(فإن كان) أي: الأمر المستخار فيه، (زِواجًا) بكسر الزاي، أي: تزوجًا ونكاحًا، (فليكتم الخِطبة) بكسر الخاء المعجمة، وهو أن يخطب الرجل المرأة [تقول] (^١) منه: خطب يخطب خِطبة بالكسر، وأما الخُطبة بالضم فهو من القول بالثناء والكلام بالوعظ على المنبر وغيره.
(ثم ليتوضأ فيحسن) بالرفع أو الجزم، وهو من الإحسان، ويجوز من التحسين، أي: فيسبغ (وضوءه) بأن يكمله، فيأتي بفرائضه وسننه وآدابه، (ثم ليصلِّ ما كتب الله له) أي: ما قدر له وقضاه، وأقله ركعتان يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص، وقيل: "في الأولى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ [يَكُونَ] (^٢) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآيةَ، وفي الثانية: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (^٣) الآيةَ.
(ثم ليحمد الله) أي: يثني عليه ويشكره على نعمه، (ويمجده) أي: يعظمه بذكر أوصاف الجلال ونعوت الجمال على وجه الكمال.
(ثم ليقل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن رأيت) أي: علصت بمعنى إن تعلق علمك، (أن في فلانةَ)
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "بقوله".
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ): "تكون".
(٣) بعدها في (أ) زيادة: " ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] "، وفي (ج) و(د): " ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ".
[ ٢ / ٨٧٦ ]
بفتح التاء غير منونة، وفي نسخة: بالجر منونة، (ويسميها) أي: يذكرها باسمها، (خيرًا لي) نصب على اسم "أن" (في ديني ودنياي وآخرتي، فاقدرها لي، وإن كان غيرها خيرًا منها لي) وفي نسخة: "خيرًا لي منها" (في ديني وآخرتي) ترك هنا "ودنياي" إشارة إلى ترجيح ذات الدين على ذات الدنيا، كما في الحديث المشهور المتفق عليه: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فا ظفر بذات الدين" (فاقدرها لي. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أبي أيوب (^١).
(من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن شقوته) بالكسر وفتحه لغة على ما ذكره الجوهري، وفي نسخة: "شقاوته"، وهي بالفتح ضد السعادة، وقرأ قتادة "شقاوتنا" بالكسر، وهي لغة، كذا في "الصحاح" (^٢) (تركه) أي: ترك ابن آدم، (استخارة الله) بالإضافة إلى المفعول.
(مس، ت) أي رواه: الحاكم، والترمذي، عن سعد بن أبي وقاص (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٤٠٤٠)، والحاكم (١/ ٣١٤) من حديث أبي أيوب، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه،، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (١٠٩٢)، وفي "السلسلة الضعيفة" رقم (٢٨٧٥)، في إسناده أيوب بن صفوان ويعرف بأيوب بن خالد بن أبي أيوب فيه لين كما قال الحافظ في "التقريب" رقم (٦١٠)، وأبوه خالد بن أبي أيوب أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٣٢٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(٢) "الصحاح" (٦/ ٢٣٩٤).
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٦٩٩)، والترمذي (٢١٥١) وقال الترمذي عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد، ويقال له أيضا: =
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وفي "الجامع الصغير" لفظه بروايتهما عنه: "من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له" (^١).
وفي "الجامع" (^٢) أيضًا: ""ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد". رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس" (^٣).
وقال بعض الحكماء: "من أعطي أربعًا لم يمنع أربعًا؛ من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي
_________________
(١) = حماد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم المديني وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ١٨٤): أخرجه أحمد وسنده حسن. وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (٥٣٠٠)، وفي "السلسلة الضعيفة" (١٩٠٦). في إسناده محمد بن أبي حميد ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب" (٥٨٣٦).
(٢) هذا لفظ الترمذي.
(٣) "الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير" (ص ٢٨٢) دار القلم للتراث.
(٤) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٦٢٧) وفي "المعجم الصغير" (٩٨٠) من حديث أنس، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ١٨٤): أخرجه الطبراني في الصغير بسند واه جدا، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩٦): رواه الطبراني في الأوسط والصغير من طريق عبد السلام بن عبد القدوس وكلاهما ضعيف جدا. قلت عبد السلام بن عبد القدوس اتهمه ابن حبان بالوضع في "المجروحين" (٢/ ١٥٠).
[ ٢ / ٨٧٨ ]
الاستخارة لم يمنع الخير، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب" (^١).
