(وإذا دُعِي إلى طعامٍ فليجب) أمر من الإجابة، [وجوبًا أو ندبًا] (^١). (م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة (^٢).
(ولا سيما وليمة العرس) وهي الطعام الذي يصنع عند العرس، وهو ضيافة الزوجة عند عقدها أو زفافها، مأخوذ من الوَلْمِ وَهُوَ الجَمْعُ وزنًا ومعنًى، وسمي وليمة لاجتماع الزوجين.
ثم "سيّ" بمعنى: مثل، يقال هما: سيان، أي: مثلان، و"ما" زائدة، أو موصولة، أو موصوفة، هذا أصله، ثم استعمل بمعنى التخصيص، وقد يحذف لفظ "لا"، لكنه مراد، وما بعده مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف، والجملة صلة "ما" أو صفته، وفي نسخة بالجر على أنه مضاف إليه لـ"سيّ"، بناء على زيادة "ما".
وفي "أصل الأصيل" بالنصب، ولعل وجهه أن يقال: "لا أُمَثل وليمة العرس بشيء من أنواع الدعوة".
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "ندبًا أو وجوبًا".
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٧) ومسلم (١١٥٠)، وأبو داود (٢٤٦٠) والترمذي (٧٨٠) وابن ماجه (١٧٥٠).
[ ٢ / ٨٢٧ ]
(د، ق، عو) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو عوانة، عن ابن عمر.
(فإن كان) أي: المدعو المجيب (صائمًا صلى) أي: في بيتهم، ليحصل لهم البركة والخير من قدومه [وعيادته] (^١) إذا كان من أهل العلم والصلاح، أو دعا لهم بالخير، وقال المؤلف: "أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة" (^٢). (م، د، ق، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، عن ابن عمر (^٣)، وفي بعض النسخ المصححة رمز الترمذي بدل ابن ماجه.
(ودعا، وبرّك) بتشديد الراء، أي: دعا بالبركة، فهو تخصيص بعد تعميم، وَظَاهِرُ عَطْفِ "دَعَا" على "صَلَّى" يَفِيدُ المعنى الذي ذكرناه سابقًا. (د، ق، عو) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو عوانة، قال ميرك: "وإنما ذهب المصنف -قدس سره- إلى المعنى الذي ذكره، لما في رواية مسلم، وأبي داود، والترمذي، قال هشام بن حسان -يعني: أحد رواة الحديث-: "الصلاة بمعنى الدعاء"، وعند النسائي من حديث ابن مسعود: "وإن كان صائمًا دعا بالبركة" (^٤).
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "وعبادته".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
(٣) أخرجه البخاري ٥١٧٣)، ومسلم (١٤٢٩)، وأبو داود (٣٧٣٦) وأخرجه أحمد (٢/ ٣٧)، والترمذي (١٠٩٨)، وأبو داود (٣٧٣٧).
(٤) أخرجه أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٠٠).
[ ٢ / ٨٢٨ ]
فقوله: "ودعا، وبرك" الظاهر: ترك الواو في الجملة الأولى؛ لأن الحديث في الكتب الثلاثة بلفظ: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرسٍ فليجب، فإن كان صائمًا دعا وبرك، وإن كان مفطرًا أكل"، فكأن قوله: "دعا" في هذه الرواية بدل قوله ﷺ في الرواية السابقة: "صلى"، لا أن يكون معطوفًا عليه، خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ المصنف قدس سره. وعن أنس بن مالك: "أنه ﷺ دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: ردوا سمنكم إلى سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائمٌ"، وفيه: "فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل البيت".
(وإذا أفطر قال: ذهب الظمأ) بفتحتين فهمز، أي: العطش أو شدته، وقيل: [يمد ويقصر] (^١)، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، (وابتلت) أي: صارت رطبة (العروق) أي: عروق الجوف، (وثبت الأجر) أي: على قدر التعب والنصب، في الصبر عن الأكل والشرب، وتحمل الجوع والعطش لله سبحانه، (إن شاء الله) أي: إن تعلق بقبوله مشيئة الله وإرادته. (م، د، س، مس) أي رواه: مسلم -على ما في بعض النسخ- وأبو داود، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر (^٢).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "بمد وبقصر".
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٥٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٣٣٢٩)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٤٠)، والبغوي في شرح السنة (٦/ ٣٧٧)، وقال: صحيح، وانظر: الإرواء (٩٢٠).
[ ٢ / ٨٢٩ ]
(اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي. مو مس ق ي) أي رواه: الحاكم، وابن ماجه، وابن السني؛ كلهم عن ابن عمر موقوفًا (^١).
(فإن أفطر عند قوم قال: أفطر عندكم الصائمون) الجملة خبريةٌ مبنًى ودعائيةٌ معنًى، وكذا قوله: (وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة) أي: دعت لكم بالبركة والخير. (ق، حب، د) أي رواه: ابن ماجه، وابن حبان؛ كلاهما عن عبد الله بن الزبير (^٢)، وأبو داود عن أنس، وأخرجه ابن السني عنه أيضًا (^٣)، لكن ما ذكره المؤلف.
