير) أي: العلي الشأن، (أعوذ بالله العظيم) أي: العظيم البرهان، وفي نسخة: "نعوذ"، وهو رواية الحاكم، كما أن الأول رواية ابن أبي شيبة، فالأولى أن الثاني يكون في الأصل؛ لتقديم المصنف رمز الحاكم، (من شر كل عِرْقٍ) وفي بعض النسخ فوق لفظ "كل": رمز "مص".
وقوله: (نَعَّار) صفة عِرْقٍ، قال المصنف: "بفتح النون وتشديد العين المهملة وبالراء، يقال: نعر العرق بالدم إذا علا وارتفع، وَجُرْحٌ نَعَّارٌ وَنَعُورٌ: إذا صَوَّتَ دَمُهُ عند خروجه" (^١).
(ومن شر حر النار) أي: نار جهنم، ولا يبعد أن يراد: نار كل عرق نعار. (مس، مص) أي: رواه الحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلاهما عن ابن عباس ﵄ (^٢).
(وإن أصابه ضر) بالضم أو الفتح، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ [الفتح: ١١]، والأكثر على الفتح هنا، واقتصر الكل على الضم
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٠٤٥) الترمذي (٢٠٧٥)، وابن ماجه (٣٥٢٦) والحاكم (٤/ ٤١٤) وانظر قول الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (٣٢)، والكاشف (ت ١١٤) وقال الحافظ في "التقريب" ضعيف (١٤٧). وأخرجه ابن عدي في الكامل (١٢٣٥) ضمن ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة.
[ ٣ / ١٢٠٤ ]
في سائر مواضع القرآن.
وفي "القاموس" (^١): "الضر ويضم: ضد النفع، أو بالفتح مصدر وبالضم اسم"، (وَسَئِمَ الحياةَ) بكسر الهمز من السآمة، وهي: الضجر والملل على ما في "النهاية"، (فلا يتمنى الموت) بصيغة النفي، وأريد بها معنى النهي.
(فإن كان لا بد فاعلًا) أي: لتمنيه، فلا يتمناه مطلقًا بل مقيدًا، (فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي) بأن تغلب الطاعة على المعصية، والحضور على الغفلة، (وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) بأن تنعكس القضية وتشتد البلية.
(خ، م، د، ي) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن السني، عن أنس (^٢)، وزيد في بعض الروايات: "واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر".
واختلفت الصوفية في أنه: هل طلب الحياة أفضل؛ لما ورد: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله"، أو لرجاء أن يتوب الله عليه في آخر عمره، ويحسن أعماله، ويحصل آماله، أو طلب الموت نظرًا إلى الشوق إلى الله وحصول لقاه، ولما ورد: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"،
_________________
(١) القاموس (ص ٤٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠)، وأبو داود (٣١٠٨)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٦١).
[ ٣ / ١٢٠٥ ]
وخوفًا من التغير، ولحوق المحن، والوقوع في الفتن؟
والمحققون على التفويض والتسليم كما يدل عليه الحديث الشريف.
(وإذا عاد مريضًا، قال: لا بأس، طهور) بفتح أوله ويجوز ضمه، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هذا أو مرضك مطهر للذنوب ومكفر للعيوب.
واقتصر عليه بناء على الأغلب الأكثر، وإلا فقد يكون سببًا لرفع الدرجات في العقبى، أو لعلو المقامات في الدنيا؛ لأن الرياضات نتيجة الحالات والكشوفات.
(إن شاء الله) أي: إِنَّ تَعَلُّقَ مَشِيئَتِهِ بتطهيره، وبوقوع نَظِيرِه، (لا بأس، طهور إن شاء الله) ذكرها مرتين [للتأكيد] (^١)، أو لإرادة التكثير دون التحديد. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عباس (^٢).
(باسم الله، تربة أرضنا، وريقة بعضنا) تقدم الكلام [عليها] (^٣) مستوفًى، ولا يبعد أن يراد بالتربة التراب الذي خلق منه ويدفن فيه، وبالريقة: النطفة المخلوق منها على طريق الكناية، فيكون المبتدأ
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "تأكيدًا".
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٦٢)، ٣٦١٦)، (٥٦٥٦)، (٧٤٧٠)، والنسائي في الكبرى (٧٤٩٩)، (١٠٨٧٨)، وفي عمل اليوم والليلة (١٠٣٩).
(٣) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): "عليه"، وفي (ج): "عليهما".
[ ٣ / ١٢٠٦ ]
المقدر: هذا المريض [أي: هو] (^١) مخلوق منها، وأنت قادر على إحيائه وإماتته، وعلى إمراضه وشفائه.
(يشفى سقيمنا. خ، م، د، س، ق) رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة (^٢): "أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: باسم الله … " إلى آخره.
ورواه الجماعة إلا الترمذي، وزاد البخاري في رواية: "بإذن ربنا"، وفي رواية: "بإذن الله"، وهذا معنى قول المصنف: (بإذن ربنا. خ) أي: رواه البخاري عنها أيضًا.
(ويمسح بيده اليمنى) أي: على جبين المريض، أو على موضع ألمه.
(ويقول: اللهم أذهب الباس رب الناس، اشفه) أي: المريض، وفي نسخة بسكون الهاء؛ على أنها للسكت أو الوقف، (وأنت الشافي) قال الحافظ العسقلاني: "كذا لأكثر الرواة بالواو، ورواه بعضهم بحذفها"، والضمير في "اشفه" للعليل، أو هي هاء السكت، ويؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن، بشرطين:
أحدهما: أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصًا.
والثاني: أن له أصلًا في القرآن، وهذا من ذلك؛ فإن فيه ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "هو"، وفي (ب): "أي".
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩٤). وأبو داود (٣٨٩٥)، والنسائي في الكبرى (٧٥٥٠)، وابن ماجه (٣٥٢١).
[ ٣ / ١٢٠٧ ]
فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠].
[وقوله] (^١): (لا شفاء) بكسر الشين، والمد مبني على الفتح والخبر محذوف، والتقدير: "لنا" أو "له"، وقوله: (إلا شفاؤك) بالرفع على أنه بدل من موضع "لا شفاء"، ووقع في رواية البخاري: "لا شافي إلا أنت".
وفيه إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي لا ينجح إن لم [يصادف] (^٢) تقديرًا لله. وقوله: (شفاءًا) منصوب بقوله: "اشفه"، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدإٍ، أي: "هذا" أو "هو".
وقوله: (لا يغادر) بالغين المعجمة لا يترك، وفائدة التقييد بذلك أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض، فيخلفه مرض آخر يتولد منه مثلًا، فكان يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء.
وقال المصنف: "لا يغادر (سقمًا) أي: لا يترك مرضًا، وهو بفتح السين والقاف، ويجوز ضم السين مع إسكان القاف" (^٣).
(خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن عائشة (^٤) أيضًا: "أن النبي ﷺ كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول:
_________________
(١) من (ج)، (د) فقط.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "يصب".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٤) أخرجه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١)، والنسائي (١٠٨٥٥)، وابن ماجه (٣٥٢٠).
[ ٣ / ١٢٠٨ ]
اللهم رب الناس … " إلى آخره.
(باسم الله أرقيك) بفتح الهمز وكسر القاف، أي: أعيذك، قال المصنف: "بفتح الهمزة، أي: أعوذك"، (من كل شيء يؤذيك) بالهمز، ويجوز إبداله واوًا، (من شر كل نفس أو عين) بالتنوين فيهما، وفي نسخة بدونهما، والأظهر أن ينون الأول ويضاف الثاني؛ ليلائم قوله: (حاسد) اللهم إلا أن يراد به ذات حسد.
(الله يشفيك، باسم الله أرقيك) فيه من صنيع البديع: رد المقطع إلى المطلع، وإيماء إلى أنه الفذلكة المخلصة من المهلكة. (م، ت، س، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي سعيد (^١).
(باسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء) أي: وجع، (فيك). وقال المصنف: "أي: مرض وهو ظاهر، وفي رواية: "من كل داء يشفيك"، أي: الله يشفيك" (^٢)، انتهى. ولا يخفى أنها جملة مستأنفة دعائية معنًى خبرية لفظًا، وليست صفة لـ "داء" لفساد المعنى.
(من شر النفاثات) أي: النفوس أو النساء الساحرات، وقال المصنف: "أي: يتفلن إذا سحرن ورقين" (^٣)، (في العقد، ومن شر حاسد
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢١٨٦)، الترمذي (٩٧٢)، ابن ماجه (٣٥٢٣)، والنسائي في "الكبرى" (٤/ ٣٩٣)، أبو يعلى (١٠٦٦)، أحمد (٣/ ٢٨، ٥٦، ٥٨، ٧٥).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
[ ٣ / ١٢٠٩ ]
إذا حسد) أي: إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه؛ فإنه لا يعود ضرره منه قبل ذلك إلى المحسود، بل يخص بالحاسد لاغتمامه بسروره، وتخصيص الحسد لأنه العمدة في إضرار الإنسان غيره.
(س، مص) أي رواه: النسائي، وابن أبي شيبة، عن عائشة (^١) على ما في النسخ المصححة، وقال ميرك: "عن أبي هريرة، قال: جاءني النبي ﷺ يعودني؛ فقال: ألا أرقيك برقية رقاني [بها] (^٢) جبريل ﵇، فقلت: بك "بأبي وأمي" قال: باسم الله أرقيك … " إلى آخره"، انتهى
وذكر بعضهم الحديث في الهامش كما ذكره ميرك، وزاد في آخره:
"فترقي بها ثلاث مرات"، وقال: رواه الحاكم في المستدرك، انتهى.
ويؤيده ما سنذكره عن "الجامع"، فنسبته إلى النسائي وابن أبي شيبة غير ظاهرة، والله أعلم.
(ثلاث مرات. مس) أي: رواه الحاكم عنها هذه الزيادة، فكان حق المصنف أن يذكر رمز الحاكم فيما سبق، ومع هذا ففي "الجامع الصغير": "روى ابن ماجه، والحاكم (^٣)، عن أبي هريرة مرفوعًا: ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل؟ تقول: باسم الله أرقيك، والله يشفيك، من
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٦٠)، ومسلم (١١٨٦)
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "أي: بها"، وليست في (ب).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٥٢٤)، والحاكم (٢/ ٥٤١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢١٦٦)، والضعيفة (٣٣٥٦).
[ ٣ / ١٢١٠ ]
كل داء يأتيك، من شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، ترقي بها ثلاث مرات".
(باسم الله أرقيك، من كل داء يشفيك) أي: الله حقيقة، أو اسمه مجازًا، (من شر كل حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين) أي: مصيبة.
(اللهم اشف عبدك؛ ينكأ) بفتح الياء والكاف فهمز مرفوع، وفي بعض النسخ مجزوم، ففي "المفاتيح شرح المصابيح" [للمصنف] (^١): "هو مرفوع غير مجزوم"، انتهى. وقال المظهر: "مجزوم، لأنه جواب الأمر"، ويجوز أن يكون مرفوعًا تقديره: "اللهم اشف عبدك، فإنه ينكأ" (لك عدوًّا) أي: يغزو في سبيلك.
وفي "المفتاح" للمصنف: "قال في "النهاية": "يقال: نكيت في العدو، أنكي نكاية فأنا ناك: إذا أكثرتُ فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وقد يهمز لغة، ويقال: نكأت القرحة أنكؤها إذا قشرتها" (^٢)، انتهى.
ولا يخفى أن إيراد المصنف قول صاحب "النهاية" هذا هنا يوهم أن "ينكأ" من المعتل، وقد يهمز فيفيد الضبط بالوجهين، والهمز يكون ضعيفًا بالنسبة إلى الناقص، وهو غير صحيح إذ اتفق النسخ المعتبرة والأصول المصححة المعتمدة على كتابته بالألف وضبطه بالهمز، على
_________________
(١) من (ج) و(د).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
[ ٣ / ١٢١١ ]
خلاف في رفعه وجزمه، فلو كان من الناقص اليائي كما ذكره صاحب "النهاية" لكان يكتب بالياء.
ثم رأيت "القاموس" (^١) ذكر في "الياء": "نَكَيَ العَدُوَّ، وفيه نكاية: قَتَلَ وجَرَحَ". وفي "الهمز": "نكأ العدو ونكاهم". وحاصله: أنهما لغتان، وأن الحديث من المهموز رفعه أقوى؛ لقوله: (ويمشي لك إلى جنازة) بالرفع اتفاقًا، وفي نسخة: "أو يمشي" بإثبات الياء أيضًا.
قال الطيبي -وتبعه ميرك-: "جاء بإثبات، وتقديره: أو هو يمشي"، انتهى. والمعنى: يمشي لأجلك متوجهًا إليها، وهو أعم مما قبل الصلاة وبعدها، وفي رواية الحاكم: "إنما صلاة جنازة"، وهو بكسر الجيم، وفي نسخة بفتحها، وفي أخرى بهما.
وقال صاحب "كشف الكشاف": "أي: اتباعها للصلاة"، وهذا توسع شائع.
الأزهري: عن الليث والأصمعي بالكسر خاصة، وعلى الميت نفسه.
وعن ثعلب: بالكسر، السرير، وبالفتح: الميت.
وعن شمر: الكسر والفتح كدَجاجة ودِجاجة.