ثم الاستخارة المختصرة ما ورد في حديث: "اللهم خر لي، واختر لي، ولا تكلني إلى اختياري". ونقل عن شيخ الإسلام خواجه عبد الله الأنصاري، ويقال له: "نديم الباري" قدس الله روحه، وفتح لنا فتوحه هذه الاستخارة المنظومة:
يا خائرًا لعبيده * لا تتركن أحدًا سدى
خر لي إليك طريقة * بيديك أسبابُ الهدى (^٢)
(وإن تولى عقدًا) أي: عقد نكاح وأراد مباشرته، (فخطبته) أي: السابقة على أصل العقد، (أنِ الحمدُ لله) بكسر النون للالتقاء، ورفع "الحمدُ"، فهي "أن" المخففة من الثقيلة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] على ما نقله ميرك عن الطيبي، وقال البيضاوي: "و"أن" هي المخففة من الثقيلة، وقد قرئ بها وبنصب "الحمدَ""، وفي نسخة صحيحة: بتشديد النون ونصب "الحمد".
وقال المصنف: "يروى بتشديد النون وتخفيفها، والمعنى فيهما واحد" (^٣)، انتهى. وقال الحنفي: "نصب الحمد مع تشديد النون واجب،
_________________
(١) "المجالسة وجواهر العلم" (٢/ ٤١٣)، و"شرح مسند أبي حنيفة" (ص ٢٠)، و"مرقاة المفاتيح" (٨/ ٣٣٢٦)، و"إحياء علوم الدين" (١/ ٢٠٦).
(٢) "مرقاة المفاتيح" (٣/ ٩٨٧).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ ب).
[ ٢ / ٨٧٩ ]
ورفعه مع التخفيف".
قلت: ومفهومه أنه لا يجوز غيرهما، وليس كذلك، بل يصح فيه أربعة أوجه: أما النصب مع التشديد فظاهر، وأما الرفع مع التشديد فجائز على سبيل الحكاية، وكذا مع التخفيف وجهان؛ إذ التقدير: فخطبته أن يقول، أو أن يقول: الحمد لله، ويؤيده ما ذكره المؤلف في "تصحيح المصابيح": "يجوز تخفيف "أن" وتشديدها، ومع التخفيف يجوز رفع "الحمد" ونصبه، ورويناه بذلك".
(نحمده) جمع بينهما إشعارًا بأن الأول جملة اسمية دالة على الثبوت والدوام، وأن "الحمد لله" متحقق، وأنه مستحق له سواء حُمِدَ، أو لم يُحْمَدْ. [والثاني] (^١) جملة فعلية تدل على التجدد والاستمرار التام والإيماء إلى أن الأول إخبار والثاني إنشاء، أو بالعكس، أو المراد بـ "نحمده" نشكره على نعمه التي من جملتها حمده.
(ونستعينه) أي: على حمده وغيره من الأمور الدينية والدنيوية، (ونستغفره) أي: من التقصير في حمده واستعانته وسائر ما يجما علينا فعله، (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي: من الأخلاق الدنية، (ومن سيئات أعمالنا) أي: من الأفعال الردية.
(من يهده الله) أي: من يرد الله هدايته، ويتعلق به عنايته، (فلا مضل له، ومن يضلل) أي: من يضلله ويخذله لعدم تعلق إرادة الهداية وسبق
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "والثانية".
[ ٢ / ٨٨٠ ]
العناية به، (فلا هادي له) كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وقال ﷿: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، وفي إتيان ضمير المفعول في جانب الهداية وتركه في جانب الضلالة نكتة مشيرة إلى العناية.
(وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) قال المصنف: "قوله: "نحمده، ونستعينه، [ونستغفره] (^١)، ونعوذ بالله" هو بالنون في الثلاثة، أي: نحن، و"أشهد" فيهما بالهمزة المفتوحة على الإفراد؛ لأنه ﷺ لا يشهد ولا يُخْبِر عن غيره، وإنما يشهد ويخبر عن نفسه" (^٢)، انتهى.
قال الحنفي: "المناسب للأصل كما نقله أن يقول: الأربعة بدل الثلاثة". نعم، الواقع في "المشكاة" وفي "الأذكار" أفعال ثلاثة إذ لم يوجد فيهما لفظ "نحمده" فما وقع في شرح "المشكاة" من لفظ الثلاثة هو المناسب.
قال: "وفيه بحث آخر؛ لأنه لا تفاوت بين كل من الأفعال الأربعة، وبين الشهادة، فما ذكره في وجه إفراد "أشهد" ليس على ما ينبغي والأولى أن يقال [كما] (^٣) قيل: الضمير المستكن في الأفعال الثلاثة للمتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين والغائبين.
_________________
(١) ليست في "مفتاح الحصن الحصين".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ ب).
(٣) زيادة من (أ) و(ب) (د).