_________________
(١) ابن ماجة (١٧٥٣) والحاكم (١/ ٤٢٢) قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٣/ ٢٩): إسناده صحيح. وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه أحمد بن حنبل والبزار والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. وقال أيضًا في الزوائد (٢/ ٣٨): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وحسنه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار". وقال المنذري (٢/ ٥٣): رواه البيهقي عن إسحاق بن عبيد الله عنه، وإسحاق هذا مدني لا يعرف والله أعلم.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٧٤٧). قال البوصيري (٢/ ٧٩): هذا إسناد ضعيف لضعف مصعب بن ثابت بن عبد الله بن عبد العزيز بن الزبير. وأخرجه ابن حبان (٥٢٩٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٨٥٤) أيضًا أحمد في "المسند" (٣/ ١٣٨) والبيهقي في سننه (٧/ ٢٨٧)، والنسائي في: "عمل اليوم والليلة" (١٢٩٦ و١٢٩٧)، وإسناده =
[ ٢ / ٨٣٠ ]
قال ميرك: "عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزبيب فأكل، ثم قال النبي ﷺ: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة"، هكذا رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
ورواه ابن السني عن أنس، قال: "كان النبي ﷺ إذا أفطر عند قوم دعا لهم، فقال: أفطر عندكم … " إلى آخره، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير، قال: "أفطر رسول الله ﷺ عند اسعد بن معاذٍ، فقال: أفطر عندكم … " إلى آخره، ورواه ابن حبان في "صحيحه" وعنده سعد بن عبادة بدل سعد بن معاذ، والله أعلم بالصواب" (^١). قلت: ويمكن الجمع بتعدد القضية.
(وإذا حضر الطعامُ فليسم الله) لا خلاف في أن التسمية [في بدأ] (^٢) حال الأكل سنة مؤكدة، (وليأكل مما يليه) أي: يقربه، (بيمينه) الجمهور على أن الأكل باليمين سنة مؤكدة، والأمر الوارد فيه للندب، وقيل: للوجوب، ويؤيده مواظبته ﷺ، وأما الأكل مما يليه فمحله إذا كان
_________________
(١) = حسن، وهو حديث صحيح، وانظر كلام الحافظ ابن حجر على هذا الحديث، وتعقبه للإمام النووي في "الفتوحات الربانية" لابن علان (٤/ ٣٤٣، ٣٤٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (رقم: ١٧٤٧) وابن حبان (رقم: ٥٢٩٦). وانظر: البدر المنير (٨/ ٣٠).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "مبدء".
[ ٢ / ٨٣١ ]
الطعام نوعًا واحدًا، وأما إذا كان أنواعًا مختلفةً كالفواكه وغيرها، فيجوز من أي موضع شاء الأكل، يدل على ذلك الأحاديث القولية والفعلية.
(خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم عن عمر بن أبي سلمة (^١)، ربيب النبي ﷺ، وأمه أم سلمة، ولفظه في "الشمائل": "سمِّ الله، وكل بيمينك مما يليك".
(إن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه) بصيغة المجهول، قال المصنف: "أي: يجعله حلالًا، فيشارك صاحبه فيه" (^٢)، وقال ميرك: "معناه: أنه يتمكن من أكل الطعام، وهو محمول على ظاهره بأن أكل الشيطان حقيقةٌ؛ إذ العقل لا يحيله، والشرع لا ينكره، بل أُثبت؛ فوجب قبوله".
وقال النووي: "يصرف قوته فيما لا يرضاه الله تعالى، أي: لا يكون ممنوعًا من التصرف فيه إلا أن يذكر اسم الله عليه"، قال البيضاوي: "وكأن ترك التسمية إذنٌ من الله للشيطان من تناوله، كما أن التسمية منع له عنه" نقله الطيبي.
(م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن حذيفة بن اليمان.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢)، والترمذي رقم (١٨٥٨) والنسائي في الكبرى (٦٧٥٩).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
[ ٢ / ٨٣٢ ]
(قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل) أي: كثيرًا، (ولا نشبع؟ قال: فلعلكم تأكلون متفرقين) حال (قالوا: نَعَم) بفتح العين، ويجوز كسرها، وبه قرأ الكسائي حيث جاء في القرآن، (قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله) أي: عليه، وهذا تنبيهٌ للأمر الأهم (يبارك لكم فيه) بصيغة المجهول، فأحد الجارّين نائب الفاعل، وفي نسخة بصيغة المعلوم، فالفاعل هو الله حقيقة، أو اسمه مجازًا، وهو أبلغ. (د، ق، س) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، عن وحشي بن حرب (^١).
(وأمر الصحابة في الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية: أن اذكروا اسم الله) بكسر نون "أن" المصدرية أو المفسرة، أو ضمها وصلًا، (وكلوا، فأكلوا) أي: بعد ما سَمَّوا (فلم يُصِبْ أحدًا منهم شيءٌ) أي: من ضرر السم الذي كان في الشاة.
