(وإذا جلس) أي: في القعدة (للتشهد) أي: لقراءته، فالقعدة الأولى واجبة، والأخيرة فريضة، والتشهد فيهما [واجبان] (^١) عندنا، وسمي الذكر المخصوص تشهدًا لاشتماله على كلمتي الشهادة.
(التحيات لله) جمع تحية وهي السلام، وقيل: "البقاء"، وقيل: "العظمة"، وجمعها ليشمل المعاني كلها، وقيل: "السلامة من الآفات والنقص"، وقيل: "الملك"، قال أبو سعيد الضرير: "ليس التحية الملك نفسه، لكنها الكلام الذي يُحَيَّا به الملك".
وقال ابن قتيبة: "لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه؛ فلذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التي يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله".
وقال الخطابي [و] (^٢) البغوي: "ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى؛ فلذا [أهملت] (^٣) ألفاظُها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي: أنواع التعظيم، وقال المحب الطبري: "يحتمل أن يكون لفظ: التحية مشتركًا بين المعاني المتقدمة، وكونها
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، والأليق بالسياق: "واجب".
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "ثم".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "أبهمت".
[ ٢ / ٧٥١ ]
بمعنى السلام هنا أنسب".
(والصلوات) أي: الصلوات الخمس، [و] (^١) ما هو أعم من ذلك من الفرائض في كل شريعة، أو العبادات كلها، وقيل: "الدعوات"، وقيل: "أنواع الرحمة"، ذكره العسقلاني.
وقال المؤلف: "أصل الصلاة: التعظيم، أي: الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى، هو مستحق [لها] (^٢) لا [تليق] (^٣) لأحد سواه" (^٤)، انتهى. وفي "النهاية": "أصل الصلاة الدعاء، فسميت العبادة المخصوصة ببعض أجزائها، وقيل: "أصلها التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة بها لما فيها من تعظيم الرب"".
(والطيبات) أي: ما طاب من الكلام، وحسن أن يثنى به على الله تعالى، دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: "الطيبات الأذكار"، ذكره العسقلاني (^٥).
قال ابن دقيق العيد: "إذا حملت الصلوات على العهد أو الجنس، كان التقدير: أنها واجبة لله، لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): "أو".
(٢) كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "بها".
(٣) كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "يليق".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٩/ ب).
(٥) قاله الحافظ في فتح الباري (٢/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٧٥٢ ]
فيكون معنى قوله "لله" أنه متفضل بها؛ لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء، فظاهر، وإذا حملت التحية على السلام، فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله، وإذا حملت على البقاء، فلا شك في اختصاص الله تعالى به، وكذلك العظمة التامة".
وأما "الطيبات": فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم، فتشمل الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب".
وقال القرطبي: "قوله: "لله" فيه تنبيه على الإخلاص في العبادات، أي: تلك لا تُفْعَلُ إلا لله، ويحتمل أن يكون المراد: الاعتراف بأن ملك الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله، وأظهر الأقوال وأجمعها ما قيل من: "أن التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات البدنية، والطيبات: العبادات المالية".
هذا، وقد قال البيضاوي (^١): "يحتمل أن يكون "والصلوات والطيبات" عطفًا على "التحيات"، ويحتمل أن يكون "والصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف، و"الطيبات" معطوفة عليها، فالواو الأُولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد".
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) أي: رأفته، وعطفه، ومغفرته (وبركاته) قيل: "هذه الإضافة باعتبار أن البركة، سواء كانت بمعنى
_________________
(١) انظر: تحفة الأبرار شرح المصابيح للبيضاوي بتحقيقنا (١/ ٣٤٤).
[ ٢ / ٧٥٣ ]
الزيادة، أو بمعنى الكثرة، أو بمعنى الخصب ناشئة من لله تعالى، وكائنة بإعطائه".
