﷽
[وبه ثقتي] (^١)
الحمد لله الذي جعل ذِكْره حصنًا حصينًا من كلّ بابٍ، ودعاءه حِرزًا أمينًا للثواب، والصلاة والسلام على من ذِكْره مسَتطابٌ، ودعاؤه مستجابٌ، وأوتي الكتابَ وفصلَ الخطابِ، وعلى الآل والأصحاب، وأتباعهم إلى يوم المآب.
أما بعد، فيقول أفقرُ عبادِ اللهِ الغنيّ، وأحوجهم إلى كرمه الوفيّ، ولطفه الخفيّ عليُّ بن سلطان محمد الهروي، خادم الكتاب القديم والحديث النبوي: إن هذا شرحٌ متوسطٌ غيرُ مخلّ ولا مملّ للطّالبينَ، على كتاب "الحصن الحصيِن" لشيخ القراءِ والمحدثين، وخاتمة الحفّاظ والمجتهدين، [وعلم] (^٢) العلماء المعتبرين وأفضل الفضلاء المتبحرين، مولانا وسيدِنا وشيخِ مشايخنا وسندِنا، الشيخ محمد بن محمد بن محمد الجزريِّ الشافعيّ، نوَّر الله مرقدَه، وبرّد الله مضجعَه، وأفاض علينا من مدَدِه، وأسبغَ علينا من عددِه، وسمّيته بـ"الحرز الثمين للحصن الحصين"، حيث يبين ضبطَ مبانيه، ويعيّن ربط معانيه، ويحل عقد
_________________
(١) من (ب) و(هـ) فقط، وبعدها في (ب) زيادة: "وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم"، وفي (أ): "رب يسِّر يا كريم".
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "وأعلم".
[ ١ / ٧٥ ]
رموزِه، ويفتَح طرق كنوزه.
فأقول وبالله التوفيق، ومنه الاستعانة في التحقيقِ: قال الشيخ رحمة الله عليه من فضله العميم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أي: أستعينُ باسمه، وأتبرك برسمه، وهو المعبود الواجب الوجود، صاحب الكرم والجود، والمفيض [بجلائل] (^١) النعم ودقائقها، المتفضل بفضائل الشيم، وحقائقها في الدنيا والعُقْبَيّ، والآخرةُ خيرٌ وأبقيّ، ثم الاكتفاء بصيغتَيِ المبالغة المأخوذتين من الرحمة من بين الأسماء الحسنيّ، والصفات العلى، الشاملة لنعوت الجمال والجلال لذات الكمال، إشعارٌ بأن رحمته سبقت غضبه في جميعِ الأحوال.
[ومبحث] (^٢) البسملة مع الحمدلة وما يتعلق بهما ذكرناه في خطبة "شرح المشكاة" (^٣) مستوفًى، ثم إنّ الشيخ ﵀ اختار طريق المغاربة، وهو إتيان الصلاة بين البسملة والحمدلة تبعًا للإمام الشاطبيّ، فقال: (اللهم) وهي كلمة يكثر استعمالها في الثناء، وحالة التضرع في الدعاء، وقد أمر الله سبحانه نبيّه ﵊ بقوله: ﴿قُل اللَّهُمَّ﴾ في قديم الكلامِ، [وكذا] (^٤) وردت الدعواتُ مصدرةً بها في أكثر
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د) و(هـ): "لجلائل".
(٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د) و(هـ): "وبحث".
(٣) "مرقاة المفاتيح" (١/ ٤٣).
(٤) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د) و(هـ): "ولذا".
[ ١ / ٧٦ ]
الأوقاتِ، وهو بمعنى: يا ألله الجامعُ لجميعِ الأسماءِ، الشّامل لسائر الثناء، والميم معوض عن حرف النداء، ولذا لا يجتمعان إلَّا في النادر، كما ندر إليه قول الشاعر:
إنّي إذا ما حادثٌ أَلَمَّا … أقول يا [ألله] (^١) يا اللهمّا (^٢)
وهمز الجلالة في حالة النداء مقطوعٌ إلَّا في النّادر، وأما همز "اللهم"، فهو موصول (^٣) إلَّا في الضرورة، كما وقع في "الشاطبية":
وناديت أللهم يا خيرَ سامعٍ … أعذني من التسميعِ قولًا ومفعلًا (^٤)
وكذا وقع شاذًّا في قول بعض الصحابة شعر:
لَاهُمَّ إني ناشدٌ محمدًا (^٥)
وقيل: أصله: يا ألله، أمنا بخير، أي: اقصدنا بدفع كلّ ضيرٍ، فحذف ما حذف إيماءً إلى إخفاءِ الدعاءِ عن الغير، وروي عن "الحسن البصري أنه قال: اللهم مجتمع الدعاء، وعن النضر بن شميل: من قال: اللهم، سأل الله بجميع الأسماء" (^٦)، وعن أبي رجاء العطاردي: "أن الميم في قوله:
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د) و(هـ): "اللهم".
(٢) البيت في "المقتضب" للمبرد (٣/ ٤١).
(٣) بعدها في (ج) زيادة: "فاختصر هذا الاسم كالجلالة بقطع الهمزة".
(٤) "حرز الأماني" (صـ ٦).
(٥) هذا الشطر من قول عمرو بن سالم بن حصيرة، قاله للنبي ﷺ يوم فتح مكة، انظر "الاشتقاق" لابن دريد (١/ ٤٧٥).
(٦) "فتح الباري" (١١/ ١٥٥).
[ ١ / ٧٧ ]
"اللهم" فيها تسعة وتسعون اسمًا، يعرفها أرباب النقول، وأصحاب العقول" (^١).
ومجمل الكلام في تحصيل المرام أن معناه: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، وتحققت له الصفاتُ العلى (^٢).
(صلِّ على سيِّدِ الخلق) أي: على أفضل المخلوقات، وأكمل الموجوداتِ، ولما أمر الله سبحانه عباده بالصلاة عليه، ولم يبلغ أحدٌ قدر الواجب من ذلك، أحالوها عليه، لأنه أعلمُ بما يليق به، كذا قاله المصنف تبعًا لصاحب "النهاية" (^٣)؛ ففيه إشعارٌ بأنّ الخلق عاجزون عن أداءِ [صلاته] (^٤)، وقاصرون عن بيان نعوته وصفاته، لعلوّ كمال ذاته، فعدَلوا عما أُمروا بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيهِ﴾ إلى العجز لديه، وردّ الصلاة إليه بقولهم: "اللهم صلّ عليه".
فـ "صَلِّ" أمرٌ فيه معنى الاستدعاء لإنزال الرحمة عليه من السماء؛ ولذا [تعدي] (^٥) بـ"على" على ألسنة الفصحاء (^٦)، فلا يَرِد أنَّ "على" للضرر في
_________________
(١) أورده ابن قيم الجوزية في "جلاء الأفهام" (صـ ١٥٦).
(٢) ينظر في ذلك قول السخاوي في "القول البديع" (ص ٧٦).
(٣) "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٥٠) مادة (ص ٧٦).
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ): "الصلاة عليه".
(٥) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): "يتعدى"، وفي (ج) و(هـ): "يعدى".
(٦) بعدها في (هـ) زيادة: "والبلغاء".
[ ١ / ٧٨ ]
استعمال الكلام؛ فإن محلّه إذا وقع مقابلًا للام، كقوله سبحانه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾، وشهد له، وشهد عليه، ودعا له وعليه، وحكم له وعليه، لا كلّ ما يكون تعديته بـ "على"، [وإلا] (^١) يرد عليه نحو قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ وقيل: "الصلاة بمعنى الثناء بخير، وهو لا يتعدى إلا بـ"على"، فإنها لو كانت حينئذٍ لغير النفع، لوقع التدافع من غير الدفع".
هذا، وقد قال بعضهم (^٢): "معناه: اللهم عظّم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذِكْره، وإظهار دينِه، وإبقاءِ شريعتِه، وفي الآخرة بتشفيعه في أُمَّته، وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضيلته ومرتبته على الأولين والآخرين من الخلق أجمعين، بالسيادة العظمى والسعادة الكبرى، من المقام المحمود، والحوض المورود، لأرباب الشهود"، وسيأتي بعض ما يتعلَّق بالمرام في محلّه الأليق ببسط الكلام.