(مس) أي: رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: "صحيح الإسناد" (^٢) على ما نقله صاحب "السلاح"،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٠٥)، وأبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦)، وابن حبَّان (٥٢٢٤)، والحاكم (٢/ ١٠٣)، وانظر ترجمة وحشي في المغني في الضعفاء (٦٨٣٠)، والميزان (٧/ ٢١)، وقال العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٤٨): سنده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٤٣)، والسلسة الصحيحة (٨٨٤).
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١٠٩).
[ ٢ / ٨٣٣ ]
قال ميرك: "ولي فيه تأمل؛ إذ المشهور بين أصحاب الحديث وأرباب السير والتواريخ أنه لم يأكل من تلك الشاة المسمومة أحد من الصحابة إلا بِشْرُ بنُ البراءِ بنِ مَعْرُورٍ، أكل منها لقمة ومات، وأمر النبي ﷺ بإحراق تلك الشاة، أو دفنها تحت التراب (^١).
واختلفوا في أنه ﷺ أمر بقتل اليهودية أو عفا عنها، والأصح أنه قتلها لأجل قصاص بشر بن البراء، وعفا عنها لأجله ﷺ، يعني: قبل القصاص، فإنها استدلت بها أنه نبي، فأسلمت"، قال: "وأظن أن في هذه الرواية وهمًا شديدًا، ونكارة ظاهرة".
قلت: من وجوه كثيرةٍ:
منها: أنه أمرهم بالأكل منها مع العلم بها.
ومنها: أن القوم أكلوا منها جميعًا.
ومنها: عدم الضرر، وقد تضرر به ﷺ، حتى مات شهيدًا بألمها المعاود له كل سنة، حتى لقي الله تعالى.
ومنها: مخالفته لما رواه سائر الحفاظ، فقد رواه أبو داود، والدارمي، عن جابر: "أن يهوديةً من أهل خيبر سمّت شاة مصليّة، أي: مشويّة، ثم أهدتها لرسول الله ﷺ، فأخذ رسول الله ﷺ الذراع، فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله ﷺ: ارفعوا أيديكم، وأرسل إلى اليهودية فدعاها، فقال: سممت هذه الشاة؟ فقالت: من أخبرك؟ فقال:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٨ (٢٤٤٣٠). وأبو داود (٤٥١٤).
[ ٢ / ٨٣٤ ]
أخبرتني هذه في يدي -للذراع- قالت: نعم، قلت: إن كان نبيًّا فلن تضره، وإن لم يكن نبيًّا فاسترحنا منه، فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقَرن والشفرة".
وهو مولًى لبني بياضة من الأنصار، فقوله: "فعفى عنها" أي: أولًا، ثم لما مات من أكل معه من الصحابة أمر بقتلها، فقتلت.
(وفي حديث مَسِيرِهِ ﷺ) أي: ذَهابه (وأبي بكر وعمر إلى بيت أبي الهيثم) بفتح فسكون ففتح، وهومالك بن التيهان الأنصاري، والقضية مذكورة في "الشمائل" مبسوطةٌ، (وأكلهم الرطب واللحم) [يقرأ] (^١) بالوجوه الثلاثة المشهورة، وكذا في قوله: (وشربهم الماء) مع التثليث في الشين، والضم أشهر، ثم الفتح، (قوله ﷺ) مبتدأ مؤخر، خبره "في مسيره"، والمقول: (إن هذا) أي: ما ذكر من أكل الرطب واللحم، وشرب الماء العذب (هو النعيم، الذي تسألون عنه يوم القيامة) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
(فلما كبُر) بضم الموحدة، أي: صعب وشق وعظم (على أصحابه) أي: من أبي بكر وعمر وأبي هريرة الراوي، (قال: إذا أصبتم) أي: صادفتم ووجدتم (مثل هذا) أي: مما ذكر من النعم، والنعيم بمعنى:
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "تقرأ".
[ ٢ / ٨٣٥ ]
النعمة على ما في "المهذب"، ويمكن أن [يقال] (^١): التقدير: إذا أردتم إصابة مثل هذا، (وضربتم بأيديكم) أي: شرعتم في تناوله وأخذه، (فقولوا: باسم الله، وعلى بركة الله، فإذا شبعتم، فقولوا: الحمد لله الذي هو) أي: لا غيره، (أشبعنا) أي: من الطعام، (وأروانا) أي: من الشراب، والمعنى: أزال عنا الجوع والعطش.
وفي قوله: "هو" إشارة إلى أن كلًّا من الأكل والشرب إنما هو سبب للشبع ودفع العطش، وإلا فالمشبع والمُرْوِي هو الله، وتفسير الحنفي "أروانا" بـ"سقانا" في غير محله، بل كان حقه أن يقول: أطعمنا حتى أشبعنا، وسقانا حتى أروانا.
(وأنعم علينا) أي: بسائر النعم الظاهرة والباطنة (وأفضل) أي: أكمل النعمة وأتمها (فإن هذا) أي: القول (كفاف هذا) أي: النعيم، قال المؤلف: "بفتح الكاف، أي: يوازيه سواء بسواء، ومنه قول عمر ﵁: وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا فلا علي ولا لي" (^٢)، انتهى.
