(ومن نزل به غم أو كرب) الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس، كذا في "الصحاح"، وقيل: "الكرب أشد الغم" (^١)، ذكره الواحدي. وقال العسقلاني: "الكَرْبُ -بِفَتْحِ الكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا مُوَحّدة-: هو ما يدهم الأمر مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه" ذكره ميرك.
(أو أمر مهم) في "الصحاح": "الهم: الحزن والجمع الهموم، وأهمني الأمر: إذا أقلقك وأحزنك. يقال: هَمُّكَ مَا أَهَمَّكَ. وَالمُهم: الأَمْرُ الشَّدِيدِ"، انتهى. و"أو" للتنويع لا للشك والترديد.
(فليقل) أي: في جميع ما ذكر، (لا إله إلا الله العظيم) أي: ذاتًا وصفةً، (الحليم) أي: من لا يعجل عقوبة، (لا إله إلا الله رب العرش العظيم) بالجر، وفي نسخة صحيحة بالرفع وسيأتي بيانهما، (لا إله إلا الله رب السماوات والأرض) وفي نسخة: "ورب الأرض"، (رب العرش) وفي نسخة: "ورب العرش"، (الكريم) بالجر أو الرفع.
قال العسقلاني: "نقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع "العظيم"، وكذا برفع "الكريم"، على أنَّهما نعتان للرب، والذي ثبت في رواية الجمهور على أنَّهما نعتان للعرش، وكذلك قرأة الجمهور في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، و﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالجر،
_________________
(١) الصحاح (١/ ٢٢١).
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
وقرأ ابن محيصن بالرفع فيهما، وجاء ذلك أيضًا عن ابن كثير، وأبي جعفر المدني، وأعرب بوجهين:
أحدهما: ما تقدم. والثاني: أن يكون مع الرفع نعتًا للعرش على أنه خبر مبتدإٍ محذوف قطع عما قبله للمدح، ورجح لحصول توافق الروايتين.
ورجح أبو بكر الأصم الأول؛ لأن وصف الرب بالعظيم أولى من وصف العرش، وفيه نظر؛ لأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم، وقد نعت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش عظيم، ولم ينكر عليه سليمان.
(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن ابن عباس أيضًا (^١).
(لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، رب العرش) وفي نسخة: "ورب العرش"، (الكريم. خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا، وفي نسخة [زيادة] (^٢) رمز الترمذي.
(لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، ثم يدعو بعد ذلك. عو) أي: رواه أبو عوانة عنه أيضًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٥٢)، وابن ماجه (٣٨٨٣).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "بزيادة".
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠)، والترمذي (٣٤٣٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٥٢)، وابن ماجه (٣٨٨٣).
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
(لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم. مص، س، حب، مس) أي رواه: ابن أبي شيبة عن ابن عباس (^١)، والنسائي وابن حبان والحاكم عن علي ﵁.
(والحمد لله رب العالمين. س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن عليِّ هذه الزيادة (^٢).
(لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم) وفي نسخة: "ربُّ" بالرفع في الموضعين؛ على أنه خبر لمبتدإٍ محذوف هو: "هو"، (الحمد لله رب العالمين) بالجر، ويجوز نصبه ورفعه.
(اللهم إني أعوذ بك من شر عبادك. صحيح السند لابن أبي عاصم في كتابه "الدعاء") وفي نسخة: "في "كتاب الدعاء""، من حديث علي أيضًا (^٣).
وفي "رياض النضرة" عن علي ﵁، قال: "قال رسول الله ﷺ: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك مع أنك مغفور لك؟ لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين"، أخرجه: أحمد،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٧٦٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٤)، والنسائي في الكبرى (٥/ ١١٤)، وفي عمل اليوم والليلة (٦٤٠)، وانظر فضائل الصحابة (٢/ ٦١٦ رقم ١٠٥٣)، والخطيب في تاريخه (٩/ ٣٥٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٩٢) رقم (٥٠٦٠)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٢١).
(٣) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٠١٨).
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
والنسائي، وأبو حاتم (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد في "المسند" (١/ ١٥٨)، وفي "الفضائل" (١٢١٦)، والنسائي في "اليوم والليلة" (٦٣٧"، وفي "الخصائص" (٢٨ و٢٩)، وابن أبي عاصم (١٣١٤)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٩٤٢)، والشجري في "الأمالي الخميسية" (١/ ٣٠٢): (١٠٥١) من طريق إسرائيل. والدارقطني في "العلل" (٤/ ٩ - ١٠) من طريق سفيان الثوري. كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، ولم يقل الثوري في حديثه: "مع أنه مغفور لك". وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٦٣٦)، وفي "الخصائص" (٢٧) من طريق أحمد بن خالد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: كلمات الفرج: لا إله إلا الله … فذكره موقوفًا عليه. وأخرجه الترمذي (٣٥٠٤)، والنسائي في "اليوم والليلة" (٦٤٠)، وفي "الخصائص" (٣٠)، والقطيعي في "زوائده على الفضائل" (١٠٥٣)، والطبراني في "الصغير" (٧٦٣) من طريق الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأعور، عن علي. وفيه: "وإن كنت مغفورًا لك". وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. وقال النسائي في "الخصائص": أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها وإنما أخرجناه لمخالفة الحسين بن واقد لإسرائيل ولعلي بن صالح والحارث بن الأعور ليس بذاك في الحديث. وقال الدارقطني في "العلل" (٤/ ٩) رقم (٤٠٧): وحديث هارون بن عنترة، وحديث الحسين بن واقد جميعًا وهم. وله طرق عدة عن علي:
(٢) عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، قال: قال لي النبي ﷺ: "ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر لك، مع أنه مغفور لك: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات =
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السبع، ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين". أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٩٩٦٧)، وعنه: عبد بن حميد (٧٤)، وكذا ابن أبي عاصم (١٣١٦)، وأحمد (٢/ ١١٩)، والنسائي في "الكبرى" (٧٦٣١)، و"عمل اليوم والليلة" (٦٣٨)، و"خصائص علي" (٢٥) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" -كما في "إتحاف الخيرة المهرة"- (٦/ ٤٣١) -، وابن أبي عاصم (١٣١٥)، والبزار (٧٠٥)، والنسائي في "الكبرى" (٨٣٥٦، ٨٣٥٧)، وفي "الخصائص" (٢٦)، وابن حبان (٦٩٢٨) والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٩٤١)، وابن المقرئ في "معجمه" (٦٦٢) والطبراني في "الصغير" (٣٥٠)، والدارقطني في "العلل" (٤/ ١٠) رقم (٤٠٧)، والضياء في "الأحاديث المختارة" (٢/ ٢١٩/ ٦٠٢) من طرق عن علي بن صالح به. وأخرجه ابن أبي عاصم (١٣١٧)، والآجري في "الشريعة" (١٥٦٠) من طريق نصير بن أبي الأشعث. والنسائي في "اليوم والليلة" (٦٣٩) من طريق يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق. والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٣٥٦) من طريق عبد الله بن علي الإفريقي. والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٩٤٣) حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي قال: حدثنا شريح بن مسلمة التنوخي عن أبيه. كلهم عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة. ورواه حبيب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ذي مر وزيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ قال: "يا علي، ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل عدد الذر ذنوبا لغفرت لك مع أنه مغفور لك؟ قل الله لا إله إلا أنت الحكيم الكريم تباركت سبحانك رب العرش العظيم". أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ ١٩٢) رقم (٥٠٦٠)، وقال الهيثمي (١٠/ ١٨٠): وفيه حبيب بن حبيب أخو حمزة الزيات، وهو ضعيف. =
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
وأخرجه ابن الضحاك وزاد بعد "الحمد لله رب العالمين": "اللهم اغفر
_________________
(١) = ورواه عن علي جماعة:
(٢) عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء، عن علي بن أبي طالب ﵇ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أعلمك كلمات تقولها، لو كانت عليك من الذنوب كذر النمل لغفرها الله لك، مع أنه مغفور لك تقول: اللهم عملت سوءًا، وظلمت نفسي فأغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". أخرجه الحسن الخلال في "المجالس العشرة الأمالي" (٧٦) ثنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد المقرئ، ثنا عبد الله بن محمد بن زياد، ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن وهب، أنبأ سعيد بن أبي أيوب، عن أبي صخرة، عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء، عن علي بن أبي طالب.
(٣) عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب، قال: لقنني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات، وأمرني إن نزل بي كرب، أو شدة، أن أقولهن: لا إله إلا الله الكريم الحليم، سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. رواه الحاكم في (١/ ٦٨٩) عن طريق سعيد بن منصور، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد، عن عبد الله بن جعفر، عن علي ﵃، قال: لقنني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات إذا نزل بي شدة، أو كرب أن أقولهن: "لا إله إلا الله الحليم الكريم، ﷾، تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين" قال: "فكان عبد الله بن جعفر يلقنها الميت، وينفث بها على الموعوك" وقال: قد أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث مختصرًا من حديث قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄. وأخرجه أحمد بن منيع، والحارث في "مسنده"- كما في "إتحاف الخيرة المهرة"- (٦/ ٤٣١)، وأحمد (١/ ٩١)، (١/ ٩٤).
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
لي، اللهم ارحمني، اللهم اعف عني؛ إنك غفور رحيم، أو: عفو غفور"".
(حسبنا الله) أي: كافينا، (ونعم الوكيل) أي: الموكول إليه أمرنا. (خ، ت، س) أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، عن ابن عباس (^١).
(حسبي الله ونعم الوكيل) أي: هو. (خ) أي: روه البخاري عنه أيضًا بهذا اللفظ (^٢)، قال ميرك: "عن ابن عباس، قال: "حسبنا لله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ …﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية" رواه البخاري والنسائي، وفي رواية البخاري أيضًا، قال: "آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل"، هكذا أورده صاحب "السلاح"، والظاهر: أنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ قدس سره".
قلت: وكأنه لما رأى أن الحديث في حكم المرفوع سكت عليه، أو اعتمادًا على أنه مرفوع في بعض طرقه؛ ففي "الجامع": "حسبي الله ونعم الوكيل أمان لكل خائف"، رواه الديلمي في "الفردوس" عن شداد بن أوس مرفوعًا (^٣).
(الله، الله) صحح بالسكون في [النسخة] (^٤) الأصلية على الوقف، أو على سبيل التعداد، كذا ذكره الحنفي، ولا يخفى أن التعداد [يتطلب] (^٥) المغايرة
_________________
(١) البخاري (٤٥٦٣) والنسائي في الكبرى (١١٠٨١) وفي "عمل اليوم والليلة" (٦٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٦٣).
(٣) أخرجه الديلمي في الفردوس (٢٦٨٨) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧١٣).
(٤) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "النسخ".
(٥) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "يطلب".
[ ٢ / ١٠٣١ ]
حقيقةً كـ "زْيد عَمْرو" وَ"أَلِفْ بَاءْ"، أوْ مُقَدَّرَة كقولهم: "باب باب".