فقد تلخص أن الكسر أفصح، وقال المصنف: "قوله: "يمشي لك" أي: لأجلك طلبًا لرضاك، وامتثالا لأمرك، والجنازة بالكسر والفتح:
_________________
(١) القاموس (ص ١٣٤٠).
[ ٣ / ١٢١٢ ]
الميت بسريره، وقيل: بالكسر السرير، وبالفتح الميت" (^١)، انتهى.
وعندي أن المراد بها الميت على اللغتين سواء يكون على سرير أو لم يكن عليه، ويؤيده أنها لا تطلق في العرف على السرير بدون الميت، والله أعلم.
(د، حب، مس) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والحاكم، عن عبد الله بن عمر وبالواو (^٢).
(اللهم اشفه، اللهم عافه) بالضمير فيهما، وقيل: بهاء السكت كما سبق، وهو تأكيد لما قبله، أو تعميم وتتميم. (مس، ت، حب) أي رواه: الحاكم، والترمذي، وابن حبان، عن علي ﵁ (^٣).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٤/ ب).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٠٧) وابن حبان (٢٩٧٤)، والحاكم (١/ ٣٤٤) وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وفي الإسناد حي بن عبد الله المعافري ضعيف قال البخاري: فيه نظر، انظر الضعفاء الكبير (١/ ٣١٩) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٨١) والسلسلة الصحيحة (١٣٦٥)!
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" (١/ ٨٣ - ٨٤)، والترمذي (٣٥٦٤) والحاكم (٢/ ٦٢٠ - ٦٢١)، وأخرجه ابن حبان (٦٩٤٠)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٥٧)، وأبو يعلى (٢٨٤). وقال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه ابن علان في "الفتوحات الربانية" (٤/ ٤٤): هذا حديث صحيح.
[ ٣ / ١٢١٣ ]
(اللهم اشفه، اللهم أعفه) من الإعفاء، بمعنى المعافاة على ما في "التاج".
وقال المصنف: "بفتح الهمز، وكسر الفاء من أعفى يعفي، يقال: أعفى المريض بمعنى عوفي" (^١). (س) أي: رواه النسائي عن علي أيضًا.
وفي "الرياض": "عن سعد: أن النبي ﷺ عاده عام حجة الوداع بمكة من مرض أشفي فيه -أي: أصرف على الهلاك- فقال سعد: يا رسول الله، قد خفت أن أموت بالأرض هاجرت منها، فقال ﷺ: اللهم اشف سعدًا ثلاث مرات" (^٢).
(يا فلان) ضبط مرفوعًا بالتنوين وتركه، (شفى الله سقمك) بفتحتين وبضم فسكون، أي: مرضك، (وغفر ذنبك، وعافاك في دينك وجسمك) أي: بدنك، (إلى مدة أجلك) أي: نهاية عمرك.
(مس) أي: رواه الحاكم (^٣) عن سلمان: "أنه ﷺ، قال له: يا سلمان، شفى الله سقمك … " إلى آخره؛ فقول المصنف: "يا فلان" نقل بالمعنى؛ إذ المراد بالخطاب: العام.
(ومن عاد مريضًا لم يحضر أجله) أي: انتهاء عمره، (فقال) أي: العائد
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٥٩)، ومسلم (١٦٢٨).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (٣١) والطبراني (٦/ ٢٤٠) رقم (٦١٠٦). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٩٩): فيه عمرو بن خالد القرشي، وهو ضعيف.
[ ٣ / ١٢١٤ ]
(عنده) أي: في حضوره، أو عند حصول مرضه، (سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم) بالجر على أنه صفة للعرش، وفي نسخة صحيحة بالنصب؛ على أنه صفة الرب، (أن يشفيك) مفعول ثاني "أسأل"، (إلا عافاه الله) استثناء مِنْ "مَنْ" الشرطية العامة؛ فكأنه قال: "ما عاد أحد مريضًا؛ فقال إلا عافاه الله"، (من ذلك المرض).
(د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن ابن عباس (^١).
(وجاء رجل إلى علي؛ فقال: إن فلانًا شاكٍ) بكسر الكاف المخففة المنونة، اسم فاعل من شكى يشكي، أي: مريض، (فقال) أي: علي (أيسرك أن يبرأ؟) أي: يجعلك مسرورًا برؤه وصحته، (قال: فعم، قال: قل: يا حليم) أي: عن ذنوب العباد، (يا كريم) أي: بالتفضل على أهل البلاد، (اشف فلانًا؛ فإنه يبرأ. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول علي (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠١٠٨) وأبو داود (٣١٠٦)، والترمذي (٢٠٨٣) وابن حبان (٢٩٧٥)، الحاكم (١/ ٤٩٣) وقال: غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وحسنه ابن حجر في الفتوح الربانية ٤/ ٦١ - ٦٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٦٢٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٠٤٨).
[ ٣ / ١٢١٥ ]
(وأيما مسلمٍ دعا بقوله) أي: بقول الله، أو بقول يونس في بطن الحوت، أو بقوله هذا: (﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾) أي: أنزهك عن النقصان والعدوان، (﴿إِنِّي كُنْتُ﴾) أي: دائمًا أو صرت الآن، (﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾) أي: الواضعين للأشياء في غير موضعها بالمعصية [أو] (^١) الغفلة.
(أربعين مرة) إيماء إلى مراتبه الخلقية من: النطفة، والعلقة، والمضغمة في الأطوار الجنينية، (فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر شهيد) أي: لشهود وحدانيته سبحانه، ولشهادة ظلمانية نفسه.
(وإن بَرَأَ) بفتح الراء وكسرها أيضًا كما سبق، (بَرَأَ) أي: تعافى، (وقد غفر له جميع ذنوبه. مس) أي: رواه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (^٢).
(ومن قال في مرضه: لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إلى إلا الله وحده، لا إلى إلا الله لا شريك له) وفي [بعض] (^٣) النسخ زيادة: "وحده" قبل "لا شريك له"، والظاهر أنه وهم من بعض رواة الكِتَاب، أو سهو من قلم الكُتَّاب.
(لا إلى إلا الله، له الملك وله الحمد) عدت الجملتان بمنزلة واحدة لتلازمهما وعدم انفكاكهما، ولذا لم يقل: "لا إله إلا الله له الملك، لا إله
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "و".
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٦)، وفي إسناده عمرو بن بكر السكسكي ذكره الذهبي في "الميزان" وقال: "واه، أحاديثه شبه موضوعة". وقال في "الضعفاء": اتهمه ابن حبان. والحديث ضعيف جدًّا كما في "ضعيف الترغيب" (٢٠٣٢).
(٣) من (أ) و(د) فقط.
[ ٣ / ١٢١٦ ]
إلا الله له الحمد"، ثم اكتفى بهما عن قوله: "وهو على كل شيء قدير".
(لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم مات) أي: على ذلك، (لم تطعمه النار) أي: لم تأكله، واستعير الطعم للإحراق مبالغة، كأن الإنسان طعامها تتقوى وتتغذى به، وفي "نسخة الجلال" بصيغة المعروف المذكر من الإطعام، فيكون ضمير الفاعل "لله"، و"النار" منصوبًا على المفعولية.
(ت، س، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة (^١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٣٠)، وقال: حسن غريب، وقد رواه شعبة … ولم يرفعه، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٠)، وابن ماجه (٣٧٩٤). وابن حبان (٨٥١). وقال النسائي: قال أبو إسحاق: ثم قال الأغر شيئًا لم أفهمه فقلت لأبي جعفر: أي شيء قال: قال: من رزقهن عند الموت، لم تمسه النار. وقال عقب ٣١: خالفه شعبة فوقف الحديث، ولم يذكر أبا سعيد الخدري. وقد اختلف فيه على شعبة وإسرائيل: والظاهر أنه اختلف فيه على شعبة فرواه عنه مرفوعا وأسقط ذكر أبي سعيد منه. أخرجه الترمذي (٣٤٣٠)، والنسائي في "الكبرى" (٩٨٦٠)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٣٢) وأبو يعلى في "مسنده" (٦١٦٣). عن محمد بن جعفر، والنضر بن شميل حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت الأغر قال: سمعت أبا هريرة قال: (وفي رواية النسائي لم يذكر أبا سعيد) موقوف. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه شعبة عن أبي إسحق عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد بنحو هذا الحديث بمعناه ولم يرفعه شعبة. حدثنا بذلك بندار، حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة بهذا. وأظن =
[ ٣ / ١٢١٧ ]
(من سأل الله الشهادة) وفي "أصل الجلال": "شهادة" أي: نوع شهادة، (بصدق) أي: بصدق نية، وإخلاص طوية، (بلغه الله) بتشديد اللام، أي: أوصله، (منازل الشهداء) أي: منزلًا من منازلهم، (وإن مات على فراشه) وهذا أحد معاني: "نية المؤمن خير من عمله".
(م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن سهل بن حنيف (^١).
(من طلب الشهادة) أي: من ربّه، (صادقًا) أي: من قلبه، (أعطيها) بصيغة المجهول، أي: أعطي منزلة الشهادة، (ولو لم تصبه) أي: ولو لم تحصله حقيقتها. (م) أي: رواه مسلم عن أنس (^٢).
_________________
(١) = أن ذكر أبي سعيد فيه وهم، فقد رواه النسائي من هذا الطريق، وقال: خالفه شعبة فوقف الحديث، ولم يذكر أبا سعيد. ورجح الدارقطني في العلل (١٦٠٣) وسئل عن حديث الأغر عن أبي هريرة …، ووقفه غندر وغيره عن شعبة، وهو الصحيح. و(٢٢٩٨) وسئل عن حديث سلمان الأغر عن أبي سعيد، وأبي هريرة عن النبي ﷺ، ورواه عبد الجبار بن العباس وإسحاق بن عبد الله المخولي، عن أبي إسحاق مرفوعا، والموقوف هو الأشبه. وعلى هذا فيمكن التوفيق بين الرفع والوقف لفظًا، مرفوع حكمًا فهو لا يقال بالرأي. وقد صححه ابن رجب، كلمة الإخلاص ص (٢٦) وصححه الحاكم وابن حبان مرفوعًا، وحسنه مع الغرابة: الترمذي، والمنذري، وابن حجر.
(٢) أخرجه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)، والنسائي (٦/ ٣٦)، وابن ماجه (٢٧٩٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٩٠٨).
[ ٣ / ١٢١٨ ]
(من قاتل في سبيل الله) أي: في مرضاته، (فَوَاقَ ناقة) أي: مقداره، وهو بفتح الفاء وضمها، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]، والأكثرون على الفتح.
وفي "النهاية" (^١): "هو ما بين الحلْبتين من الراحة، وقد يضم فاؤه ويفتح، وفي "الصحاح": "بضم الفاء وفتحها: ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب".
وقال ابن سيده في "المحكم": "فواق الناقة بضمها وفتحها: رجوع اللبن في ضرعها، يقال: "لا ينتظروا فواق ناقة"، جعلوها ظرفًا على السعة".
قيل: هو قدر ما بين رفع يدك من الضرع وقت الحلب وضمها، والمعنى: ساعة قليلة، (فقد وجبت له الجنة) أي: ثبتت، أو وجبت بمقتضى وعده سبحانه.
(ومن سأل الله القتل) أي: كونه مقتولًا، (في سبيل الله من نفسه) أي: من باطنه، (صادقًا) أي: في نيته، (ثم مات أو قتل) أي: في غير جهاد، (كان له أجر شهيد. عه) أي: رواه الأربعة عن معاذ بن جبل، ورواه الحاكم بلفظ: "من سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم مات، أعطاه الله أجر شهيد" (^٢).
(اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك. خ) أي:
_________________
(١) النهاية (٣/ ٤٧٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٤١)، والترمذي (١٦٥٧)، والنسائي (٦/ ٢٥)، وابن ماجه (٢٧٩٢). وإسناده صحيح كما أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٠)، والحاكم (٢/ ٧٧) وصححه.
[ ٣ / ١٢١٩ ]
رواه البخاري من قول عمر موقوفًا، فكان حق المصنف أن يأتي بـ "مو" قبل رمزه (^١).
وقد أخرج البخاري، وأبو زرعة في كتاب "العلل" عن حفصة وأسلم، قالا: قال عمر: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك". وفي رواية عن حفصة: "فأنى يكون هذا؟ فقال: يأتيني به الله إن شاء" (^٢).
(فإذا حضره الموت) أي: علامته (وُجِّه) بضم واو وتشديد جيم مكسورة، أي: جعل وجهه (إلى القبلة) إما مضطجعًا، أو مستلقيًا، أو مستندًا، وهو الأحسن، ولخروج الروح أهون.
(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي قتادة الأنصاري: "أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور قالوا: توفي وأوصى بثلث ماله لك يا رسول الله، وأوصى أن يُوَجَّهَ إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﷺ: أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثم ذهب فصلى على قبره، وقال: اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله الجنة، وقد فعل". رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: "صحيح، لا أعلم في توجيه المحتضر غيره" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٩٠).
(٢) رواية حفصة علقها من حديث يزيد بن زريع. قال الحافظ. وصلها الإسماعيلي عن إبراهيم بن هاشم عن أمية بن بسطام عن يزيد بن زيرع.