وفي "النهاية": "الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، وهو -يعني: في قول عمر- نُصِبَ على الحال"، أي: من
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "يكون".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
الفاعل والمفعول، وقيل: "أراد به مكفوفًا عن شرها"، وقيل: "معناه: أن لا تنال مني، ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها". (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة (^١).
(وإن نسي التسمية أول الطعام) أي: في أول أكله (فليقل) أي: بعد التذكر في أثنائه، وقيل: "ولو بعده؛ ليعود بركة الطعام ونفعه إليه"، (باسم الله أوَّله وآخره) بنصبهما على الظرفية، أي: في أوله وآخره، والمراد: استيفاء جميع أجزائه.
وقال الطيبي: "أي: آكل أوله وآخره مستعينًا بالله، فيكون المجرور حالًا [من] (^٢) فاعل الفعل المقدر، وفيه أن أكله أوله ليس في زمان الاستعانة باسم الله؛ لأنه في وقت أكل أوله لم يكن مستعينًا به.
اللهم إلا أن يقال: إنه في وقت أكله أولًا مستعين به أيضًا حكمًا؛ لأن حال المؤمن وشأنه هو الاستعانة به سبحانه في جميع أحواله، وإن لم يَجْرِ
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٦)، وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير" (٤٣٣) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١٠٠٦٠) وابن حبان (٥٢١٩)، وابن أبي الدنيا في الشكر (١٥) ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٤٣٧٧) وأبو بكر الشافعي في الفوائد الشهير بالغيلانيات (٥٨٢ - ٩٨٥)، والطبراني في "الدعاء" (٨٩٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢٤٢)، وعبد الغني المقدسي في "الترغيب في الدعاء" (١١٠).
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "عن".
[ ٢ / ٨٣٧ ]
اسم الله على لسانه لنسيانه، إذ هو معفو عنه، والله أعلم".
ثم الفرق بين الطعام والوضوء، حيث إن المتوضئ إذا نسي التسمية في أوله لا يتداركه = هو أن الوضوء فِعْلٌ وَاحِدٌ [بِغَسْلِ] (^١) أَعْضَائِهِ جَمِيعًا، بخلاف الطعام فَإِنَّ أَكْلَ كُلِّ لُقْمَةٍ فِعْلٌ على حِدَةٍ، ولذا أكابر العلماء يسمون في كل لقمة، ولعل الشارع اكتفى بأوله دفعًا للحرج عن آكله، ومع هذا فضلاء الصوفية يسمون أيضًا في غسل كل عضو من أعضاء الوضوء. (د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة (^٢).
(وإن أكل مع مجذوم) أي: الذي به جذام، وهو تشقق الجلد، وتقطع اللحم، وتساقط الشعر، والفعل منه جُذِمَ، كذا في "الْمُغْرِب"، (أو ذي عاهة) أي: علة من سائر العلل المعدية (قال: باسم الله، ثقةً) أي: أثق ثقةً، أي: اعتمادًا (بالله) فنصبه على المفعول المطلق، وكذا قوله: (وتوكلًا عليه. ت، د، ق، حب، مس، ي) أي رواه: الترمذي، وأبو داود،
_________________
(١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ) و(ج): "يغسل".
(٢) أخرجه أبو داود (٣٧٦٧)، والترمذي (١٨٥٨)، والنسائي في الكبرى (١٠١١٢)، وفي عمل اليوم والليلة (٢٨١). وأخرجه الطحاوي في المشكل (١٠٨٤)، والبيهقي (٧/ ٢٧٦)، وابن حبان (٥٢١٤)، والحاكم (٤/ ١٢١) وصححه.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، عن جابر.
لكن لفظ الحديث على ما في "الأذكار": "هكذا روينا في "سنن أبي داود"، والترمذي، وابن ماجه (^١)، عن جابر: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم، فوضعها معه في القصعة، وقال: [كُلْه] (^٢) ثِقَةً بِالله"، انتهى.
وهو كذلك في "المشكاة"، فعن بعضهم: "هو منصوب على الحال، وصاحبها محذوف، أي: كل معي واثقًا بالله تعالى"، ويحتمل أن يكون من كلام الراوي حال من فاعل "قال"، وأن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: كل، ثم استأنف، أي: أثق ثقةً بالله" ذكره الطيبي.
وقال ميرك: "الاحتمال الأول ضعيف جدًّا"، أقول: الاحتمال الأول هو القوي، نَعَم، لو قدر: آكل معك ثقةً بالله، لكان أقوى ظهورًا.
والحاصل: أن الآكل مع المجذوم يحتاج إلى حال الاعتماد والتوكل على الله دون المجذوم، على ما يتوهم من التقدير الأول.
ثم التقدير إنما يحتاج في عبارة "الحصن" دون ما ورد في "المشكاة"، و"الأذكار"، فإن لفظ "كُلْ" موجود، اللهم إلا أن يقال: "معي" مقدر، و"ثقة" حال من المفعول.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٢٥) و"ابن ماجة" (٣٥٤٢) والترمذي (١٨١٧)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد عن المفضل بن فضالة.