وفي أصل "الجلال" وكثيرٍ من الأصول المعتمدة: "الله الله" بالرفع فيهما؛ على أن الأول مبتدأ، والثاني تأكيد، وخبره قوله: (ربي) أو هو عطف بيان، والخبر: (لا أشرك به شيئًا) وتبين بهذا التقرير أن قول الحنفي: الرواية بالسكون، وقع من غير تحرير.
(د، س، ق، مص، طس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والطبراني في "الأوسط" (^١)، عن أسماء بنت عميس، قالت: "قال لي رسول الله ﷺ: ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكريب، أو في الكريب: الله … "، إلى آخره.
(الله) هنا بالرفع بلا خلاف، (ربي لا أشرك به شيئًا، ثلاث مراتٍ. طب) أي رواه: الطبراني في كتاب "الدعاء" (^٢) له عن أسماء أيضًا، وزاد فيه: "وكان ذلك آخر كلام عمر بن عبد العزيز عند الموت".
(الله، الله) بالوجهين، (ربي لا أشرك به شيئًا، الله، الله ربي لا أشرك به شيئًا. حب) أي: رواه ابن حبان (^٣) عن عائشة بلفظ: "إذا أصاب أحدكم غم أو كرب فليقل: الله … " إلى آخره.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٦٦)، وأحمد (٦/ ٣٦٩)، وأبو داود (١٥٢٥)، وابن ماجه (٣٨٨٢) والطبراني في "الكبير" ٢٤/ (٣٦٣)، وفي "الأوسط" (٦١١٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٢٣).
(٢) "الدعاء" (١٠٢٧).
(٣) أخرجه ابن حبان (٨٦٤).
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
(توكلت على الحي الذي لا يموت) فيه عمل بقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وإيماء إلى أن الذي يموت لا ينبغي أن يتوكل عليه.
(و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾) أي: كما قالت اليهود: "عزير ابن الله"، وقالت النصارى: "المسيح ابن الله"، وقالت كفار مكة: "الملائكة بنات الله"، (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾) أي: في الألوهية، كما قالت النصارى والمشركون، فإنهم أثبتوا الربوبية للمسيح والأصنام.
(﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ﴾) أي: ناصر (﴿مِنَ الذُّلِّ﴾) أي: ولي يواليه من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته، فإنه لا يحوم الذل حول عزته فيحتاج إلى ولي يتعزز به، وعن القرطبي: "إن الصابئين والمجوس يقولون: لولا أولياء الله لذل، سبحانه ﷿"، ذكره ميرك.
(﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]) أي: وعظمه تعظيمًا، فهو تعظيم وتكميل وتتميم، فهو سبحانه أثبت لنفسه الأقدس وذاته الأنفس الأسماء الحسنى والصفات العلى بقوله في الآية الأولى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ …﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية، ونزه نفسه عن النقائص في هذه الآية؛ فالجملة كمضمون سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الدّالة على الإخلاص المفيد للتوحيد، المقتضي للاختصاص الموجب للنجاة والخلاص.
(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا (^١)، ولفظه: "ما كَرَبَنِي
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٩) وقال: صحيح الإسناد. =
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
أمر إلا مَثُل لي جبريل، فقال: قل: توكلت … " إلى آخره.
(اللهم رحمتك) أي: الخاصة، (أرجو) أي: أرجوها، ولا أرجو غيرها، (فلا تكلني) أي: لا تدعني ولا تتركني، (إلى نفسي) أي: اختيارها فضلًا عن غيرها (طرفة عين) أي: "ولا أقل من ذلك" كما في رواية: "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف، وعورة وذنب، وخطيئة"، (وأصلح لي شأني) بسكون الهمزة، ويجوز إبداله، أي: أمري (كله)، أي: جميع أفراده؛ فإني عاجز عن إصلاحه. قال المصنّف: "الشأن: الأمر والحال والخطب" (^١).
(د، حب، ط، مص) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والطبراني، وابن أبي شيبة، عن أبي بكرة الثقفي (^٢)، ولفظه: "دعوات المكروب هذا".
(لا إله إلا أنت. د، حب، مص، ي) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، وابن أبي شيبة، وابن السني، عنه أيضًا هذه الزيادة، وفيه: أن رمز [ابن] (^٣) السني ما
_________________
(١) = قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٨٥): رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩١٥٤)، وأحمد (٥/ ٤٢)، والبخاري في الأدب (٧٠١)، وأبو داود (٥٠٩٠)، وابن حبان (٩٧٠)، والطبراني في الدعاء (١٠٣٢) وانظر فتح الباري (١١/ ١٤٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٨٨). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٣٧) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن. وحسنه الحافظ في "أمالي الأذكار" فيما نقله عنه ابن علان (٤/ ٨).
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
سبق، ولعله روى هذا القدر، كما أن الطبراني لم يرو إلا الأول، فتأمل.
(يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) أي: "ومن عذابك أستجير" كما في رواية. (مس، ي) أي رواه: الحاكم، وابن السني؛ كلاهما عن ابن مسعود (^١)، وفي بعض النسخ المصحَّحَة: "عن أنس" (^٢)، ولفظه: "إذا حزبه أمر كان يقوله".
(ويكرر وهو ساجد: يا حي يا قيوم. س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم، كلاهما عن علي، وقد سبق عنه أنه كان في قضية بدر (^٣).
(﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾) أي: أنزهك عن أن يعجزك شيء، (﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]) أي: لنفسي في المبادرة إلى
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة" (٥٠)، والحاكم (١/ ٥٠٩) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢١٥)، وفي "الشعب" (١٠٢٣١) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١٠٤٠٥)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٥٧٠) والحاكم (١/ ٧٣٠).
(٣) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١٠٤٤٧)، وأبو يعلى (٥٣٠) والبزار (٦١١ - ٦١٢) والحاكم (١/ ٢٢٢). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي، عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليس في إسناده مذكور بجرح. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٤٠٩) رواه البزار وإسناده حسن ورواه أبو يعلى.
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
التقصير. (ي) أي: رواه ابن السني عن سعد بن أبي وقاص (^١) (لم يدعُ بها رجل مسلم) أي: ربه (في شيء) من الحاجات أو دفع البَلِيّات (قط إلا استجاب الله له)، وفي رواية: "ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له"، وهو مستنبط من قوله تعالى ليونس ﵇: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
(ت، س، مس، أ، ر، ص) أي رواه: الترمذي والنسائي والحاكم عن سعد بن أبي وقاص (^٢)، وأحمد والبزار وأبو يعلى عن عثمان بن عفان (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٤٣).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٥)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٦٥٦) وأخرجه الحاكم (١/ ٥٠٥)، وقال: صحيح الإسناد.
(٣) قوله يوهم أنه من رواية عثمان ولي فهو عند أحمد بلفظ: عن سعد، قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين قال: لا. وما ذاك؟ قال: قلت: لا. إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد، فسلمت عليه فملأ عينيه مني، ثم لم يرد علي السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال عثمان: ما فعلت قال سعد: قلت: بلى. قال: حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر، فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه إنك مررت بي آنفًا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال: قال سعد: فأنا أنبئك بها: إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله ﷺ ذلك، فاتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدمي =
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
(وما قال عبد أصابه هم أو حُزْن) بضم فسكون، ويجوز فتحهما (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك) وفي نسخة: بالعطف، أي: وابن جاريتك ومملوكتك.
(ناصيتي بيدك) كناية عن كمال قدرته، وإشارة إلى إحاطته على وفق إرادته (ماض) أي: نافذ (فيّ) بتشديد الياء، أي: في حق حكمك؛ إيماءً إلى أنه لا مانع لفعله ولا راد لحكمه، أو المعنى: سابق في شأني حكمك الأزلي، ولا تبديل ولا تحويل لأمرك، (عدل) أي: لا جور ولا ظلم، (فيّ) أي: في أمري، (قضاؤك) أي: تقديرك.
(أسألك بكلِّ اسم هو لك) أي: ثابت (سميت به نفسك) وهو أعم من قوله: (أو أنزلته في كتابك) أي: القرآن وغيره، (أو علمته أحدًا من خلقك) من الأنبياء والملائكة والأولياء وغيرهم.
(أو استأثرت) أي: اخترت واصطفيت (به في علم الغيب) أي: الذي لا يعلمه إلا أنت، (عندك) أي: خاصة؛ ففي "القاموس": "رجل يستأثر على أصحابه؛ أي: يختار لنفسه أشياء حسنة، والاسم الأَثَرَةُ مُحَرَّكَة،
_________________
(١) = الأرض، فالتفت إلي رسول الله ﷺ: فقال: "من هذا أبو إسحاق"؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله ﷺ. قال: "فمه". قال: قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: "نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له".
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
واستأثر بالشيء: استبد به، وخص به نفسه" وقال المصنّف: "الاستئثار: الانفراد بالشيء، أي: انفردت بعلمه عندك لا يعلمه إلا أنت".
(أن تجعل القرآن) مفعول ثان لأسألك، وقوله: (العظيم) على ما في "أصل الجلال"، وأكثر الأصول نعت له، ثم قوله: (ربيع قلبي) مفعول ثان لـ "جعل"، أي: متنزهه ومكان رعيه، وانتفاعه بأنواره وأزهاره وأشجاره وأثماره المشبه بها أنواع العلوم والمعارف، وأصناف الأحكام والعوارف، وقال المصنّف: "أي: راحته" (^١).
(ونور بصري) أي: إذا قرأته عينًا، كما أنه ربيع قلبي إذا تلوته غيبًا، (وجِلاء حزني) بكسر الجيم، أي: إزالته وكشفه، من جلوت السيف جِلاءً بالكسر، أي: صَقلت. ويقال: جلوت همي عني، أي: أذهبته. وفي نسخة بفتح الجيم، فهو من قولهم: جلا القوم عن الموضع، ومنه جلاء، تفرقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣]، فالمعنى: اجعله سبب تفرقة حزني وجمعية خاطري.
(وذهاب همي) أي: همي الذي لا ينفعني ويفرقني ولا يجمعني، وفي رواية البزار: "غمي" بدله. وفي نسخة: "همي وغمي"، ولعلّه من تصرفات النساخ (إلا أذهب الله همه، وأبدل مكان حزنه فرحًا) بفتحتين وهو بالحاء المهملة، وهو: الملائم لمقابلة الحزن. وفي نسخة بالجيم، والظاهر أنه تصحيف.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
(حب، مس، أ، ص، ر، مص، ط) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، وأحمد، وأبو يعلى، والبزار، وابن أبي شيبة، والطبراني؛ كلهم عن ابن مسعود (^١).
(من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ كانت) أي: هذه الكلمة أو الكلمات، (له) كما في نسخة، أي: لقائلها (دواء) أي: علاجًا، (من تسعة وتسعين داء) أي: بلاء، والظاهر أن المراد بالعدد المذكور: التكثير لا التحديد، أو إيماء إلى أن الالتجاء إلى الله المنعوت بالأسماء -التي هي تسعة وتسعون- نتيجته عظيمة وثمرته وسيمة، (أيسرها) أي: أسهلها (الهم) أي: الغم الشديد.
