الحمد لله سامع الدعوات، غافر الزلات، مقيل العثرات رب الأرض والسماوات، الحمد لله الذي جعل من الدعاء عبادة وقربى، وأمر عباده المؤمنين بالتوجه إليه لينالوا عنده منزلة رفيعة وزلفى، الحمد لله الذي جعل ذكره جُنَّة واقية للمؤمنين من شر الشياطين ومن شر طوائف الخلق أجمعين، فقال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، وقال أيضًا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين فإنه تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه ولا ينقص ما عنده، والصلاة والسلام على خير البشر، الذي أنزل عليه ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فبيّن للعباد من فضائل الأذكار، وما فيها من المنافع الكبار، وهو أخلص من دعا، وأصدق من خاف الله ورجًا ﷺ. وعلى آله وأصحابه أفقه الأمة بشأن الدعاء الذين كانوا يدعون ربهم خوفًا وطمعًا.
أما بعد: فإن الله ﷾ قد خلق الإنسان لعبادته وطاعته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ومن رحمته سبحانه بخلقه نوّع لهم سبل العبادة وطُرق الطاعة، فالإقرار له سبحانه بالتوحيد والشهادة لنبيه بالرسالة والإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين
[ ١ / ٥ ]
واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، كل ذلك عبادة، بل هو أساس العبادة ومنطلقها، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ورفع راية الدين عبادة، وبر الوالدين والإحسان إلى الجار ورعاية اليتيم وإغاثة الملهوف ومعونة المحتاج وإكرام الضيف والصدق في التعامل، والرفق في المعاملة عبادة، وذكر الله وتسبيحه وتعظيمه وتمجيده، ونهليله وتكبيره، ودعاؤه وسؤاله عبادة، بل من أسس العبادات، وأرقى الطاعات.
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
إن ذكر الله غذاء القلوب، وبه الطمأنينة والسكينة والراحة، وهو حياة الأرواح وروح الحياة فلا سعة للناس وراحة بال إلا بذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
والدعاء ذو منزلة عظيمة في الدين، ودرجة سامية في العبودية، إذ الدعاء عبادة، وقد افتتح الله القرآن بالدعاء واختتمه به، فسورة الفاتحة
[ ١ / ٦ ]
مشتملة على دعاء الثناء، كما هي مشتملة على دعاء المسألة، إذ فيها الدعاء بأجل المطلوب، وأفضل الرغائب، وهو طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى وسؤال الهداية، وقد فرض الله علينا أن نناجيه وندعوه بذلك في كل صلاة، وقد سمى الله الدعاء عبادة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] قال ﷺ: "الدعاء هو العبادة" (^١).
وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال الرسول ﷺ: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له
_________________
(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٩٦٩) وبرقم (٣٢٤٧) تفسير، وبرقم (٣٣٧٢) دعوات، وأبو داود برقم (١٤٧٩) صلاة، وابن ماجه برقم (٣٨٢٨) فضل الدعاء، والإمام أحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦)، وجامع الأصول (٢/ ٢٤ و٩/ ٥١١)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم (٩٢١٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٢/ ١٧٨ برقم: ٧١٤)، والحديث عند الترمذي حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩١)، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان برقم (٢٣٩٦) موارد، وقد ذكره النووي في رياض الصالحين (ص ٥٥٤). قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٩٤)، في أول كتاب الدعوات: أخرجه الأربعة وصححه الترمذي والحاكم.
[ ١ / ٧ ]
حتى ينفجر الصبح" (^١) فلا يعجز المسلم عن الدعاء لأنه مقرب إلى الله وتركه مغضب له سبحانه، والعجز مذموم في جميع الأمور فكيف بالدعاء الخالي من المشقة الجالب للمنافع بإذن الله، يقول الرسول ﷺ: "أعجز الناس من عجز عن الدعاء" (^٢).
فهل يعجز لسان العبد عن الدعاء ويعجز عن رفع يديه؟.