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "كلمة"، وفي (ب): "كل".
[ ٢ / ٨٣٩ ]
وأما الاحتمال الثاني فبعيد جدًّا؛ لأنه يلزم منه أن لا يكون قوله: "ثقة بالله، وتوكلًا عليه" من كلامه ﷺ، وليس كذلك.
وأما الاحتمال الثالث [فَمُتَكَلَّفٌ] (^١) مستغنًى عنه بما ذكرناه سابقًا، ولأن [الظاهر] (^٢) أنه حال، أي: [آكله] (^٣) بِاسم الله، أي: حال كوني واثقًا بالله ومتوكلًا عليه، على أن كُلًّا من المصدرين بمعنى اسم الفاعل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، أي: راغبين وراهبين.
بقي الجمع بينه وبين ما ورد عنه ﷺ: "فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وهو أن يقال: الأكل معه من باب التوكل، كما يشير إليه الحديث، والفرار منه جواز ورخصة.
(فإذا فرغ من الأكل والشرب) وكذا إذا فرغ من أحدهما (قال: الحمد لله حمدًا) منصوب بالحمد المذكور إما باعتبار ذاته، أو باعتبار تضمنه معنى الفعل، أو بفعل مقدر يدل عليه الحمد المذكور.
وفي رواية النسائي بدل قوله: "الحمد لله حمدًا" "اللهم لك الحمد حمدًا"، وهو كذا في "نسخة الشيخ"، وفي "أصل الأصيل".
ثم قوله: (كثيرًا) صفة "حمدًا" أي: حمدًا كثيرًا من حامد واحد، أو من حامدين كثيرين، وكذا قوله: (طيبًا) أي: خالصًا من الرياء والسمعة، أو
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "فَتَكَلَّفٌ".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "الأظهر".
(٣) كذا في (د)، وفي (ج): "كله"، وفي (أ) و(ب): "كُلْ".
[ ٢ / ٨٤٠ ]
عاريًا عن [الأعراض] (^١) الفاسدة، أو خاليًا في بيان أسمائه ونعوته من أوصاف الملاحدة.
(مباركًا فيه) أي: في الحمد، وهو مفعول أقيم مقام فاعل "مباركًا"، أي: ما وقع فيه البركة، والزيادة والثبات، والنمو والدوام، والمعنى: حمدًا ذا بركةٍ دائمًا لا ينقطع؛ لأن نعمة الله لا تنقطع عنا، فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضًا، ولو نيةً واعتقادًا.
(غير مَكْفِي) بالنصب، وفي نسخة صحيحة بالرفع وسيأتي وجهها، قال المؤلف: "بفتح الميم وإسكان الكاف وتشديد الياء، قال الخطابي: "معناه: أنه ﷾ هو المطعم الكافي، وهو غير مطعم ولا مكفي" (^٢)، أقول: فهو من الكفاية على ما اختاره صاحب "الأذكار"، ويكون الضمير لله.
ففي "الأذكار": "مكفي: بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز، وهو فاسد من حيث العربية، سواء كان من الكفاية أو من كفأت الإناء، كما لا يقال في المقروء: مقرئ، ولا في المرمي: مرمئ بالهمز"، انتهى.
فما نقله الحنفي عن الطيبي من: "أن معناه: غير مردود ومقلوب من كفأت الإناء، والضمير للطعام الذي يدل عليه سياق الكلام" مردودٌ عليه، لما سبق الإشارة إليه.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج): "الأغراض".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
[ ٢ / ٨٤١ ]
(ولا مُودَّع) بفتح الدال المشددة، وقال المؤلف: "بضم الميم وفتح الواو وتشديد الدال، أي: غير متروك الطلب إليه، والرغبة فيما عنده، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، أي: ما تركك" (^١)، انتهى.
وقال العسقلاني [في] (^٢): "غير مودع: بفتح الدال، أي: غير متروك، ويحتمل كسرها على أنه حال من القائل، أي: غير تارك"، انتهى. وفيه أنه يلزم منه تفكيك الضمير مع عدم ملائمته لما قبله وما بعده، حيث وقع كل منهما بصيغة المفعول.
(ولا مستغنًى عنه) قال المصنف: "أي: غير مطروح ولا معرض عنه، بل يحتاج إليه ولا [يستغنى] (^٣) عنه" (^٤)، (ربنا) روي بالرفع والنصب والجر، فالرفع على تقدير: هو ربنا، أو: أنت ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا، أو على أنه مبتدأ، وخبره "غير" بالرفع تقدم عليه، والنصب على أنه منادًى حذف [منه] (^٥) حرف النداء، والجر على البدل من ضمير "الله"، هذا مجمل الكلام في مقام المرام.
وتفصيله ما ذكره ميرك شاه ﵀ بقوله: "واعلم أن ضمير اسم
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
(٢) من (د) فقط.
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "مستغنى".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
(٥) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "عنه".