(مس، ط) أي رواه: الحاكم عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عمر (^٢).
(من لزم الاستغفار) أي: لازمه وداومه. (د، ق، حب) أي رواه: أبو
_________________
(١) أخرجه حمد (١/ ٣٩١ و٤٥٢)، وأبو يعلى (٥٢٩٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٣٠)، والطبراني في "معجمه الكبير" (١٠/ ١٦٩) رقم (١٠٣٥٢)، وفي "الدعاء" (١٠٣٥)، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (١٥٥)، وفي "القضاء والقدر" (٣٠٧)، وأبو يعلى (٥٢٩٧) والحاكم (١/ ٥٠٩). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. وقال الذهبي في التلخيص: أبو سلمة لا يدرى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة. أما قول الحاكم: على شرط مسلم، فإن القاسم بن عبد الرحمن لم يخرج له مسلم بل هو من رجال البخاري وحده.
(٢) أخرجه الطبراني في "الدعاء" (١٦٧٤)، وفي "الأوسط" (٥٠٢٨)، وقال الحاكم (١/ ٥٤٢): هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وقال الذهبي: بشر واهٍ، والحديث في "ضعيف الترغيب" (٩٧٠). انظر "الأحاديث الصحيحة" (١٥٢٨).
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
داود، وابن ماجه، وابن حبان، عن ابن عباس (^١).
(من أكثر من الاستغفار. س) أي: رواه النسائي عنه بهذا اللفظ (^٢) في الشرط، والكل متفقون على الجزاء، وهو قوله: (جعل الله له من كل ضيق) بكسر الضاد ويفتح، أي: أمر ضيق شديد يضيق به القلب، (مخرجًا) أي: خروجًا، أو مكان خروج، أو زمانه بسبب الاستغفار؛ إذ الغالب أن الذنب هو السبب للمصيبة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أي: بالاستغفار وغيره.
(ومن كل هم فرجًا) بفتحتين، وهو بالجيم من فرج الله الغم كشفه كفرجه، والفرجة مثلثة: التفصي من الهم، والاسم: الفرج محركة، على ما في "القاموس".
(ورزقه) أي: مطلوبه، (من حيث لا يحتسب) أي: لا يُظَنُّ وَلا يُتَوَهَّمُ. قال المصنّف: "أي: من حيث لا يعلم ولا كان في حسابه" (^٣)، انتهى. والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥١٨) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٥٦)، وابن ماجه (٣٨١٩)، وأحمد (١/ ٢٤٨)، وابن السني (٣٦٤)، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٣٥١)، وفي "الشعب" (٦٤٥)، والطبراني في "الدعاء" (١٧٧٤) و(١٠٦٦٥) وفي "الأوسط" (٦٢٨٧)، والحاكم (٤/ ٢٦٢) وقال: صحيح الإسناد لم يخرجاه، وقال الذهبي: الحكم بن مصعب المخزومي الدمشقي فيه جهالة. والحديث في "ضعيف الترغيب" (١٠٠٢).
(٢) أخرجه أيضًا: النسائي في الكبرى (١٠٢٩٠).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]؛ إلا أنه لما كان لا يخلو المتقي وغيره من التقصير كما ورد: "كل بني آدم خطاءون، وخير الخطائين التوابون"، أشار ﷺ إليه في تعبيره بملازمة الاستغفار، أو إيماء إلى أن العاصي إذا استغفر صار متقيًا، وهذا جزاء المتقي لا محالة.
(د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس (^١).
(وتقدم) أي: في أحاديث الأذان، (ما يقول من نزل به كرب أو شدة عند سماع المؤذِّن وإجابته له. مس) أي: رواه الحاكم عن أبي أمامة، وكذا ابن السني على ما تقدم فلا وجه لإفراده، بل ولا لذكر الرمز هنا؛ لأن هذا كلام المصنّف للتنبيه على وجه الإحالة، وليس لفظ الحديث حتى يحتاج إلى ذكر المخرج.
(وإن توقّع بلاء) أي: نزوله أو حصوله ووصوله (أو أمرًا مهولًا) أي: مخوفًا؛ ففي "النهاية": "الهول: الخوف والأمر الشديد، وقد هاله يهوله، فهو هائل ومهول" وهو تخصيص بعد تعميم، فـ "أَوْ" للتنويع كما في قوله: (أو وقع في أمر عظيم) ولا يخفى الفرق بين التوقّع والوقوع.
(قال: حسبنا الله) أي: كافينا (ونعم الوكيل) أي: هو: (على الله توكلنا) أي: اعتمدنا عليه، ووكلنا أمرنا إليه، وتقديم المتعلق للاختصاص (ت،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥١٨)، وابن ماجه (٣٨١٩)، والنسائي (١٠٢٩٠) وإسناده ضعيف فيه الحكم بن مصعب قال عنه الحافظ في "التقريب" مجهول (ت ١٤٦٩). وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (٣٢٧).
[ ٢ / ١٠٤١ ]
مص) أي رواه: الترمذي عن أبي سعيد الخدري (^١)، وابن أبي شيبة عن ابن عباس (^٢)، وفي بعض النسخ: "كلاهما عن ابن عباس".
(وإن أصابته مصيبة) أي: موت أحد من أهله، (فليقل: إنا) أي: كلنا (لله) أي: لحكمه ثابتون وقائمون، (وإنا إليه راجعون) أي: بالموت والبعث.
(اللهم عندك) أي: من عندك، (أحتسب) أي: أطلب الثواب، (مصيبتي) أي: في مصيبتي، فهو منصوب المحل بنزع الخافض، وقال المصنّف: "أي: أطلب منك ثوابها وأجرها" (^٣).
(فأجرني فيها) بهمز ساكن وضم جيم، وفي بعض النسخ المصحَّحَة: بألف فكسر جيم، وسيأتي بيانهما في كلام المصنّف، والمفهوم من "القاموس": جواز كسر الجيم في المجرد أيضًا؛ حيث قال: "الأجر: الجزاء على العمل كالإجارة، [أجاره] (^٤) يأجره ويأجره: جزاه كآجره".
(وأبدلني) أي: من الإبدال، أي: وعوضني، (منها خيرًا) أي: من مصيبتي، وقدم للاهتمام.
(ت، س، ق) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، قال الترمذي: "حسن
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٤٣) وإسناده صحيح بشواهده انظر: السلسلة الصحيحة (١٠٧٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٢٠٣).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٤) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "أجره".
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
غريب" (^١)، ورواه أبو داود من حديث أم سلمة (^٢) وهو الأظهر، تأمل، ذكره ميرك.
قلت: الظاهر: "أم سلمة"؛ لأن الحديث ورد بعد موت أبي سلمة كما هو مشهور، لكن لا يبعد أنه أيضًا سمعه ورواه، ثم سمعته أم سلمة بعد موته، ووجدتُ في حاشية نسخة صحيحة بعد قوله "أبو سلمة": "صوابه أبي سعيد"؛ كذا في الترمذي، والله أعلم. وفي نسخة: "رواه الترمذي عن أبي سعيد، وما بعده عن أبي سلمة"، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) وأخرجه الترمذي (٣٥١١) وابن ماجه (١٥٩٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٨٦) وفي السلسلة الضعيفة (٢٣٨٢). وهو بلفظ مقارب عند مسلم (٩١٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١١٩) والحاكم (٤/ ١٨) وأحمد (٦/ ١٧) عن أم سلمة وفي إسناده ابن عمر بن أبي سلمة وهو مجهول كما قال الذهبي في الميزان (٧/ ٤٥٤).
(٣) قال الحاكم في المستدرك (٣/ ٧٢٩): "وذكر الحديث بطوله هذا حديث مخرج في الصحيحين وإنما خرجته لأني لم أجد لأبي سلمة عن رسول الله ﷺ حديثًا مسندًا غير هذا". قال الحاكم (٤/ ١٩): "هذا حديث صحيح الإسناد قال بن عمر بن أبي سلمة الذي لم يسمه حماد بن سلمة في هذا الحديث سماه غيره سعيد بن عمر بن أبي سلمة ولم يخرجاه". وقال المزي في تهذيب ٣٤: ٤٦٤: روى يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري عن عبد الرحمن بن محمد بن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن جده أحاديث فيحتمل أن يكون هذا والله أعلم. وقال ابن حجر في تهذيبه (١٢: ٣٠٥): قيل اسمه محمد روى عن أبيه عمر بن أبي سلمة روى عنه ثابت البناني مجهول قاله ابن حزم وقال الطحاوي والذهبي: لا يعرف. وقال ابن حجر =
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
(إنا لله، وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي) قال المصنّف: "قوله: "فأجرني فيها"، و"أجرني في مصيبتي": يجوز فيه القصر والمد، فالمد من: آجره يؤجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء، وكذلك: أجره يأجره، والأمر منهما: آجِرْني بكسر الجيم في المد، وأجُرْني بضمها في القصر والابتداء بهمزة مضمومة بعدها واو" (^١)، انتهى. قال الحنفي: "وفيه بحث". ولم يبين موضعه ليبحث فيه، وينظر فيما ينافيه.
(وأخلف) من الإخلاف، أي: وعوض (لي خيرًا منها) قال المصنّف: "هو بقطع الهمزة وكسر اللام، يقال لمن ذهب له مال وولد ومن يتوقع
_________________
(١) = (٥٥٢٥): مقبول. روي له أبو داود والنسائي ومحمد: قال ابن حجر في التقريب ٦١٦٨: مقبول. وأما سعيد لم أجده عند غير الحاكم. وعبد الله بن عبد الأسد أبو سلمة: قال البيهقي: وأبو سلمة اسمه عبدان بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. مترجم في الإصابة رقم ٤٨٠١ وأسد الغابة ٣٠٣٨ والاستيعاب (١٦٠٧). عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني قال أخبرني عمر بن أبي سلمة عن أمه عن أم سلمة. وتابعه: جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن عمر بن أبي سلمة -به- … الحديث. أخرجه عبد الرزاق (٦٧٠١)، والطحاوي في "المشكل" (١٤/ ٤٥٥). وأحمد (٦/ ٣١٤)، والطبراني في كتاب الدعاء (١٢٣٠).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
حصول مثله، أي: رد الله عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب له أب أو أم قيل له: "خلف الله عليك" بغير همزة، أي: أن الله خليفة منه عليك، والأمر منه: اخلف، بهمزة الوصل وبضم اللام" (^١).
قلتُ: وفي نسخة صحيحة بقطع الألف وكسر اللام، والمفهوم من "النهاية" جواز الوجهين وترجيح الثاني؛ حيث قال: "خلف الله لك خلفًا بخير، وأخْلف عليك خيرًا: أي: أبْدَلك بما ذَهَب منك وعَوَّضَك عنه، وإذا ذَهب للرَّجل ما يخلفه مثل: المال والولد، قيل: أخْلف الله لك وعَلَيْك، وإذا ذَهَبَ ما لا يخلفه غالبًا كالأب والأمّ، يقال: خَلف الله عليك.