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٣٥٣) وعنه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٨٤) وفي (٦/ ٢٧٦). وقوله: فقد احتج البخاري بنعيم بن حماد واحتج مسلم بن الحجاج =
[ ٣ / ١٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بالدراوردي … وفيه نظر فلم يحتجا بهما. وعبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي، أبو إبراهيم، ويقال أبو يحيى، المدني تابعي ثقة وليس صحابيًّا. وصححه النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٩٢٢)، ولم يتنبه لهذه العلة وهي الإرسال. وابنه يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة؛ ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى عنه جماعة من الثقات. ونعيم بن حماد؛ قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرًا. وإسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني؛ قال الحاكم كما في "لسان الميزان" (١/ ٤٣٤): "ارتبت في لقيه بعض الشيوخ". وهناك علة أخرى وهي: الاختلاف على عبد الله بن أبي قتادة؛ قال الحافظ في "الإصابة" (١/ ٢٨٢): "وروى ابن شاهين بإسناد لين من طريق عبد الله بن أبي قتادة، حدثتني أمي، عن أبي أن البراء بن معرور مات قبل الهجرة فوجه قبره إلى الكعبة". قلت: ومما يؤيد أن التوجيه المقصود هو التوجيه في القبر بعد الموت ما أخرجه ابن سعد (٣/ ٦١٩) قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني أبو محمد بن معبد بن أبي قتادة أن البراء بن معرور الأنصاري كان أول من استقبل القبلة وكان أحد النقباء من السبعين فقدم المدينة قبل أن يهاجر النبي ﷺ فجعل يصلي نحو القبلة فلما حضرته الوفاة أوصى بثلث ماله لرسول الله ﷺ يضعه حيث يشاء وقال: وجهوني في قبري نحو القبلة فقدم النبي ﷺ بعدما مات فصلى عليه. قلت: هذا إسناد ضعيف فيه علتان: =
[ ٣ / ١٢٢١ ]
(ويقول) أي: المحتضر (اللهم اغفر لي) أي: بمحو السيئة، (وارحمني) أي: بقبول الطاعة، (وألحقني بالرفيق الأعلى) قيل: المراد به الملائكة المقربون، أو العباد الصالحون بالمعنى الأعم، وهو الوجه الأتم، المناسب لما جاء: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وصح أن هذا آخر كلام أبي بكر ﵁.
وقال المصنف: "جماعة النبيين الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فِعِّيلٍ، ومعناه الجماعة كالصديق والخليط يقع على الواحد والجمع، وقيل: معناه: أي: بالله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل" (^١)، انتهى.
وقال الجوهري: "الرفيق الأعلى: الجنة" (^٢)، ويؤيده ما وقع [عن ابن إسحاق] (^٣): الرفيق الأعلى الجنة".
وقيل: الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء، ومن ذكر في الآية، وختمت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
ونكتة الإتيان بهذه الكلمة مفردًا الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على
_________________
(١) = الأولى: الإرسال. الثانية: أبو محمد بن معبد بن أبي قتادة، مجهول؛ لم يرو عنه غير حماد.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٣) الصحاح (٤/ ١٤٨٢).
(٤) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "عن ابن عباس استحق".
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
قلب رجل واحد، نص عليه السهيلي، وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل أن يكون المراد بالرفيق الأعلى هو الله ﷿، لأنه من أسمائه، كما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: "إن الله رفيق يحب الرفق" كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة، فعزوه إليه أولى.
قال: "والأعلى: يحتمل أن يكون صفة مكانه أو صفة فعل"، قال: "ويحتمل أن يراد به حظيرة القدس، وأن يراد به بالجماعة المذكورون في النسائي، ومعنى كونهم رفيقًا: تعاونهم على طاعة الله، وارتفاق بعضهم ببعض، وهذا الثالث هو المعتمد، وعليه أكثر الشراح (^١). وكذا نقله ميرك عن الشيخ.
أقول: أما بالنسبة إليه ﷺ فالأولى أن يراد بـ "الرفيق الأعلى" هو المولى أو وجه ربه الأعلى، إذ ثبت أن هذا منه ﵇ آخر الكلام كما أنه أول من قال: "بك"، في جواب ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] في ميثاق البلاء.
(خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، عن عائشة (^٢).
(لا إله إلا الله، إن للموت سكرات) بكسرتين بعد فتحات نصبًا باسم "إن"، وسكرة الموت شدته على ما في "التاج"، و"المهذب"، وقال
_________________
(١) من أول قوله (وقال الجوهري: الرفيق الأعلى الجنة …) إلى هذا الموضع هو نص الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٤١٧٦) ومسلم (٢٤٤٤) والترمذي (٣٤٩٦). والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٦٩).
[ ٣ / ١٢٢٣ ]
الراغب: "السكرة حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشرب، وقد تعرض من الغضب أو العشق".
(خ، س، ق) أي رواه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة أيضًا (^١).
(اللهم أعني على غَمَرات الموت) أي: غشياته وغفلاته، وقال [المصنف] (^٢): "بفتح الغين المعجمة والميم، أي: شدائده" (^٣)، انتهى.
فقوله: (وسكرات الموت) عطف بيان، وفي "القاموس" (^٤): "سكرة الموت شدته وغشيته، وغمرة الشيء شدته ومزدحمه"، انتهى. والظاهر أن يراد بإحديهما الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة الموجبة للغفلة.
وقد قال القاضي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾: إن سكرته شدته الذاهبة بالعقل. (ت) أي: رواه الترمذي عنها أيضًا ﵂ (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٤٩) الترمذي (٩٧٨)، وفي "الشمائل" (٣٦٩)، والحاكم (٢/ ٤٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (٧١٠١) و(١٠٩٣٢).
(٢) من (ج) فقط.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٤) القاموس (ص ٤٠٩).
(٥) أخرجه الترمذي (٩٧٨) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (١٦٢٣) والحاكم (٣/ ٥٦). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٧٦).
[ ٣ / ١٢٢٤ ]
(يقول الله ﷿: إن عبدي المؤمن) بفتح الياء ويسكن، أي: المؤمن الكامل أو المؤمن من حيث هو (عندي) أي: في حكمي، (بمنزلة كل خير) أي: لا يفوت عنه كل خير بكل حال من السراء والضراء.
(يحمدني) استئناف بيان متضمن لتعليل برهان، أي: يثني علي، ويشكر نعمتي، (وأنا أنزِع) بكسر الزاي، أي: والحال أني أقبض، (نفسه) وأقلع روحه، (من بين جنبيه) ومنه قولهم: "فلان في النزع"، أي: في قلع الحياة على ما في "التاج". (أ) أي: رواه أحمد عن أبي هريرة (^١).
(ومن حضر عنده) أي: عند المحتضر، (فليلقنه) بكسر القاف المشددة من التلقين بمعنى التفهيم على ما في "التاج"، والمعنى: أنه يعرض عليه ولا يكلفه، (لا إله إلا الله) أي: ليتذكر به إن كان غافلًا، وليزداد به نورًا وحضورًا إن كان حاضرًا، فلا يرد ما قال بعض المشايخ في نزعه لمن كان يلقنه على وجه الغفلة: "سبحان الله، يُلَقِّنُ ميتٌ حيًّا! ".
(م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أبي سعيد (^٢).
(من كان آخرُ كلامه) بالرفع، وفي نسخة بالنصب، (لا إله إلا الله؛ دخل الجنة. د، مس) أي رواه: أبو داود، والحاكم، كلاهما عن معاذ بن
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٤١) قال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح "مجمع الزوائد" (١٠/ ٩٦).
(٢) أخرجه مسلم (٩١٦)، وأبو داود (٣١١٧)، والترمذي (٩٧٦)، والنسائي (٤/ ٥)، وابن ماجه (١٤٤٥).
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
جبل (^١)، ومن غريب ما وقع أن ابن عيينة، قال في نزعه: "عن النبي ﷺ: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله"، ومات عليه.
(وإذا غمَّضه) بتشديد الميم، أي: غمَّض عين الميت، (دعا ففسه بخير) وخير الدعوة طلب حسن الخاتمة؛ (فإن الملائكة يؤمنون) بتشديد الميم المكسورة، أي: يقولون: آمين، (على ما يقول) أي: المصاب أو الحاضر عند المحتضر أو المغمض.
(فيقول: اللهم اغفر لفلان) أي: الميت الحاضر، وقدمه لما يقتضيه المقام الحاضر، (وارفع درجته في المهديين) بفتح الميم وكسر الدال وتشديد الياء الأولى، أي: في المهتدين.
(واخلفه) بضم اللام، أي: كن له خليفة (في عقبه) أي: في ذريته وأهله مما عقبه، أو: كن لهم بعده خلفًا (في الغابرين) قال المصنف: "أي: الباقين يعني في الدنيا إلى حين".
(واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسَح) بفتح السين، أي: وسع (له في قبره ونور له فيه. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة ﵂ (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١١٦)، والحاكم (١/ ٣٥١) وقال: صحيح الإسناد.
(٢) أخرجه مسلم (٩٢٠) وأحمد (٦/ ٢٩٧)، وأبو داود (٣١١٨)، وابن ماجة (١٤٥٤).
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
(وليقل أهله) أي: أهل الميت كل بانفراده، (اللهم اغفر لي وله، وأَعْقِبْني) من الإعقاب، أي: أبدلني وعوضني، (منه عُقْبَى) على وزن بشرى، وقوله: (حسنة) نصب على أنه صفة له، والمعنى من يعقبه بإحسان.
وقال المصنف: "أي بدلًا صالحًا" (^١). (م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أم سلمة (^٢).
(وليقرأ عليه) أي: أحد من أهله أو من غيرهم ممن حضره حال الاحتضار، (سورة يس) وفي نسخة بصيغة المجهول، فقوله: "سورة يس" بالرفع.
(س، د، ق، حب، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، كلهم عن معقل بن يسار المزني، أن رسول الله ﷺ، قال: "قلب القرآن يس، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، اقرءوها على موتاكم". أي: من قرب منكم من الموت.
سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا؛ ففيه تنبيه على أنه لا يقرأ ذلك حتى يظهر عليه آثار الموت. قيل: ويمكن أن يكون الأمر بقراءة "يس" بعد الموت.
قال ميرك: "وكذا تلقين كلمة التوحيد يمكن حمله على ما بعد الموت،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٢) أخرجه مسلم (٩١٩)، وأبو داود (٣١١٥)، والترمذي (٩٧٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن ماجه (١٤٤٧).
[ ٣ / ١٢٢٧ ]
فإن إطلاق التلقين عليه أحق من المحتضر؛ لأنه لا يخلو عن المجاز بخلاف ما بعد الدفن، ولا بأس بإطلاقه على كليهما.
قلت: كأنه أراد حديث: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"، وفيه: أن هذا الإجمال يفسره الحديث السابق: "ومن حضر عنده فليلقنه لا إله إلا الله".
ثم قوله: "إطلاق التلقين عليه بعد الموت أحق من المحتضر" مدفوع بأن التلقين عند الموت متفق عليه، وجاز في عرف العام والخاص، وأما التلقين بعد الموت فمختلف في جوازه.
ثم قوله: "لأنه يخلو عن المجاز" نشأ عن غفلة من الحقيقة: فإن التلقين إنما يكون للحي المدرك بكماله الحسي، سمعًا وروحًا دون الميت.
ثم قوله: "ولا بأس بإطلاقه على كليهما" محمول عك [أمر آخر] (^١) مختلف في جوازه من استعمال الشيء في معنييه الحقيقي والمجازي، والأولى أن يحمل كلامه ﷺ على المتفق عليه ليكون للكل رجع إليه.
(س، د، ق، حب، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن معقل بن يسار (^٢).
_________________
(١) كذا في (د)، وفي (أ) و(ب): "ما مر"، وفي (ج): "أمر".
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦)، وأبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨)، وابن حبان (٣٠٠٢)، والطبراني (٢٠/ ٢١٩، رقم ٥١٠)، والحاكم (١/ ٥٦٥)، والبيهقي (٣/ ٣٨٣). وأخرجه أيضًا: الطيالسي (٩٣١)، وابن أبي شيبة =
[ ٣ / ١٢٢٨ ]
(ويقول صاحب المصيبة: إنا) أي: معشر الخلق، (لله) أي: لإيجاده موجودون، (وإنا) أي: جميعنا، (إليه) أي: إلى حكمه، (راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي) بهمز وصل وضم جيم ويجوز كسره، وبهمزة ممدودة وبكسر الجيم.
ففي "النهاية" (^١): "آجره يؤجره: إذا أثابه وأعطاه الأجر، والأمر منهما: آجرني وأجرني".
(وأخلف لي خيرًا منها) من الإخلاف؛ ففي "النهاية": "أخلف الله لك أي: أبدلك"، وفي نسخة صحيحة: بهمز وصل وضم لام، أي: كن خلفًا لي وعوضًا خيرًا مما فاتني بهذه المصيبة. (م) أي: رواه مسلم عن أم سلمة (^٢).
(وإذا مات ولد العبد) أي: ابنه أو ابنته أو أحد من أحفاده، (قال الله لملائكته) الموكلين بقبض الأرواح من عزرائيل (^٣) وأعوانه، (قبضتم ولد
_________________
(١) = (٢/ ٤٤٥، رقم ١٠٨٥٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٩١٣). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠٧٢).
(٢) النهاية (١/ ٢٥).
(٣) أخرجه مسلم (٩١٨).
(٤) ليس هناك دليل من كتاب الله ولا من صحيح سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه أن اسم ملك الموت: "عزرائيل"، وإنما هي تسمية مقتبسة من كلام أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.