[ ٢ / ٨٤٢ ]
المفعول في الجمل الثلاثة لا يخلو: إما أن يكون راجعًا إلى الله تعالى، أو إلى الحمد، أو إلى الطعام الذي يدل عليه السياق.
فعلى الأول: يجوز أن يقرأ "غير" منصوبًا بإضمار "أعني"، أو على أنه حال، أي: الله سبحانه غير مكفي رِزق عباده؛ لأنه لا يكفيه أحد غيره، وقيل: "أي غير محتاج إلى أحد، لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم"، "ولا مودع"، أي: غير متروكٍ الطلبُ منه، والرغبةُ فيما عنده، ولا مستغنًى عنه؛ لأنه في جميع الأمور وهو المرجع والمستعان والمدعو، ويجوز أن يقرأ مرفوعًا، أي: هو غير مكفي … إلى آخره.
وعلى الثاني: معناه أن هذا الحمد غير مأتي به كما هو حقّه، لقصور القدرة، ومع هذا فـ"غير مودع" أي: غير متروك، بل الاشتغال به دائم من غير انقطاع، كما أن نعمه سبحانه لا تنقطع عنا طرفة عين، "ولا مستغنًى عنه" لأن الإتيان به ضروري دائمًا، ورفع "غير" ونصبه بحالهما.
وعلى الثالث: معناه أنه "غير مكفي" من عندنا، بل هو الكافي والرازق، أو غير مردود إليه؛ لأن الاحتياج إليه قد بلغ الغاية، "ولا مودع" أي: غير متروك؛ لأن الحاجة إليه دائمةٌ، "ولا مستغنًى عنه" جملة مؤكدة للجملة السابقة، والنصب والرفع في "غير" بحالهما أيضًا.
(خ، عه) أي رواه: البخاري، والأربعة؛ كلهم عن أبي أمامة (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢ و٢٥٦ و٥/ ٢٦١ و٥/ ٢٦٧) والدارمي (٢٠٢٣ =
[ ٢ / ٨٤٣ ]
(الحمد لله الذي كفانا) أي: جميع مهماتنا، ومنها الإطعام، (وأروانا) خص تنبيهًا على عظمة تلك النعمة، أو لكونه مسلتزمًا للأكل غالبًا، وفي نسخة: "وآوانا" أي: أعطى مأوًى لنا، والظاهر أنه تصحيف، (غير مكفي) بالنصب ويجوز رفعه، ولا يبعد جعله مجرورًا بدلًا من الجلالة، أو الموصول (ولا مكفورٍ) قال المؤلف: "يريد [كفر] (^١) النعمة التي أنعم الله تعالى، يعني: الاعتراف بها" (^٢). (خ) أي رواه: البخاري عن أبي أمامة أيضًا (^٣).
(الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وجعلنا من المسلمين) وهذا من أتم النعم؛ لأن سائرها يشمل الأنعام وكفار الأمم. (عه، ي) أي رواه: الأربعة، وابن السني، عن أبي سعيد الخدري (^٤).
_________________
(١) = والبخاري (٥٤٥٨) (٥٤٥٩) وأبو داود (٣٨٤٩) وابن ماجه (٣٢٨٤) والترمذي (٣٤٥٦)، وفي (الشمائل) ١٩٢ والنسائي في "الكبرى" (٦٨٦٨، ٦٨٦٩، ٦٨٧٠) وفي "عمل اليوم والليلة" (٢٨٣ و٢٨٤) الطبراني في "معجمه الكبير" (٨/ ٩٣/ ٧٤٦٩).
(٢) كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي جميع النسخ: "كثرة".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
(٤) أخرجه البخاري (٥٤٥٨)، وأبو داود (٣٨٤٩)، والترمذي (٣٤٥٦)، وابن ماجه (٣٢٨٤)، والنسائي في الكبرى (٦٨٩٧).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٨٥٠)، والترمذي (١٦٣) في الشمائل، والنسائي في الكبرى (١٠١٢٠) وإسناده ضعيف، فيه: الحجاج بن أرطأة وقد عنعن، =
[ ٢ / ٨٤٤ ]
(الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه) بتشديد الواو، أي: سهل كلًّا من دخول اللقمة، ونزول الشربة في الحلق، (وجعل له) أي: لما ذكر (مخرجًا) أي: خروجًا، أو مكان خروجٍ، أو زمانه. (د، س، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، عن أبي أيوب الأنصاري (^١).
(الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه، من غير حولٍ مني ولا قوة. د، ت، ق، مس، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن السني، عن معاذ بن أنس، ولفظه: "من قال ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه" (^٢).