وهذه العبادة -ذِكرًا كانت أو دعاء- ينبغي أن يأتي بها على وفق ما شرعه الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ وإلا كانت بدعة مذمومة يهوي بها صاحبها في النار من حيث لا يعلم.
وجاء في السنة الشريفة كثير من الأذكار والأدعية أمر بها النبي ﷺ وحث عليها، وبين فضلها وثمارها دنيا وأخرى.
وقد شبه الرسول ﷺ الذكر بالروح فكأن المنصرف عنه ميت، قال ﷺ: "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ" (^٣).
وهذه الأدعية والأذكار جمعها بعض أهل العلم الأفاضل في مؤلفات وحريّ بالمسلم حفظها والمداومة عليها في مواضعها.
_________________
(١) أخرجه مسلم: برقم (٧٥٨).
(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده: (٦٦٤٩)، والطبراني في الدعاء (٦٠) وابن حبان في صحيحه (٤٤٩٨)، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (٢٠)، وصححه الألباني في الصحيحة: (٦٠١).
(٣) أخرجه البخاري: (٦٠٤٧).
[ ١ / ٨ ]
وقد جاءت هذه المؤلفات متنوعة، فمنهم من رواها مفرقة في كتبهم التي ألفوها على الأبواب والمسانيد، كلّ في بابه، ومنهم من أفردها بالتأليف وبأسماء مختلفة كالأذكار، والذكر، والدعاء، وعمل اليوم والليلة، والدعوات.
فمن ألف في الدعاء:
١. الدعاء لأبي عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي- ت ١٩٥ هـ. ط.
٢. كتاب الدعاء لعبد الله بن أحمد بن محمد بن غلاب بن خالد الماهلي المعروف بغلام خليل.
٣. كتاب دعاء النبي ﷺ لأبي الحسن المدائني: علي بن محمد بن عبد الله.
٤. كتاب الدعاء لابن أبي عاصم (ت: ٢٨٧ هـ): أحمد بن عمرو بن الضحاك.
٥. كتاب الدعاء لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني
(ت: ٢٧٥ هـ) صاحب السنن.
٦. كتاب الدعاء لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي (ت: ٢٨١ هـ).
٧. كتاب مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا (ت: ٢٨١ هـ) مطبوع.
٨. كتاب الدعاء والمحاميد لمحمد بن سهل بن المرزبان الكرخي.
٩. الدعاء للإمام الحافظ أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي (ت: ٣٣٠ هـ). وقد طبع بتحقيق الدكتور سعيد القزقي.
١٠. كتاب الدعاء لمحمد بن فطيس الأندلسي (ت: ٣١٩ هـ).
[ ١ / ٩ ]
١١. كتاب الدعاء لسليمان بن أحمد الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) وقد طبع عام ١٤٠٧ هـ بتحقيق الدكتور محمد سعيد البخاري دار البشائر، بيروت.
١٢. كتاب الدعاء للحسين بن سعيد بن حماد الأهوازي الكوفي.
١٣. كتاب الدعاء لأبي سليمان داود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني.
١٤. كتاب الدعوات لأبي النضر محمد بن مسعود العياشي.
١٥. كتاب الدعوات الكبير للبيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) وقد طبع بتحقيق بدر البدر في الكويت.
١٦. جزء في الدعاء المروي عن رسول الله ﷺ لأبي علي إسماعيل بن محمد الصفار النحوي (ت: ٣٤١ هـ).
١٧. كتاب دعاء أنواع الاستعاذات من سائر الآفات والعاهات لأحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي البغدادي (ت: ٣٣٦ هـ).
١٨. كتاب عمل اليوم والليلة للحسن بن علي بن شبيب المعمري (ت: ٢٩٥ هـ).
١٩. كتاب عمل اليوم والليلة للنسائي (ت: ٣٠٣ هـ) وقد طبع بتحقيق الدكتور فاروق حمادة.
٢٠. كتاب عمل اليوم والليلة لابن السني وقد طبع بتحقيق.