(محمَّدٍ) بالجر على أنه بدل، أو عطف بيانٍ، ويجوز رفعه، وكذا نصبه لو ساعده رسمه، كما قرئ بالوجوه الثلاثة في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٢)﴾، وهو في الأصل اسم مفعول من "حمَّد" مبالغة "حَمِدَ" نقل من الوصفية إلى المرتبة العلمية، أي: مَن كثرت صفاته الحميدة، وكمالاته السعيدة، وقد حمده رب العالمين وخالق الأولين
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "ولا".
(٢) النهاية (٣/ ٩٥).
[ ١ / ٧٩ ]
والآخرين، لاسيما في المقام المحمود، وحال نشر اللواء الممدود.
(وعلى آله) أي: أهل بيته، وأقاربه وعترته ردًّا على الخارجية، ولفظ "على" موجود على الصحيح، وفي بعض النسخ مفقودٌ، وأمّا ما ذكره بعض الشيعة من أن "من فصل بيني وبين آلى بـ"على" فعليه كذا"، فهو حديثٌ موضوعٌ مصنوعٌ [مرقوعٌ] (^١).
(وصحبه) أي: وعلى أصحابه الكرام، وأرباب مكارم الفخام، حطًّا على [الرافضة] (^٢)، ثم تحقيقُ الآلِ والصَّحْب لغةً واصطلاحًا، وإن كان يوجب إيضاحًا، لكن قد يفضي إلى ملالٍ لا يقبل [اصطلاحًا] (^٣).
(وسلِّم) بكسر اللام عطفًا على "صلّ" كما هو واضح، وجمع بينهما لما (^٤) في التنزيل إليه لائح، والمعنى: أَدِمْ سلامته بكماله عن النقصان، وزِدْ في انقياد الخلق له بالإيمان، فالتسليم كالتتميم.
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب) و(هـ): "مرفوع". في كتاب "الطّرة على الغرّة": (ص ١٢ - ١٤) للآلوسي: أنه شاع عن الرافضة كراهة الفصل بين النبي ﷺ وبين آله بحرف (على)، لحديث موضوع يروونه في ذلك "من فصل بيني وبين آلى بعلى لم يَنَلْ شفاعتي" وقد نصّ غيرُ واحدٍ من الشيعة على أنه موضوع .. إذا فينبغي لأهل السنة منابذة الرافضة، فليقولوا: "وعلى آله"، وانظر - غير مأمور - "معجم المناهي اللفظية": (٦١).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، وفي (ج) و(د): "الرافضية".
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "إصلاحًا".
(٤) بعدها في (د) زيادة: "وقع".
[ ١ / ٨٠ ]
ثم اعلم أنّ في بعض النسخ المصححة وقع هنا (^١) قوله: "لا إله إلَّا الله عدة للقائه، ويدل كلام بعض المحشين عك وجوده وبقائه، ففي كلمة التوحيد، وقضية التفريد إيماءٌ إلى ما روي من الحديث القدسي، [المستفيضِ] (^٢) من الكلام النفسي (^٣)، بالطريق المسلسل عن الإمام علي الرضيّ، إلى آبائه الكرام، إلى جده، إلى جبريل ﵇: "لا إله إلَّا الله حصني، فمن دخل حصني أَمِن من عذابي" (^٤)، وقد شرحه الشيخ أحمد الغزالي،
_________________
(١) كتب بجوارها في حاشية (أ): "أي عقيب البسملة، عك ما رأيته موشًّى".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ): "المستفيض".
(٣) كأنه يشير إلى أنَّ كلام الله معنى قائما بالنفس لا يتعلق بالمشيئة فهو قولٌ باطل، وهو اعتقاد الأشاعرة وغيرهم، والاعتقاد الصحيح اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو: أنَّ كلام الله صفة من صفاته الذاتية والفعلية، فهو متصف بصفة الكلام أزليًا، وهو سبحانه يتكلم متى شاء، إذا شاء، كيف شاء، وكلامه حقيقة، بحرف وصوت، لا يشابه كلام المخلوقين، والقرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق. ومن شدة اللبس في هذه المسألة كثر نهي السلف عن الخوض فيها. ينظر للتفصيل: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٢٤١)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧)، (٦/ ٢٩٤ - ٢٩٧) ومختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٧٧). ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالة تسمى (التسعينية) يرد فيه على بدعة الكلام النفسى من تسعين وجها لذلك سميت بالتسعينية وهي مطبوعة.
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ١١٥)، والرافعي في التدوين (٢/ ٢١٤)، والديلمي في الفردوس (٨٠٨٢)، وضعفه العراقي في تخريج =
[ ١ / ٨١ ]
أخو حجة الإسلام (^١)، في غايةٍ من النظامِ على طريق السادة الكرام.
ثم من جملة الكلام في هذا المقام مبنًى ومعنًى هو أن الاسم الكريمَ مرفوعٌ على البدليّة من موضع "لا إله" المرفوعِ المحلّ بالابتدائية، ولا يجوز نصبُه حملًا على إبداله من اسم "لا" المنصوب؛ لأن "لا" لا تعمل إلَّا في نكرة منفيّةٍ، كذا في "شرح دعاء الشيخ أبي حربة" (^٢) أحد المشايخ اليمنية (^٣).
_________________
(١) = الإحياء (١/ ١٦٧)، وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة (١/ ١٤٧). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٣٧).
(٢) أحمد بن محمد بن محمد، أبو الفتح، الغزالي الطوسي، أخو الغزالي حجة الإسلام أبي حامد، من كبار الوعاظ، جاءت عنه حكايات تدل على إخلاله وكان يضع، تُوفِّيَ سنة: (٥٢٠). راجع ترجمته في: "طبقات الشافعي الكبرى" للتاج السبكي (٦/ ٦٠)، "لسان الميزان" لابن حجر (ت ٨٠٥).
(٣) دعاء ختم القرآن مشهور شرحه الحسين بن عبد الرَّحمن الأهدل في كتاب ضخم بعنوان كشف الكربة في شرح دعاء أبي حربة مخطوط بمكتبة الجامع ٨٨ مجاميع وشرحه ابن ص ٢٧٦ واختصر شرح الأهدل السابق حفيده الطاهر بن حسين الأهدل المتوفي ٩٩٨ بعنوان: مطالب أهل القربة النور السافر ص ٤٤٩.
(٤) محمد بن يعقوب بن الكميت بن سود بن الكميت، أبو عبد الله، المعروف بأبي حربة، من بني قهب بن راشد، من قبائل علي بن عدنان، من فقهاء الشافعية باليمن، له "رسالة في كيفية رياضة النفس"، و"دعاء" جعله لختم القرآن، شرحه الفقيه حسين الأهدل في نحو مجلدين، ولعله الشرح المشار إليه، توفي سنة: ٧٢٤. راجع ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (٧/ ١٤٦)، و"معجم المؤلفين" لكحالة (٣/ رقم: ١٦٤٢٥)، ومصادر الفكر الإسلامي في اليمن (ص: ٢٢).
[ ١ / ٨٢ ]
وقد حقق ابن كمال باشا (^١) في حاشيته على التلويح، ما يفيد [للمبحث] (^٢) بعض التوضيح، حيث قال في مقام التنقيح: "اعلم أن الاستثناء في كلمة التوحيد لا يجوز أن يكون مفرغًا بأن يكون الخبرُ المحذوفُ عامًّا كموجودٍ أو في الوجود، ويكون "إلَّا الله" واقعًا موقعَه، كما وقع "إلَّا زيد" موقع الفاعل في نحو: "ما جاءني إلَّا زيد"؛ لأن المعنى على نفي الوجود عن إلهٍ سوى اللهِ تعالي، وهو إنما يحصل إذا جعل الاستثناء بدلًا من اسم "لا" على المحل؛ إذ حينئذٍ يقع الاستثناء موقعَ اسم "لا"، فيكون خبرُ "لا" خبرًا له، فينتفي الوجود عن إله سوى اللهِ سبحانه كما هو المطلوب، لا على نفي مغايرة الله سبحانه عن كل إلهٍ، وهو الذي يفيده الاستثناء المفرّغ؛ لأنه لما قام مقام الخبر كان القصد إلى نفيه كالخبر، فيفيد نفيَ مغايرته تعالى عن كلِّ إلهٍ، ولا يحصل به التوحيد كما لا يخفى"، انتهى.
وزدنا في "شرح شرح النخبة" فوائد يتحصل منها الزبدة التي عليها العمدة.