[ ٣ / ١٢٢٩ ]
عبدي) أي: روحه، والاستفهام مقدر، (فيقولون: فعم).
وقد ورد في الكتب المذكورة الآتية هنا زيادة قوله: "فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ " أي: نتيجة توجه قلبه، وقطعة كبده، وحب لبه "فيقولون: نعم".
(فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع) قال المصنف: "قال: إنا لله وإنا إليه راجعون" (^١).
(فيقول: ابنوا) بهمز وصل وضم نون أمر من البناء، (لعبدي بيتًا) أي: قصرًا عظيمًا، (في المجنة، وسموه: بيت الحمد) بالإضافة بمعنى اللام، واللام في الحمد للعهد، أي: بيتًا للحمد على فقد الولد.
(ت، حب، ي) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، وابن السني، عن أبي موسى الأشعري (^٢).
(فإذا عزى) بتشديد الزاي، أي: أراد أن يعزي (أحدًا) أي: من المسلمين، (يسلم) أي: أولًا، وهذه سنة تركها المسلمون غالبًا على ما
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٢١) وقال: حسن غريب، وأحمد (٤/ ٤١٥) وابن حبان (٢٩٤٨) والبيهقي في السنن (٤/ ٦٨) وفي الشعب (٩٦٩٩) وإسناده ضعيف فيه أبو سنان وهو عيسى بن سنان لين الحديث التقريب ٥٢٩٥، وكذلك فيه الضحاك بن عبد الرحمن -وهو ابن عرزب- قال أبو حاتم: روى عن أبي موسى الأشعري مرسل، وقال الحافظ في اتحاف المهرة (١٠/ ٣٢) يقال: لم يسمع منه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٥) والسلسلة الصحيحة (١٤٠٨).
[ ٣ / ١٢٣٠ ]
هو المشاهد، وينبغي أن يصافحه أيضًا.
وأما المعانقة على ما يفعله أهل مكة فهو بدعة لا يبعد أن تكون مستحسنة؛ لما قاله ابن مسعود: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن".
(ويقول) أي: ثانيًا، (إن لله ما أخذ) أي: الذي أخذه، (ولله ما أعطى) أي: الذي أعطاه أوَّلًا أو سائر ما أعطى، ولفظ الأصول المذكورة الآتية: "وله ما أعطى"، وقدم الأخذ على الإعطاء، وإن كان الأخذ متأخرًا في الواقع لما يقتضيه المقام.
والمعنى: إن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له فلا ينبغي الجزع، [لأن] (^١) من يستودع الأمانة لا ينبغي له الجزع إذا استعيدت.
ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد [الميت] (^٢)، وثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك، و"ما" في الموضعين مصدرية، ويحتمل أن يكون موصولة، والعائد محذوف، فعلى الأول تقديره: لله الأخذ والإعطاء، وعلى الثاني: لله الذي أخذه من الأولاد، وله ما أعطى منهم، أو ما هو أعم من ذلك.
(وكل عنده بأجل مسمى) أي: كل من الأخذ والإعطاء أو من
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "فإن".
(٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "الموت".
[ ٣ / ١٢٣١ ]
الأنفس، أو ما هو أعم مما ذكر، وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجملة المذكورة، ويجوز في "كل" النصب عطفًا على اسم "إن" فيستحب التأكيد عليه أيضًا، ومعنى العندية العلم فهو من مجاز الملازمة، والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مجموع العمر، والمسمى معناه المعين.
(فلتصبر ولتحتسب) أي: لتطلب الأجر بصيغة الخطاب فيهما، وضبط في "أصل الجلال" بصيغة الخطاب والغيبة.
(خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أسامة بن زيد (^١)، وهو مقطع من حديث طويل على ما في "المشكاة".
(وكتب ﷺ إلى معاذ) لعله حين كان عاملًا باليمن، (يعزيه) أي: يسليه، (في ابن له) أي: مات عنده أو بالمدينة.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أي: باسمه المحيي المميت، (من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل) ابتدأ باسمه ﷺ اقتفاء لقوله تعالى حكاية عن قضية سليمان ﵇: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠].
وفيه: إشعار بأن الواو لا تفيد الترتيب بل هي لمطلق الجمع، أو تقديره: إنه من سليمان معنونًا، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مبدوءًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣)، وأبو داود (٣١٢٥)، وابن ماجه (١٥٨٨).
[ ٣ / ١٢٣٢ ]
(سلام عليك، فإني أحمد إليك) أي: معك، أو منهيًا إليك، وموصلا لديك، (الله الذي لا إله إلا هو) أي: فله الملك وله الحمد.
(أما بعد) أي: بعد البسملة والحمدلة، وتسمى الجملة فصل الخطاب لشروع الكتاب، (فأعظم الله لك الأجر) ولعل هذا مأخذ أهل مكة في قولهم عند التعزية: " [أعظَم] (^١) الله لك الأجر"، أي: الجزيل، (وألهمك الصبر) أي: الجميل، (ورزقنا وإياك الشكر) أي: على سائر النعم، أو على هذه المصيبة، فإنها نعمة ومنحة ولو كانت في الصورة بلية ومحنة، أو مرتبة الشكر على المصيبة فوق منزلة الصبر، وإن كان الصبر على ما تكره النفس فيه خير كثير وأجر كبير.
(فإنّ أنفسنا وأموالنا وأهلينا) أي: من الأزواج والخدم والحشم، أو أقرباءنا، (وأولادَنا) أي: من أبنائنا وبناتنا وأولادهما، (من مواهب الله ﷿ الهنيئة) بالهمز، ويجوز إبداله وإدغامه، وهي كل أمر يأتيك من غير تعب على ما في "النهاية" (^٢).
وهذه الأشياء وإن كان بعضها قد يحصل بالمكاسب لكن بالنظر إلى العارف لا يخرج عن كونه من المواهب.
(وعواريّه) بتشديد الياء جمع العاريّة مشددة، كأنها منسوبة إلى العار؛
_________________
(١) كذا في (أ) و(د)، وفي (ب) و(ج): "عظم".
(٢) النهاية (٥/ ٢٧٧).
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
لأن طلبها عيب وعار على ما في "النهاية" (^١)، وقال صاحب "القاموس" (^٢): "العارية مشددة وقد تخفف، والجمع عواري مشددة ومخففة"، انتهى.
فوجه التخفيف أن يكون فاعله من العري، كأنها عارية عن ملك المستعير، أو يحمل التخفيف على التخفيف، أي: ومن عواريه (المستودعة) بفتح الدال، أي: الموضموعة على طريقة الوديعة.
(نُمَتَّع) بضم النون وتشديد الفوقية المفتوحة على صيغة المجهول المتكلم مع الغير، أي: نحن نمتع بها، وفي "أصل الجلال" بصيغة الغائب المذكر المفعول، أي: ينتفع (بها إلى أجل معدود) أي: أيامه وساعاته وأنفاسه لا تزاد ولا تنقص، (ويقبضها) أي: يأخذها (لوقت معلوم) وهو نهاية الأجل المعدود المعين.
(ثم افترض علينا الشكر) أي: جعل الشكر فرضًا علينا، (إذا أعطى) أي: شيئًا من النعمة، (والصبر إذا ابتلى) أي: بشيء من المحنة، أو إذا جعلنا مبتلين بالمصيبة والبلية.
(فكان) أي: [فإذا] (^٣) عرفت ذلك فكان (ابنك من مواهب الله الهنيئة) أي: لك، (وعواريه المستودعة) أي: عندك، (متعك به) أي: نفعك الله بابنك، (في غبطة) قال المصنف: "بكسر الغين المعجمة: النعمة والخير
_________________
(١) النهاية (٣/ ٣٢٠).
(٢) القاموس (ص ٤٤٦).
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "إذا".
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
وحسن الحال" (^١)، انتهى.
والأظهر أن يقال: أي في حال غبطة يغبطك فيها أقرانك، (وسرور) أي: وفي فرح يحزن أعداءك، (وقبضه) أي: أخذه تعالى، (منك بأجر) أي: مصحوبًا بأجرٍ، أو بمقابلة أجرٍ، (كبيرٍ) بالموحدة، وفي نسخة صحيحة بالمثلثة، فالأول يشير إلى عظمة الكيفية، والثاني: يشير إلى عظمة الكمية.
(الصلاة) يجوز فيها وما عطف عليها الحركات الثلاث، والجر بالبدلية أولى، ثم الرفع عك أنه خبر مبتدإٍ محذوف هو: "هو"، والنصب بتقدير: "أعني".
(والرحمة والهدى) وفيها اقتباس من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] أي: للحق والصواب حيث استرجعوه، وسلموا القضاء لله تعالى، ثم الصلاة في الأصل الدعاء، ومن الله التزكية والمغفرة، والمراد بالرحمة: اللطف والإحسان، قال القاضي: "وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها". قلت: أو لمقابلة الجمع بالجمع، ولذا أفردت في الحديث.
(إن احتسبت) أي: طلبت الثواب، (فاصبر ولا يحبط) من الإحباط بصيغة النهي، أي: ولا ينبغي أن يضيع (جزعك) أي: قلة صبرك وكثرة فزعك، (أجرك) أي: ثوابك، (فتندم) حيث لا يرجع محبوبك، ويفوت
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
مطلوبك، فيجتمع عليك مصيبتان، ويحصل لك محنتان.
وقال المصنف: "الجزع بفتح الجيم والزاي، أي: الحزن وهو ضد الصبر" (^١)، انتهى.
وفيه بحث؛ إذ الحزن لا ينافي الصبر، فقد قال ﷺ في موت ولده: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنَّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون". وأيضًا الحزن أمر طَبَعِيٌّ غير اختياري، فلا يدخل تحت حكم شرعي اعتباري.
(واعلم أن الجزع لا يرد شيئًا) أي: مما فات، (ولا يدفع حزنًا) أي: فيما هو آت، (وما هو نازل) أي: من البلايا بما تعلق به القضاء والقدر، (فَكَأَنْ) بسكون النون بعد فتح همز، ولعلها مخففة من المثقلة، أي: "فكأنه كان" أو "كأنه نزل"، وفي نسخة بزيادة: "قد"، وهو موافق لما في "سلاح المؤمن" و"موضوعات ابن الجوزي"؛ ففيه زيادة تحقيق، فالتقدير: "فكأنه قد نزل".
وقال المصنف: "حفظناه بالفاء فكاف مفتوحة وهمزة كذلك فَنُونٌ ساكنة، أي: فكان قد وقع وحصل وصار، فلا فائدة في الجزع"، والله أعلم.
(والسلام) فيه إيماءٌ إلى أنه ينبغي السلام أولًا وآخرًا في المكتوب، وهو مؤيد بالقياس على سلام المواجهة والموادعة.
(مس، مر) أي رواه: الحاكم، وابن مردويه، عن معاذ بن جبل، وقد
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
صرح ابن الجوزي بأن هذا الحديث موضوع (^١).
قلت: يمكن أن يكون بالنسبة إلى إسناده المذكور عنده موضوعًا، على أنه معارض بما ذكره الحاكم في "المستدرك على الصحيحين"، وقال: "حسن غريب".
وقد رواه ابن مردويه أيضًا، وكذلك الفقيه أبو الليث السمرقندي بإسناده في "تنبيه الغافلين"، فهو: إما حسن أو ضعيف، والضعيف يُعْمَلُ به في فضائل الأعمال اتفاقًا.
وقد قال أبو نعيم (^٢): "لا يثبت رفعه، وهو موقوف [لكنها] (^٣) وصية حسنة"، انتهى. ولم يبين أنه موقوف على صحابي أو تابعي، والله أعلم.
_________________
(١) الطبراني (٢٠/ ١٥٥ - ١٥٦) رقم (٣٢٤)، وفي "الأوسط" (٨٣)، وقال الحاكم (٣/ ٢٧٣) غريب حسن، إلا أن مجاشع بن عمرو ليس من شرط هذا الكتاب، وتعقبه الذهبي بقوله: ذا من وضع مجاشع. مجاشع بن عمرو هذا كذاب، قال عنه ابن معين: قد رأيته أحد الكذابين، وقال البخاري: منكر مجهول، وقال العقيلي: "حديثه منكر"، وقال أبو أحمد الحاكم: منكر الحديث، وذكر له الذهبي بعض الأحاديث وحكم عليها بالوضع، وقال ابن حجر: "ومن موضوعاته … "، وذكر له هذا الحديث. اهـ. من الضعفاء للعقيلي (٤/ ٢٦٤)، والكامل لابن عدي (٦/ ٢٤٤٩ - ٢٤٥٠)، والميزان (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧ رقم ٧٠٦٦)، واللسان (٥/ ١٥ - ١٦ رقم ٥٥).
(٢) أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٤٢).
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "لكنه".