[ ٢ / ٨٨١ ]
ويجوز أن يكون قولًا من لسان [البشر] (^١)، وخصص الشهادة بالإفراد إشارةً إلى أن وجوب الشهادة لكل فرد على حدة، ففيه إشارة إلى التفرقة أولًا، والى الجمع ثانيًا". قلت: هذا المعنى هو مراد المصنف، فتدبر يظهر.
(﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]) وهي آدم، (﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾) أي: حواء، (﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾) أي: نشر منهما، أي: بالواسطة وعدمها، (﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾) أي: كثيرًا.
(﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾) تأكيد لما سبق، [أو] (^٢) يقدر في أحدهما مخالفته، وفي الآخر عقابه، (﴿اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ﴾) بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين للكوفيين، وبتشديدها على إدغام التاء بعد قلبها في السين، أي: يسأل بعضكم بعضًا، (﴿بِهِ﴾) أي: بالله، (﴿وَالْأَرْحَامَ﴾) جمع رحم بالنصب وتقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي قراءة حمزة بالجر على أنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وهو جائز على الصحيح خلافًا لمن خالف كما حققناه في حاشية "تفسير الجلالين" (^٣)، ويراد به قولهم: "أسألك بالله والرحم". وقيل: الواو للقسم.
ثم هذا هو "أصل الأصيل"، وعليه أكثر النسخ، وفي نسخة صحيحة: "يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا الله الذي تَسَاءَلُون به والأرحام"، وهو الموافق لـ "المشكاة" و"الأذكار" و"تيسير الأصول"، قال الطيبي: "ولعله هكذا في
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "البشري".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "و".
(٣) "تفسير الجلالين" (ع ٩٧).
[ ٢ / ٨٨٢ ]
مصحف ابن مسعود" (^١) (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾) أي: حافظًا مطلعًا.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]) أي: حق تقواه وما يجب منهما، وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وأما ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا وصححه المحدثون من أنه هو: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى (^٢)، فمبني
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" (٥/ ٢٠٧٠)، "عون المعبود" (٦/ ١٠٨).
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٩٤.) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. هذا الحديث يرويه زبيد بن الحارث واختلف عنه: فقيل: زبيد بن الحارث، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قوله: رواه عنه ابن المبارك في "الزهد" (٢٢). ورواه الطبري في "التفسير" (٤/ ٢٨، وابن أبي حاتم في "التفسير" ٣٩٠٨) عن شعبة بن الحجاج. رواه الطبري في "التفسير" (٤/ ٢٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ ٩٢) رقم (٨٥٠١)، وعنه: رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٢٣٨). ورواه ابن المنذر في "التفسير" (١/ ٣١٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٤) عن مسعر بن كدام. رواه سفيان في "التفسير" (ص ٧٩)، وعنه: عبد الرزاق في "التفسير" (١/ ٤٠٦) عن سفيان الثوري. وعبد الله بن وهب في الجامع (٢٨٠). ورواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٧٥)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٣/ ٧٢٢/ ٣٩٠٨)، والطبري في "التفسير" (٤/ ٢٧)، والطبراني في المعجم=
[ ٢ / ٨٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الكبير ٩/ ٩٢/ ٨٥٠٢) عن ليث بن أبي سليم. رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٥٥٣)، والطبري في "التفسير" (٤/ ٢٨) عن جرير بن عبد الحميد. رواه عبد الله بن وهب في كتاب الجامع (١٦١)، وأبو داود في "الزهد" (١٥٥)، والطبري في "التفسير" (٤/ ٢٨) عن عبد الرحمن المسعودي. رواه الطبري في "التفسير" (٤/ ٢٨)، وأبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص ٧٥) عن منصور بن المعتمر. وقيل عن زبيد بن الحارث وخالفهم محمد بن طلحة بن مصرف، فرواه من هذا الوجه عن زبيد بن الحارث، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود، مرفوعًا. أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وقد ذكر ابن كثير في "التفسير" (٢/ ٧٢)، والزيلعي في "تخريج الكشاف" (١/ ٢١٠) أن ابن مردويه رواه من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الثوري، عن زبيد اليامي، عن مرة بن شراحبيل، عن ابن مسعود مرفوعًا. قلت: وتوبع الثوري على رفعه، تابعه محمد بن طلحة، فرواه عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعا، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٣٨، ٢٣٩). والصواب في هذا الحديث الوقف، ولا يصح مرفوعا، ورواية ابن مردويه التي رواها عن ابن وهب عن الثوري، فلا أعلم سند ابن مردويه إلى يونس بن عبد الأعلى، ولعل فيها علة إن سلمنا أن السند إلى يونس صحيح، فقد خولف ابن وهب في سنده، خالفه عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن يوسف الفريابي وعبد الرزاق، فرووه عن الثوري، عن زبيد، عن ابن مسعود، قوله كما تقدم، وتوبع الثوري على وقفه، تابعه شعبة ومسعر بن كدام وجرير بن حازم وليث بن أبي سليم والمسعودي كلهم يرويه عن زبيد اليامي، عن مرة، عن ابن مسعود، قوله. قال ابن رجب: "والموقوف أصح"، وقال: "المشهور وقفه".=
[ ٢ / ٨٨٤ ]
على كماله، وقيل: "هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها" (^١).
(﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]) أي: ولا تكونُنَّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، فهو في الحقيقة أمر بدوام الإسلام، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات نحو
_________________
(١) = الدارقطني في "العلل" (٥/ ٢٧٤) وسئل عن حديث مرة الطيب، عن عبد الله في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. فقال: يرويه زبيد، عن مرة، عن عبد الله. وخالفه عمرو بن مرة، فرواه عن مرة، عن الربيع بن خثيم قوله، قيل للشيخ مرة الهمداني، قال: نعم هو مرة بن شرحبيل الطيب الهمداني نبيل جليل. وقال ابن كثير في "التفسير" (٢/ ٧١): (وهذا إسناد صحيح موقوف)، والله أعلم. الزيلعي في "تخريج الكشاف" (١/ ٢١٠) روي موقوفًا ومرفوعًا والأكثر على وقفه. وروي مرفوعا بسند آخر رواه البيهقي في "الزهد الكبير" (٢/ ٣٩٣/ ٨٨٧)، وفي "القضاء والقدر" (٢٣٧) عن بكر بن سهل، ثنا عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قالوا: يا رسول الله وما حق تقاته؟ قال: "أن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى"، قالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ فأنزل الله ﷿: فاتقوا الله ما استطعتم. وبكر بن سهل، ضعيف. والضحاك، عن ابن عباس: منقطع.
(٢) "مرقاة المفاتيح" (٩/ ٣٦٢٠).
[ ٢ / ٨٨٥ ]
الفعل تارة، والقيد أخرى، وقد يتوجه نحو المجموع دونهما، وكذا النفي ذكره البيضاوي، قيل: "معناه وأنتم متزوجون؛ لأن التزوج بالحلال من كمال الإسلام وتمام الأحوال".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]) أي: صدقًا [وصوابًا] (^١)، (﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ الآية) يعني: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، وهو بتمامه كذا في "المشكاة".
(عه، مس، عو) أي: رواه الأربعة، والحاكم، وأبو عوانة؛ كلهم عن ابن مسعود (^٢)، وقال الترمذي: "حسن"، ورواه أحمد والدارمي أيضًا.
(ورسوله) أي: وفي رواية بعد قوله: "ورسوله" (^٣) (أرسله بالحق) أي: بالقرآن، أو ملتبسًا بالحق، أي: بالصدق، (بشيرًا) أي: مبشرًا للمطيعين بالجنة، (ونذيرًا) أي: منذرًا ومخوفًا للعاصين بالنار، (بين يدي الساعة)
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "وثوابًا".
(٢) أخرجه أبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، والنسائي في "المجتبى" (١٤٠٤)، وفي "الكبرى" (١٧٢١)، وابن ماجه (١٨٩٢)، والحاكم (٢/ ١٩٩)، وأبو عوانة في "مستخرجه" (٤١٤٣)، وأحمد (١/ ٣٩٢)، والدارمي (٢٢٤٨) جميعهم من حديث ابن مسعود، وقال الترمذي عقبه: حسن، وصحح إسناده النووي في "شرح مسلم" (٦/ ١٦٠)، وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (٧/ ٥٣١): هذا الحديث صحيح، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح" (٣١٤٩).
(٣) يعني السابق في قوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
[ ٢ / ٨٨٦ ]
أي: قدامها، وقبل وقوعها.
(من يطع الله ورسوله فقد رشد) بفتح الشين على ما في النسخ المصححة، ويجوز كسرها، أي: اهتدى، ففي "القاموس": "رشد كنصر وفَرِحَ رُشْدًا، ورَشَدًا، ورشادًا: اهتدى" (^١). وقال المؤلف: "رشد بفتح الشين ويجوز كسرها، يقال: رَشِدَ بالكسر يرشَدُ بالفتح، ورَشَدَ بالفتح يرشُدُ بالضم من الرشد، وهو: الهداية وضد الغيّ" (^٢).
(ومن يعصهما) أي: الله ورسوله، فقد ضل فغوى وظلم نفسه، (فإنه لا يضر) أي: بالعصيان، (إلا نفسه) لأن وباله عليها، (ولا يضر الله شيئًا)؛ لأنه منزه عن ذلك، فقوله: "فإنه لا يضر" تعليل للجواب المقدّر فتدبر. (د) أي: رواه أبو داود عن ابن مسعود (^٣) أيضًا.