_________________
(١) أحمد بن سليمان بن كمال باشا، المشهور بابن كمال باشا، شمس الدين، تركي الأصل، مستعرب، قاض من العلماء بالحديث ورجاله. قال التاجي: قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه، من مصنفاته: "تغيير التنقيح" في أصول الفقه، تُوفِّيَ سنة: ٩٤٠. راجع ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (١/ ١٣٣)، و"معجم المؤلفين" لكحالة (١١١٠).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "للبحث".
[ ١ / ٨٣ ]
ثم قوله: "عدة" ضُبِط بالنصب على أنه مفعول [له] (^١) بتقدير: "أقولها"، وفي بعض النسخ بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدّم عليه، والأظهر أن يكون خبر المبتدأ، أي: "كلمة لا إله إلَّا اللهُ عدة للقائه"، والعُدّة - بالضم - على ما قاله المؤلف وغيره هو: ما أعدّه الإنسان لحوادث الدهر من السلاح والمال وغيرهما" (^٢).
ثم المراد بكلمة "لا إله إلَّا الله" كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة؛ ولذا قال بعض المحققين (^٣): "قول: "لا إله إلَّا اللهُ" لقب جرى على النطق بالشهادتين في الشريعةِ"، وبه يتم ما ورد في الحديث: "من قال: لا إله إلَّا الله، دخل الجَنَّة"، وقيل: "المراد بـ"لا إله إلَّا الله" مجموع كلمتي الشهادةِ، فصار الجزء الأول عَلَمًا عليه، أو [اكتفاءً] (^٤) بالإشارة إليه، كما يقال: قرأت ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ أي: السورة".
(قال الفقير) اختلف صنيع المصنّفين، فبعضهم لم يذكر اسمه ولا نعته ورسمه خوفًا من السمعة والرياءِ، واكتفاءً بمن يعلمُ الجهر والخفاءَ، وبعضهم يبين ذِكْره، ويعين وصفه، لاسيما في العلوم النقلية؛ ليصلح
_________________
(١) من (أ) و(ج) و(هـ) فقط.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
(٣) قال ابن المنير فيما نقله عنه ابن حجر في "الفتح" (٣/ ١١٠): "قول: لا إله إلَّا الله لقبٌ جرى على النطق بالشهادتين شرعًا".
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "اكتفى".
[ ١ / ٨٤ ]
الاعتماد على أقواله الجليّة، وليكون وسيلةً إلى دعاء الأحباءِ في الأحوال الرضيّة، فسلك الشيخ ﵀ هذا المسلك الشريف، وقال: "قال الفقير".
(الضعيف) والفقير هو المحتاج، وهو شأنُ كلّ عبدٍ جليلٍ أو حقيرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]، والضعيف ضد القوي، والله هو القوي القادر، والعبد هو الضعيف العاجز، لاسيما وقد قال سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.
وفيه إشعار إلى كلام بعض الأكابر: "من عَرَف نفسَهُ فقد عَرَف ربّه"، أي: من عرف نفسه بالفقر، فقد عرف ربه بالغنيّ، ومن عرف نفسه بالعجز، فقد عرف ربّه بالقوة، ومن عرف نفسه بالفَناء، فقد عرف ربّه بالبقاء، وأمثال ذلك مما يطول عليه الكلام، ويخرجنا عن المقصود والمرام.
(المسكين) وهو عندنا (^١) أسوء حالًا من الفقير، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾، خلافًا للشافعي (^٢) استدلالًا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾، وأجيب بأنها كانت لهم عَمَلًا وكسبًا، لا ملكًا وتصرفًا، ويؤيد مذهبَنَا قولُه ﵇: "اللهم أحيني مسكينًا،
_________________
(١) راجع: "بدائع الصنائع" للكاساني (٢/ ٤٣ - ٤٤)، و"فتح القدير" لابن الهمام (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٢) راجع: "روضة الطالبين" للنووي (٢/ ١٧٠، ١٧٣).
[ ١ / ٨٥ ]
وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" (^١)، مبالغةً في تعظيمهم، [وتحسين مقامهم] (^٢) وتكريمهم.
وفي "الْمُغْرِب": "قالوا: أراد التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين" (^٣)، انتهى.
وأما حديث: "الفقر فَخْرِي"، فباطل لا أصل له، على ما صرّح به العسقلاني (^٤) وغيره من الحفاظ.
_________________
(١) إسناده ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجة رقم (٤١٢٦) من طريق يزيد بن سنان عن أبي المبارك عن عطاء عن أبي سعيد به مرفوعًا، وفي هذا السند يزيد بن سنان ضعيف، وأبو المبارك: مجهول. تنبيه: ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى - هذا الحديث في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" مصححا له ووهم عفا الله عنه فقد ركب متن هذا الحديث على إسناد الحديث المتقدم الذي هو همام عن قتادة عن أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد به مرفوعًا ثم إن الشيخ استدرك هذا فذكره في "الإرواء" بالسند الحقيقي الذي هو سند الحديث الذي بين أيدينا وضعفه هناك. وانظر "السلسلة الصحيحة" رقم "٣٠٨"، و"إرواء الغليل" رقم "٨٦١".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(في)، وفي (هـ): "وتحسينًا لمقامهم".
(٣) "المغرب" للمطرزي (١/ ٤٠٦) مادة (س ك ن).
(٤) "التلخيص الحبير" (٤/ ٢١٣٠)، وقال هناك: "وهذا الحديث سئل عنه الحافظ ابن تيمية، فقال: هو كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين المروية"، ثم =
[ ١ / ٨٦ ]
(المنقطع) عن الخلق، المتوجه (إلى الله تعالى) عَمَلًا بقوله سبحانه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وبقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] (^١)، وبالحديث القدسي: "أنا [بدك] (^٢) اللازم" (^٣)، أي: فكن لبدك الملازم، وبقولهم: "الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس".
(الراجي) أي: المتوقع (من كرمه) لاستواء وجود الغير وعدمه (أن ينجيه) من الإنجاء، وفي نسخة: من التنجية، أي: يخلصه الله (من القوم الظالمين) أي: من ظلمهم وتعديهم إليه وإلى غيره من المسلمين، وفيه إيماءٌ إلى ما سيذكره المؤلف في قضيته مع بعضِ أعداءِ الدين، أو من صحبتهم ومجالستهم في هذه الدار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] والركون أدنى الميل إلى مطلوبه، والظلمُ وضع الشيء في غير موضعه، واختصَّ عرفًا بالذنب المتعدي إلى الغير.
(محمد بن محمد بن محمد بن الجزري) اشترك اسمه واسم أبيه وجده في
_________________
(١) = قال ابن حجر: "وجزم الصغاني بأنه موضوع". وانظر: "موضوعات الصغاني" (٧٧)، و"مجموع الفتاوى" (١١/ ١١٧، و١٨/ ١٢٣) لابن تيمية.
(٢) بعدها في (هـ) زيادة: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "يدك"، وفي (ب): "بدلك".
(٤) أخرجه الخطيب في تاريخه (٢/ ٢٤٧) وقال هذا الحديث موضوع المتن، وأخرجه ابن الجوزي من طريقه في الموضوعات (برقم ١٦١٣)، وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ٢٨٦): فالحديث موضوع.
[ ١ / ٨٧ ]
هذا العلم الممجد كالغزالي، ثم الأول مرفوعٌ على البدل مما قبله، أو على أنه عطف بيانٍ له، و"ابن الجزري" في المرتبة الثالثة مجرور بالإضافة في أكثر النسخ المصححة، وفي "أصل السيد جمال الدين" هكذا "محمدٍ" بالتنوين.
وقوله: "ابنُ الجزري" بالرفع وثبوت الألف في "ابن" على أنه صفة لـ"محمد" الأول، فتأمل.
ثم الجزريّ مجرور بلا خلاف، وهو نسبة إلى جزيرة ابن عمر ﵄ (^١)، وهو على ما في "القاموس": "بلدٌ شمالَي الموصل محيطٌ به دجلةُ مثلَ الهلالِ" (^٢)، انتهى.
والمعروف الآن بجزيرة الأكراد، حذف [منه] (^٣) الزوائد ثم نسب إليها، كالحنفية إلى أبي حنيفة، وفي "جامع الأصول": "الجزيرةُ هي البلاد التي بين العراق ودجلة، وبها ديار بكر وديار ربيعة" (^٤).