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وسيأتي تحقيق السلام مبنًى ومعنًى، ووجد بخط السيد أصيل الدين في "الحاشية" هنا: "سلام" بالتنكير في الموضعين، وكتب عليه فيهما رمز النسائي، وهو سهو مبناه وهم، حيث قال النووي: "يجوز في السلام عليك وفيما بعده حذف الألف واللام، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات "الصحيحين"".
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (^١): "لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم".
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) وفي رواية النسائي: "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله".
(ع، سني) أي: رواه الجماعة كلهم عن ابن مسعود (^٢)، والبيهقي في
_________________
(١) قاله الحافظ في فتح الباري (٢/ ٢٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٨٣٥)، (٦٢٣٠)، ومسلم (٤٠٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٢٠٢)، وابن ماجه (٨٩٩)، والدارمي (١/ ٣٠٨)، وابن الجارود (٢٠٥)، وأبو يعلى (٥٠٨٢)، وأبو عوانة (٢/ ٢٢٩ و٢٣٠).
[ ٢ / ٧٥٤ ]
"السنن الكبير" له عن عائشة، ولفظ ابن مسعود: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال ﷺ: "لا تقولوا: السلام على الله، ولكن قولوا: التحيات لله … " إلى آخره.
ثم اعلم أن حديث ابن مسعود أصح حديث روي في التشهد، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، على ما ذكره الحافظ العسقلاني.
(التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله) قال الخطابي: "حذفت الواو من حديث ابن عباس اختصارًا، تقديره: "والمباركات، والصلوات، والطيبات" وهو جائز معروف في اللغة، وقيل في بيان هذا النظم: "إنه جملتان واردتان على سبيل الاستئناف، فإن التحيات مبتدأ، والمباركات صفته، والخبر مقدر، أي: التحيات المباركات لله.
فإن العبد لما وجه التحيات المباركات إلى الله، اتّجه لسائل أن يقول: فما للعبد حينئذٍ؟ فأجيب: بأن الصلوات الطيبات لله، فالله تعالى يوجهها إليه جزاء لما فعل فضلًا منه ورحمة، فإن الصلاة: هي الرحمة، والبركة: أنواع الخير، وهي المسئولة في قوله: "اللهم إني أسألك الطيبات""، انتهى.
وفيه بحثٌ، لأنه خلاف الظاهر، ولا يلائمه سائر الروايات، والظاهر أن كلًّا من هذه الأربع مبتدأ، إما بحذف العاطف كما جوزوا، أو على سبيل التعداد، و"لله" خبرها.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) قيل: "أورد هنا البركات بصيغة الجمع دون السلام والرحمة، بخلاف التحيات والصلوات والطيبات، ولعله للتفنن أو [للاستغراق] (^١)، أو موكول علمه إليه ﷺ.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وفي رواية الترمذي، والنسائي هنا في الموضعين: "سلام" بالتنكير، قال الطيبي: "أصل "سلام عليك" سلّمت سلامًا، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء دلالة على ثبوت المعنى واستقراره.
ثم التعريف إما للعهد، والتقدير: أي ذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة عليك وعلينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى: أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه: ما هو، وعمن يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، قال: "ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة"، انتهى.
وحكى صاحب "الإقليد" أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقصر عن الوجوه المتقدمة، قال البيضاوي: "علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر، لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يصوا أنفسهم أولًا؛ لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "للاستغراب".
[ ٢ / ٧٥٦ ]
الصالحين، إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم".
وقال التوربشتي: "السلام بمعنى السلامة، كالمقام بمعنى المقامة، والسلام: اسم من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى: أنه سالم من كل عيب ونقص، وآفة وفساد، ومعنى قولنا: "السلام عليك … " الدعاء، أي: سلمت من المكاره، وقيل: "معناه: "اسم السلام عليك" كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى".
وقال الكرماني: "قيل: "معناه: التعوذ بالله"، فإن السلام اسم من أسمائه، تقديره: الله عليك، أي: حفيظ، كما يقال: الله معك، أي: بالحفظ، وقيل: "السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذات، أي: السلامة والنجاة لك"، انتهى. والمراد بـ "الصالحين" القائمون بحقوق الله، وحقوق عباده المؤمنين.