٢١. كتاب الذكر لجعفر بن محمد الفريابي (ت: ٣٠١ هـ).
٢٢. الترغيب في الدعاء والحث عليه لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت: ٦٠٠ هـ) وقد طبع بتحقيق الدكتور فالح الصغير.
[ ١ / ١٠ ]
٢٣. جزء في فضيلة ذكر الله ﷿ لابن عساكر (ت: ٥٧١ هـ) وقد طبع عن دار المأمون للتراث بدمشق.
٢٤. الأزهية في أحكام الأدعية تصنيف محمد بن بهادر الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ). مطبوع.
٢٥. الكتاب: آداب الدعاء المسمى أدب المُرتَعى في علم الدعا.
تأليف: يوسف بن عبد الهادي (ت: ٩٠٩ هـ) المحقق: محمد خلوف العبد الله. الناشر: دار النوادر. الطبعة: الأولى ١٤٢٨ هـ/ ٢٠٠٧ م.
٢٦. الدعاء آدابه وأسبابه للعلامة أبي محمد عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني ت: سنة: ٧٦٨ هـ طبع بتحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني، دار الكتب العلمية. ط. أولى عام ١٤١٥ هـ.
٢٧. سلاح المؤمن في الدعاء والذكر لتقي الدين محمد بن محمد المعروف بابن دقيق العيد (ت: ٧٤٥ هـ) تحقيق: محيي الدين مستو، دار ابن كثير، دمشق.
٢٨. شأن الدعاء لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ)، تحقيق: أحمد يوسف الدّقاق، الناشر: دار الثقافة العربية، دمشق. الطبعة الأولى عام ١٤١٥ هـ.
[ ١ / ١١ ]
ثم جاء دور الذين جمعوا مؤلفات هؤلاء وغيرهم من أحاديث الأذكار، ومنهم:
١ - الإمام المنذري، زكي الدين، أبو محمد عبد العظيم، له كتاب: عمل اليوم والليلة.
٢ - أبو القاسم عبد الغفور بن عبد الله النضري، له كتاب: التبتل في العبادات وما لا غنى عنه من الدعوات.
٣ - الإمام محيي الدين بن يحيى بن شرف النووي، له كتاب "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار" والمعروف بأذكار النووي. وقد طبع مرات كثيرة وقد خرّج أحاديثه الحافظ ابن حجر في: نتائج الأفكار وقد طبع منه ٣ مجلدات بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.
٤ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، له كتاب: الكلم الطيب، طبع مرارًا وأحسن طبعاته بتحقيق شيخنا محمد بن ناصر الدين الألباني.
٥ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن قيم الجوزية، له كتاب: الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، طبع مرارًا، وأحسن طبعاته بتحقيق الشيخ إسماعيل الأنصاري.
٦ - أبو جعفر أحمد بن يوسف اللبلي، له كتاب في: الأذكار.
٧ - محمد بن أحمد بن حرب، له كتاب: الدعوات والأذكار المستخرجة من صحيح الأخبار.
[ ١ / ١٢ ]
٨ - محمد بن محمد بن علي الجزري، له كتاب: الحصن الحصين وهو كتابنا هذا وعدة الحصن الحصين وجنة الحصن الحصين. وطبع شرح الشوكاني المسمى: "تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين".
٩ - وللحافظ ابن حجر مؤلف: نتائح الأفكار "جزء في عمل اليوم والليلة". (ولدي نسخة مخطوطة منه).
١٠ - أبو بكر صديق بن إدريس بن محمد المذحجي اليمني، له كتاب: اليوم والليلة.
١١ - السيد محمد صديق حسن خانملك بهوبال، له كتاب: نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار. طبع مرتين، آخرهما دار المعرفة.
وهناك كتب ورسائل أخرى كثيرة لم أذكرها.