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
(ولما تُوُفّي) بضم تاء وواو وتشديد فاء مكسورة وفتح ياء على صيغة المجهول الماضي، من التوفي المأخوذ من الوفاة، أي: قبض، وفي نسخة بفتحتين فتشديد فاء مفتوحة، وقد سبق تحقيقه، أي: مات، (ﷺ، عزتهم) بتشديد الزاي، أي: عزت الصحابةَ، (الملائكةُ) أي: بعضهم، على احتمال أنهم رأوهم أم لا؟، حيث قالوا: (السلام عليكم ورحمة ﷺ وبركاته، إن في الله) أي: في وجوده وشهوده، وكرمه وجوده، أو فيما عنده لعبده، (عزاءً) بفتح عين وتخفيف زاي، أي: تسملية (من كل مصيبة) أي: من جهة إصابة كل مصيبة، وفقدان كل حبيبة بخلاف عكسه، فإنك إذا فقدته وجدت كل شيء فائتًا، فمن فقده أي شيء وجده، ومن وجده أي شيء فقده، ولذا قال الشاعر:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتَهُ عِوَضُ … وَلَيْسَ لله إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ
ويؤيده عطف تفسيره بقوله: (وخَلَفًا) أي: عوضًا (من كل فائتٍ، فبالله فثقوا) بكسر المثلثة وتخفيف القاف، أي: فبوعده وعهده فاعتمدوا، وفي بعض الروايات: "فاتقوا" بدل "فثقوا"، على ما في "المشكاة".
(وإياه فارجوا) أي: لا ترجوا سواه، وفي بعض الروايات بدله: "فارجعوا" أي: إليه لا إلى غيره، في خيره وشره، وجميع حكمه وأمره.
قال ميرك: "كذا وقع في نسخ "الحصن": "فثقوا"، ووقع في "المشكاة": "فبالله فاتقوا" ". قال الطيبي: "الفاء: جواب الشرط، وبالله: حال قدمت على عاملها، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
٥٦] "، أي: إذا كان الله مُعَزِّيًا وَمُخْلِفًا ومدركًا، فخصوه بالتقوى مستعينين به، والفاء في "فاتقوا" وردت لتأكيد الربط، وكذا في قوله "فارجوا"".
(فإنما المحروم من حرم) بصيغة المجهول، أي: منع (الثواب) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ، ومنه قوله: "اللهم لا تحرمنا أجره"، (والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مس) أي: رواه الحاكم عن جابر (^١).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٩) وقال صحيح الإسناد فوهم. هذا إسناد فيه أبو الوليد المخزومي، والراجح أنه خالد بن إسماعيل، وهو كذاب وضاع، وعبد الله بن عبد الرحمن الصنعاني لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد صحح الحاكم الحديث، وهو واهم في تسمية أبي الوليد المخزومي، وفي حكمه. والحديث ضعيف جدًّا واه بمرة. والمخزومي هذا ليس بخالد بن إسماعيل الكوفي إنما هو هشام بن إسماعيل الصنعاني، وهو في إتحاف ابن حجر (٣١٤٣)، وعزاه للحاكم في المغازي. وقال العراقي كما في (المستخرج على الإحياء ٦/ ٢٥٥٨) معلقًا على هذا الحديث: هكذا أخرجه الحاكم، وزعم أن أبا الوليد المخزومي هو هشام بن إسماعيل الصنعاني ثقة مأمون، كذا قال، وقال الداوودي كما وجد بخطه: والذي أظن أنه: خالد بن إسماعيل، وهو كذاب. قلت: أنس بن عياض مدني ثقة روى له الجماعة مات سنة ٢٠٠ عن ست وتسعين، والراوي عنه أبو الوليد إن كان كما زعم الحاكم، فهو دمشقي يكنى أبا عبد الملك، ووفاته سنة ست عشرة فلقد أدرك من عمره نحو اثنتي عشرة سنة، وكون راويه عبد الملك بن عبد الرحمن صنعانيًا يقوي أنه هو، وإن كان خالد بين إسماعيل، فهو مدني. قال ابن عدي: كان يضع الحديث. ولهم رجل آخر يسمى بهذا الاسم، ويروي عن عوف، وهو مجهول. قال الذهبي ولعله المخزومي.
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
(دخل رجل) كذا في "أصل الأصيل" بلا وَاوٍ وهو الظاهر، وفي "أصل الجلال": "ودخل رجل"، (أشهب اللحية) أفعل، وصف من الشهبة، في الألوان: البياض الذي غلب السواد، (جسيم) أي: قوي شديد، عظيم جسيم، (صبيح) أي: حسن الوجه وسيم، (فتخطى) أي: جاوز، (رقابهم) والمعنى: أنه تعدّاهم إلى مكان يرونه ويراهم، (فبكى) أي: لفقد المصطفى ﷺ، (ثم التفت إلى الصحابة) أي: من كبرائهم وعظمائهم، (فقال: إن في الله عَزَاءً من كل مصيبة، وعوضًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا) أي: فارجعوا بحسن الإقبال وتحسين الأعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧]، ومنه قوله سبحانه ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤].
(وإليه) أي: إلى ثوابه أو لقائه، (فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء) أي: حال الابتلاء، (فانظروا) أي: فتفكروا وتأملوا كيف تقوموا بحقه من الصبر والشكر والرضا بالقضاء، أو فانظروا إلى المبلي ولا تنظروا إلى البلاء، إن كنتم من أهل الولاء. (فإنما المصاب) بضم الميم، أي: صاحب المصيبة في الحقيقة، (من لم يجبر) بصيغة المجهول، أي: لم يصلح حاله بتوفيق الصبر وتحصيل الأجر، (وانصرف).
(فقال أبو بكر وعلي: هذا الخضر) بفتح الخاء وكسر الضاد، ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء أوفتحها، وإنما سمي به لأنه جلس على
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء، والفروة: وجه الأرض.
وكنيته أبو العباس، واسمه بَلْيَا -بموحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء منقوطة من تحت- ابن ملكان، بفتح الميم وإسكان اللام وبالكاف، كذا حققه الكرماني في "شرح البخاري".
(عليه¬ السلام) يحتمل أن هذا من قولهما وهو الأظهر، أو من قول المصنف، أو من قبله من المخرجين.
وفي الجملة: فيه دلالة على أنه نبي تابع لنبينا ﷺ، لقوله: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي"، ولنزول عيسى على وفق متابعته، وجعله أحدًا من أفراد ملته.
قال سعدي جلبي من علمائنا: "الجمهور على أنه نبي"، وقد سمع من الشيخ محمد البكري، قدس سره السري: "إن ما قيل: أن الخضر هو ابن فرعون ضعيفٌ، بل ليس بشيء، والصحيح: أنه ابن آدم من صلبه، ثم الصحيح: أنه نبي، ويعيش إلى أن يقاتل الدجال". وقال الكرماني: "اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه نبي على قولين مرسلًا وغير مرسلٍ، وقيل: إنه ولي، وقيل: إنه من الملائكة".
واحتج من قال بأنه نبي بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وبكونه أعلم من موسى، والولي لا يكون أعلم من النبي.
وأجيب: بأنه [يجوز أن] (^١) يكون قد أوحى الله إلى نبي هذا العصر أن يأمر الخضر بذلك.
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "قد".
[ ٣ / ١٢٤١ ]
قلت: وهذا مع كونه [احتمالًا بعيدًا] (^١) جدًّا لو كان موجودًا لأمر موسى بالاجتماع به دون الخضر، وذكر الثعلبي ثلاثة أقوال في أن الخضر كان في زمن إبراهيم، أم بعده بقليل، أو كثير، وقال: "إنه نبي مُعَمِّرٌ على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان".
وقال ابن الصلاح: "جمهور العلماء والصالحين على أنه حي، والعامة معهم". وقال النووي: "الأكثرون من العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح"، انتهى.
وقال الحنفي: "دل الحديث على أنه حي". قلت: لا دلالة للحديث على أنه حي الآن، بل على أنه كان حيًّا في ذلك الزمان لتحققه في ذلك المكان، ولا خلاف في ذلك الشان.
(مس) أي: رواه الحاكم عن أنس. قال ميرك: "وليس بصحيح". وقال العسقلاني: "هذا الحديث واهي الإسناد" (^٢).
_________________
(١) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "احتمال بعيد".
(٢) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٨). وعنه: البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٢٦٨). ورواه الطبراني في "معجمه الأوسط" (٨١٢٠). قال ابن كثير: قال البيهقي: عباد بن عبد الصمد ضعيف، وهذا منكر بمرة. قلت: عباد بن عبد الصمد هذا، هو ابن معمر البصري، روى عن أنس نسخة. قال ابن حبان والعقيلي: أكثرها موضوع. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا منكره وقال ابن عدي عامة ما يرويه في فضائل علي، وهو ضعيف، غال في التشيع. (البداية والنهاية ٢/ ٢٥٨).
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
(ومن رفع الميت) أي: وضعه (على السرير) أي: النعش، (أو حمله) أي: حمل السرير معه، أو حمل الميت على السرير أو بدونه، (فليقل: باسم الله. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن عمر (^١)، وبكر بن عبد الله المزني [التابعي] (^٢)، ذكره ميرك.
وفي "السلاح": "عن ابن عمر: أنه سمع رجلًا يقول: ارفعوا على اسم الله؛ فقال: لا تقولوا: ارفعوا على اسم الله؛ فإن اسم الله على كل شيء، ولكن قولوا: ارفعوا باسم الله. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: إذا حملت السرير فقل: باسم الله. رواهما ابن أبي شيبة".
(وإذا صلى عليه) أي: على الميت، وهو فرض كفاية، وشرط صحتها: إسلام الميت، وطهارته، ووضعه أمام المصلي؛ فلهذا القيد لا يجوز على غائب عندنا، ولا على حاضر محمول على دابة وغيرها، ولا موضوع وراء المصلي.
وأركانها: القيام، والتكبير، والدعاء، وقالوا: يُقَدِّمُ الثناء والصلاة على النبي ﷺ؛ لأنهما من سنة الدعاء.
(كبر) أي: بعد النية المقرونة برفع اليد اتفاقًا، (ثم قرأ الفاتحه) أي: وجوبًا عند الشافعية، ويقصد الثناء عندنا، قال صاحب "الهداية":
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢١٨٩) عن ابن عمر، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢١٩٠) عن بكر بن عبد الله.
(٢) كذا في (د)، وفي (أ): "التابعي أيضًا"، وفي (ج): "أيضًا".
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
"والصلاة أن يكبر تكبيرة يحمد الله عَقِيبَها".
قال ابن الهمام عن أبي حنيفة: "يقول: سبحانك اللهم وبحمدك … " إلى آخره. قالوا: "لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء؛ إذ لم تثبت القراءة عن رسول الله ﷺ ".
وفي "موطأ مالك" عن نافع: "أن ابن عمر كان لا يقرؤها في الصلاة على الجنازة" (^١).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٨) رقم (١٩) وإسناده صحيح. قال الشيخ الألباني: عقب حديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب (وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته؟ ف) قال: (إنما جهرت) لتعلموا أنا سنة (وحق). قلت: وهذا الحديث وما في معناه حجة عليهم، لا يقال: ليس فيه التصريح بنسبة ذلك إلى النبي ﷺ لاننا نقول: أن قول الصحابي من السنة كذا. مسند مرفوع إلى النبي ﷺ على أصح الأقوال حتى عند الحنفية، بل قال النووي في، "المجموع" (٥/ ٢٣٢): إنه المذهب الصحيح الذي قاله جمهور العلماء من أصحابنا في الاصول وغيرهم من الاصوليين والمحدثين. قلت وبهذا جزم المحقق ابن الهمام في "التحرير"، وقال شارحه ابن أمير حاج (٢/ ٢٢٤): "وهذا قول أصحابنا المتقدمين، وبه أخذ صاحب الميزان والشافعية وجمهور المحدثين". قلت: وعليه فمن العجائب أن لا يأخذ الحنفية بهذا الحديث مع صحته ومجيئه من غير ما وجه، ومع صلاحيته لإثبات السنة على طريقتهم =
[ ٣ / ١٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأصولهم! فقال الإمام محمد في "الموطأ" (ص ١٧٥): "لا قراءة على الجنازة، وهو قول أبي حنيفة". ومثله في "المبسوط" للسرخسي (٢/ ٦٤). ولما رأي بعض المتأخرين منهم بعد هذا القول عن الصواب، ومجافاته عن الحديث، قال بجواز قراءة الفاتحة بشرط أن ينوي بها الدعاء والثناء على الله! وإنما اشترطوا ذلك توفيقا منهم -بزعمهم- بين الحديث وقول إمامهم، فكأن قوله حديث آخر صحيح، ينبغي قرنه مع الحديث الصحيح ثم الجمع بينهما! ومع أن هذا الشرط باطل في نفسه لعدم وروده، فإنه يبطله ثبوت قراءة السورة مع الفاتحة في الحديث وهي مطلقة لا يمكن اشتراط ذلك الشرط فيها أيضًا! وعندهم عجيبة أخرى! وهي قولهم: "أن قراء سبحانك -بعد التكبيرة الأولى من سنن الصلاة على الجنازة"! مع أنه لا أصل لذلك في السنة كما تقدم التنبيه على ذلك في الحاشية (ص ١١٩)، فقد جمعوا بين إثبات ما لا أصل له في السنة وإنكار مشروعية ما ورد فيها!! فإن قلت: قد قال المحقق ابن الهمام في "فتح القدير" (١/ ٤٥٩): "قالوا: لا يقرأ الفاتحة، إلا أن يقرأها بنية الثناء، ولم تثبت القراءة عن رسول الله ﷺ ". فأقول: وهذا القول من مثل هذا المحقق أعجب من كل ما سبق، فإن ثبوت القراءة عنه ﷺ مما لا يخفى على مثله مع وروده في "صحيح البخاري" وغيره مما سبق بيانه، ولذلك فإنه يغلب على الظن أنه يشير بذلك إلى أن الحديث لا ينهض دليلا على إثبات القراءة لقوله فيه "سنة" بناء على الخلاف الذي سبق أن ذكرناه، فإن كان الامبر كما فهذه عجبية أخرى، فإن مذهبه أو قول الصحابي سنة في حكم المسند المرفوع إلى النبي ﷺ، كما تقدم نقله من كتابه "التحير"، وقد جروا على ذلك في فروعهم، فخذ مثلًا على ذلك المسألة الآتية. قال في "الهداية": إذا حملوا الميت على السرير أخذوا بقوائمه الاربعة، بذلك =
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
(ثم) أي: بعد التكبيرة الثانية، (صلى على النبي ﷺ) أي: كما يصلي في التشهد، وهو الأولى.