_________________
(١) كتب في حاشية (ج): "قال الشارح في شرحه على "المقدمة الجزرية" ما نصه: "والمراد بابن عمر الذي نسب إليه هو عبد العزيز بن عمر، وهو رجل من أهل برقعيد من عمل الموصل، بناها فنسبت إليه" إلى أن قال الشارح: "فليس بصحابي كما توهمه بعضهم"، انتهى ما قال نفس الشارح، فحينئذٍ قوله: ﵄، من الناسخ".
(٢) "القاموس" للفيروزآبادي (١/ ٣٨٦) مادة (ج ز ر).
(٣) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د) و(هـ): "منها".
(٤) "جامع الأصول" لابن الأثير (١٢/ ٢٧٨)، وفيه: "بين الفرات ودجلة".
[ ١ / ٨٨ ]
(لطف الله تعالى به في شدته) أي: في حال محنته، وفي نسخة: "من شدته"، أي: من أجل بليّته، والجملة خبريةٌ مبنًى دعائيةٌ معنًى، وفي "النهاية": "يقال: لطف به وله بالفتح يلطف لطفًا، إذا رفق به، وأما لطُف يلطُف بالضم فيهما، فمعناه صغر ودق" (^١).
قلت: ومن الأول قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩]، ويمكن أن يكون من الثاني، بمعنى أنه خفيّ اللطف ودقيقه، بحيث إنه لا يظهر لكل أحد تحقيقه.
(أما بعد حمد الله) بالإضافة مثل قولهم: بعد السلام، والمعنى: بعد كمال الثناء لصاحب البقاء (الذي جعل الدعاء لرد القضاءِ) أي: المعلق من البلاء، أو لتهوين المحتم في لازم الابتلاء، كما سيأتي في الحديث الآتي في الأثناء.
(والصلاة) أي: وبعد إرسال الصلاة، (والسلام على محمد سيّد الأنبياء) بالجر، وجوِّز رفعه ونصبه، والأنبياء بالياء بعد الباء على النسخ المصححة، وعليه جمهور القراء، وفي نسخة: بالهمزة بعد الموحدة؛ على ما اختاره الإمام نافعٌ في هذه المادة، ثم المهموز مبنيٌّ على أنه فعيلٌ من النبأ بمعنى الفاعل أو المفعول، فإن النبيّ هو المخبر والمخبر له، وأما غير المهموز، فمختار المحققين أنه أبدل الهمزة ياء فأدغم، وقيل:
_________________
(١) النهاية (٤/ ٢٥١).
[ ١ / ٨٩ ]
"مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة، فإنه رفيعُ القدرِ، فأبدل الواو ياءً لسبقها وسكونها".
والنبي أعم من الرسول، فإنه - على الصحيح -: رجلٌ أوحي إليه سواءٌ أمر بتبليغه أم لا، والرسول من أمر بالتبليغ، فلإفادة التعميم خص إضافة السيادة إلى الأنبياء (^١).
ولما كان من المعلوم على قواعد أهل السنة أنّ خواصّ البشر أفضلُ من خواص [الملائكة] (^٢)، علم حال غيرِ الأنبياء بالأولى.
(وعلى آله) أي: أقاربه وأهل بيته، (وصحبه) اسم جمع لـ "صاحب"، وهو في اصطلاح المحدثين: "من لقي النبي ﷺ مؤمنًا، ومات على الإسلام" (^٣). وفي نسخة: "وأصحابه".
_________________
(١) قال ابن حجر: كانت ردا على اعتراض على قول ابن الصلاح (على نبينا) بأن النبي أعم من الرسول البشري فلم عدل عن الوصف بالرسالة؟ أجاب الحافظ ابن حجر وقال: إن المقام مقام تعريف يحصل الاكتفاء فيه بأي صفة كانت (النكت على كتاب ابن الملاح ١/ ٥٧).
(٢) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج) و(د): "الملك".
(٣) ما عليه عامة أهل الحديث وهو: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام. قال ابن الصلاح: "اختلف أهل العلم في أنّ الصحابي منْ؟ فالمعروف من طريقة أهل الحديث أن كلّ مسلمٍ رأى رسول الله ﷺ فهو من الصحابة". وبهذا القول قال شعبة وعلي بن المديني وأحمد وأصحابه والبخاري والخطيب البغدادي وغيرهم من أهل الحديث =
[ ١ / ٩٠ ]
(الأتقياء) جمع تقيّ، والمراد به: المتقي عن المعاصي (الأصفياء) جمع صفيّ، وهو من صَفَا له الحال، وحصل له مراتب الكمال في الأقوال والأفعال، والوصفان لكل منهما، أو على طريق اللف والنشر المناسب لقوله ﷺ: "آل محمدٍ كلُّ تقي"، فالمراد به: المتقي عن الشرك، ويمكن أن يراد بآله اتباعُه، فالعطف من باب التخصيص بعد التعميم، لزيادة التشريف والتعظيم.
(فإنّ هذا الحصنَ الحصينَ) أي: القلعة (^١) المحكمة على طريق الاستعارة، فالحصن بمعنى الحصار، والحصين فعيل بمعنى المفعول، أي: محصون ومضبوط، صفة احترازية، إذ ليس كلّ حصن حصينًا، فاندفع به ما توهم مولانا الحنفيّ حيث جعله من قبيل "ظل ظليل" لإفادة المبالغة.
ثم الإشارة إلى المحسوس البصري أو إلى المدرك الذهني، بناءً على تأخير الخطبة وتقديمها الرسميّ، وقال بعضهم: "أشير إلى تسمية الكتاب تيمّنًا وتحصنًا، ووجه التسمية أنه كان محتاجًا إلى حصنٍ كما قال: "فتحصنت بهذا الحصنِ"، فسماه حصنًا فنجاه الله تعالى.
(من كلام سيّد المرسلين) فيه تفننُ العبارةِ كما سبق إليه الإشارة، فقيل:
_________________
(١) = انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب ص (٥٠ - ٥١)، وعلوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٩٣، والإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٥)، وفتح المغيث (٣/ ٩٣)، وتدريب الرواي (١/ ٦٦٧).
(٢) بعدها في (هـ) زيادة: "الحصينة".
[ ١ / ٩١ ]
"هذا الحصن اسم إن، والجار والمجرور خبرُها، وكذا ما بعدهما من المتعاطفين إلى قوله: "بذلت"، فإنه جملة مستأنفةٌ، أو خبرٌ آخرُ"، وهو الأظهر.
وقال ميرك شاه (^١): "والأولى أن يجعل "بذلت" خبر "إنّ"، وجملة ما قبله من المعطوف والمعطوف عليه اسمها، ولا محذور، فإن الممتنع هو العطف على محل اسم "إنّ" قبل مضيّ الخبر"، انتهى.
ولا يخفى أن هذا الإعراب بشرطهِ المذكورِ جائزٌ … عند أرباب العربيّة، بل هو مرجح عند القراءِ؛ حيث قرأ جمهورُهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية: ٣٢] برفع الساعة عطفًا على محلّ "إنّ" واسمها، بناءً على تقدُّم الخبر، وهو "حق"، أو [على] (^٢) جعلها مبتدأ وخبره ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾، كما اختاره الجعبري (^٣).
_________________
(١) هو: نسيم الدين محمد بن ميرك شاه الحنفي من علماء القرن العاشر، له اهتمام بعلم الحديث. توفي والده - فيما ذكره سزكين - سنة ٩٣٥ هـ له شرح على شمائل الترمذي وآخر على مشكاة المصابيح. وكتابه من أهم موارد القاري.
(٢) من (ج) و(د) و(هـ) فقط.
(٣) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل، أبو إسحاق، الجعبري، يقال له: "شيخ الخليل"، وقد يعرف بـ "ابن السراج"، وكنيته في بغداد "تقي الدين"، وفي غيرها "برهان الدين"، له نحو مئة كتاب، أكثرها مختصر، عالم بالقراءات، من فقهاء الشافعية، له "شرح الشاطبية" المسمى "كنز المعاني شرح حرز الأماني - خ"، ولد سنة: (٦٤٠)، وتُوفِّيَ سنة: (٧٣٢). راجع ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (١/ ٥٥)، و"معجم المؤلفين" لكحالة (١/ رقم: ٣٦٦).