قال المؤلف: "قوله: "ومن يعصهيا" كذا ورد بجمع الضمير على التثنية، وهو مما انفرد به أبو داود وسكت عليه، وقد يقال: إنه مخالف لما
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" (٩/ ٣٦٢٠).
(٢) "القاموس" (صـ ٢٨٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٩٧)، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" رقم (٢٠٢). في إسناده ضعفاء.
(٤) أبو عياض المدني مجهول كما قال الحافظ في التقريب رقم (٨٢٩٢).
(٥) عبد ربه بن أبي يزيد مستور كمال قال الحافظ في التقريب رقم (٣٧٩١) وبه وبعمران أعله ابن الملقن في "البدر المنير" (٧/ ٥٣٣).
(٦) عمران بن داور أبو العوام القطان صدوق يهم ورمي برأي الخوارج كما قال الحافظ في التقريب رقم (٥١٥٤).
[ ٢ / ٨٨٧ ]
رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عدي بن حاتم: "أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ: قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" (^١).
قال القاضي عياض وجماعة من العلماء: "إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لأمر الله تعالى بتقديم اسمه، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: "لا يقل أحدكم شاء الله وشاء فلان، ولكن ما شاء الله، ثم شاء فلان" (^٢)، انتهى.
قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: "والصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز، وهذا ثبت في الصحيح: "أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم" (^٣)، وأما قول الأولين فيضعف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة في كلام رسول الله ﷺ، كقوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (^٤)، وغيره من الأحاديث،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم.
(٢) "شرح النووي على مسلم" (٦/ ١٥٩)، والحديث أخرجه أبو داود (٤٩٨٠)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٧٥٥) من حديث حذيفة بلفظ "لا تقولوا ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان"، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" رقم (١٣٧) وفي "صحيح الجامع" رقم (٧٤٥١).
(٣) أخرجه البخاري (٩٤، ٩٥) من حديث أنس.
(٤) أخرجه البخاري (٢١، ١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وإنما ثنى الضمير هنا لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، وكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظها، وإنما يراد [الاتعاظ] (^١) بها" (^٢).
قال: "ومما يؤيد هذا ما ثبت في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من [يهد] (^٣) الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا" (^٤).
قلت: والذي وقع في "سنن أبي داود" من حديث ابن مسعود: أن الرجل قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، وقطع الكلام فقال: قم -أو: اذهب-؛ فبئس الخطيب أنت" (^٥)، فعلى هذا إنما رد عليه النبي ﷺ وأنكر من حيث إنه سوَّى بين من أطاع الله ورسوله وبين من عصاه، وعلى ذلك حمل الحديث الحافظ أبو عمرو الداني رحمه
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "الإيقاظ".
(٢) "شرح النووي على مسلم" (٦/ ١٥٩).
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د) و"مفتاح الحصن الحصين": "يهده".
(٤) "شرح النووي على مسلم" (٦/ ١٦٠). والحديث أخرجه أبو داود (٢١١٨).
(٥) أخرجه أبو داود (٤٩٨١) من حديث عدي بن حاتم.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
الله وغيره من العلماء (^١) " (^٢).
(ونسأل الله أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع) بسكون الفوقية وفتح الموحدة، وفي نسخة بتشديد الفوقية وكسر الموحدة، (ورضوانه) بكسر الراء ويضم، أي: ما به يحصل رضاه، (ويجتنب سخطه) أي: ما يقتضي غضبه، (فإنما نحن به) أي: موجود ون، (وله) أي: مطيعون ومنقادون.
(مود) أي: رواه أبو داود موقوفًا من قول الزهري (^٣)، وهو من صغار التابعين، ويفهم من كلام صاحب "السلاح" أن هذا من مراسيله، حيث قال بعد حديث ابن مسعود: "زاد أبو داود عن الزهري مرسلًا: "ونسأل الله … " إلى آخره" (^٤).
وفي "الرياض النضرة": "أن خطبته ﷺ في تزويج فاطمة عليًّا ﵂: الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وأمرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد ﷺ. وأن الله تبارك اسمه وعظمته جعل المصاهرة سببًا لاحقًا وأمرًا
_________________
(١) بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: "وفيه نظر، والله أعلم".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ ب، ١١/ أ).
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٩٨) من قول الزهري موقوفا، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" رقم (٢٠٣) لإرساله.