(وإذا أكل الطعام) أي: جنسه (فليقل: اللهم بارك) أي: أوقع البركة (لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه. د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي،
_________________
(١) = وترجم له الحافظ في "التقريب" وقال: صدوق كثير الخطأ والتدليس (١١٢٧)، وكذلك اضطربوا في إسناده، وإسماعيل بن رياح بن عبيدة فيه جهالة. كما قال الحافظ في التقريب (٤٤٨)، وأعله البغوي في شرح السنة (١١/ ٢٧٩) بالانقطاع. انظر كلام البخاري في تاريخه (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٥١)، والنسائي في الكبرى (٦٨٩٤) وصححه النووي في الأذكار. وانظر: الصحيحة (٧٠٥) و(٢٠٦١).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٢٣)، والترمذي (٣٤٥٨)، وابن ماجه (٣٢٨٥) وابن حبان (٥٢١٩) وإسناده حسن كما قال الترمذي، وهو شاهد جيد لحديث أبي سعيد السابق انظر: الإرواء (١٩٨٩).
[ ٢ / ٨٤٥ ]
وابن ماجه؛ كلهم عن ابن عباس (^١).
(فإن كان) أي: الطعام (لَبَنًا)، وفيه دليل على أنه يطلق على المائعات أيضًا، (فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه) قال المؤلف: "يدل على أن اللبن خير الأطعمة وأفضلها" (^٢).
قلت: وسببه ما رواه الترمذي في "الشمائل" عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غيرُ اللبن". وقوله: "يجزئ" من الإجزاء بمعنى الكفاية، ومعنى الحديث: ليس شيء يقوم مقام الطعام والشراب غير اللبن.
ثم الظاهر أن المراد لبن البقر والغنم والإبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فلا يدخل فيه لبن الرمكة، وهي الأنثى من
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٣٠)، والترمذي (٣٤٥٥) وفي إسناده: علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو ضعيف وعمر بن أبي حرملة مجهول. وقال الحافظ في "أمالي الأذكار" بعد تخريجه فيما نقله عنه ابن علان (٥/ ٢٣٨): هذا حديث حسن يعني بطرقه، فإن مدار الحديث عند جميع من خرجه على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وهو عنده ضعيف لا يحسن حديثه إلا بالمتابعة والشواهد. وقد رواه ابن ماجه (٣٣٢٢) من طريق أخرى ضعيفة وبه يحسن الحديث. انظر: الصحيحة (٢٣٢٠).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
[ ٢ / ٨٤٦ ]
الخيل؛ فإن كثيره مما يُسكر على ما صرّح به بعض فقهائنا، فيكون قليلُه أيضًا حرامًا عند الشافعية؛ لظاهر حديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، والله أعلم.
(د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس أيضًا، قال ميرك: "هو وما قبله حديثٌ واحدٌ، فالأولى الاكتفاء بأحد الأرقام"، قلت: [المتعين] (^١) هو آخر الرموز؛ ليشمل السابق واللاحق.
(إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة) بفتح الهمزة، أي: المرة من الأكل حتى يشبع، ويروى بضم الهمزة وهي اللقمة، فهي أبلغ في بيان اهتمام أداء الحمد، لكن الأول أوفقُ مع قوله: "الشربة"، ثم نصبها على [أنها] (^٢) مفعول مطلق، (فيحمده) بالنصب عطفًا على "يأكل"، وفي نسخة بالرفع، أي: فهو يحمد الله (عليها) أي: على تلك الأكلة، (أو يشرب الشربة) بالفتح لا غير، أي: مرة من الشرب (فيحمده عليها. م، ت، س، ي) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن السني؛ كلهم عن أنس (^٣).
(وإذا غسل يده) وفي نسخة: "يديه"، ذكره ميرك (الحمد لله الذي
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "المتيقن".
(٢) كذا في (أ) و(ج)، وفي (ب) و(د): "أنها".
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٣٤)، والترمذي (١٨١٦)، والنسائي في الكبرى (٦٨٩٩) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٨٦).
[ ٢ / ٨٤٧ ]
يُطْعِمُ) بصيغة المعلوم، (ولا يُطْعَمُ) علي بناء المجهول من الإطعام، أي: يَرزق ولا يُرزق، وفي نسخة: "ولا يَطْعَمُ" بفتح الياء والعين، أي: لا يأكل.
وتخصيص الطعام بالنفي لشدة الحاجة إليه؛ إذ لا أحد إلا يحتاج إليه، وهو غير محتاج إليه، وليس المعنى على خصوص الطعم، بل لمطلق النفع، فعبّر عن كل شيء بمعظمه.
(مَنَّ) بتشديد النون، أي: أنعم (علينا فهدانا) أي: إلى أمور ديننا ودنيانا، (وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء) أي: إنعام (حسن أبلانا) أي: أنعمنا، فقوله "كلَّ بلاء" منصوب على أنه مفعول مطلق مقدم على الفعل، وأقيم "بلاء" مقام "إبلاء"، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].
قال المصنف: "الإبلاء: الإحسان والإنعام، قال القتيبي: "يقال من الخير: أبليته [أبليه إبلاء] (^١)، ومن الشر بلوته أبلوه بلاء"" (^٢)، انتهى.
وفي "النهاية" بعد ذكر كلام القتيبي: "والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معًا، من غير فرق بين فعليهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] "، انتهى. (^٣)
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(د): "إبلاء"، وفي (ب) و"مفتاح الحصن الحصين": "أبليه بلاء".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٠/ أ).
(٣) النهاية (١/ ١٥٥).