[ ١ / ٩٢ ]
لكن إذا جعل فيما نحن فيه ما قبل "بذلت"، من المعطوف والمعطوف عليه اسمها بالعطف المحلّي يقع المحذور المذكور من العطف قبل مضي الخبر، إلَّا أن يجعل قوله: "من كلام سيد المرسلين" هو الخبر، وكذا المجرورات فيما بعدَه، وإذا جعل خبرًا، فيكون قوله: "بذلت" خبرًا بعد خبرٍ.
نَعَم، لو [جعل] (^١) المجروراتِ أوصافًا لما قبلها، بأن يقال: التقدير: فإن هذا الحصن الحصين الصادرَ من كلام سيد المرسلين … إلى آخره، بذلت فيه النصيحةَ؛ لكان الكلام على الجادة الفصيحةِ.
(وسلاح المؤمنين) بكسر السين، وهو ما يدفع به المؤمن عن نفسه ودينه الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهو معطوف على "الحصن الحصين".
(من خِزانة النبي) بكسر الخاء، وهي ما يخزن فيه الأمتعة النفيسة، ومن اللطائف في باب اللغة: "لا تفتح الخِزانة والجِراب، ولا تكسر القنديل (^٢) " (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د) و(هـ)، وفي (ج): "جعلت".
(٢) جاء في حاشية (ب): "صوابه القَصعَة، وإلا فالقِنْدِيل بالكسر لا غير كما في كتب اللغة". وفي "تصحيح التصحيف" للصفدي (ص ٤٢٤): "يقولون: قِصْعة لواحدة القِصاع، والصواب: قَصعة، بالفتح، ولو كانت مكسورة الأول، لجمعت على قِصَع، وذلك غير معروف".
(٣) قاله الطيبي (تحفة الأحوذي ٨/ ١٥١).
[ ١ / ٩٣ ]
وقوله: (الأمين) أي: صاحبِ الأمانةِ من كمال الديانةِ، وهو ﷺ كان مشهورًا بمحمدٍ الأمينِ قبل البعثة والرسالة.
(والهيكل العظيم) ففي "الصحاح": "الهيكل: الفرس الضخم، والبناء المشرف" (^١)، أي: العالي، وفي "المفتاح" للمصنف: "الهيكل: ذو الضخامة والشرف، ثم استعمل فيما يكتب من الأسماء الإلهية، والأدعية الربانية، ونحو ذلك" (^٢)، انتهى. وفي "القاموس": "هو الضخم من كلّ شيء" (^٣)، فوصفه بالعظيم للمبالغة في التعظيم.
(من قولِ الرسول الكريم) أي: المكرم، صفة للرسول أو للقول، وهو أبلغ وأنسبُ، والأول أشهرُ وأقربُ، وقرئ قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالرفع شاذًّا.
(والحِرزِ المكنونِ) أي: المصون عن الغبار، وعن تصرف الأغيار، والحِرز بكسر الحاء: الموضع الحصين، والتعويذ والتوقي، على ما في "الصحاح" (^٤)، والمراد هنا التعويذ، على ما اقتصر عليه في "المهذب"، وهو ما يتعوذ به من أنواع البلاءِ؛ لقوله: (من لفظ المعصوم) أي: المحفوظ عن المعصية حفظًا بالغًا؛ ولهذا اختصّ العصمة في عرفِ
_________________
(١) "الصحاح" (٥/ ١٨٥١) مادة (هـ ك ل).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
(٣) "القاموس" (٤/ ٦٩).
(٤) "الصحاح" (٣/ ٨٧٣).
[ ١ / ٩٤ ]
العلماء بالأنبياء، والحفظَ بالأولياءِ.
(المأمونِ) أي: عن وقوع المعصية، [وتقريرها] (^١) على فرض تقديرها، وفي نسخة: "من لفظه"، فالمعصوم المأمون نعت "لفظه"، إشارة إلى قوله تعالمن: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
(بذلت) أي: أعطيتُ (فيه) أي: في تصنيف "الحصن" (النصيحة) أي: التي هي الواجبة على مقتضى الروايات الصحيحة: "إلا إن الدين النصيحةُ" (^٢)، كررها ثلاثًا ﷺ، وهي كلمةٌ جامعةٌ يعبر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له، ويقال لها بالفارسية: " [نيك] (^٣) خواهي"، ومجمله ما ورد في حديث صحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه" (^٤)، ويمكن أن يقال: المراد بها هنا النفع المتعدي، كما أن الظلم هو الضرر المتعدّي، فإن الشيخَ - نفعنا الله بعلومه - أراد نفع المسلمين بتأليفه.
(وأخرجته) أي: رويت ما في "الحصن" ونقلته (من الأحاديث
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "في تقريرها"، وفي (هـ): "وتقديرها".
(٢) أخرجه مسلم في "الصحيح" (٩٥)، وابن حبان في "الصحيح" (٤٥٧٥) واللفظ له، من حديث تميم الداري به مرفوعًا.
(٣) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "نبك"، وفي (هـ): "ينك".
(٤) أخرجه البخاري في "الصحيح" (١٣) من حديث أنس بن مالك به مرفوعًا.
[ ١ / ٩٥ ]
الصحيحة) أي: غالبًا، أو ادّعاءً أن المراد بها الثابتة احترازًا عن الموضوعة، فإنّ العمل بالحديث الضعيف جائزٌ … في فضائل الأعمال اتفاقًا (^١).
(أبرزته) استئنافُ بيانٍ، أي: أظهرته (عُدَّةً) مفعول له أو حالٌ، وهي بالضم: ما أعده الإنسان للحاجة، أي: قوةً (عند كل شدة) أي: بلية، (وجرّدته) بتشديد الراء، أي: أفردته من الأسانيد، أو أخلصته من جملة الأحاديث مما ليس بدعاءٍ، أو مما ليس بصحيح [و] (^٢) ثابت، كذا قيل، ففيه تأكيدٌ [لقوله] (^٣): "أخرجته"، (جُنّةً) بضم الجيم، أي: حال كونه كالْجُنة، وقايةً عن الآفة والمحنة، قال المؤلف: "الجُنة بالضم: السترة، واستعمل فيما استتر به من سلاحٍ، ومنه: المِجَن بالكسر، وهو: الترس" (^٤).
(تَقِي) صفة لـ "جُنّة"، أي: تحفظني ومن يتستر بها (من شرّ النّاس) أي: شرارهم، (والجِنة) بكسر الجيم بمعنى الجنّ الشامل للشياطين؛ لتَسَتُّرهم عن أعينِ النّاس، إذ مادة الجيم والنونين هي الستر، ومنها: الجنون، وجنّ عليه الليل، والجنة [مثله] (^٥)، وقدّم "الناس" هنا مراعاةً للسّجع، كما أخّر "الناس" في سورة النالس محافظة على الفواصل.
_________________
(١) دعوى الاتفاق غير صحيح وسيأتي بيان ذلك.
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "أو".
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "بقوله".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
(٥) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د) و(هـ): "مثلثة".
[ ١ / ٩٦ ]
(تحصنت به) يقال: تحصن بكذا، أي: جعله حصنًا له، أي: امتنعت بهذا الحصن [عن] (^١) شرّ الإنس والجن (فيما دهِمَ) "بكسر الهاء، وحكى أبو عبيدة (^٢) فيه الفتحَ أيضًا (^٣)، وهو ما أتى بغتةً من مكروهٍ" (^٤)، ذكره المؤلف، (من المصيبة) بيان لـ"ما"، "وهي واحدةُ المصائبِ، وهي الأمر المكروه ينزل بالإنسان، والمصيبة أيضًا السهام تصيب الغرض، وهو الهدف، وبذلك وردت التورية تامّة في البيت الآتي على أحسن الوجوه، ولعلي لم أسبق إليه" (^٥)، ذكره المؤلف.
(واعتصمت) أي: طلبت العصمة والحفظ (من كلّ ظالم بما حوى)
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "من".
(٢) هو: معمر بن المثنى، أبو عبيدة، التَّيْمي، البصري، النحوي، العلامة، صاحب التصانيف، كان متوسعًا في علم اللسان وأيام الناس، وكان يرى رأي الخوارج، قال المُبَرِّد: "كان أبو عبيدة عالمًا بالشعر والغريب والأخبار والنسب، وكان الأَصْمَعِي يشركه في الغريب والشعر والمعاني، وكان الأَصْمَعِي أعلم بالنحو منه"، ولد في سنة: ١١٠، قيل: مات سنة ٢٠٩، وقيل: مات ٢١٠. راجع ترجمته في: "تهذيب الكمال" للمزي (٢٨/ رقم: ٦١٠٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٩/ ٤٤٥).