(ثم) أي: بعد التكبيرة الثالثة، يدعو للميت ولنفسه ولأبويه وللمسلمين، ولا توقيت في الدعاء سوى أنه بأمور الآخرة، وإن دعا بالمأثور فهو أحسن.
وحينئذ (قال: اللهم عبدك) أي: هذا الميت مملوكك، (وابن أمتك) أي: جاريتك، فتخصيص الأم لأنه أدعى إلى الرحمة والرأفة، (يشهد) أي: "كان يشهد" كما في نسخة، (أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، ويشهد أن محمدًا عبدك ورسولك).
(أصبح) أي: صار، (فقيرًا) أي: محتاجًا شديدًا، (إلى رحمتك، وأصبحت) أي: صرت، بل كنت (غنيًّا عن عذابه) ووقع هذا لمحافظة المشاكلة مع قوله: "أصبح فقيرًا"، والمعنى: وأنت غني عن عذابه، (تخلى) أي: اعتزل (من الدنيا وأهلها).
(إن كان زاكيًا) أي: "محسنًا" كما في رواية. وقال المصنف: "أي: طاهرًا من الذنوب" (^١)، (فزكه) بتشديد الكاف المكسورة، أي: "فزد في إحسانه" كما في رواية، وقال المصنف: "فطهره بالمغفرة، ورفع
_________________
(١) = وردت السنة، وقال الشافعي: السنة أن فقال ابن الهمام في صدد الرد على ما نسبوه إلى الشافعي.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
الدرجات" (^١)، انتهى.
ولا يخفى عدم المناسبة بين تفسيره "زاكيًا" بـ "طاهرًا من الذنوب" وبين قوله: "فطهره بالمغفرة"، وأغرب الحنفي بقوله: "الأولى أن يقال: أي زد في زكاته وطهارته".
(وإن كان مخطئًا) أي: مسيئًا، (فاغفر له) أي: إساءته، (اللهم لا تحرمنا) بفتح التاء وكسر الراء، أي: لا تمنعنا، (أجره) أي: ثوابه، وأما ما ضبطه بعضهم بضم أوله فغير صحيح رواية ودراية، ففي "القاموس" (^٢): "حرمه الشيء -كضربه وعلمه- حرمانًا: منعه حقه، وأحرمه لُغَيَّةٌ".
(ولا تضلنا) من الإضلال، أي: لا توقعنا في الإضلال، وهو معنى ما في رواية: "ولا تفتنا" بتشديد النون، (بعده) أي: بعد موته. (مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس (^٣).
(الله اغفر له) أي: ذنوبه، (وارحمه) أي: برفع الدرجة زيادة على المغفرة، (وعافه) أي: من العذاب، (واعف عنه) أي: مما وقع له [من التقصير] (^٤) في الطاعة، (وأكرم) من الإكرام، (نُزُلَه) بضمتين، وهو ما
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٢) القاموس (ص ١٠٩٢).
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٣٥٨) وعنه البيهقي في "الكبرى" (٤/ ٤٢). قال ابن حجر في (الفتح ٣/ ٢) لم أقرأ عليها -أي جهرا- وشرحبيل مختلف في توثيقه.
(٤) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "تقصير".
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
يهيأ للضيف من الطعام، أي: أحسن نصيبَه من الجنة.
وقال المصنف: "بضم النون والزاي، وهو في الأصل قرى الضيف، يعني: الأجر والثواب والمغفرة" (^١).
(ووسِّع) بكسر السين المشددة، (مُدْخَله) بضم ميم وفتح خاء معجمة، وفي نسخة صحيحة بفتحها، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
قال المصنف: "بضم الميم، يعني: موضعًا يدخل فيه، وهو قبره الذي يدخله الله فيه" (^٢).
وقال ميرك: "لكن المسموع من أفواه المشايخ، والمضبوط في الأصول: فتح الميم، وكلاهما صحيح المعنى".
قال صاحب "الصحاح": "المدخل: الدخول، وموضع الدخول أيضًا، يقول: دخلت مدخلا حسنًا ومدخل صدق، والمدخل: الإدخال، والمفعول من أدخله يقول: أدخلته مدخل صدق"، انتهى. ويجوز أن يكون بالضم موضع الإدخال، وهو المناسب لهذا المقام.
(واغسله) بهمز وصل، أي: اغسل ذنوبه وطهر عيوبه، (بالماء والثلج والبرد) بفتحتين، والغرض منه تعميم أنواع الرحمة والمغفرة في مقابلة أصناف المعصية والغفلة.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
(ونقِّه) بتشديد القاف المكسورة، أمر من التنقية، بمعنى التطهير، والهاء يحتمل أن يكون ضميرًا للميت، وأن يكون هاء السكت، (من الخطايا) أي: من أثرها، (كما نقيت الثوب الأبيض) أي: نظفته حقيقة، وفي رواية ابن الهمام: "كما ينقى الثوب الأبيض"، (من الدنس) بفتحتين أي: الدرن، قال المصنف: "بفتح الدال والنون: الوسخ، يريد المبالغة في التطهير من الخطايا والذنوب" (^١).
(وأبدله) أمر من الإبدال، أي: عوّضه، (دارًا) أي: من القصور، أو من سعة القبور، (خيرًا من داره) أي: في الدنيا الفانية، (وأهلًا) أي: من الغلمان والخدم، (خيرًا من أهله، وزوجًا) أي: زوجة من الحور العين، أو من نساء الدنيا في الجنة، (خيرًا من زوجِه) أي: زوجته، أو زوجًا من رجال أهل الجنة خيرًا من زوجها في الدنيا حقيقةً أو حكمًا.
(وأدخله الجنة) أي: أولًا، (وأعذه) أمر من الإعاذة، أي: وخلصه (من عذاب القبر، وعذاب النار) إما بعد إدخاله فيها، أو بإنجائه منها.
(م، ت، س، ق، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن عوف بن مالك الأشجعي (^٢)، وفي "شرح
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٣)، وأبو داود (٣١٩٠)، وأخرجه مسلم (٩٩)، (١٠٠)، وأبو داود (٣١٨٩)، وأبن ماجه (١٥١٨)، والنسائي (٤/ ٦٨)، والترمذي (١٠٣٣).
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
الهداية" لابن الهمام: "قال عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت".
(اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا) أي: لأحيائنا وأمواتنا، معشر المسلمين، (وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا) أي: حاضرنا، (وغائبنا).
قال التوربشتي: "سئل الطحاوي عن معنى الاستغفار للصغار مع أنهم لا ذنب لهم؟ فقال: إن النبي ﵇ سأل ربه أن يغفر لهم الذنوب التي قضيت لهم أن يصيبوها بعد الانتهاء إلى حال الكبر". (^١)
قال ميرك: "كل من القرائن الأربع في هذا الحديث يدل على الشمول والاستيعاب، فلا يحمل على التخصيص نظرًا إلى مفردات التركيب، كأنه قيل: "اللهم اغفر للمسلمين كلهم أجمعين"، فهي من الكنايات الرمزية يدل عليه جمعه في قوله: "اللهم من أحييته منا … " إلى آخره".
قلت: لا كلام في إفادة العموم والشمول، لكن المغفرة لا تقابل إلا بالمعصية، وهي غير متحققة من نحو الأطفال، فحمله المحقق على صغار يصيرون كبارًا يتصور منهم وقوع الذنب (^٢). وأقول: الأظهر أن
_________________
(١) قال السندي: قلت: هذا مبني على جواز المؤاخذة بتلك الذنوب ويدل عليه حديث الله أعلم بما كانوا عاملين (حاشية السندي على سنن ابن ماجه ١/ ٤٥٦).
(٢) ومن هذا التأويل ما حصل للخضر حين قتل الغلام، فقال سبحانه ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] الآيات، فخشي ما كان سيحصل منه مستقبلا من إرهاق والديه بكفره، فأمره الله ﷿ بقتله صغيرًا، والله أعلم.
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
يراد بصغيرنا شبابنا، وبكبيرنا شيوخنا فيرتفع الإشكال، والله أعلم بحقيقة الحال.
(اللهم من أحييته منا فأحيه) بقطع الهمزة، (على الإسلام) وفي رواية الترمذي، والحاكم: "على الإيمان"، (ومن توفيته) بتشديد الفاء، أي: قبضت روحه، (منا فتوفّه على الإيمان) وفي روايتهما: "على الإسلام"، ولا شك أن رواية غيرهما أولى لمناسبة الحياة بالإسلام، ويلائمه الوفاة بلإيمان.
(اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) وفي رواية النسائي: "ولا تفتنا بعده". (د، ت، س، أ، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، وابن ماجه (١٤٩٨). وذكره المزي في تحفة الأشراف (١٠/ ٤٧٢)، ضمن أطراف أبي هريرة ﵁ وعزاه إلى النسائي في عمل "اليوم والليلة" الحديث (١٤٩٩٤) وهو في عمل اليوم والليلة (١٠٨٠)، (١٠٨١). وابن حبان في صحيحه (٣٠٧٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ٤١). وأخرجه الحاكم (١/ ٣٨٥) وصححه على شرط الشيخين، وذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٥٧) (١٠٥٨) قال: قال أبي: رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن النبي ﷺ …، مرسل، لا يقول أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسل. وقال أيضًا برقم (١٠٤٧) (١/ ٣٥٤) سألت أبي عن حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ .. فقال: هذا خطأ، الحفاظ لا يقولون أبا هريرة، إنما يقولون أبو سلمة عن النبي ﷺ مرسلًا، انظر =
[ ٣ / ١٢٥١ ]
قال ابن الهمام: "وفي حديث إبراهيم الأشهل، عن أبيه، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلي علي الجنازة قال: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا". رواه الترمذي، والنسائي.
قال الترمذي: "ورواه أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وزاد فيه: "اللهم من أحييته منا فأحيه علي الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه علي الإيمان"، وفي رواية لأبي داود نحوه، وفي أخرى: "ومن توفيته منا فتوفه علي الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره ولا [تضلنا] (^١) بعده".
(اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها) أي: مع سائر الأنام، (وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها) "أي: أمرت بقبضها" (^٢) ذكره المصنف، فالإسناد مجازي، (وأنت أعلم بسرها وعلانيتها) بتخفيف الياء.
(جئنا) أي: حضرنا، (شفعاء) أي: فيها، (فاغفر) أي: فاغفر ذنبها، أو فاغفر لنا أجمعين. (د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي؛ كلاهما عن أبي هريرة (^٣).
_________________
(١) = التلخيص الحبير (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩). قلت: فإن الذين أوصلوه عن يحيى جماعة، فروايتهم أرجح مع ما فيها من الزيادة.
(٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ): "تَفْتَنا".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٢٠٠)، أحمد (٢/ ٣٤٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٩١٧) قال أبو داود: "أخطأ شعبة في اسم علي بن شماخ، قال فيه: عثمان بن شماس". اهـ وقال البيهقي: "خالفه شعبة في إسناده، ورواية عبد الوارث أصح ". =
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
(لها. س) أي: رواه النسائي عنه بهذه الزيادة.
(له. د) أي: رواه أبو داود بهذه الزيادة.
فتأنيث الضمير باعتبار النفس، أو الروح التي هي الأصل؛ ليكون أيضًا على وفق الضمائر السابقة، والتذكير: باعتبار الشخص، أو التأنيث للمرأة والتذكير للرجل على تقدير تعدد الواقعة الدال عليه اختلاف الرواية.
(اللهم إن فلان ابن فلان) في نسخة بإثبات الألف، وفي أخرى بحذفها، وفي أخرى: "إن فلانًا ابن فلان"، وبتنوين الثاني في الجميع، (في ذمتك) أي: في عهدك من الإيمان، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] أي: ميثاقي.
(وحبل جوارك) بكسر الجيم، أي: في أمانك من القرآن، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال الطيبي: "الحبل: العهد، والأمان، والذمة".
و"حبل جوارك" بيان لقوله: "ذمتك"، نحو: أعجبني زيد وكرمه، أي:
_________________
(١) = أي أخطأ شعبة مرتين: الأولى أنه قال "الجلاس" وصوابه "أبو الجلاس". قال عبد الوارث: "ذهبتُ بشعبة إليه، فقلبه- يعني قال: الجلاس". اهـ وقال أبو زرعة: "وهو أصح" يعني أبا الجلاس. وأما الثانية فقوله: "عثمان بن شماس" وإنما هو "علي بن شماخ". ولشعبة-على تثبُّته- أخطاء في أسماء الرجال نبَّه عليها العلماء. أي أن الاضطراب واضح في سند الحديث. وقال الألباني: ضعيف الإسناد (سنن أبي داود ٣٢٠٠).