[ ٢ / ٨٤٨ ]
والتحقيق مع القتيبي؛ لأن كلامه في الفرق بينهما، لا أنه لا يستعمل كل في غيره تغليبًا أو مقيدًا، أو نظيره الفرق المشهور بين وعد وأوعد، حيث يستعمل الأول في الخير، والثاني في الشر عند الإطلاق، وقد يستعمل كل بخلاف الآخر بقرينة صارفة، كقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] وفي الحديث: "وأما لمة الملك فإيعاد بالخير" (^١).
(الحمد لله غير مودع) بتشديد الدال وبنصب "غير"، وجوز الرفع والجر، (ولا مكافًى) بفتح الفاء منونًا، وفي نسخة صحيحة بهمز بعد الفاء، وقال ميرك نقلًا عن الشيخ: "إنه بالهمز، هكذا ثبتت الرواية في هذا الحديث، ومعناه: أن نعم الله لا تكافأ"، انتهى.
وقال الجوهري (^٢) في المهموز: "كل شيء ساوى شيئًا حتى يكون مثله، فهو مكافئ له"، وفي الناقص: "كافيته: من المكافأة، فهو اسم مفعول هنا، إما مهموز، أو ناقص"، وفي "التاج": "من المهموز، وأصل المكافأة المقاومة والموازنة".
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي السنن الكبرى (١١٠٥١)، وابن حبان (٩٩٧) رقم (٩٩٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩٦٣).
(٢) الصحاح (١/ ٦٨).
[ ٢ / ٨٤٩ ]
(ولا مكفور، ولا مستغنًى عنه، الحمد لله الذي أطعم) أي: أعطى كثيرًا (من الطعام)، أي: من أجناسه وأنواعه، (وسقى) أي: كثيرًا (من الشراب)، أي: من أنواعه من الماء واللبن وغيرهما، وقيل: "كلمة "من" زائدة في الموضعين لإفادة التعميم"، (وكسى من العري) بضم فسكون، أي: من أجله كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤]، وكذا قوله: (وهدى من الضلالة، وبصّر) بتشديد الصاد، أي: أعطى البصر والبصيرة (من العمى) أي: من جهة العمى، والعمه.
والحاصل: أن "من" في المواضع الثلاثة للابتداء، والمعنى: أن كلًّا من الكسوة، والهدى، والتبصير مبتدأ عن ضده، وهو العري، والضلالة، والعمى.
وخلاصته: أن كل أحد من البشر لو لم يكن عناية الله متعلقة به وخلي وطبعه على حاله، لم يكن إلا في عري وضلالة وعمًى، كما يدل عليه قوله ﷺ (^١): "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم جائع إلا من أطعمته، وكلكم عارٍ إلا من كسوته".
(وفضّل) أي: [فضلنا] (^٢) (على كثير ممن خلقنا تفضيلًا)، وفيه إشعار بأن التقدير فيما سبق أيضًا: أطعمنا، وسقانا، وكسانا، وهدانا، وبصرنا، (الحمد لله رب العالمين. س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن
_________________
(١) أي: نقلًا عن رب العزة.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "وفضلنا".
[ ٢ / ٨٥٠ ]
حبان، والحاكم، عن أبي هريرة. (^١)
(اللهم أشبعت) أي: من الطعام، (وأرويت) أي: من الشرب، (فهنئنا) بتشديد النون المكسورة، أي: فاجعلنا مهنئين، أو فاجعل كلًّا منهما هنيئًا لنا، على الحذف والإيصال، (ورزقتنا) (^٢) أي: من سائر النعم.
(فأكثرت) أي: عطاءنا، (وأطبت) أي: أرزاقنا وأحوالنا، (فزدنا) أي: من نعمك بلطفك وكرمك.
(مو مص) أي رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول سعيد بن جبير (^٣)، أحد كبار التابعين.
(ويدعو لأهل الطعام: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، فاغفر) وفي نسخة: "واغفر" (لهم، وارحمهم. م، ت، س، مص) أي: رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن بُسْر (^٤) بضم الموحدة وإسكان
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠١٣٣). والحاكم (١/ ٧٣١) وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٦) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٢٠٩).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٥١٣) من حديث سعيد بن جبير موقوفا أنه كان إذا فرغ من طعامه قال: "اللهم أشبعت، وأرويت فهنئنا، ورزقتنا فأكثرت وأطيبت فزدنا".
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٤٢)، والترمذي (٣٥٧٦)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٠٥٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٨٧٧) جميعهم من حديث عبد الله بن بسر بلفظ "اللهم، بارك لهم في ما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم".
[ ٢ / ٨٥١ ]
السين المهملة، وهو صحابي معروف.
(اللهم أطعم) أي: ارزق (من أطعمني) أي: من تسبب لإطعامي، (واسق) بهمز وصل، ويجوز قطعه، لكن الأول أنسب بقوله: (من سقاني. م) أي: رواه مسلم عن المقداد بن الأسود الكندي (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٥٥) من حديث المقداد بن الأسود.
[ ٢ / ٨٥٢ ]