(٣) حكى عنه الفتحَ في هذا الفعل الجوهري في "الصحاح" (٥/ ١٩٢٤) ولفظه: "قال أبو عبيدة: ودَهَمْتُهم بالفتح لغة".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
[ ١ / ٩٧ ]
أي: بسبب ما جمعه هذا "الحصن" (من السهام المصيبة) أي: من الدعوات التي هي كالسهام التي تصيب الغرض غير [مخطئة] (^١).
(وقلت شعرًا: ألاا قولوا لشخصٍ قد تقوى) ألا بالتخفيف للتنبيه، وأخطأ من قال هنا: إن الهمز للاستفهام، و"لا" للنفي، إذْ لا يصلح أن يكون "قولوا" مدخولًا لها، وقوله: "تقوى"، أي: أظهر قوته الحسّية وشوكته [الجاهية] (^٢) (على ضعفي ولم يخشى رقيبه) أي: على ضعف بنيتي، أو وهن [رتبتي] (^٣)، أو استولى عليَّ لأجل ضعفي، والحال أنه لم يخف رقيبه، أي: حافظه، وناظر أعماله، وحاضر أحواله، ومطلع أقواله، والضمير في "رقيبه" راجعٌ إلى الشخص، ومن أسمائه سبحانه الرقيب، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيْءٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
ثم اعلم أنه جاء في نسخة: "لا يخشى" على صيغة النفي، وهو ظاهر لا يخفيّ، لكن النسخ المصححة والأصول المعتمدة على إثبات الألف في: "لم يخشى"، قال المصنف: "إثبات الألف فيه ورد على لغة: أَلَمْ يَأْتِيكَ
_________________
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "مخطئته".
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب) و(هـ): "الجاهلية".
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(هـ)، وفي (ب): "رقبتي"، وفي (د): "مرتبتي".
[ ١ / ٩٨ ]
وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي (^١)، وعلى ذلك وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: (أرسله معنا غدًا [نرتعي] (^٢) ونلعب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٥]. وكان يمكن أن يقال: ولن [يخشى] (^٣)، أو: وما يخشى، ولكن لا يقوم مقام "ولم يخشى"؛ ولهذا يقال: هذه لغة الشعراء؛ لأن لهم مقاصدَ ومبانيَ على معانٍ لا يدركها أكثر علماء النحو" (^٤)، ذكره المؤلف، وبه ظهر بطلان النسخة المتقدمة.
(خَبَأْتُ له سهامًا في الليالي) أي: أخفيت لذلك الشخص الظالم المتقوي على الضعيف دعواتٍ مشابهة بالسهام الواقعة في أجواف الليالي التي هي أقرب إلى الإجابة؛ ولذا قال: (وأرجو أن تكون له مصيبه) أي: أن تصير سهام الدعوات مصيبةً لذلك الشخص، ومدركة لحاله ومآله، فـ "له" صفة "مصيبة" قُدِّمت عليها فصارت حالًا، فلا ضرورة إلى ما قاله الحنفي من أن تقديم الظرف لرعاية الوزن.
ثم قوله: "مصيبه" منصوبة على أنَّها خبر "تكون"، والاسم هو الضمير الراجع إلى السهام، وفي نسخة بالرفع على أن "تكون" تامّةٌ، فالمعنى:
_________________
(١) صدر بيت من الوافر، وهو لقيس بن زهير العبسي، وعجزه: بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ، وهو من شواهد "الكتاب" لسيبويه (٣/ ٣١٦).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "نرتع".
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "أخشى".
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
[ ١ / ٩٩ ]
أرجو أن تقع له مصيبة عظيمةٌ، وبليةٌ جسيمةٌ، على أن البيت ما يتزن إلَّا بالوقف، لا على النصب ولا على الرفع، وَإنما الإعرابُ المذكورُ على فرض الوصل، أو بيانِ الفصل.
(أسأل اللهُ العظيم أن ينفع) أي: اللهُ المسلمين في عموم أحوالهم (به) أي: بسبب هذا "الحصن"، وما فيه من الدعوات المأثورة، ومواظبتهم إياها، (وأن يُفَرِّج) بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة، وفي نسخة بفتح فسكون فضم، ففي "القاموس": "فَرَجَ اللهُ الغَمَّ يَفْرِجُهُ: كَشَفَه، كفرَّجَه" (^١)، فالمعنى: يدفع المكروه من الظلم وغيره (عن كلّ مسلم بسببه) أي: بموجب تصنيفه وكتابته، أو بمقتضى العمل بما فيه وقراءته (على أنه) قيل: "متعلق بقوله: "فإن هذا الحصن"، أو: بقوله: "بذلت"، فـ "على" بمعنى "مع"، والأظهر الأقرب كما قال ميرك: "إنه متعلقٌ بقوله: "أسأل اللهُ""، وحينئذٍ على أنه للتعليل، أي: بناءً على أنه، أي: الحصن (مع اقتصاره) وهو ما إذا كان اللفظ والمعنى قليلًا (واختصاره) وهو ما إذا كان اللفظ قليلًا والمعنى كثيرًا، ذكره ميرك، وقيل: "هما بمعنًى واحدٍ، جمع بينهما تأكيدًا".
(لم يدع) بفتح الدال أي: لم يترك (حديثًا صحيحًا في بابه) في باب الدعاء، وطريق التحصن من البلاء (إلَّا استحضره) أي: جمعه (وأتى به) أي: أحاط
_________________
(١) "القاموس" (١/ ٢٠١).
[ ١ / ١٠٠ ]
به؛ [إذ] (^١) الباء للتعدية، أي: أُورِدُه هنا، والإسناد مجازي، أو التقدير: استحضره مؤلفه، وهو استثناء مفرّغ من أعم الأحوال والأوصاف، وتحقيقه عند قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، أي: إلا حال تحقّقِ إحصائها، أو إلا بهذا الوصف.
(ولما أكملت ترتيبَه) أي: [بتبويبه] (^٢)، (وتهذيبه) أي: تنقيحه وتصحيحه وتصويبه، (طلبني عدو) أي: عظيمٌ (لا يمكن أن يدفعه) أي: يصرفه أحدٌ (إلا الله تعالى، فهربت) بفتح الراء، أي: فررت (منه مختفيًا) أي: حال كوني طالبًا للخفاءِ، (وتحصنت بهذا الحصن) أي: بقراءته أو بدوام ملازمته، (فرأيته)، وفي نسخة: "فرأيت سيد المرسلين" (ﷺ وأنا جالس على يساره) أي: لأنه محلّ القلب، أو إشعارًا باليسار إلى اليسر خلاف العسر، والجملة حالية، والرؤية مناميّة لا كشفية، لقوله: (وكأنه ﷺ يقول: ما تريد) أي: ما تتمنى أيها المريد من المزيد؟ (فقلت) أي: "له"، كما في نسخة صحيحة، قال ميرك: "كذا وقع في أصل سماعنا بعلامة خ، وهي أمارة النسخة، ووقع في بعض النسخ الحاضرة ملحقًا بـ "صح"، وليس هو في أكثر النسخ".
(يا رسول الله، ادع الله لي) أي: خصوصًا (وللمسلمين) أي: عمومًا، وفيه إشعارٌ بأنّ العدوّ إنما كان عدوًّا للدين، أو ظالِمًا لجميع المسلمين،
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "أو"، وفي (هـ): "و".
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(د): "تبويبه"، وفي (هـ): "بتسويده".
[ ١ / ١٠١ ]
(فرفع ﷺ يديه الكريمتين) أي: كما هو من آداب الدعاء على ما سيجيء بيانه (وأنا أنظر إليهما) أي: كأنهما محسوستان في نظره (فدعا، ثم مسح بهما وجهه الكريم) (^١) وذلك أيضًا من آداب فراغ الدعاء، فالرفع إشارةٌ إلى الأدب وحسن الطلب، والمسح إيماءٌ إلى الحصول على وجه القبول، (وكان ذلك) أي: ما ذكر من الرؤيا (ليلة الخميس، فهرب العدو ليلة الأحد) أي: لم يتعد الإجابة عن ثلاث ليالٍ، وسيأتي مكان هذه القضية وبيان زمانها بخط المصنف في آخر الكتاب، (وفرّج الله) أي: أزال الغم والهم (عني وعن المسلمين ببركة ما في هذا الكتاب عنه) أي: مرويًّا عنه (ﷺ) وفيه إيماءٌ لطيفٌ وإشعار شريف بأن من واظب على أدعية هذا الكتاب وأذكاره في كل باب، هرب عدوه من الجن والإنس عنه بلا ارتياب.