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
في كنف حفظك وعهد طاعتك مات.
وقال المصنف: "أي: خفارتك وطلب غفرانك، وفي أمانك، وقد كان من عادة العرب أن يخفر بعضها بعضًا، [فكان] (^١) الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيّد كل قبيلة فيأمن به ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى الأخرى، فيفعل مثل ذلك، فهذا حبل الجوار، أي: ما دام مجاورًا أرضه، ويجوز أن يكون من الإجارة، وهو الأمان والنصرة" (^٢).
(فَقِهِ) بهاء الضمير، وفي نسخة صحيحة بهاء السكت أي: فاحفظه، (من فتنة القبر) أي: اختباره أو عذابه، (وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء) أي: لقولك ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
(والحمد) أي: وأهل الحمد بالتزكية والثناء، أو بالشكر والجزاء لمن ثبت على الإيمان وقام بحق القرآن، والجملة حالية من فاعل "قِهْ" أو استئنافية.
ويمكن أن يكون المعنى: وأنت أهل الوفاء لقولك: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وأهل الحمد: أي: اللائق به ليس إلا أنت، ومن كان كذلك لا يرد سؤال السائل.
(اللهم فاغفر له) أي: بمحو سيئاته، (وارحمه) برفع درجاته، (إنك أنت الغفور الرحيم. د، ق) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، عن واثلة بن الأسقع، أنه قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول:
_________________
(١) كذا في "المفتاح"، وفي (أ) و(ب) و(ج): "وكان"، وفي (د): "ولأن".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
اللهم … " إلى آخره، وسكت عليه أبو داود وأقره الترمذي (^١).
(اللهم عبدك وابن أمتك، احتاج إلى رحمتك) أي: احتياجًا كاملًا، (وأنت غني عن عذابه) وعن مؤاخذته بأعماله، (إن كان محسنًا فزد في إحسانه) أي: في إحسان جزائه، أو في جزاء إحسانه.
(وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه) أي: عن إساءته أو مؤاخذته. (مس) أي: رواه الحاكم عن يزيد بن رُكانة، وهو المطلب بن عناف، وقال: "إسناده صحيح" (^٢)، ويزيد وركانة صحابيّان. ذكره ميرك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٠٢)، وابن ماجه (١٤٩٩)، وفي إسناده: مروان بن جناح الأموي مولاهم لا بأس به، التقريب (٦٦١٠).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٣٥٩) وقال: هذا إسناد صحيح ويزيد بن ركانة وأبوه ركانة بن عبد يزيد صحابيان من بني المطلب بن عبد مناف ولم يخرجاه. أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤٤٤)، وابن قانع في معجم الصحابة (١٢٠٢) والطبراني في معجمه الكبير (٢٢/ ٢٤٩) رقم (٦٤٧) وأبو نعيم في المعرفة (٦٦١٦) من طريق الطبراني وقال: رواه أبو مصعب الزهري عن حسين بن زيد نحوه. وقال ابن أبي حاتم في العلل (٤٧٢) بعد سياقه من طريق أبي مصعب: قال أبي هذا حديث منكر، لا أصل له. عن يعقوب بن حميد بن كاسب ثنا حسين بن زيد بن على عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن ركانة به. وعند الطبراني زيادة في أخره: (ثم يدعوا بما شاء الله أن يدعوا). قال الهيثمي في المجمع (١/ ٤٥٩) رواه الطبراني في الكبير وفيه يعقوب ابن حميد وفيه كلام.
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
(اللهم عبدك، وابن عبدك، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به مني) أي: ظاهرًا وباطنًا، وإنما هذا بطريق العرض.
(إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فاغفر له، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. حب) أي: رواه ابن حبان عن أبي هريرة (^١).
قال ابن الهمام: "واستحسن بعض المشايخ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، إلى آخره، أو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] إلى آخره. ثم يكبر رابعًا، ثم يسلم تسليمتين ينوي بهما الميت مع القوم.
وقد روى محمد بن الحسن، أنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النَّخَعِي: "أن الناس كانوا يصلون على الجنازة خمسًا وستًّا وأربعًا، حتى قبض النبي ﷺ، ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر الصديق ﵁، ثم ولي عمر بن الخطاب ﵁ ففعلوا ذلك.
فقال لهم عمر: إنكم معشر أصحاب محمد، متى تختلفون يختلف الناس بعدكم والناس حديث عهد بالجاهلية، فأجمعوا على شيء يُجْمِعُ عليه مَنْ بَعْدَكُمْ، فأجمع رأي أصحاب محمد أن ينظروا آخر جنازة كبّر عليها النبي ﷺ حتى قبض؛ فيأخذون به، ويرفضون ما سواه، فنظروا
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٦٥٩٨)، وعنه ابن حبان (٣٠٧٣). ذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
فوجدوا آخر جنازة كبّر عليها رسول الله ﷺ أربعًا".
وفيه انقطاع بين إبراهيم وعمر، وهو غير [ضائر] (^١) عندنا، وقد روى أحمد من طريق آخر موصولًا (^٢).
وروى الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس قال: "آخر ما كبّر النبي ﷺ على الجنائز أربع تكبيرات، وكبر عمر على أبي بكر أربعًا، وكبر ابن عمر على عمر أربعًا، وكبر الحسن بن علي على على أربعًا، وكبر الحسين بن علي على الحسن أربعًا، وكبرت الملائكة على آدمَ أربعًا". سكت عليه الحاكم (^٣)، وأعله الدارقطني بالفرات بن السائب، قال: "متروك".
وأخرجه البيهقي في "سننه"، والطبراني عن النضر بن عبد الرحمن،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "جائز".
(٢) أخرجه أبو حنيفة في المسند (٣٣٨) وفي الأثار لابن محمد بن حسن (٢٤٠) وانظر نصب الراية (٢/ ٢٦٨).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٨٦) وأخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٢٩) والعقيلي (٤/ ٦٧) وابن حبان في الضعفاء (٢/ ٢٥١) والدارقطني (٢/ ٧٢) من طرق عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعًا … وكلها لا تخلو من ضعف. قال الدارقطني: إنما هو فرات بن السائب متروك الحديث. وأخرجه الحارث في مسنده (الزوائد) (٢٧٢). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ١٣٩) رواه الحارث بسند ضعيف لضعف فرات بن السائب.
[ ٣ / ١٢٥٧ ]
وضعفه البيهقي قال: "وقد روي من وجوه كلها ضعيفة إلا أن اجتماع أكثر الصحابة ﵃ على الأربع كالدليل على ذلك" (^١).
(وإذا وضعه) أي: الميت، (في قبره، قال) أي: الواضع، (باسم الله) أي: وضعته، أو أدخلته، أو دفنته باسم الله، (وعلى سنة رسول الله ﷺ) وفي رواية الترمذي: "وعلى ملة رسول الله).
قال المصنف: "الملة: الدين، والسنة: الطريقة، يعني: ما سَنَّهُ ﷺ" (^٢)، انتهى. وقيل: "الملة والدين متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار، فإن
_________________
(١) قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ٢٦٤): وقال الخلال في "علله": أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن أبي المليح، عن ميمون، عن ابن عباس "أن آخر جنازة صلى عليها النبي ﷺ كبر أربعًا". قال أحمد: هذا كذب، إنما رواه محمد بن زياد الطحان، وكان يضع الحديث. وقال الأثرم: رواه محمد بن معاوية النيسابوري، عن أبي المليح، عن ميمون، عن ابن عباس "أن الملائكة صلت على آدم، فكبرت عليه أربعا". قال أبو عبد الله: (رأيت لمحمد) (هذا أحاديث موضوعة. فذكر منها) هذا الحديث، واستعظمه أبو عبد الله وقال: أبو المليح كان أصح حديثا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا. قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ٢٦٦): قال البيهقي: وحديث ابن عباس "آخر جنازة صلى عليها رسول الله ﷺ كبر أربعًا" تفرد به النضر بن عبد الرحمن الخزاز عن عكرمة، وهو ضعيف، وقد روي هذا اللفظ من وجوه أخر كلها ضعيفة، إلا أن اجتماع أكثر الصحابة على الأربع كالدليل على ذلك.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
[ ٣ / ١٢٥٨ ]
الشريعة من حيث إنها [يطاع] (^١) لها: دين، ومن حيث إنها تكتب وتملي: ملة، والإملاء بمعنى الإملال".
(د، ت، س، حب) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ إذا وضع الميت في قبره قال: باسم الله، وبالله، وعلى سنة رسول الله" (^٢). واللفظ لأبي داود. ذكره ميرك. والتاء مؤخر عن السين في "نسخة الجلال".
(باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله. مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عمر أيضًا (^٣).
(﴿مِنْهَا﴾) أي: من الأرض، (﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾) أي: ابتداءًا، ﴿وَفِيهَا﴾
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "تطاع".
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٧) وفي (٢/ ٤٠) وفي (٢/ ٥٩) وفي (٢/ ٦٩) و(٢/ ١٢٧) و"عبد بن حميد" (٨١٥) و"أبو داود" (٣٢١٣) و"النسائي" في "الكبرى" (١٠٩٢٧) وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٨٨) وابن الجارود في المنتقى (٥٤٨)، وأبو يعلى (٥٧٥٥)، وابن حبان (٣١١٠). قال الدارقطني في "العلل" (١٢/ ٤١٠) فقال: وقيل: عن سعيد بن عامر، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. والمحفوظ عن هشام موقوفا، من قول ابن عمر، وفعله. وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن هشام، عن هشام. وكذلك رواه شعبة عن قتادة عن أبي الصديق عن ابن عمر موقوفًا. وهو المحفوظ. قال الحافظ في "البلوغ" (١/ ١١٤) صححه ابن حبان. وأعله الدارقطني بالوقف.
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٦) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
نُعِيدُكُمْ﴾ أي: عند موتكم، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]) أي: عند البعث كالإخراجة الأولى.
(باسم الله، وفي سبيل الله) أي: في طريق بها أمر الله، (وعلى ملة رسول الله. مس) أي: رواه الحاكم عن أبي أمامة (^١) قال: "لما وُضِعَتْ أُمُّ كلثوم بِنْتُ رسول الله ﷺ في القبر، فقال رسول الله ﷺ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ " إلى قوله: "وعلى ملة رسول الله". قال أبو أمامة: "فلما بُنِيَ عليها لحدها طفق يطرح إليهم [الجبوب] (^٢)، ويقول: سووا خلال اللَّبِنِ".
قال: "أما إن هذا ليس بشيء، ولكنه يطيب بنفس الحي". وفي بعض النسخ: قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ …﴾ إلى آخره مقدم على قوله: "باسم الله" في صدر الكلام.
(فإذا فرغ) بصيغة الفاعل، ويجوز علي بناء المفعول، (من دفنه) وفي نسخة: "فَإِذَا فَرَغَ دَفْنُهُ"، (وقف) أي: النبي ﵇، (على القبر، فقال: استغفروا) أي: (الله) كما في نسخة صحيحة، (لأخيكم) أي: لذنوب أخيكم المؤمن.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧٩)، وعنه: البيهقي في "الكبرى" (٣/ ٤٠٩) قال الذهبي في "التلخيص" بقوله: "لم يتكلم عليه وهو خبر واه لأن علي بن يزيد متروك". قال الهيثمي (٣/ ٤٣): إسناده ضعيف. قال البيهقي: وهذا إسناد ضعيف … وقد روي في سد الفرجة بالمدرة.
(٢) كذا في (أ)، وفي (ب): "الحبور"، وفي (ج) و(د): "الحثوث".
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
(وسلوا) ضبط بالوجهين، أي: اطلبوا (له التثبيت) وفي نسخة صحيحة وهو "أصل الجلال" الموافق لـ "سلاح المؤمن": "بالتثبيت" يجعل الله إياه ثابتًا على التوحيد في جواب الملكين.
(فإنه الآن) أي: الزمان الذي نحن فيه، والقريب (يسأل) أي: عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، بقولهما: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟.
وفيه إيماء إلى قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقال الطيبي: "أي: اطلبوا من الله أن يثبته على جواب الملكين بالقول الثابت، وضمن "سلوا" معنى الدعاء، كما في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] أي: ادعوا له بدعاء التثبيت أي: قولوا: ثبته الله بالقول الثابت"، انتهى. أو قولوا: اللهم ثبته بالقول الثابت.
قال المصنف: "فيه دليل على أن الرُّوح عائد إلى الجسد عَقِيبَ الدفن للسؤال، كما هو مذهب أهل السنة" (^١).
(د، مس، ر، سني) أي: رواه أبو داود، والحاكم، والبزار، والبيهقي في "السنن الكبير"، عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه (^٢) قال: "كان
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، أحمد (١/ ٦٣)، وابن ماجه (٤٢٦٧)، الترمذي (٢٢٣٠)، وعبد الله بن أحمد "السنة" (١٤٢٥)، والبزار (٤٤٤)، الحاكم (١/ ٣٧٠): صحيح على شرط الإسناد ولم يخرجاه. =
[ ٣ / ١٢٦١ ]
النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: … " [إلخ] (^١).
(وَيقْرَأ) بصيغة الفاعل، وفي نسخة علي بناء المجهول، (على القبر) أي: على طرفه، (بعد الدفن: أول سورة البقرة) أي: إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، (وخاتمتها. سني) أي: رواه البيهقي في "السنن الكبير" (^٢)، وليس في الهوامش منسوبًا إلى أحد من الصحابة.