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس (^١)، واختاره الشافعي لزيادة "المباركات" فيه، وهي موافقة لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، واختار أبو حنيفة وجمهور العلماء تَشَهُّدَ ابنِ مسعود، لكونه أصحَّ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (٢/ ٢٤٢)، وابن ماجه (٩٠٠)، وأخرجه الشافعي (١/ ٨٩ - ٩٠)، وأحمد (١/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٧٥٧ ]
(التحيات الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) قيل: "الصلاح هو استقامة الشيء على حالة كماله، والفساد ضده، ولا يصلح الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن لا تخلو عن محائبة خلل وفساد؛ إذ لا يصفو ذلك إلا في الآخرة خصوصًا لزمرة الأنبياء، لأن الاستقامة التامة لا تكون إلا من فاز بالقرب [الأعلى] (^١)، ونال المقام الأسنى.
ومن ثمّ كانت هذه المرتبة مطلوبة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى في حق خليله ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وحكى عن يوسف ﵇ -أنه دعا بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
(أشهد أن لا إله إلا الله) زاد النسائي: "وحده لا شريك له"، (وأن محمدًا) زاد مسلم: "وأشهد أن محمدًا" (عبده ورسوله. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري (^٢).
_________________
(١) كذا في (د)، وفي (أ): "العلي"، وفي (ب): "المعنى"، وفي (ج): "المعلى".
(٢) مسلم (٤٠٤) (٦٢)، وأبو داود (٩٧٢) والنسائي في "المجتبى" (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢ و٣/ ٤١ - ٤٢)، وفي "الكبرى" (٧٦٠) و(١٢٠٣) وابن ماجه (٩٠١).
[ ٢ / ٧٥٨ ]
(التحيات الطيبات، والصلوات، والملك لله. د) أي: رواه أبو داود عن سمُرَة.
(باسم الله وبالله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) اختار الجملة الفعلية لإفادة التجدد، والمضارعَ لإفادة الاستمرار، واختار صيغةَ المتكلم إظهارًا لتوحيده، واهتمامًا بشأنه ﷺ، وعطف للاتصال بين الجملتين، وكرر "أشهد" لقصد المبالغة والتعظيم له ﷺ، وذكر النبي والرسول إشارة إلى أنه جامع بين منقبتي النبوة والرسالة. (س، ق، مس) أي رواه؛ النسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر (^١).
(التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات) أي: لله، وحذف اكتفاء بما قبله، أو ما بعده، وهو قوله: (الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة لله وبركاته) قد يقال: "في وجه اختيار الخطاب في السلام على النبي ﷺ، نحن نتبع لفظ رسول الله ﷺ بعينه، حين عَلَّمَ الحاضرين من الصحابة كيفية التسليم، ومن ذهب إلى الغيبة توخى معنى ما يؤديه اللفظ، بحسب مقام الغيبة، وقريب منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٩٠٢)، والنسائي (٢/ ٢٤٣ وفي ٣/ ٤٣)، وفي "الكبرى" (٧٦٥، وفي ١٢٠٥)، والترمذي في "العلل" ص ٧٢، رقم (١٠٥) والحاكم (١/ ٢٦٧).
[ ٢ / ٧٥٩ ]
سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء، فالتحتانية هو اللفظ المتوعد به، والفوقانية معنى ذلك بحسب مقام الخطاب.
وينصر هذا التأويلَ ما رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن مسعود: "أنه علمني النبي ﷺ وكفِّي بين كفيه التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله، … إلى آخره، فلما قبض قلنا: السلام على النبي" (^١).