وقيل يقال: خَلَفَ الله عليك إذا مات لك ميِّت، أي: كان الله خَلِيفَته عليك، وأخْلَف الله عَلَيْك: أي: أبْدَله"، والمفهوم من "التاج" أن يقال في هلاك الولد والعم والأخ: خلف الله عليك، ويُعَدَّى بـ "على"، أي: كان الله خليفة والدك ومن فقدته عليك".
وفي "القاموس" (^٢): "خلف الله عليك: أي: كان الله خليفة من فقدته عليك، وخلف ربه في أهله: كان خليفة عليهم كما خلفه فيهما. ويقال لمن هلك له ما لا يعتاض منه كالأب والأم: خلف الله عليك، أي: كان خليفة، وخلف الله عليك خيرًا أو بخير، وأخلف عليك ولك خيرًا، ولمن هلك له ما يعتاض منه: أخلف الله لك وعليك وخلف الله لك، أو يجوز: خلف الله عليك في المال، ويجوز في مضارعه كيمنع نادر"، انتهى.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٢) القاموس (ص ٨٠٨).
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
وتحصل منه جواز الوجهين إما على الحقيقة وهو ظاهر كلام أهل اللغة، أو على المجاز باستعمال كل منهما موضع الآخر، والله أعلم.
(م) أي رواه: مسلم عن أم سلمة (^١).
(وإذا خاف) أي: أحد (أحدًا) أي: من الظلمة (اللهم اكفناه) أي: من شره، (بما شئت) أي: من أمره، وكلمة "ما" مصدرية أو موصولة أو موصوفة، والرابطة محذوفة.
(صحيح) أي: هذا حديث صحيح، (رواه أبو نعيم) بالتصغير، (في المستخرج) بفتح الراء، (على مسلم) وهو اسم كتاب له استدركه على "صحيح مسلم" (^٢).
قال ميرك: "رواه أبو نعيم من حديث البراء بن عازب في حديث هجرة النبي ﷺ: "أن النبي ﷺ دعا على سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعه وأبا بكر، فقال: اللهم اكفناه بما شئت، فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها".
(اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ) بفتح [الراء] (^٣) فهمز، أي: ندفع الشر (بك) أي: بعونك (في نحورهم) أي: في صدورهم. والمعنى كما قال صاحب "المفاتيح": "اللهم إنا نجعلك في إزاء أعدائنا؛ حتى تدفعهم عنا"، انتهى. ويمكن أن يقال: الباء زائدة، والمعنى: نجعلك في نحورهم كما يدل
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١٥) ومسلم (٢٠٠٩) وأخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (١/ ٣٢٩).
(٣) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "راء".
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
عليه الرواية الآتية، (عو) أي: رواه أبو عوانة عن أبي موسى (^١).
(اللهم إني أجعلك في نحورهم) أي: حائلًا بيننا، ودافعًا عنا، (وأعوذ بك من شرورهم. عو) أي: رواه أبو عوانة عنه أيضًا بهذا اللفظ.
(وإن خاف) أي: أحد (سلطانًا) أي: حاكمًا، (أو ظالمًا، فليقل: الله أكبر، الله أعز) أي: أغلب وأمنع (من خلقه جميعًا، الله أعز) أي: أقوى (مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السماء) بالنصب، أي: المانع لها (أن تقع) أي: من أن تقع، أو حافظها كراهة أن تقع، أو لئلا تقع، أي: تسقط (على الأرض إلا بإذنه) أي: بقضائه وقدره، وحين إرادته وأمره، (من شر عبدك فلان) بالجر على البدل، (وجنوده) أي: عساكره، (وأتباعه) أي: خدمه، (وأشياعه) أي: حشمه، (من الجن والإنس).
(اللهم كن لي جارًا) أي: مجيرًا، وحافظًا، ومانعًا (من شرهم، جل ثناؤك) أي: عظم (وَعَزَّ جَارُكَ) أيْ: قوي وغلب مستجيرك، أو شرف الذي أجرته من أن يظلمه ظالم.
(ولا إله غيرك، ثلاث مرات. ط، مو مص مر ط) أي رواه: الطبراني مرفوعًا عن ابن عباس، وابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني أيضًا من
_________________
(١) أخرجه أبي عوانة (٦٥٦٦) وصححه النووي في "المجموع شرح المهذب" (٤/ ٣٩٦)، وفي (رياض الصالحين ١/ ٣١٢) والعراقي في تخريج الأحياء (١/ ٢٣٦). وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتًا عليه (٣/ ٥٣٠).
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
قول ابن عباس موقوفًا (^١)، ورواه أبو يعلى من قول ابن مسعود أيضًا، ولم يذكره المؤلف.
وفي بعض النسخ المصحَّحَة: "رواه الطبراني مرفوعًا، وابن أبي شيبة موقوفًا عن ابن مسعود (^٢)، وابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني موقوفًا عن ابن عباس" (^٣).
(اللهم إنا نعوذ بك أن يفرط) بضم الراء، أي: يسبق بِشَرٍّ (علينا أحد منهم) أي: من الخلق أو من الظلمة (أو أن يطغى) أي: يظلم أو يتعدى (مو مي) أي: رواه الدارمي موقوفًا من قول ابن عباس أيضًا (^٤).
(اللهم إله جبريل وميكائيل) وسبق ضبطهما، (وإسرافيل) وتخصيصهم بالذكر لشرفهم، ولعلهم أقوى من سائر الملائكة، (وإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) وتخصيصهم لكونهم أجداده، مع أن إبراهيم أفضل الأنبياء بعد نبينا ﵈، وكل نبي بعده فهو من ذريته.
_________________
(١) الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٥٨) رقم (١٠٥٩٩)، وقال الهيثمي (١٠/ ١٤٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٢٣٨): صحيح موقوف.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٨٦) والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٥) رقم (٩٧٩٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٨٧).
(٤) لم أقف عليه عند الدارمي وهو عند الخرائطي في مكارم الأخلاق (١٠٧٨).
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
(عافني) أي: مما يضرني، (ولا تسلطن أحدًا من خلقك علي بشيءٍ) فإن عافيتك أوسع، خصوصًا بشيء (لا طاقة لي به) أي: لا قدرة لي على مقاومته بالصبر أو مقابلته بالشكر؛ ففيه اعتراف بالعجز، والتجاء بحول الله وقوته.
(مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول الشعبي التَّابعي (^١)، وهو من أوساطِهمْ، واسمه عامر بن شراحيل، روى ابن أبي شيبة في "مُصَنَّفه" عن علقمة بن مرثد، قال: "كان الرجل إذا كان من خاصة الشعبي أخبره بهذا الدعاء".
(رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن حَكَمًا) بفتحتين، أي: حاكمًا، (وإمامًا) أي: مقتدًى، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا عن أبي مجلز التَّابعي (^٢) أنه قال: "من خاف من أمير ظلمًا فقال: رضيت … إلى آخره؛ نجاه الله منه".
(وإن خاف شيطانًا) أي: من شياطين الجن، (أو غيره) أي: من شياطين الإنس، أو "شيطانًا" من شياطين الإنس والجن، "أو غيره" من الحيوانات المؤذيات، (فليقل: أعوذ) أي: أتحصن، (بوجه الله) أي: بذاته (الكريم) أي: الشريف (النافع) أي: "الذي يدوم نفعه"، وهو في نسخة.
(وبكلمات الله التامَّات) أي: وبكتبه، وأسمائه، وصفاته الكاملات
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٩٠).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٩١).
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
الشاملات، (التي لا يجاوزهن) أي: لا يتعدى عنهن، وعن تأثيرهن (بَر) بفتح موحدة وتشديد راءٍ، أي: بار غاية البر من الطاعة أو الإحسان، (ولا فاجر) أي: صاحب فجور من الفسق أو الظلم.
وقال المصنف: "البَّر بفتح الباء، يطلق على الصالح من الأولياء والعبَّاد والزهَّاد، وجمعه أبرار، والفاجر هو المنبعث [من] (^١) المعاصي والمحارم" (^٢)، انتهى.
ولا يخفى أن المقام يقتضي عموم "البَّر": للأنبياء، والرسل، والملائكة، والأولياء، والعلماء، وسائر الصلحاء. وكذا شمول "الفاجر": للكافر، والفاسق، والظالم، من عصاة الجن والإنس.
(من شر ما خلق) أي: قدَّره وأوجده من العدم، (وذرأ) بفتح الراء والهمز، أي: بث الذراري من بني آدم، أو بث الدواب وفرقها في أطراف العالم، (وبرأ) بفتح الراء والهمز، أي: أنشأه مبرأ من التفاوت، فخلق كل شيء علي ما يليق به، على وفق [الحكمة] (^٣).
(ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج) بضم الراء أي: يصعد (فيها، ومن شر ما ذرأ) قال المصنف: "بالذال المعجمة، أي: خلق" (^٤) (في الأرض، ومن شر ما يخرج منها) فيه إشعار بأن كل شيء من المخلوقات لا
_________________
(١) في "مفتاح الحصن الحصين": "في".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "الحكم".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
يخلو من شر يُتَّقَى، كما أنه لا يخلو من خير ذاتيّ فيطلب نفع خيره، ودفع شره من ربه، كما أشار إليه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾.
(ومن شر فتن الليل والنهار) بكسر الفاء وفتح التاء جمع فتنة، بمعنى: بلية ومحنة تحتها حكمة، قال المصنف: "يعني ما يحصل فيهما من الفتن، والاستعاذة من شرها" (^١) (ومن شر كلّ طارق) تخصيص بعد تعميم، والطارق: هو الآتي بالليل، وأصله من الطرق وهو الدق، سمي به لحاجته إلى دق الباب، وهو شامل للفاسق والسارق وغيرهما، ولذا قال: (إلَّا طارقًا يطرُق) بضم الراء أي: يجيء (بخير) وهو كالتأكيد لما قبله.
(يا رحمن) أي: كثير الرحمة، ارحمنا برحمتك التي وسعت كلّ شيء. (أ، طب، س، ط، مص، ص) أي رواه: أحمد والطبراني في "كتاب الدعاء" له عن ابن مسعود، والنسائي والطبراني في "الكبير" وابن أبي شيبة وأبو يعلى عن عبد الرَّحمن بن حبيش (^٢)، وفي بعض النسخ المصححة: "رواه النسائي،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٩) وابن أبي شيبة (٢٤٠٦٨) وأبو يعلى (٦٨٤٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٣٧). قال الهيثمي: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني بنحوه قال: فلما رآهم وجل، وجاءهم جبريل ﷺ. ورجال أحد إسنادي أحمد وأبي يعلى وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح، وكذلك رجال الطبراني. (مجمع الزوائد ١٠/ ١٢٧). وقال الحافظ في تعجيل المنفعة (١/ ٢٤٨): قال البخاري: في إسناده نظر.