كتاب: "الحصن الحصين":
فإن كتاب: "الحصن الحصين" من الكتب الجامعة للأدعية والأوراد والأذكار الواردة في الأحاديث والآثار، وذكر فيه المؤلف مقدّمة تشتمل على أحاديث في فضل الدّعاء والذكر وآدابه وأوقات الإجابة وأمكنتها، ثمّ الاسم الأعظم والأسماء الحسنى، ثمّ ما يقال في الصباح والمساء، وفي الحياة والممات، ثمّ الذكر العامّ، ثمّ الاستغفار، ثم فضل القرآن، ثمّ الدعاء، ثم ختمه بفضل الصلاة على النّبيّ ﷺ.
ولقد أحسن من قال:
إن نابك الأمر المهول … فاذكر إله العالمينا
وإذا بغى باغ عليك … فدونك الحصن الحصينا
[ ١ / ١٣ ]
قال طاشكبري زاده (ت: ٩٦٨ هـ) في الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية (ص: ٢٧): "هو فِي الدَّعْوَات الماثورة عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ كتاب نَفِيس جدًّا".
خصائصه ومميزاته:
١. أنه كتابٌ جامعٌ لكثيرٍ من مروَّيات النبي ﷺ في الأذكار والأدعية.
٢. أنه اشترط على نفسه إيراد ما رآه لم ينزل عن مرتبة الحَسَنِ من الأحاديث والآثار.
٣. اعتمد فيه على أكثر من (٢٥) كتابًا من أمهات كتب السنة المطهرة.
٤. رَمَزَ فيه لكلِّ كتابٍ منها، بعد إيراد حديثه أو أثره.
٥. وعن سبب تسميته له بـ: "الحصن الحصين" فيظهر أنه أخذه من حديثٍ أورده فيه عن النبي ﷺ وهو: " … وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خَرَجَ العدو في أثره سراعًا، حتى أتى على حصنٍ حصين، فأحرز نفسه منهم … " (^١).
سبب تأليفه لهذا الكتاب:
قال: ولمَّا أكملت ترتيبه وتهذيبه، طلبني عدو، ولا يمكن أن يدفعه إلا الله تعالى، فهربت مختفيًا، وتحصَّنت بهذا الحصن، فرأيت سيد المرسلين وأنا جالسٌ عن يساره -يعني في المنام-، وكأنه يقول: ما تريد؟ فقلت: يا رسول الله ادعُ الله لي وللمسلمين، فرفع يديه الكريمتين، وأنا
_________________
(١) الحصن الحصين (ص: ١٧).
[ ١ / ١٤ ]
أنظر إليهما، فدعا، ثم مَسَحَ بهما وجهه الكريم، وكان ذلك ليلة الخميس، فهَرَبَ العدو ليلة الأحد، وفرَّجَ الله عني وعن المسلمين ببركة ما في هذا الكتاب عنه. (الحصن الحصين (ص: ٩).
أما عن وقت تأليفه:
فقال: (فرغت من ترصيف هذا "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين" يوم الأحد بعد الظهر، الثاني والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة (٧٩١ هـ). بالمدرسة التي أنشأتها برأس عَقَبَة الكتَّان داخل دمشق المحروسة حماها الله تعالى من الآفات، وسائر بلاد المسلمين). الحصن الحصين (ص: ١٤٢).
منهجه الذي سار عليه:
* قسَّم كتابه على فصول، وهي على النحو التالي:
١. مقدمةً تشتمل على أحاديث في فضل الدعاء والذكر.
٢. ثم آداب الدعاء والذكر.
٣. ثم أوقات الإجابة، وأحوالها، وأماكنها.
٤. ثم اسم الله ﷾ الأعظم، وأسمائه الحسنى.
٥. ثم ما يُقال في الصباح والمساء.
٦. ثم ما يُقال في طول الحياة والممات، من جميع ما يُحتاجُ إليه.
٧. ثم الذكر الذي وَرَدَ فضله، ولم يختص بوقتٍ من الأوقات.
٨. ثم الاستغفار الذي يمحو الخطيئات.
٩. ثم فضل القرآن العظيم، وسورٍ منه وآيات.