(وقد رمزت للكتب) أي: أشرت لها، وفي نسخة صحيحة: "الكتب"، بالنصب على نزع الخافض، أو المعنى: جعلت [رمز الكتب] (^٢) (التي خرّجت) بتشديد الراء، أي: أخرجت ونقلت (منها) أي: من تلك الكتب المنسوبةِ إلى المحدثين (هذه الأحاديث) أي: بحذف أسانيدِها (بحروف) أي: مفردة أو مركبة، والجار متعلق بـ "رمزت"، أو حال من
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما حُجة. مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١٩).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "رمزًا للكتب".
[ ١ / ١٠٢ ]
"الأحاديث"، أي: [متلبسة] (^١) بحروف (تدل) أي: تلك الحروف بطريق الإشارة (على ذلك) أي: على ما ذكر من الكتب المخرجة، أو على ذلك التخريج؛ [بعود] (^٢) الضمير إلى مصدر "خرّجت"، نحو قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
(سلكت فيها) أي: في الرموز، أو نفس الأحاديث (أخصر المسالك)، والأول أظهر هنالك؛ لقوله: (فجعلت علامة "صحيح البخاري": خ) أي: خاء معجمة، لاختصاصها [بنسبه] (^٣) من بين المحدثين، واعلم أنَّا لو ذكرنا ترجمة البخاري وغيره من المذكورين، لطال على الطالبين، ومال عنه ميل الراغبين، وقد ذكرنا في "المرقاة شرح المشكاة" بعض صفاتهم، وأنموذجًا من حالاتهم ومقاماتهم.
(ومسلم) عطف على البخاري، أي: وعلامة "صحيح مسلم" (م) أي: ميم لإحاطتها بطرفيه، (وسنن أبي داود) عطف على "صحيح البخاري" أي: وعلامة "سنن أبي داود" (د) أي: دال مهملة، لوقوع تكرارها في اسمه، (والترمذي) بكسر التاء والميم، وقيل: هو بتثليث أوله، وضم الميم أو كسرها، وبالذال المعجمة، أي: وعلامة "سنن الترمذي" (ت) أي: تاء فوقية لوجودها في أوله.
(والنسائي) بفتح أوليه ممدودًا ويقصر، أي: وعلامة "سنن النسائي"
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "مبينة".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "فيعود".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)، وفي (د): "بنسبته".
[ ١ / ١٠٣ ]
(س) أي: سين مهملة لوجودها في وسطه، (وابن ماجه) أي: وعلامة "سنن ابن ماجه" (القزويني) بفتح القاف (ق) أي: قاف؛ لكونها في أول نسبته، (وهذه الأربعة) أي: وعلامة هذه السنن الأربعة الأخيرة، يعني: أبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، (عه) أي: مركب "عه" بالعين المهملة والهاء، حالة الوقف المأخوذين من الأربعة.
(وهذه الستة) أي: وعلامة هذه الستة، وهي: الأربعة مع صحيحي البخاري ومسلم المعبر عنها بالصحاح الست تغليبًا، وبالكتب الستة أيضًا، (ع) أي: عين مهملة مرموزة للجماعة المذكورة، والجماعة في عرف المحدثين عبارة عن أصحاب هذه الكتب الستة.
(وصحيح ابن حبان) بكسر الحاء وتشديد الموحدة مصروفًا، وقد لا يصرف، (حب) بكسر وتخفيف، (وصحيح المستدرك) أي: للحاكم، كما في نسخة (مس) بضم وسكون.
واعلم أنه أعاد لفظ الصحيح، ولم يعطف "المستدرك" على ابن حبان؛ لأن إضافة الصحيح إلى "المستدرك" بيانية، ليست على طريقة إضافته إلى ابن حبان، فإنها لامية مع زيادة إفادة دفع توهم عطفه على "صحيح ابن حبان".
(وأبي عوانة) بالعطف على ابن حبان؛ إذ لا يحسن عطفه على "المستدرك"؛ لأن إضافة الصحيح إلى أبي عوانة ليست بيانية، (عو) بفتح فسكون، ولو اكتفى بالواو لكان أخصرَ، لكنه قد يلتبس بالقاف، فهو أظهر، (وابن خزيمة) بضم معجمة وفتح زاي فميم فتاء وصلًا، وهاء
[ ١ / ١٠٤ ]
وقفًا (مه) بفتح ميم وسكون هاء.
(والموطإ) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الطاء المفتوحة فألف كالمصفى، فكان القياس أن تكتب ألفه بالياء، ولعل إثبات الألف محافظة على التلفظ جمها، ومراعاة للرواية الأخرى، وفي نسخة بهمزة بدل الألف، (طا) أي: رَمْزهُ طاء مهملة مع ألف، ليغاير الطاء المفرد الذي هو رمز الطبراني.
وهو كتاب الإمام مالك الذي قال الإمام الشافعي (^١) في حقه: "إنه أصح الكتب بعد كتاب الله" (^٢)، لكنه قبل تصنيف الصحيحين للبخاري ومسلم، وأما بعدهما، فالجمهور على أن البخاري أصحّ كتب الحديث (^٣)، كما أشار إليه الشيخ بتقديم ذِكْره. وقال بعض المغاربة: "إن
_________________
(١) روى ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٧٧) بإسناده عن الشافعي، قال: "ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس".
(٢) أخرجه أبو نُعيم في "الحلية" (٦/ ٣٦٠) وابن عساكر في "كشْف المغطى" (رقم: ٢٠) وإسناده صحيح.
(٣) أصح الكتب المصنفة في الحديث الصحيح: صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، لم يسبقهما في الصحة كتاب له مثل درجتهما، ولا خلفهما كذلك، وهما أول الكتب المجردة في الحديث الصحيح، والبخاري قبل مسلم. قلت: وهذا حكم قبل أن يوجد "الصحيحان"، فإن الناس صنفت الكتب في حديث رسول الله ﷺ قبل البخاري ومسلم، فكان "الموطأ" أصح تلك الكتب حديثا، فهو مقارن بما زامنه إلى عهد الشافعي، فلما ألف "الصحيحان" لم تبق تلك الدعوى صحيحة، خصوصًا وأن مالكًا ﵀ ضمن كتابه =
[ ١ / ١٠٥ ]
"صحيح مسلم" هو الأصح"، والأول هو الأصح، لكن اللائق تقديم مالك على الكل؛ لسبقه زمانًا ورتبةً وشأنًا، وكذا الإمام أحمد، فإنه يروي عن الشافعي تلميذِ مالك، والبخاري عن أحمد.
وهذا الترتيب الذي ذكرناه اختاره شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في ذكر أئمة الحديث.
(وسنن الدارقطني) بفتح الدال المهملة والراء، ويسكن وضم القاف وسكون الطاء بعده نون؛ محلة ببغداد نسب إليها أبو الحسن عمر بن علي أستاذ الحاكم، فالأولى تقديمه عليه كما أشرنا إليه، (قط) بضم فسكون، (ومصنف ابن أبي شيبة: مص) بضم فسكون.
(ومسند الإمام أحمد: أ) أي: همز مفتوح، فينطق به: أهُ، بضم هاء السكت، ويمكن أن يعبر عنه بالألف لكونه على صورته، (والبزار) بفتح
_________________
(١) = الأحاديث والآثار ورأي نفسه، كما وقع في أسانيد أحاديثه المتصل والمرسل والمنقطع والبلاغات، فلم يجرد للحديث الصحيح المتصل. نعم، (الموطأ) من كتب الحديث الصحيح، وليس فيه حديث مسند إلا وهو صحيح. وقد استحق "الصحيحان" التقديم لشدة ما اشترط صاحباهما الإمامان: البخاري ومسلم، ولاجتهادهما في تحقيق شرطهما؛ فإنهما التزما بشروط الحديث الصحيح إلى أقصى حد ممكن، لكن صنيعهما صنيع بشر؛ لذا لم يسلم من مؤاخذات، هي على أحرف يسيرة في "البخاري"، وعلى أحاديث قليلة في "مسلم"، قد ميزت وعرفت.