[ ٢ / ١٠٥١ ]
والطبراني في "الدعاء"، عن ابن مسعود (^١)، والباقي عن ابن حبيش".
(وإذا تغولت الغِيلان) بكسر الغين المعجمة جمع الغول بالضم، جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة [يتراءي] (^٢) للناس، فيتغول تغولًا، أي: يتلون تلونًا، في صور شتى، كذا في "النهاية" (^٣)، وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول، وجمعه: أغول وغيلان، ذكره في "الصحاح".
وفي "القاموس" (^٤): "غاله: أهلكه كاغتاله، وأخذه من حيث لم يدر، والغول بالضم: الهلكة والداهية والسعلاة، ج: أغوال وغيلان، والحية ج: أغوال، وساحرة الجن وشيطان يأكل الناس، ومن يتلون ألوانًا من السحرة والجن".
والحاصل: أنه إذا رأت أشياء منكرة، أو تخيلت له خيالات مستنكرة، أو تلونت له أجسام مكروهة وأراد دفعها (نادى) أي: رفع صوته (بالأذان) أي: بكلماته المعروفة، فإنّ الجنّ والشياطين يفرون من الأذان.
(م، ر، مص) أي رواه: مسلم عن أبي هريرة (^٥)، والبزار عن سعد بن
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٣).
(٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ): "تتراءى"، وفي (د): "تراءى".
(٣) النهاية (٣/ ٣٩٦).
(٤) القاموس المحيط (ص ١٠٤٠).
(٥) لم أقف عليه في مسلم من رواية أبي هريرة وهو عند الطبراني في الأوسط (٧٤٣٦). وفي الدعاء (٢٠٠٩).
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
أبي وقاص (^١)، وابن أبي شيبة عن جابر (^٢).
(وقراءة آية الكرسي) بالجر أي: وبقراءتها، ويجوز الرفع، أي: وقراءة آية الكرسي نافعة أيضًا؛ لما [فيها] (^٣) من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولقوله ﴿يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ المشير إلى حفظ غيرهما بالأولَى.
وقال الحنفي: "ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: وقرأ قراءةً آيةَ الكرسي، والجر أي: اشتغل بقراءة آية الكرسي"، انتهى.
ولا يخفى بُعْدُهُمَا وكون النصب أبعدَهما؛ فالصحيح هو الرفع؛ ليلائم قوله.
(ت، مص) أي رواه: الترمذي، وابن أبي شيبة، عن أبي أيوب (^٤)؛ حيث يدلُّ على أنه حديث مستقل منقطع عمّا قبله [كتابًا] (^٥) وراويًا.
(ومن فَزِعَ) بكسر الزاي أي: خاف، ويجوز فتحها؛ ففي "القاموس": "الفزع بالتحريك الذعر والفَرَقُ، والفعل كفرح ومنع" (فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه) أي: وعقابه (وشر عباده، ومن همزات
_________________
(١) أخرجه البزار (٣١٢٩ - كشف الأستار) وقال: لا نعلمه يروى عن سعد إلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم سمع الحسن من سعد شيئًا.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٣٦٠) ورجاله ثقات رجال الشيخين إلَّا أن الحسن - وهو البصري - لم يسمع من جابر بن عبد الله.
(٣) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "فيه".
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٣٦٢) والترمذي (٢٨٨٣).
(٥) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "حديثًا".
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
الشياطين) بالفتحات، أي: خطراتها التي [تخطر] (^١) بقلب الإنسان، وخطواتها التي يظهر آثارها في العصيان.
قال المصنف: "بفتح الميم جمع همزة لمكانها من الهمز، وهو النخس والغمز، وكل شيء همزته فقد دفعته" (^٢).
(وأن يحضرون) بضم الضاد وكسر النون المخففة، أي: وأن يحضر الشياطين مكاني، وأن يؤذوني في زماني. قال المصنف: "بكسر النون، أصله يحضرونني، حذفت النون الأولى علامة للنصب، والياء تخفيفًا، وبقيت نون الوقاية مكسورة" (^٣).
(د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن ابن عمرو بالواو، وهو المراد بما في نسخة؛ كلهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو (^٤).
(ومن غلبه أمر) أي: وَقَعَ أمر على خلاف ما قصده، أو من غَلَبَهُ أمر؛ بأن لا يعرف علاجه ودفعه، (فليقل: حسبي الله ونعم الوكيل. د، س، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن السني؛ كلهم عن عوف بن مالك
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ): "تخطرها"، وفي (ج) و(د): "يخطرها".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٢/ ب، ١٣/ أ).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٦٥)، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٥٠).
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
الأشجعي، صحابي مشهور (^١).
(ومن وقع له ما لا يختاره) أي: لا يرتضيه ولا يعجبه (فلا يقل: لو أني فعلت كذا وكذا) أي: لكان كذا وكذا، و"لو" للتمني؛ قال الشيخ الولي الشاطبي ﵀:
وكم لو وليت تورث القلب أنصلا
قال شارحه الجعبري: نون ليت على تأويل تمن، وأصله شعر:
ليت وما ينفع قولي ليت … ليت شبابًا بوع فاشتريت
وقال الطائي:
ليت شعري وأين مني ليت … إن ليتًا وإن لَوًّا عناء
وأدخل اللام من قالَ:
المرء مرتهن بسوف وليتني … وهلاكه في السوف والليت
انتهى.
وفي الحديث: "إياك واللَّو، فإن اللَّو من الشيطان" يريد قول المتندِّم على الفائت، ولو كان كذا لقلت ولفعلت، وكذلك قول المتمني؛ لإن ذلك من الاعتراض على الأقدار، والأصل فيه "لو" ساكنة الواو، وهي
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٢٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٢٦)، وأحمد (٦/ ٢٤)، والبيهقي (١٠/ ١٨١). وإسناده ضعيف لضعف بقية بن الوليد وجهالة سيف فقد تفرد بالرواية عنه خالد بن معدان، وقال النسائي: سيف لا أعرفه، وكذا قال الذهبي في "الميزان": لا يعرف، وتساهل العجلي وابن حبان فوثقاه. انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٢٥٩).
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
حرف من حروف المعاني يمتنع بها الشيء لامتناع غيره؛ فإذا سمي بها زِيد فيها "واو" أخرى، ثم أدغمت وشددت حملا على نظائرها من حروف المعاني، كذا في "النهاية".
وقال المصنف في "المفتاح": "قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قال معتقدًا ذلك حتمًا، وأنه لو فعل لم يصبه قطعًا، فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى، وأنه [لم يصبه] (^١) إلَّا ما شاء (^٢)، فليس من هذا؛ فقال أبو بكر الصديق ﵁ في الغار: "لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا"، وكحديث: "لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم"، و"لو كنت راجمًا لرجمت هذه"، و"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"، كما استدل به البخاري باب "ما يجوز من اللَّو""، انتهى.
وهذا استدلال عجيب؛ لأنه إنما أخبر عن مستقبل وليس له دفعه بعد وقوعه، فلا اعتراض فيه على قدر، ولا كراهية فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع، وعما هو في قدرته (^٣)؛ فالنهي (^٤) على عمومه وظاهره، وهو نهي تنزيه، وقيل: نهي تحريم.
وقال النووي: "الظاهر: أن النهي إنما هو على إطلاق ذلك فيما لا
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ب) و(د): "لن يصيبه".
(٢) بعدها في "مفتاح الحصن الحصين": "الله".
(٣) هذا كلام القاضي عياض في "الإكمال" (٨/ ٧٧ - ٧٨).
(٤) قبلها في "مفتاح الحصن الحصين": "وأما ما ذهب ومضى فليس في قدرته".
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
فائدة فيه، فيكون نهي تنزيه لا تحريم" (^١)، انتهى.
وقال الحنفي: "قوله "لولا أن أشق" أي: لولا خوف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك، وإنما قلنا هكذا لأن "لولا" لامتناع الثاني لوجود الأول".
قلت: فالظاهر أن لا يحتاج إلى تقدير خوف، والتقدير: لولا وجود المشقة وثبوتها وتحققها وحصولها لهم، على فرض أن أفرض عليهم، لأمرتهم بالسواك وجوبًا، وإلا فقد ثبت أمرهم استحبابًا.
(ولكن ليقل: بقَدَرِ الله) وفي رواية النسائي وابن السني: "قدر الله"، وضبط بالإضافة، وعك أنه جملة فعلية على الأصح الملائم لقوله: (وما شاء فعل) وفي روايتهما: "صنع".
قال المصنف: "أي: جرى هذا بقدر الله، وفي رواية: "قدر الله"، أي: هذا قدر الله. والقدر بفتح الدال، وهو عبارة عما قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور" (^٢).
(م، س، ق، ي) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجة، وابن السني؛ كلهم عن أبي هريرة (^٣).
(وإن استصعب) أي: صعب ذكره الجوهري، أو اشتد (عليه أمرٌ)
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٦٤) وابن ماجة (٤١٦٨) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٢٥).
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
وأراد تسهيله وتيسيره (قال: اللهم لا سهل إلَّا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحَزْن سهلًا) قال المصنف: "هو بفتح الحاء وإسكان الزاي، وهو الشيء الصعب، والمكان الوعر الخشن المسلك، وضده السهل من كلّ شيء" (^١).
(إذا شئت) أي: إذا أردت تسهيله، وفي نسخة: "إذا شئت سهلًا". (حب، ي) أي رواه: ابن حبان، وابن السني؛ كلاهما عن أنس (^٢). قال ميرك: "ولفظ ابن السني: إذا شئت سهلًا".
(ومن كانت له حاجة إلى الله، أو إلى أحد من بني آدم) أي: من الحاجات الضرورية المُعِينَة على الأمور [الدنيوية] (^٣) والأخروية، (فليتوضأ وليحسن وضوءه) أي: باستعمال سننه وآدابه، (ثم لِيُصَلّ ركعتين) وتسمى صلاة الحَاجَةِ (ثم يثني) من الإثناء [من مادة] (^٤) الثناء (على الله ويصلي) والظاهر ما في عبارة "المشكاة" من قوله: "ثم ليثن وليصل" (على النبي ﷺ).
(وليقل: لا إله إلَّا الله الحليم) أي: الذي بحلمه يعفو عن السيئات
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٧٤) وابن السني (٣٥٣) وصححه الحافظ ابن حجر في "أمالي الأذكار" فيما نقله ابن علان ٤/ ٢٥) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٨٦).
(٣) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "الدينية".
(٤) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "لا من".
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
(الكريم) أي: الذي بجوده يتفضل بالعطيات (سبحان الله رب العرش العظيم) أي: المحيط بالموجودات (الحمد لله رب العالمين) أي: في جميع الحالات.
(أسألك موجبات رحمتك) أي: الخصال الحميدة التي توجب رحمتك، وتقتضي عنايتك، وهذه من مختصات رواية الترمذي، (وعزائم مغفرتك) أي: الأمور المعزومة اللازمة لحصول غفرانك ووصول رضوانك.