[ ١ / ١٥ ]
١٠. ثم الدعاء الذي صَحَّ عن النبي.
١١. ثم خَتَمَهُ بفضل الصلاة على سيد الخلق ورسول الحق.
عند تصديره الفصل بالعناوين المُشار إليه آنفًا، يُورِدُ ما يراه صحَّ عن النبي ﷺ من الأحاديث والآثار.
ثم بعد إيراد الحديث والأثر، يقدِّمُ رَمْزَ من له ذلك الحديث والأثر، على ما اصطلحه من الرموز في ذلك.
وقد استخدم في عزو الحديث رموزًا وهي كالآتي:
خ: صحيح البخاري. مص: مصنف ابن أبي شيبة.
م: صحيح مسلم. أ: مسند الإمام أحمد.
د: سنن أبي داود. ر: مسند البزَّار.
ت: جامع الترمذي. ص: مسند أبي يعلى الموصلي.
س: سنن النسائي. مي: سنن الدارمي.
ق: سنن ابن ماجه. ط: المعجم الكبير للطبراني.
عه: السنن الأربعة. طس: المعجم الأوسط للطبراني.
ع: الكتب الستة. طص: المعجم الصغير للطبراني.
حب: صحيح ابن حبَّان. طب: الدعاء للطبراني.
مس: مستدرك الحاكم. مر: الدعاء لابن مردويه.
عو: مستخرج أبي عوانة. في: سنن البيهقي.
مه: صحيح ابن خزيمة. سني: السنن الكبرى للبيهقي.
طا: موطأ الإمام مالك. ي: عمل اليوم والليلة لابن السُّنِّي.
قطا: سنن الدارقطني.
[ ١ / ١٦ ]
قال عنه الحافظ الشوكاني: "من أَكثر الْكتب نفعًا، وأحسنها صنعًا، وأتقنها جمعًا، وأحكمها وضعًا … ". تحفة الذاكرين: المقدمة.
وقد لهج به أهل اليمن واستكثروا منه، وسمعوه من الحافظ ابن حجر وغيره قبل أن يدخل الإمام ابن الجزري إليهم، وعندما دخل إليهم أسمعهم. "الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥)، وإنباء الغمر ٢/ ٥٨٢) ".
إلا أن الكتاب كما قال الشوكاني أيضا: "بقي فِيهِ مَا بقي الرين من الْعين وَإِن لم يكن فِيهِ شين، وَهُوَ عدم التَّنْبِيه على مَا فِي بعض أَحَادِيثه من الْمقَال وَعدم الانتباه لعزوه إِلَى مخرجيه على الْكَمَال وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن لَا تكون بصائر المطلعين عَلَيْهِ بَصِيرَة وَلَا أبصار المتطلعين إِلَيْهِ بهِ قريرة فَإِن بَيَان التحسين أَو التَّصْحِيح أَو التَّضْعِيف بِمَا يَقْتَضِيهِ النَّظر من التَّرْجِيح بعد الموازنة بَين التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح هُوَ الْمَقْصد الْأَعْلَى من علم الرِّوَايَة والغاية الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا غَايَة … ". تحفة الذاكرين المقدمة.
إضافة إلى ما فيه من بعض المخالفات التي لا دليل عليها من القرآن أو صحيح السنة.
فالكتاب يحتاج إلى عمل فشمّر ملا علي القاري عن ساعد الجد وشرحه وذكر أحاديث كثيرة بدل الضعيفة ونبَّه عليها، واعتنى ببيان المعاني والمراد وشرح الأحاديث.
وسمى كتابه بـ"الحرز الثمين للحصن الحصين" وكأن الكتاب لم يكن معروفًا عند أهل العلم فقال الشوكاني: "وَلم نقف إِلَى الْآن وَلَا سمعنَا عَن أَحْد من أهل الْعرْفَان أَنه شرح هَذَا الْكتاب بشرح يشْرَح صُدُور أولي
[ ١ / ١٧ ]
الْأَلْبَاب ويتبين بِهِ القشر من اللّبَاب وَلَا أَنه حام أحد حول هَذَا الْمَقْصد النفيس وَالْغَرَض الَّذِي هُوَ لطَالب هَذَا الْكَلَام على فَوَائِد الحَدِيث كالرئيس … ".