قيل: ويمكن أن [نأخذه في مشرع] (^٢) أهل العرفان، ونقول: الصلوات محمول على ما تعورف من الأركان المخصوصة، والطيبات على كونها خالصة لوجه الله تعالى، محصلة للزلفى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
وحينئذٍ تقرير وجه الخطاب في السلام أنهم حين استفتحوا باب الملكوت، واستأذنوا بالتحيات على الولوج، كأنهم أُذِنَ لهم بالدخول في حريم الملك الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، كما ورد: "قرة عيني في الصلاة (^٣) "، و"أرحنا يا بلال (^٤) "، فأخذوا في الحمد والثناء
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٦٥).
(٢) كذا في (د)، وفي (أ): "نأخذ في شرع"، وفي (ب) و(ج): "تأخذ في مشرع".
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨، ١٩٩، ٢٥٨)، والنسائي (٥/ ٢٨٠)، والحاكم (٢/ ١٧٤)، والبيهقي في السنن (٧/ ٧٨)، وانظر التلخيص الحبير (٣/ ١١٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣١٢٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩٨٥).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
والتمجيد، وطلب المزيد، [وشفعوا بحاجاتهم] (^١)، فعند ذلك تنبهوا على أن هذه المنح والألطاف بواسطة نبي الرحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في محرم المحبوب حاضرًا، فأقبلوا عليه مُسَلِّمين بقولهم: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
وقال الولي بالاتفاق، أبو بكر الوراق، ذات يوم لأهل مجلس الوفاق: "يا أيها الناس، أبشروا بالبشارة العظمى، والكرامة الكبرى، وهو أنه ﷺ لا ينساكم قط في حال من الأحوال، ولا في مقام من مقامات الإكرام والإجلال، فلو كان ينساكم ساعة أو لحظة، لنسيكم في مقام الهيبة، حين قام بين يدي رب العزة، وحصل له قرب الحضرة، فقال: التحيات لله، والصلوات والطيبات، فقال الرب تعالى ذاته، وتبارك صفاته: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الثلاث بالثلاث طباقًا، جزاء وفاقًا، فقال النبي ﵇ اعتناء بكُمْ أجمعين:
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فقالت الملائكة المقربون: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. مو مس طا) أي رواه: الحاكم في "المستدرك"، ومالك في "الموطإ"؛ كلاهما من قول ابن عمر موقوفًا (^٢).
_________________
(١) كذا في (د)، وفي (أ) و(ج): "وشغفوا بحاجاتهم"، وفي (ب): "وشفعوا بحاجاته".
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٩١) رقم (٥٤).
[ ٢ / ٧٦١ ]
واختار مالك هذا التشهد؛ لأن عمر قرأ على الناس فوق المنبر، فكان بمنزلة الإجماع، حيث لم ينكر عليه أحد، وفيه أنه لا خلاف في جواز ألفاظ التشهد جميعها، وإنما الخلاف في الأفضل، ولا شك أن كل ما ورد عنه ﷺ من طريق أصحّ، فهو أولى بالعمل.
(باسم الله، وبالله خير الأسماء) بالجر، ويجوز رفعه ونصبه (التحيات الطيبات الصلوات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق) الباء للملابسة، والحق: الشريعة، أو للسببية، فهو القرآن وسائر المعجزات (بشيرًا) أي: مبشرًا للمؤمنين بالجنة، (ونذيرًا) أي: منذرًا بالنار للكافرين، (وأن الساعة) أي: يوم القيامة (آتية) أي: بغتة (لا ريب فيها) أي: عند أرباب اليقين، أو نفي معناه نهي، أي: لا ترتابوا في وجودها، ولا تشكوا في قرب وقوعها.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم اغفر لي، واهدني. ط، طس) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" عن ابن الزبير (^١).
_________________
(١) "المعجم الكبير" (١٣/ ١٢٨) رقم (٣٢٣)، و"المعجم الأوسط" (٣١١٦) وقال في "الأوسط": لا يروى عن بن الزبير إلا بهذا الإسناد تفرد به بن لهيعة. قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط … ومداره على ابن لهيعة وفيه كلام. "مجمع الزوائد" (٢/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٧٦٢ ]