وأغرب الحنفي حيث قال: "العزائم جمع العزيمة بمعنى الرقية، أي: أسألك الرقى التي تورث المغفرة" وقال: "ذكره الجوهري وغيره".
قلت: إن كان مراده أن العزيمة بمعنى الرقية ذكره الجوهري وغيره فمسلم، وأما إن ادعى أن الجوهري وغيره فسروا الحديث بهذا المعنى فممنوع، وعن حيز المعقول مرفوع.
(والعصمة من كلّ ذنب) أي: بالحفظ عنه أوَّلًا، أو بالتوبة عنه آخِرًا؛ فإن: "التائب من الذَّنْب كمن لا ذنب له"، وهذه من جملة مختصات الحاكم ([والغنيمة]) (^١) أي: الاغتنام (من كلّ بر) بكسر الموحدة أي: طاعة وإحسان، وهي من رواية الترمذي خاصة.
(والسلامة) أي: الخلاص (من كلّ إثم) أي: بكل وجه من خطر، وهم، وقصد، وتمن، ومباشرة، وإصرار، وغير ذلك (مس، ت) أي
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(م)، وفي (ب): "والاغتنام".
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
رواه: الحاكم، والترمذي؛ كلاهما عن (^١) أبي أوفى. قال ميرك: "ورواه ابن ماجة أيضًا" (^٢).
(لا تَدَعْ) بسكون العين، أي: لا تترك (لي ذنبًا) أي: من الذنوب في حال من الأحوال (إلَّا غفرته) أي: إلَّا مقرونًا بالغفران (ولا همًّا) أي:
_________________
(١) بعدها في (ج) و(د) زيادة: "ابن".
(٢) أخرجه ابن ماجة (١٣٨٤)، والترمذي (٤٧٩)، والبزار في مسنده ٣٣٧٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٢٠). قال الحاكم: فائد بن عبد الرَّحمن أبو الورقاء كوفي عداده في التابعين، وقد رأيت جماعة من أعقابه، وهو مستقيم الحديث إلَّا أن الشيخين لم يخرجا عنه. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، فائد بن عبد الرَّحمن. يضعف في الحديث، وفائد هو أبو الورقاء. قلت: بل هو ضعيف جدًّا بل متروك، وقد اتهموه. وأقره النووي في "الأذكار" (١/ ١٥٦). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٩): "رواه الترمذي من طريق فائد به دون قوله ثم يسأل من أمر الدنيا إلى آخره ورواه الحاكم في المستدرك باختصار وزاد بعد قوله وعزائم مغفرتك والعصمة من كلّ ذنب وله شاهد من حديث أنس رواه الأصبهاني". وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٤٠) قال الترمذي: هذا غريب، وفايد هو أبو الورقاء يضعف في الحديث. قال المصنف قلت: قال أحمد بن حنبل: فايد متروك الحديث. وقال يحيى ليس بثقة. وقال الرازي: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وتعقبه الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (٤٥٠) أخرجه الترمذي من حديث فائد عن ابن أبي أوفى وما هو بموضوع بل يحتمل.
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
غمًّا (إلَّا فرجته) بتشديد الراء، أي: كشفته. يقال: فرج تفريجًا، إذا أزال الغم، ويجوز تخفيفه كما قدمناه عن"القاموس" (^١).
(ولا حاجة هي لك رضًا) أي: ذات رضا أو مرضية أو هي لك رضًا فيها، (إلَّا قضيتها يا أرحم الراحمين. ت) أي: رواه الترمذي (^٢) عنه أيضًا، والظاهر أن هذا ذيل لما تقدم، ويحتمل أن يكون دعاءً مستقلًّا، والله أعلم.
(ومن كانت له ضرورة) أي: حاجة ملجئة إلى الله أو إلى أحد من خلقه (فليتوضأ، فيحسن وضوءه) بالجزم أو بالرفع، ويلائمه ما بعده من المعطوف عليه. (ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، عن عثمان بن حنيف.
(ويصلي ركعتين. س) أي: رواه النسائي عنه هذه الزيادة في رواية كما سيأتي بيانه.
(ثم يدعو: اللهم إني أسألك) أي: حاجتي، (وأتوجه إليك بنبيك) أي: بوسيلته وشفاعته، والباء للتعدية أو المصاحبة، (محمدٍ) بالجر، بيان أو بدل، وكذا: (نبي الرحمة) ولا يخفى مناسبة هذا الوصف للمقام.
(يا محمد،) التفات إليه وتضرع لديه، ليتوجه روحه إلى الله ويغني السائل عما سواه، وعن التوسل إلى غير مولاه قائلًا: (إني أتوجه بك) أي: بذريعتك، والباء للاستعانة، (إلى ربي في حاجتي هذه) وهي
_________________
(١) القاموس (ص: ٢٠١).
(٢) أخرجه الترمذي (٤٧٩).
[ ٢ / ١٠٦١ ]
المقصودة المعهودة، (لتُقْضَى) بصيغة المجهول، أي: الحاجة.
فقوله: (لي) للبيان كما صرح به الطيبي، ويمكن أن يكون التقدير: ليقضي الله الحاجة لأجلي، بل هذا هو الظاهر. وليس هذا من قبيل ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] كما لا يخفى.
وفي نسخة بصيغة الفاعل، أي: لتقضي الحاجة لي، والمعنى لتكون سببًا لحصول حاجتي، ووصول مرادي فالإسناد مجازي.
ثم اعلم أن النداء باسمه ﷺ منهي، لكن محلَّه ما لم يرد عنه إذن شرعي، واختلف: هل مراعاة الأدب أولى وتغيير العبادة، أو الامتثال يعني ما ورد؛ فإن المأمور معذور؟ والأظهر الثاني كما هو مقرر في محله.
(اللهم) التفات آخر، (فشفعه) بتشديد الفاء المكسورة، أي: اقبل شفاعته (فيَّ) أي: في حقي؛ ففي "النهاية": "يقال: شفَع يَشْفَع شَفاعةً فهو شَافِع وشَفِيعٌ، والمشفِّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشَفَّع: الذي تقبل شفاعته" (^١).
قال الطيبي: "الفاء عطف على قوله "أتوجه"، أي: اجعله شفيعًا لي فشفعه، وقوله "اللهم" معترضة"، انتهى.
والأظهر أن "اللهم" إلى آخره ندائية، وما بعده جملة دعائية، والمعطوف عليه بالفاء مقدر، والمعنى: يا أالله، اجعله شفيعًا أوَّلًا، فاقبل شفاعته ثانيا؛ ليتم به المقصود آخرًا.
_________________
(١) النهاية (٢/ ٤٨٥).
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
(ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم؛ كلهم عن ابن حنيف: "أن أعمى أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت صبرت، فهو خير لك. قال: فادعه. قال: فأمر أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك … " إلى آخره (^١).
رواه الترمذي واللفظ له، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، وزاد الحاكم: "فدعا بهذا الدعاء فقام فأبصر" (^٢)، وزاد النسائي في بعض طرقه: "فتوضأ فصلى ركعتين"، ذكره ميرك.
(ومن أراد حفظ القرآن) أي: ابتداءً أو بقاءً، (فإذا كانت ليلة الجمعة) خصت لأنَّها من أقرب أوقات الإجابة، لاسيّما [- وَضْعًا - يُتَفَاءَلُ] (^٣) لِجَمْعِ القُرْآنِ بِلَفْظِ الجُمُعَةِ، (فإن استطاع) أي: مريد الحفظ (أن يقوم في ثلث الليل) وفي نسخة صحيحة: "من ثلث الليل" (الآخر) وفي نسخة: "الأخير"، وزاد في "أصل الأصيل": "فليقم"، والمعنى عليه، ولابد من
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨) والترمذي (٣٥٧٨) وقال: حسن صحيح غريب والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٦٥٩) وابن ماجة (١٣٨٥) والحاكم (١/ ٣١٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أيضًا: عبد بن حميد (٣٧٩). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٧٩)، وصححه أيضًا الشوكاني في "تحفة الذاكرين" (ص ٢٣١).
(٢) هذه الزيادة لم أقف عليها في المستدرك
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "وَيُتَفَاءَلُ".
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
الاحتياج في التقدير إليه.
(فإنها) أي: ليلة الجمعة، بمعنى: فيها، أو ساعاتها، أو القطعة الأخيرة التي هي الثلث من ليلتها بجميع ساعاتها، (ساعة مشهودة) أي: في زمان قليل ووقت جليل تحضره الملائكة، أو يحصل فيه الحضور مع الله، والغفلة عما سواه، ولذا قال: (والدعاء فيها مستجاب).
وقد أغرب الحنفي حيث قال: "أي: محضورة يحضرها ملائكة الليل والنهار هذه صاعدة وهذه نازلة"، ووجه غرابته: أن هذا إنما يستقيم في وقت الصبح أو المغرب على ما ورد في الحديث.
(فإن لم يستطع) أي: إن لم يقدر أن يقوم في الثلث الأخير المراد به آخرها وهو أفضلها، (ففي وَسْطِها) أي: فليقم في وَسْطِهَا بسكون السين ويجوز فتحها كما في نسخة صحيحة، وهو الثلث الأوسط المعبر عنه بجوف الليل في بعض الأحاديث، وهو أفضل من أولها.
(فإن لم يستطع ففي أولها) أي: بعد النوم أو قبله، (فيصلي أربع ركعات) أي: متواليات بتسليمة واحدة على ما هو الظاهر المتبادر الموافق لرأي إمامنا الأعظم، خلافًا لمن خالفه، وتسمى صلاة حفظ القرآن.
(يقرأ في الأولى الفاتحة، وسورة يس) لكونها قلب القرآن، وقد قال بعض العارفين: "إذا اجتمع ثلاثة قلوب حصل المطلوب: قلب الليل من الزمان، وقلب القرآن، وقلب الحاضر بالرحمن".
(وفي الثانية: الفاتحة وحم الدخان) بالجر على الإضافة، وبالرفع على أنَّ التقدير: هو الدخان، ويجوز النصب بتقدير: أعْنِي.
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
ثُمَّ ميم "حم" يفتح وصلًا؛ لأنه أخف الحركات وقياسًا على: ﴿الم. الله﴾، ويجوز كسرها؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر، مع أن نفس ﴿حم﴾ قرئ بفتح الميم وكسرها في أوائل الحواميم.
وفي الحاء يجوز الفتح والإمالة وبين بين، ولا بد من مد الميم وقفًا، ويجوز الطول والقصر وصْلًا، والتوسط ضعيف، ولعلها خصت لكونها نزل فيها القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
(وفي الثالثة) أي: في الركعة الثالثة، (الفاتحة) أي: يقرؤها، (و) ﴿الم. تَنْزِيلُ﴾ والسجدة الْأَوْلَى رفع ﴿تَنْزِيلُ﴾ على الحكاية على ما صرح به العسقلاني وغيره، وأما السجدة فقد رويت بالجر على الإضافة، وبالنصب بتقدير: أعني، أو على أنَّها صفة " [ألم] (^١) "؛ فإن محله النصب على أنه مفعول "يقرأ" بالعطف على الفاتحة، وهو الأظهر.