نسبة الكتاب إلى المؤلف:
- جميع مخطوطات الكتاب التي سيأتي ذكرها مثبت على صفحة العنوان اسم المؤلف.
- وذكره صاحب كشف الظنون (١/ ٦٦٩) ونسبه للمؤلف وذكر أوله.
- كما ذكره صاحب هدي العارفين (١/ ٧٥٢).
- وقد أحال المؤلف فيه إلى بعض مؤلفاته، خاصة كتاب: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح فقد أحال إليه كثيرًا.
- وقد ذكر سركيس في المطبوعات العربية (٢/ ١٧٩٢) بأنه طبع في مكة عام ١٣٠٤ هـ إلا أنني لم أجده.
- وقد استفاد منه الشيخ عبيد الله الرحماني في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٧/ ٤١٨) والكلام المنقول موجود في الكتاب (١/ ١٢٩) تحت حديث: "ما عَمِلَ آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله … ".
وكذلك نقل عنه صاحب دليل الفالحين (٢/ ٢٧٢) تحت رقم ٧٦٣: عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار.
[ ١ / ١٨ ]
قال القارئ في "شرح الحصن الحصين": إنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ، يعني ابن الجزري. قلت: وكأنه لما رأى أن الحديث في حكم المرفوع سكت عليه اعتمادًا على أنه مرفوع في بعض طرقه اهـ
فنسبة الكتاب ثابتة إلى المؤلف.
أما منهجه في الشرح فهو نفس منهجه في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأنه شرح مثله ممزوج كما قال صاحب كشف الظنون: "شرح الحصن شرحًا، ممزوجًا، بسيطًا".
موارده: من أهم موارد القاري في هذا الشرح، مفتاح الحصن الحصين لابن الجزري وهو الذي وثّقنا جميع النقولات منه، وهو مخطوط، وقد نقل منه كثيرًا. وكتاب شرح المصابيح لميرك ولم أعرف عنه شيئا حتى الآن، إلا أن النقولات تدل على أن ميرك اهتم فيه بالصناعة الحديثية.
كما أن القاري ينقل كثيرًا من شرح ابن الجزري للمصابيح. واستفاد كثيرًا ونقل من كتاب: سلاح المؤمن في الدعاء لابن دقيق العيد وهو مطبوع. واعتمد كثيرًا على كتاب: المفاتيح في شرح المصابيح لمظهر الدين الزيداني وأكثر النقل منه.
وقد تكرّم عليّ الأخ الدكتور/ فهد بن صالح اللحيدان أستاذ مساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فقدم لي نسخته الخطية التي بذل جهدًا في مقابلتها على عدد من النسخ الخطية التي سيأتي وصفها.
[ ١ / ١٩ ]
فأشكر له كرمه وجوده والعلم رحِم بين أهله. وجزاه الله خيرًا.
هذا وقد بذلت جهدي المستطاع في خدمة هذا الكتاب وإخراجه بالحُلة اللائقة به. راجيًا من الله الأجر والثواب.
وأسأل الله تعالى أن يتقبل مني عملي ويغفر لي خطأي وزللي. ويجزل النفع بما قدمت لطلاب العلم والمستفيدين، فأنال بذلك صالح دعواتهم وكريم ترحمّاتهم، فأسعد بها وأكون من الفائزين.
كما أرجو منه سبحانه أن يختم بالصالحات أعمالنا ويحفظ علينا ديننا وإيماننا، في أنفسنا وأهلينا وأولادنا وذوينا، ويتولانا وإياهم في الدنيا والآخرة، ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين، وهو أرحم الراحمين. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
محمد إسحاق محمد آل إبراهيم
الرياض، حي الريان.
[ ١ / ٢٠ ]