والمتبادر أنه من رواية عثمان أيضًا، لكن قال النووي في "الأذكار" (^٣):
_________________
(١) = وقال النووي في المجموع (٥/ ٢٩٢) إسناده جيد. وصححه ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ٣٣١). وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (٢٧٥٨).
(٢) من (ج) و(د).
(٣) السنن الكبرى (٤/ ٥٦).
(٤) الأذكار (ص ٢٨٩) وقال: إسناده حسن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره، أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد: إحداها أن ذلك لا بأس به. وهي اختيار الخلال وصاحبه، وأكثر المتأخرين من أصحابه. وقالوا: هي الرواية المتأخرة عن أحمد، وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر (٥) ﵄، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح البقرة، وخواتيمها. ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة. والثانية: أن ذلك مكروه. حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صُلِّيَ عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان، وهذه الرواية هي=
[ ٣ / ١٢٦٢ ]
"روينا في "سنن البيهقي": أن ابن عمر استحب أن يقرأ بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها". قال ميرك: "وظاهر إيراده يقتضي الوقف، خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ قدس سرهما"، فتأمل.
_________________
(١) = التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي، ونحوهما، وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم، ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة. وقال مالك: "ما علمت أحدًا يفعل ذلك"، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه. والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر ﵄، وبعض المهاجرين، وأما القراءة بعد ذلك -مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده- فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلًا. وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل. والذين كرهوا القراءة عند القبر، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك، كما تكره الصلاة، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك. ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا، وما يفعل لأجل القبر، بُيِّنَ كما تقدم. والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الفاجر وجهاد الفاجر، وقد قال النبي ﷺ: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
ثم اعلم أن التلقين المتعارف بعد الدفن ليس فيه حديث صحيح، ولا قياس صريح؛ ولذا [ما أورده] (^١) الشيخ، والله أعلم.
(وإذا زار القبور) أي: قبور مقبرةٍ، زيارةً مجملة، (فليقل: السلام على أهل الديار) قال المصنف: "يريد بالديار المقابرَ، وهو جائز لغة". قال الخطابي (^٢): "إنه يقع على الربع العامر المسكون والخراب"، وأنشد على ذلك قول النابغة، شعر:
* يا ديار مَيَّةَ بالعلياء فالسَّنَدُ *
ثم قال: شعر:
* أقْوَتْ وطال عليها سالف الأَمَدِ * (^٣)
انتهى كلامه.
و"مَيَّةُ": اسم امرأة. و"العلياء": بالفتح، أرض مرتفعة، وهي و"السند" موضعان، و"أقوتِ الدارُ" أي: خلت.
(أو: السلام عليكم أهلَ الديار) منصوب على النداء، أو المدح. وفي نسخة مجرور على البدلية. وفي أخرى: مرفوع على المدح.
(من المؤمنين والمسلمين) أي: من الجامع بين [الانقياد] (^٤) الباطن
_________________
(١) كذا في (ج) و(د) وهو الأليق بالسياق، وفي (أ): "لم يورده"، وفي (ب): "ما نفي أورده".
(٢) معالم السنن (١/ ٣١٨).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ).
(٤) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ): "الانقيادين"، وفي (د): "الانقياد من".
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
والظاهر، فالعطف لتغاير الوصفين، نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١]، فإن الجمهور على أن الإيمان والإسلام واحد.
نَعَم، قد يطلق الإسلام على المعنيين جميعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩]،، وقد يطلق على الانقياد الظاهري فقط، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] إلا أن الإيمان مستلزم للإسلام، وإن كان الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان بخلاف أحكام الإسلام من حيث أعماله وحصوله إكماله.
وبهذا يتبين قول المصنف: "قيل: فيه دليل على أن المؤمن والمسلم بمعنًى، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ. وعندي: أنه من عطف العام على الخاص؛ لأن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس. وفي المؤمنين [من هو] (^١) كامل وناقص" (^٢).
(وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) بلامين؛ [على أن] (^٣) الأولى للتأكيد في خبر "إن" للتأييد، وفي نسخة على وَفق رواية: "لاحقون".
قال المصنف: "قالوا: التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال أمر الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
_________________
(١) من "مفتاح الحصن الحصين" فقط.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ب).
(٣) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب): "لأن".
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
[الكهف: ٢٣ - ٢٤] ". وقال بعضهم: "بل إلى تلك التربية بعينها". وقيل: "خرج مخرج الكلام، كقول القائل: إن أحسنت إلي شكرت إن شاء الله".
وأبعد من قال: إنه كان معه ﷺ مؤمنون، فخاطب المؤمنين، وكان استثناؤه منصرفًا إلى المنافقين". وعندي؛ أنها تعود على مدلول المؤمنين، أي: على الإيمان، والله أعلم" (^١)، انتهي.
ولا يخفى أن التوجيه الذي اختاره خلاف ظاهر العبارة، ومع ذلك مبني على مذهب الشافعي وأتباعه في أن الإيمان يدخله الاستثناء، فيقال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، ومنعه الأكثرون، وعليه أبو حنيفة وأصحابه ﵏.
(نسأل الله لنا ولكم العافية) أي: من العقوبة في الدنيا والآخرة. (م، س، ق) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه، عن بريدة بن الحصيب (^٢)، وزاد ابن ماجه في رواية: "أنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم ".
(أنتم لنا فرط) بفتحتين جمع فارط بمعنى: سابق، (ونحن لكم تبع) بفتحتين جمع تبع ولاحق، (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا.
(السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا) أي: بالموت، (والمستأخرين) أي: منا بالحياة بعد،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٥/ أ، ب).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٤) والنسائي (٤/ ٩٤) وابن ماجه (١٥٤٧).
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
والمقصود منهما الإحاطة بالأحياء والأموات من المؤمنين والمؤمنات.
وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] أي: من استقدم ولادة وموتًا ومن استأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد.
(وإنا إن شاء الله) أي: إذ شاء وحين أراد (بكم) (للاحقون. م، س، ق) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة (^١).
(السلام عليكم دارَ) [بنصب الدار] (^٢) على النداءِ حلًّا للمكانِ مَحَلًّا للحالِ مجازًا، أو على تقديرِ المضافِ، نحوَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، (قومٍ مؤمنين، وأتاكم) بالقصر أي: جاءكم، (ما توعدون غدًا) أي: من الثواب أو العقاب.
وأخطأ الحنفي حيث ضبط بالمد وقال: "من الإيتاء بمعنى الإعطاء"؛ فإنه مخالفة للرواية والدراية، (مؤجلون) بتشديد الجيم المفتوحة، وهو خبر مبتدإٍ محذوف، أي: أنتم مؤجلون باعتبار أجوركم أيضًا.
(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن عائشة أيضًا.
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين) قال المصنف: "منصوب على النداء، أي: يا أهل دار، فَحُذِفَ المضافُ وَأُقِيمَ المضاف إليه مقامه". وقيل:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧٥)، وابن ماجه (١٥٤٧)، والنسائي (٤/ ٩٤).
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "نصب الدار"، وفي (ب): "نصب الراء".
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
"منصوب على الاختصاص، ويجوز جره على البدل من الضمير في "عليكم"، قاله صاحب "المطالع"، انتهى. و"المطالع" كتاب في علم الكلام، وقيل: في اللغة.
(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) بلام واحد. (د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة (^١).
(السلام عليكم يا أهلَ القبور) دلّت هذه الروايات على اتحاد سلام الأحياء والأموات، فما ورد من أن: "عليكم السلام سلام الموتى"، مؤول بما بينته في "المرقاة شرح المشكاة".
(يغفر الله لنا) أي: الأحياء، (ولكم) أي: الأموات، (أنتم سلفنا) بفتحتين، قيل: "سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وأقربائه وإخوانه وأقرانه، وبه سمي الصدر الأول بالسلف الصالح".
وقيل: "هو من السلف كأنه أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يجازى عليه بالصبر". والحاصل: أنكم مقدمون علينا في هذا السفر.
(ونحن بالأثر) بفتحتين، وفي نسخة بكسر فسكون، أي: على عقبكم.
(ت) أي: رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧٤)، وأبو داود (٣٢٣٧) والنسائي (١/ ٩٣).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٥٣) وقال: حديث حسن غريب. في إسناده قابوس بن أبي ظبيان، قال عنه الحافظ: فيه لين، من السادسة، التقريب (٥٤٨٠).
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
ثم اعلم أن زيارة الميت كزيارته في حال حياته يستقبله بوجهه، فإن كان في الحياة إذا زاره يجلس منه على البعد؛ لكونه عظيم القدر، فكذلك في زيارته يقف أو يجلس على البعد [منه] (^١)، وإن كان يجلس منه على القرب في حياته كذلك يجلس بقربه في زيارته (^٢).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): "عنه".
(٢) قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٣٦): وَهَذ التَّسْوِيَةُ وَالْقِيَاسُ مَا عُرِفَتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَافَرُوا إلَى الرَّسُولِ فَسَاعَدُوهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ وَخَاطَبُوهُ وَسَألُوهُ فَأَجَابَهُمْ وَعَلَّمَهُمْ وَأَدَّبَهُمْ وَحَمَّلَهُمْ رَسَائِلَ إلَى قَوْمِهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ: لَا يَكُون مِثْلَهُمْ أَحَدٌ بِالْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ: كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ. فَكَيْفَ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ رُؤيةِ ظَاهِرِ حُجْرَتِهِ مِثْلَهُمْ أَوْ تُقَاسُ هَذه الزِّيَارَةُ بِهَذ الزِّيَارَةِ. وقال أيضًا: "وأمّا جعل زيارة القبر كزيارته حيًّا؛ فهذا قياس ما علمتُ أحدًا من علماء المسلمين قاسه، ولا علمتُ أحدًا منهم احتجّ في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحيّ المحبوب في الله، وهذا من أفسد القياس؛ فإنّه من المعلوم أنّ مَن زار الحيّ حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمَن لم يشاهده ولم يسمع كلامه. وليس رؤية قبره أو رؤية الجدار الذي بني على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه؛ ولو كان هذا مثل هذا؛ لكان مَن زار قبره مثل واحد من أصحابه، ومعلوم أنّ هذا من أباطل الباطل. لم يأت قول أو فعل من النبي أو السلف الصالح يفيد ذلك. وغاية الاستدلال بحديث "ما من عبد يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فسلم =
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
وإذا زاره يقرأ فاتحة الكتاب، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاثَ مرات، ولو قرأها اثنتي عشْرة مرة لكان أحسن (^١)، ويقرأ سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
ويقول: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وكفّر سيئاتكم، وتقبل حسناتكم، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (^٢).
وربنا اغفر لنا ولوالدينا، ولمشايخنا ولأستاذينا، ولأولادنا
_________________
(١) = عليه إلا عرفه ورد عليه¬ السلام" من رواية أبي هريرة. أخرجه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٥٨)، وتمّام في "الفوائد" (١/ ٦٣)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٦/ ١٣٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ٣٨٠)، (٢٧/ ٦٥)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٩١١)، جميعهم من طريق الربيع بن سليمان المرادي، عن بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به. مرفوعًا. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٤٩٣). وانظر: روح المعاني، للآلوسي (٢١/ ٧٨)، ومقدمة الألباني على كتاب "الآيات البينات في عدم سماع الأموات"، ص (٣٨).
(٢) لعله أراد بذلك حديث: "من مر بالمقابر فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات". وهو حديث موضوع (انظر: السلسلة الضعيفة ١٢٩٠).
(٣) ذكر هذا الدعاء ابن كثير ﵀ في التفسير (٦/ ٣٢٦) ونسبه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور.
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
ولأحفادنا، ولإخواننا ولأخواتنا، ولأعمامنا ولعماتنا، ولأخوالنا ولخالاتنا، ولسائر أقاربنا، ولأصحابنا ولأحبابنا، ولمن له حق علينا، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات؛ إنك مجيب الدعوات ورافع الدرجات.
اللهم اغفر لأهل البقيع، أو أهل المُعَلَّى ونحوهما، ثم يقول: اللهم صلِّ على روح محمدٍ في الأرواحِ، وصلِّ على جسد محمد في الأجساد، وصلِّ على قبر محمدٍ في القبور، وصل على تربة محمد في الترابِ، وصل على جميعِ الأنبياء والمرسلين، وعلي ملائكتك المقربين، وعلي عبادك الصالحين، وعلي أهل طاعتك أجمعين. ربنا توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وأدخلنا الجنة، آمين. برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين (^١).
_________________
(١) هذه من الصلوات المحدثة المبتدعة، وأفضل الصلوات على النبي ﷺ ما علمه لأصحابه، وهي الصلاة الإبراهيمية، وقد جاءت بعدة صيغ. أما هذه الصلوات فهي محدثة مبتدعة، وهل الله يصلي على التربة؟! وهل يصلي على الروضة؟! صلاة الله على عبده هي ثناؤه عليه. قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. علقه البخاري. ولو كانت تلك الصلوات المحدثة خيرا لسبقنا إليه أحرص الناس على الخير، أعني أصحاب محمد ﷺ، ورضي الله عنهم. والله تعالى أعلم. راجع: القول البديع في الصلاة على الحبيب لابن القيم، وكذلك كتابه الجليل جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام.
[ ٣ / ١٢٧١ ]