هذا ولما كان كلّ شفع صلاة على حدة لم يرد أن سورة السجدة فوق الدخان على أنه لا يكره في النوافل تقديم بعض السور على بعض مخالفًا للترتيب القرآني.
(وفي الرابعة: الفاتحة) بالنصب، (و﴿وتبارك﴾ الملك) بالرفع على الحكاية، ويؤيده "نسخة الجلال": ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وبالجر على الإضافة، وبالنصب على تقدير: أعني.
(فإذا فرغ من التشهد) أي: من الصلاة والدعاء والتسليم، (فليحمد
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): ﴿حم﴾.
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
الله) أي: على نعمائه، (وليحسن الثناء على الله) أي: بذكر صفاته وأسمائه، (وليصلِّ على النبي ﷺ، وليحسن) أي: بذكر نعوته وأوصافه، أو بزيادة آله وأصحابه، (وعلى سائر النبيين) أي: الأعم من المرسلين.
(وليستغفر للمؤمنين والمؤمنات) أي: من هذه الأمة وغيرهم، (ولإخوانه الذين سبقونا بالإيمان) أي: من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان.
(ثم ليقل في آخر ذلك) أي: مما ذكر، (اللهم ارحمني بترك المعاصي) أي: بتوفيق أن أترك المعصية فعْلَا وترْكًا، (أبدًا) أي: دائمًا، (ما أبقيتني) أي: في الدنيا؛ إذ لا معصية في العقبى، (وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني) بفتح أوله، والتكلف: التعرض بما لا يعنيه، على ما في "التاج"، فالمعنى: وارحمني بترك التعرض القصدي فيما لا يهمني في أمر الدنيا، ولا ينفعني في شأن الأخري، وفيه إيماء إلى ما ورد "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (^١) "، وإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
(وارزقني حسن النظر) أي: التفكر التأمل والتدبر، فيما يرضيك) من الإرضاء، أي: في قول وعمل يرضيك (عني)، وفيه إشعار بقوله تعالى:
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجة (٣٩٧٦)، وأخرجه الترمذي (٢٣١٨). من مرسل علي بن الحسين وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٠٣)، وأحمد (١/ ٢٠١)، وقال الألباني حديث صحيح. انظر: هداية الرواة (٤/ ٣٨٣).
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢].
(اللهم بديع السموات والأرض) سبق، (ذا الجلال والإكرام) تقدم، (والعزة) أي: وصاحب القوة والغلبة، (التي لا ترام) أي: لا تقصد ولا تدرك، فعلى هذا من الروم؛ بمعنى: الطلب، وفي "النهاية": "يقال: رام يريم، إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي"، فالمعنى: لا تزال ولا تفني (^١).
(أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك) أي: بعظمتك وبصفات جلالك، (ونور وجهك) أي: جمال ذاتك، (أن تلزم) من الإلزام، أي: تُدِيم، (قلبي حفظ كتابك) أي: انتهاءً، (كما علمتني) أي: ابتداءً، (وارزقني) أي: فيما بينهما، (أن أتلوه) أي: أقرأه أو أتبعه (على النحو) أي: النهج، (الذي يرضيك عني).
(اللهم بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنوّر بكتابك) أي: بتلاوته نظرًا، (بصري) أو ببركة كتابك قوة بصري وبصيرتي، (وأن تطلق) من الإطلاق أي: تجري، (به لساني) على وجه مراعاة المخارج والصفات والتجويد، (وأن تفرّج) من التفريج، أي: تكشف الغم وتزيل الهم، (به عن قلبي، وأن تشرح) أي: تولممع، (به صدري) لئلا يضيق فيما
_________________
(١) النهاية (٢/ ٢٩٠).
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
يفعل بي، ويقال في حقي.
(وأن تستعمل) كذا في "أصل الأصيل" و"الجلال"، وفي بعض النسخ المصححة: "وأن تغسل" (به بدني) أي: تطهر بسبب العمل به ذنوبي، أو أعضاء بدني: كالقلب، والسمع، والبصر، واليد، واللسان، وسائر الأركان من الذنوب والعصيان، فيؤول معناه إلى قوله: "وأن تستعمل به بدني".
ويؤيده قوله: (فإنه لا يعينني) من الإعانة، أي: لا يوفقني ولا يقويني (على الحق) أي: اعتقادًا وقولًا وفعلًا، (غيرك، ولا يؤتيه) من الإيتاء، أي: لا يعطي الحق ولا يظهره (إلَّا أنت، ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّهِ العلي العظيم. يفعل ذلك ثلاث جُمَع) بضم وفتح، جمع: جمعة، (أو خمسًا) أي: خمس جمع، (أو سبعًا، يجاب بإذن الله تعالى) أو في إحدى الثلاث.
(والذي بعثني بالحق ما أخطأ) أي: ما تجاوز ولا تعدى هذا الإجابة، (مؤمنًا قط) بفتح القاف وتشديد الطاء، وهي أفصح اللغات وأشهرها، وفيه لغات أخر؛ ففي "القاموس": "ما رأيته قط ويضم ويخففان، وقط مشددة مجرورة بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي: فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من العمر، ويختص بالنفي ماضيًا. والعامة تقول: لا أفعله قط".
وفي مواضع من البخاري، جاء بعد المثبت منها في الكسوف: "أطول صلاة صليتها قط"، وفي "سنن أبي داود": "توضأ ثلاثًا قط"، وأثبتها ابن مالك في "الشواهد" لغة، قال: "وهي ما خفي على كثير من النحاة"، انتهى.
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
فالمعنى: أنه ما أخطأ مؤمنًا فيما مضى قط، وكذا يكون حكمه فيما يبقي، وخلاصته أنه ما يخطى أبدًا، وما أحسن من قال من أرباب الحال:
لقد أحسن الله فيما مضى … كذلك يحسن فيما بقي (^١)
_________________
(١) ذكره في الطيوريات بسنده إلى الفضيل بن عياض (١٤٠) قال: أخبرنا أحمد، حدثنا محمد بن المظفر بن موسى الحافظ، حدثنا أحمد بن الحسن. ابن عبد الجبار الصوفي، حدثنا عبد الصمد بن يزيد مردويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: أخرجه الأصبهاني في "الترغيب" (١/ ٩٤/ رقم ١٥١) عن الطيوري به. وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٨/ ٤٠٧) من طريق ابن الطيوري به. وأخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ١١٣) من طريق عامر بن عامر، عن الحسن بن علي العابد، عن فضيل نحوه وفيه قصة. وقد روي مرفوعًا من حديث أبي ذر ﵁، أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/ ٤٦)، وفي "مسند الشاميين" (١/ ٣٨٢) عن محمد بن هارون، عن سليمان بن عبد الرَّحمن، عن يحيى بن حمزة، عن الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد عن أبي ذر به مثله. قال المنذري: "رواه الطبراني بإسناد حسن"، وكذا قال الهيثمي. انظر الترغيب والترهيب (٤/ ٥٣)، ومجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٢). ونقل العجلوني في "كشف الخفا" (٢/ ٢٩٣) عن النجم أنه قال: "لم أجده في الحديث المرفوع، وإنما أخرجه الأصبهاني في "الترغيب" عن الفضيل بن عياض من قوله، وفي معناه: ما أخرجه الشيخان وابن ماجة عن ابن مسعود: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
(ت، مس) أي: رواه الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن ابن عباس: "أنه قال ﷺ حين جاءه علي ﵁ يشتكي تفلت القرآن. قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الحاكم: "صحيح على شرطهما" (^١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٧٠)، والحاكم (١/ ٣١٧). وقد استنكره أهل العلم مع الحكم بثقة رجاله. فقد قال الترمذي: "غريب". لا نعرفه إلَّا من حديث الوليد بن مسلم. وقال العقيلي: "ليس له أصل". وقال البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ١١٥): "وهذا حديث تفرد به أبو أيوب سليمان بن عبد الرَّحمن الدمشقي بهذا اللفظ، فإن كان لفظ النور محفوظا فيه فإنهم كانوا يقولون ذلك ويريدون به نفي النقص عنه لا غير". وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٣٨): وقال (هذا حديث لا يصح). وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٢١٣) (وهو مع نظافة سنده حديث منكر جدًّا في نفسي منه شيء فالله أعلم فلعل سليمان شبه له وأدخل عليه كما قال فيه أبو حاتم لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم). وقال الذهبي في التلخيص (١/ ٣١٦) (هذا حديث منكر شاذ أخاف لا يكون موضوعا وقد حيرني واللهُ جودة سنده) قال في الميزان …: إذا قال الوليد عن ابن جريجٍ أو عن الأوزاعي، فليس بمعتمد لأنه يدلس عن الكذابين فإذا قال: حدثنا، فهو حجة. وقال في "الميزان" (٢/ ٢١٣) في ترجمة سليمان بن عبد الرَّحمن راويه عن الوليد بن مسلم: وهو مع نظافة سنده منكر جدا في نفسي منه شيء. وقال في "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٢١٧ و٢١٨) في ترجمة الوليد بن مسلم: أنكر =
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
(وإذا أخطأ أو أذنب) شك من الرواي، أو "أو" للتنويع؛ بأن أذنب خطأً أو عمدًا، (فأحب أن يتوب إلى الله، فليأت) أي: فليشرع، (فليمد
_________________
(١) = ما له فذكر هذا الحديث. وقال: هذا عندي موضوع والسلام، ولعل الآفة دخلت على سليمان ابن بنت شرحبيل فيه، فإنه منكر الحديث، وإن كان حافظا، فلو كان قال فيه: عن ابن جريجٍ، لراج، ولكن صرح بالتحديث، فقويت الريبة، وإنما هذا الحديث يرويه هشام بن عمار، عن محمد بن إبراهيم القرشي، عن أبي صالح، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومحمد هذا ليس بثقة، وشيخه لا يدرى من هو. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص ٩٢: إن الحديث بين الغرابة بل النكارة. وقال السيوطي في "اللآلي": لم تركن النفس إلى مثل هذا من الحاكم فالحديث يقصر عن الحسن فضلا عن الصحة وفي ألفاظه نكارة. وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٢٣٥) حسب شرطه في الكتاب بإيراده بصيغة الجزم، لكن استغرب متنه. وقال: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدًّا. والله أعلم. وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" (٣/ ٥٤٦) حيث أورده ساكتًا. والحاصل أن الحديث ورد عن عكرمة من طريقين: الطريق الأولى: الوليد بن مسلم، قال حدثنا ابن جريجٍ عن عطاء ابن أبي رباح، وقد تقدم من خرجه، قد ضعف هذا لطريق بسب تدليس الوليد بن مسلم، فهو مدلس تدليس تسوية. الطريق الثانية: الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن إسحاق القرشي، حدثنا أبو صالح، عن عكرمة، عن ابن عباس. رواه الطبراني كما قال ابن الجوزي في الموضوعات ٢: ١٣٨، وقال: هذا حديث لا يصح، ومحمد بن إبراهيم مجروح، وأبو صالح لا تعلم إلَّا إسحاق بن نجيح متروك.