(٤) "سلاح المؤمن في الدعاء والذكر" لمحمد بن محمد بن علي بن همام أبو الفتح، تقيّ الدين، المعروف بابن الإِمَام (صـ ٤٠٦).
[ ٢ / ٨٩٠ ]
مفترضًا، أوشج به الأرحام، وألزم الأنام، فقال عز من قائل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] إلى آخر الحديث"، وفيه: " … ثم دعا بطبق من بُسر فوضعه بين أيدينا، فقال: انهبوا فنهبنا" (^١).
(ويقول لمن تزوج: بارك الله لك) بالخطاب المذكر، أو المؤنث. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، كلاهما عن أنس (^٢).
(وبارك الله عليك) وفي "المشكاة": "عليكما"، وهو المناسب لقوله: (وجمع بينكما في خير. عه، حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم عن أبي هريرة (^٣).
_________________
(١) "الرياض النضرة في مناقب العشرة" (٣/ ١٤٥)، وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص ٣٩١): موضوع، ووضعه محمد بن دينار العوفي.
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٤٩) وفي (٣٩٣٧، ٣٧٨١) وفي (٥١٦٧، ٥١٥٥، ٥٠٧٢)، ومسلم (٢/ رقم ١٤٢٧) من حديث أنس، في قصة زواج عبد الرحمن بن عوف ودعاء النبي ﷺ له.
(٣) أخرجه أبو داود (٢١٣٠)، والترمذي في "الجامع" (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٠١٧)، وابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢٢٧)، والحاكم (٢/ ١٨٣) جميعهم من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٤٧٣٠).
[ ٢ / ٨٩١ ]
(أو فبارك الله عليك. خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم والترمذي، والنسائي؛ كلهم من حديث جابر (^١).
(ولما زوج ﷺ عليًّا فاطمة ﵄ دخل) أي: النبي ﵇، (البيت) أي: بيتهما ليلة الزفاف، وهو بيت في كما سيأتي، (فقال لفاطمة: ائتني بماء، فقامت إلى قعب) أي: متوجهة إليه، وهو بفتح القاف وسكون العين المهملة وبالباء الموحدة: قدح على ما في "المهذب"، وصغير على ما في "الخلاصة"، وفي "الصحاح": "قدح من خشب" (^٢).
(في البيت، فأتت فيه بماء، فأخذه ومجَّ فيه) بفتح الميم وتشديد الجيم، أي: صبَّ فيه من فيه.
قال المؤلف: "أي: صبه في القعب، وهو قدح من خشب" (^٣)، (ثم قال لها: تقدمي) أي: أقبلي، (فتقدمت فنضح) أي: رلش الماء، (بين ثدييها) أي: عند صدرها، (وعلى رأسها) يقال: نضحه به ونضح عليه الماء، أي: رشه عليه، كذا في "النهاية".
(وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم. ثم قال لها: أدبري، فأدبرت فصبَّ بين كتفيها، وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٨٧)، ومسلم (٧١٥) بلفظ "فبارك الله لك"، والترمذي في "جامعه" (١١٥٥) بلفظ "فدعا لي"، والنسائي في "المجتبى" (٣٢١٩) بدون لفظ "فبارك الله عليك" جميعهم من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) "الصحاح" (١/ ٢٠٤).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
[ ٢ / ٨٩٢ ]
من الشيطان الرجيم، وقال) كذا في "أصل الأصيل"، وفي "أصل الجلال": "ثم قال" (ائتوني بماء) بصيغة الجمع للتعظيم، أو الخطاب العام لمطلق أهل البيت، والمراد علي ﵁.
(قال علي: فعلمت) أي: فعرفت، (الذي يريد، فقمت فملأت القعب [ماءً وأتيته به] (^١)، فأخذه ومجَّ فيه، ثم قال: تقدم، فصب علئ رأسي وبين يدي) بصيغة التثنية، وفي نسخة: "بين ثديي".
(ثم قال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، ثم قال: أدبر، فأدبرت فصب بين كتفي) بتشديد الياء، (وقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، ثم قال: ادخل بأهلك باسم الله والبركة).
(حب) أي: رواه ابن حبان عن أنس (^٢)، والظاهر أنه لم يحضر القصة، وأخذها من علي كما يفهم من قوله: "قال علي".
وفي "الرياض": "عن أنس قال: جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، لقد علمت مناصحتي وَقِدَمِي في الإسلام، وأني وأني …، قال: فما ذاك؟! قال: تزوجني فاطمة، فسكت عنه، قال: فرجع أبو بكر إلى عمر، فقال: هلكت وأهلكت، قال: وما ذاك؟! قال: خطبت فاطمة
_________________
(١) كذا في (د)، وفي (أ) و(ج): "ماءً وأتيت به"، وفي (ب): "وأتيته بمائه".