[ ٢ / ١٠٧١ ]
يديه) تفصيل للإتيان، أي: فليرفع يديه (إلى الله ﷿ أي: إلى قبلة دعائه من جهة سمائه.
(ثم يقول: اللهم إني أتوب إليك منها) أي: من هذه المعصية وغيرها، (لا أرجع إليها) أي: خصوصًا، ولا إلى غيرها عمومًا، (أبدًا).
(فإنه) أي: الشأن، (يُغفرُ له) بصيغة المفعول، أي: يغفر له ذنبه، أو جميع معاصيه، (ما لم يرجع في عمله ذلك) أي: فإنه إذا رجع إلى عمله ذلك توقف الغفران على التوبة، أو تعلق المشيئة، والمقصود منه العزم على أن لا يعود، والمداومة على التقوى إلى آخر العمر، لا أنه إذا رجع إلى معصية لم تصح توبته، كما قال به بعض أهل البدعة؛ فإنه يَرُدُّه قوله ﷺ: "ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة".
وبما حررنا اندفع ما ذكره بعضهم أيضًا من أن التوبة من معصية، مع الإصرار على سائر المعاصي غير صحيحة، وهو قول غير صحيح؛ لأن صحة عمل من الأعمال لا تتوقف على أداء جميع العبادات، فكذا في الواجبات المتروكات، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وتحقيق هذا المبحث في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، و"شرح منازل السائرين" لابن القيم الجوزي.
(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي الدرداء (^١).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥١٦) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. =
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
(ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم) أي: عن ذلك الذَّنْب بأن يتركه خوفًا لله تعالى وندمًا على ما فعله، فيتطهر) أي: يغتسل وهو أكمل، أو "فيتوضأ" كما في رواية ابن السني (^١).
(ثم يصلي) أي: "ركعتين" كما رواه ابن السني، وتسمى صلاة التوبة، (ثم يستغفر الله) أي: "لذلك الذَّنْب"، كما [زاده] (^٢) ابن السني، (إلَّا غفر له) وفي نسخة: "إلَّا غفر الله له".
(عه، حب، ي) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، وابن السني، كلهم عن
_________________
(١) = كرره الحاكم (٤/ ٢٦١) من وجه آخر عن عبد الرَّحمن بن المبارك العبسي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة. وعنه وعن غيره أخرجه البيهقي في "الشعب" (٧٠٨٠) والطبراني في "الدعاء" ٢٠٧)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ١٥٤) عن فضيل بن سليمان النميري عن موسى بن عقبة. وقال البيهقي: وروي ذلك عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا. ثم خرجه في "الشعب" (٧٠٨١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ نا أبو العباس هو الأصم نا أحمد بن عبد الجبار نا حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى براز من الأرض فصلى فيه ركعتين واستغفر الله من ذلك الذَّنْب إلَّا غفر الله له" وانظر السلسلة الضعيفة (٤١١٥).
(٢) ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٦٠).
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "رواه".
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
أبي بكر الصديق ﵁، قال الترمذي: "حسن غريب" (^١).
وفي "الرياض" عن علي ﵁ قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء؛ فإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدَّقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس من عبد يذنب ذنبًا فيقوم فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر، إلَّا غفر الله له. رواه النسائي. (^٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦)، وقال: حديث علي حديث حسن، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، من حديث عثمان بن المغيرة، وروى عنه شعبة وغير واحدٍ فرفعوه مثل حديث أبي عوانة، ورواه سفيان الثوري ومِسْعر فأوقفاه، ولم يرفعاه إلى النبي ﷺ وفي أبواب التفسير (٣٠٠٦) وزاد: ولا نعرف لأسماء بنت الحكم حديث إلَّا هذا، وابن ماجة (١٣٩٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٤) و(٤١٧)، والبزار (٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١)، وابن حبان (٦٢٣)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٤١)، والمروزي في مسند أبي بكر (١١) وجوّد إسناده الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، وقال عن أسماء بن الحكم الفزاري: صدوق، التقريب (٤١٢).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦)، وقال: حديث علي حديث حسن، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، من حديث عثمان بن المغيرة، وروى عنه شعبة وغير واحدٍ فرفعوه مثل حديث أبي عوانة، ورواه سفيان الثوري ومِسْعر فأوقفاه، ولم يرفعاه إلى النبي ﷺ وفي أبواب التفسير (٣٠٠٦) وزاد: ولانعرف لأسماء بنت الحكم حديث إلَّا هذا، وابن ماجة (١٣٩٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٤) و(٤١٧)، والبزار (٦، ٧، ٨، ٩، ١٥، ١١)، وابن حبان (٦٢٣)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٤١)، والمروزي في مسند أبي بكر =
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
وفي رواية قال: "فجعل عليّ ينادي بها على المنبر: صدق أبو بكر، صدق أبو بكر، صدق أبو بكر؛ وذلك أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
(وجاء رجل إلى النبي ﷺ؛ فقال: وَا ذُنُوبَاهْ!) بسكون الهاء بعد زيادة الألف في آخر المندوب، لمد الصوت المطلوب، في الندبة حال الوقف لبيان المدة دون الوصل، إلَّا لضرورة الشعر، واختص المندوب وهو المتفجع عليه ثبوتًا بِ "وَا" ممتازًا به عن المنادى، لعدم دخوله عليه، بخلاف "يا"؛ فإنه مشترك بينهما، فيقال: "يا حسرتاه"، و"يا مصيبتاه".
(وَا ذُنُوبَاهْ) التكرير للتأكيد أو للتكثير، ويؤيده قوله: (فقال: قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي) أي: من عباداتي؛ (فقالها) أي: الكلمات، (ثم قال: عند) بضم فسكون أمر من العود، أي: قل مرّة أخرى، (فعاد) أي: فقالها ثانيًا، (ثم قال: عُدْ فعاد، فقال: قم فقد غفر الله لك. مس) أي: رواه الحاكم عن جابر بن عبد الله الأنصاري (^١).
_________________
(١) = (١١) وجوّد إسناده الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، وقال عن أسماء بن الحكم الفزاري: صدوق، التقريب (٤١٢).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٣)، وقال: حديث رواته عن آخرهم مدنيون ممن لا يعرف واحد منهم بجرح ولم يخرجاه، وقال الذهبي: سمعه إبراهيم بن المنذر وهو مدنيون ولم يجرحوا. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣١١): =
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
(إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) قال التوربشتي: "بسط اليد: كناية عن سعة الجود (^١)، وفي الحديث تنبيه على سعة رحمة اللَّه، وكثرة تجاوزه عن الذنوب".
وقال الطيبي: "هو تمثيل يدلُّ على أن التوبة مطلوبة عنده، محبوبة لديه، كأنه يتقاضى من المسيء".
(حتى تطلع الشمس من مغربها) أي: فإنه ينغلق حينئذ باب التوبة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
والمراد بالبعض هو الطلوع، وسببه أن الأمر حينئذ يصير عيانًا، وفي معناه حال الغرغرة، فإنه حال اليالس، وقد ورد: "أن اللَّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". (م، مس) أي رواه: مسلم، والحاكم، عن أبي موسى تطلع الشمس من مغربها (^٢).
_________________
(١) = رواه الحاكم وقال رواته مدنيون لا يعرف واحد منهم بجرح والحديث في "ضعيف الترغيب" (١٠٥٧).
(٢) سبق وأن تحدثنا أن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفات كما جاءت بدون تأويل، والذي ذكره الشارح عن التوربشتي فيه تأويل.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٥٩)، والنسائي في الكبرى (١١١٨٠)، وفي التفسير (٢٠٠) ولم أجده في المستدرك ولم يعزه إليه الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة (١٢٣٩١).
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
(وجاء رجل) وفي "أصل الأصيل": "وجاءه رجل"؛ (فقال: يا رسول اللَّه، أحدنا يذنب) أي: يقع في ذنب، في حاله؟ (فقال: يُكْتَبُ عليه) بصيغة المجهول، أي: يكتبه صاحب الشمال من الكرام الكاتبين.
(قال: ثم يستغفر منه) أي: بلسانه، (ويتوب) أي: منه بجنانه، (قال: يغفر له، ويتاب عليه) أي: يقبل توبته إذا وجدت بجميع شرائطها، أو يعاد عليه بالرحمة. وفي نسخة بالمثلثة، أي: يجازى عليه.
(قال: فيعود) أي: فيرجع إلى المعصية، أو عن التوبة، فيذنب؟! قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: يغفر له، ويتاب عليه) أي: وهكذا إلى آخر العمر.
(ولا يمل الله حتى تملوا) قال المصنف: "بفتح حرف المضارعة وحرف الميم [منهما] (^١)، قيل معناه: "إن الله لا يمل أبدًا مللتم أولم تملوا، فجرى مجرى قولهم: يشيب الغراب، ويبيض الفأر.
وقيل: لا يظهر حكم حتى تتركوا العمل، وتزهدوا في الرغبة إليه، فسمى الفعلين ملَلًا، وكلاهما ليس بملل، كعادة العرب في وضع الفعل موضع الفعل إذا وفق معناه، وقيل معناه: إن اللَّه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فسمى فعل الله تعالى: مللًا على سبيل الازدواج، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وهو باب واسع
_________________
(١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ) و(ج): "فيهما"، وليست في "مفتاح الحصمن الحصين".
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
في العربية" (^١)، انتهى. وفي "النهاية": "ومنه قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ".
وقال ميرك: "الملال: استثقال الشيء، ونفور النفس بعد محبته، وهو على الله محال، فقيل: "حتى" ليست من بابها وعلى حقيقتها، بل معناه: لا يمل الله إذا مللتم، وقيل معناه: لا يمل الله وتملون، فـ "حتى" بمعنى الواو، فنفي عنه الملال، وأثبت لهم.
(طس، ط) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وهو أيضًا في "الكبير" عن عقبة بن عامر (^٢).
* * *
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٣/ أ).
(٢) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢٨٧) رقم (٧٩١)، والأوسط ٨٦٨٩، وفي الدعاء (١٧٨١). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عقبة إلَّا بهذا الإسناد تفرد به يزيد بن أبي حبيب. والحديث حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٠) قال: إسناده حسن. والحافظ في "الأمالي المطلقة" (ص ١٣٤) قال: هذا حديث حسن صحيح … رجاله رجال الصحيح من الليث فصاعدا لكن عبد الله بن صالح وإن كان البخاري يعتمده فإن حفظه ساء في الآخرة ولم أره إلَّا من طريقه.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
تأليف
الإمام المحدث علي القاري الهروي المكي
(توفي: ١٠١٤ هـ) بمكة المكرمة
تحقيق
أ. د/ محمد إسحاق محمد آل إبراهيم
أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
[المجلد الثالث]
[ ٣ / ١٠٧١ ]
﷽
[ ٣ / ١٠٨٢ ]