(٢) أخرجه ابن حبان (٦٩٤٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٤٥٨) رقم (١٠٢١) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٠٦): رواه الطبراني، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف. وقد أقر بضعف يحيى الأسلمي الحافظ في التقريب (٧٦٧٧).
[ ٢ / ٨٩٣ ]
فأعرض عني، قال: مكانك حتى آتي النبي ﷺ فأطلب مثل الذي طلبت.
فأتى عمر النبي ﷺ فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وأني وأني …، قال: وما ذاك؟! قال: تزوجني فاطمة، فسكت عنه، فرجع إلى أبي بكر، فقال: ينتظر أمر الله لها، قم بنا إلى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي: فأتياني وأنا عالج فسلاني فقالا: إنا جئناك من عند ابن عمك [بخطبة] (^١)، قال علي: فنبهاني لأمر، فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي ﷺ، فقعدت بين يديه فقلت: يارسول الله، قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وأني وأني …، قال: وما ذاك؟! قال: تزوجني فاطمة، قال: فما عندك؟ قلت: فرسي وَبُدْنِي، قال: أما فرسك، فلا بد لك منها، وأما بدنك فبعها، قال: فبعتها بأربع مئة درهم ومئتين، قال: فجئت بها حتى وضعتها في حجر رسول الله ﷺ فقبض منها قبضة فقال: أي بلال، ابتع لنا بها طيبًا، وأمرهم أن يجهزوها، فجعلوا لها سريرًا شرط بالشريط، ووسادة من أدم حشوها ليف.
وقال لعلي: إذا أتتك لا تحدث شيئًا حتى آتيك، فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله ﷺ فقال: ها هنا أخي؟ قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك؟ فقال: نَعَم، ودخل رسول الله ﷺ البيت فقال لفاطمة: ائتيني بماء … " (^٢) الحديث. أخرجه أبو حاتم.
_________________
(١) كذا في (د)، وفي (ج): "وبخطبة"، وفي (أ) و(ب): "بخطبته".
(٢) "الرياض النضرة" (٣/ ١٤٢)، والحديث أخرجه ابن حبان (٥/ رقم ٦٩٤٤) والكلام عليه كسابقه.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
وأخرجه أحمد في "المناقب" من حديث أبي يزيد المديني، وقال: "فأرسل النبي إلى علي لا تقرب حتى آتيك، فجاء النبي ﷺ فدعا بماء، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم نضح منه على وجهه، ثم دعا فاطمة فقامت إليه تعثر في ثوبها -وربما قال: في مرطها- من الحياء، فنضح عليها أيضًا، وقال لها: إني لم آل أن أنكحتكِ أحب أهلي إلي، فرأى رسول الله ﷺ سوادًا وراء الباب، فقال: من هذا؟ قالت: أسماء. قال: أسماء بنت عميس؟ قالت: نَعَم.
قال: أمع بنت رسول الله [ﷺ] (^١) جئت كرامة لرسول الله؟ قالت: نعم. فدعا لي دعاء إنه لأوثق عمل عندي، ثم قال لعلي: دون أهلك، ثم ولى إلى حجرة، فما زال يدعو لهما حتى دخل في حجرة" (^٢). وأخرجه عبد الرزاق في "جامعه" عن عكرمة.
(وإذا دخل بأهله) هو كناية عن اجتماع الرجل بامرأته أول مرة، (أو اشترى رقيقًا) أي: مملوكًا، عبدًا أو جارية، (فليأخذ بناصيتها) ففي "الصحاح": "الناصية: الشعر الكائن في مقدَّم الرأس" (^٣)، انتهى.
والظاهر: أن المراد مقدَّم رأسها، سواء يكون فيه شعر أم لا، والضمير
_________________
(١) كتب بجوارها في حاشية (ب): التصلية زائدة، وهي مثبتة في (ج)، وليست في (أ) و(د).
(٢) أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (٢/ رقم ٩٥٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ رقم ٣٦٥) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢١٠): ورجال رجال الصحيح.
(٣) لم أقف عليه في "الصحاح"، وانظر "تهذيب اللغة" (١٢/ ١٧١).
[ ٢ / ٨٩٥ ]
راجع إلى المرأة، والجارية، والعبد تغليبًا للأكثر، أو إلى النفس الشاملة للثلاثة.
(د، س، ص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وأبو يعلى، عن ابن عمرو بن العاص، وفي نسخة: "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده" (^١)، ومآلهما واحد.
(ثم ليقل: اللهم إني أسألك خيرها) وفي رواية أبي يعلى: "من خيرها"، وهو الملائم لما سيأتي من مقابله في قوله: "من شرها"، لكن يفيد التبعيض، والمطلوب كل خيرها.
(وخير ما جبلتها عليه) "أي: خلقتها وطبعتها" (^٢)، قاله المؤلف، (وأعوذ بك من شرها، وشر ما جبلتها عليه).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ رقم ٢١٦٠)، والنسائي في "الكبرى" (٩/ رقم ٩٩٩٨، ١٠٠٢١) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما، فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه، هاذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك". قال أبو داود: زاد أبو سعيد، ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة في المرأة والخادم، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح" رقم (٢٤٤٦) وفي "صحيح الجامع" رقم (٣٥٦). وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١١/ رقم ٦٦١٠) من حديث أبي هريرة بلفظ "إذا اشترى أحدكم خادما فليأخذ بناصيتها وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
[ ٢ / ٨٩٦ ]
(د، س، ق، ص، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، والحاكم، عنه (^١) أيضًا، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وهو من تتمة الحديث السابق بالنسبة إلى بعض المخرجين، فتأمل.
(وكذلك) وفي نسخة: "وكذا"، أي: ومثل ما ذكر من الأخذ والدعاء يعمل (في الدابة) أي: إذا اشترى شيئًا من الحيوانات: كالخيل، [والبغال] (^٢)، والحمير.
(ويأخذ بذروة سنام البعير) بفتح السين، وفي "القاموس": "ذروة الشيء بالضم والكسر: أعلاه" (^٣)، قال المؤلف: "أي: بأعلاه، وهو بكسر الذال، وقيل: مثلث" (^٤).
(د، س، ص) أي رواه: أبو داود، والنسائي وأبو يعلى، عنه (^٥) أيضًا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ رقم ٢١٦٠)، والنسائي في "الكبرى" (٩/ رقم ٩٩٩٨، ١٠٠٢١)، وابن ماجه (٢/ رقم ٢٢٥٢)، والحاكم (٢/ رقم ٢٧٥٧) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح على ما ذكرناه من رواية الأئمة الثقات، عن عمرو بن شعيب، ولم يخرجاه عن عمرو في الكتابين، ووافقه الذهبي، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١١/ رقم ٦٦١٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): "والبغالات"، وفي (ج): "والبغل".
(٣) "القاموس المحيط" (صـ ١٢٨٤).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١١/ أ).
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ رقم ٢١٦٠)، والنسائي في "الكبرى" (٩/ رقم ١٠٠٢١) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ "وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه"=
[ ٢ / ٨٩٧ ]
(وكان) وفي "نسخة الجلال" بغير واو، (إذا اشترى) أي: ابن مسعود، (مملوكًا) أي: من [الحيوانات] (^١)، (قال اللهم بارك) أي: "لي" كما في نسخة، (فيه) أي: في خدمته، (واجعله طويل العمر، كثير الرزق. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن مسعود.
(وإذا أراد الجماع قال: باسم الله، اللهم جنبنا) بتشديد النون المكسورة، أي: بعِّدْنا (الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا) أي: من الولد على الفرض والتقدير، ثم الجمع بينهما للمبالغة في حصول التبعيد.
(ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله …، إلن آخره، فقضي بينهما ولد، لم يضره". وفي رواية للبخاري: "لم يضره شيطان أبدًا".
قال الشيخ الجامع قدس سره في "تصحيح المصابيح": "أي: لم يسلط عليه في دينه، ولم يظهر مضرته في حقه بنسبة غيره"، وقيل: "لم يصرعه"، وقيل: "لم يطعن فيه"، يعني: طعنًا شديدًا عند الولادة، بخلاف غيره.
وقال بعضهم: "لم يحمل أحد هذا الحديث على العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة"، انتهى.
وكيف يحمل على الوسوسة أو غيرها مما لا يمتنع منه إلا معصوم؟ لكن الصادق قد أخبر بهذا، فلا بد أن يكون له تأثير ظاهر، وإلا فما
_________________
(١) = والكلام عليه كسابقه، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١١/ رقم ٦٦١٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "الحيوان".
[ ٢ / ٨٩٨ ]
الفائدة فيه، ومن وفقه الله بالعمل بهذا، فرأى من البركة في ولده ما تحقق أنه ﷺ ما ينطق عن الهوى.
قلت: وأقل فائدته بعد ذكر الله ودعائه، سؤال اجتناب الشيطان لنفسه تضمن طلب الولد الصالح من الله تعالى بذلك العمل المباح، فيصير عبادة بتحسين النية، فنية المؤمن خير من عمله.
(فإذا أنزل قال: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني) أي: من الولد، (نصيبًا) أي: حظًّا، أو شركة، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن مسعود.
[ ٢ / ٨٩٩ ]