[ ١ / ١٠٦ ]
موحدة وتشديد زاي في آخره راء، صاحب "المسند"، (ر) أي: راء، وهي لا تحتاج أن يقال: مهملة، كما لا يحتاج الزاي بوصف معجمة؛ للفرق بينهما بهمزة في الراء وبياء في الزاي، إلا أن صورة المسمى مشتركة ممتازة بالنقطة وعدمها.
(وأبي يعلى) بفتح فسكون ففتح، صاحب "المسند" (الموصلي) بفتح الميم وكسر الصاد المهملة، اسم بلدة كذا في "منتخب ربيع الأبرار" و"تقويم البلدان" (^١)، وفي "القاموس": "الموصل كمجلس: دار وأرض بين العراق والجزيرة" (^٢)، (ص) أي: صاد مهملة.
(والدارمي) بكسر الراء، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن دارم السمرقندي، وهو من مشايخ مسلم والترمذي، وله خمسة عشر حديثًا ثلاثية، وله مسند عظيم، (مِي) بكسر فسكون، (و"معجم الطبراني الكبير": ط) أي: طاء مهملة مفردة إشارة إلى الطبراني، وفيه إشعار بأنه إذا أطلق الطبراني يراد به روايته في "الكبير" (والأوسط) عطف على "الكبير" أي: و"معجم الطبراني الأوسط" (طس) بفتح فسكون
_________________
(١) "تقويم البلدان" لأبي الفداء صاحب حماة (١/ ٢٨٤).
(٢) "القاموس" (٤/ ٦٤) ولكن فيه: "د أو أرض"، وهو الصواب؛ حيث الدال رمز للبلد، كما نصّ عليه صاحب القاموس في مقدمته (١/ ٤) بقوله: "غيرَ مُقْتَنِعٍ بتوشيج القِلام، مُكْتَفِيًا بكتابةِ ع د ة ج م عن قولي: موضع، وبلد، وقرية، والجمع، ومعروف"، فظنّ الشارح أن الدال رمز للدار لا للبلد.
[ ١ / ١٠٧ ]
السين إيماء إلى الوسط، وكان الظاهر أن يرمز بـ "سط"، وكأنه أشار بالطاء إلى الطبراني، وبالسين إلى "الأوسط".
(والصغير) عطف على الكبير أو الأوسط (صط) بفتح الصاد وسكون الطاء إشارة إلى "الصغير" والطبراني، لكن مقتضى ما قبله أن يقال: "طص" بتقديم الطاء على الصاد، أو بتقديم السين على الطاء فيما سبق؛ ليتحقق الرمز ويتوافق، إلا أن يقال بالتفنن، (و"الدعاء") عطف على المعجم، (له) أي: للطبراني، (طب) بفتح الطاء مع زيادة الباء الساكنة للتمييز في الجملة، ولو جعل رمزه: "طع" بالطاء إشارة إلى الطبراني، وبالعين إيماء إلى "الدعاء"، لكان أظهر في المدعى، أو "طد" إشارة إلى الطبراني و"الدعاء" كما لايخفئ، وجعل السيوطي رمز الطبراني في "الكبير": "طب"، وهو مناسب جدًّا، لكن لا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ لا يترتب عليه [إلا الإصلاح] (^١).
(ولابن مردويه) بفتح ميم فسكون راء وضم دال فواو ساكنة وفتح تحتية وتاء، ويكون في الوقف هاء، وفي هامش "أصل السيد": "مردويه جائز، وضبط بفتح الدال والواو وسكون الياء وبهاء مكسورة في آخرها".
وقد رأيت في "حاشية رسالة القشيري" ﵀ أن هذا الاسم وأمثالَه من الأسماء فيه ضبطان للكوفيين والبصريين، يقول: "مردُويه: بضم الدال وفتح الياء وإسكان الواو بينهما، وهو اصطلاح الكوفيين واختيار
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "الإصلاح"، وفي (ب): "إلا الاصطلاح".
[ ١ / ١٠٨ ]
المحدثين، ويقول مردَوَيْه: بفتح الدال والواو وإسكان الياء بعدهما، والهاء مكسورة في جميع أحوالها، وهو اصطلاح البصريين واختيار الفقهاء، ومثله: بالويه وباكويه وراهويه وعمرويه وزنجويه وحمويه [وخضرويه] (^١)، وأكثر ما يدور في كلام أصحابنا الصوفية من ذلك اختيار المحدثين، ثم تقدير الكلام: وللدعاء لابن مردويه: (مر) بفتح فسكون.
قال المصنف في "البداية": "هو أبو بكر أحمد بن مردويه الحافظ، صاحب التفسير وغيره". وقال صاحب "التاريخ المنتظم" (^٢): "أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك، أبو بكر الحافظ الأصبهاني، ممن توفي سنة أربع مئة وخمس [عشْر] (^٣) " (^٤).
(وللبيهقي) منسوبٌ إلى بيهق من توابع نيسابور، أي: وللدعاء له (في) بكسر القاف وسكون الياء (والسنن) عطفًا على "الدعاء"، أي: وللسنن (الكبير له) أي: للبيهقي: (سني) بضم سين وتشديد نون بعده ياء ساكنة، وفي نسخة: بفتح فنون مكسورة مخففة فياء، وكان الأظهر أن يقال: بضم سين فتخفيف نون فسكون ياء.
_________________
(١) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "وحضرويه".
(٢) يريد به كتاب "المنتظم" لابن الجوزي.
(٣) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د) و(هـ): "عشرة".
(٤) "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" (١٥/ ١٣٥)، وفيه أنه تُوفِّيَ سنة: ٤١٠.
[ ١ / ١٠٩ ]
وجعل السيوطي علامة السنن له "هق"، وهو أخصر، ولعله أراد الجمع بين الإشارة إلى المصنف والمصنف له.
(و"عمل اليوم والليلة") اسم كتاب في الدعاء (لابن السني) بضم فتشديد نون وتحتية، وهو أحمد بن إسحاق، وكنيته أبو بكر: (ي) أي: ياء آخر الحروف.
(وَأُقدِّم رمز من له اللفظ) أي: لفظ الحديث في هذا الكتاب عند اختلاف الرواة في لفظه، وأما عند اتفاقهم فيه، فذكرهم على الترتيب المذكور، وعلى النهج المسطور.
قال المؤلف: "مثاله: أن يكون الحديث في البخاري ومسلم، والأصل تقديم البخاري، فرمز للبخاري بالخاء، ولمسلم بعده بالميم، فإن كان لفظ الحديث لمسلم قدم رمز مسلم على البخاري، وكذلك أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم على هذا الترتيب في رموزهم، فإن كان لفظ الحديث لواحد منهم [قدّم] (^١) " (^٢)، انتهى.
والحاصل: أنه إذا كان لفظ الحديث لواحد منهم، ورواية معنى الحديث لغيره، قدم رمزه وإن كان متأخرًا في الرتبة؛ ليحصل له بهذا نوع من المزية.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "قدمه".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ ب).
[ ١ / ١١٠ ]
(وإن كان الحديث موقوفًا) أي: على الصحابي أو غيره، والمراد أنه لا يكون مرفوعًا إلى النبي ﷺ، قال الطيبي: "الموقوف مطلقًا ما روي عن الصحابي من قول أو فعل متصلًا كان أو منقطعًا، وهو ليس بحجة على الأصحّ، وقد يستعمل في غير الصحابي مقيّدًا، نحو: "وقفه معمر على همام"، و"وقفه مالك على نافع"" (^١).
(جعلت قبل رمزه: مَوْ) بفتح فسكون (ليُعلم) بصيغة المجهول، من الإعلام، أو العلم أي: ليعلم الطالب (أنه) أي: الحديث الواقع قبل: "مَوْ"، (موقوفٌ لما بعده) أي: كائن لما بعد رمز "مَوْ" (من الكتب) أي: من رموزها.
والمعنى: حتى يعلم أن ذلك الحديث موقوفٌ عند أصحاب تلك الكتب، وهو لا ينافي أن يكون مرفوعًا عند غيرهم؛ ولذا [قد] (^٢) يقع "مَوْ" متوسطًا بين الرموز إشارةً إلى ذلك، وهذا كله إن كان هناك رمزٌ، فلا يُشكل بما وقع له في بعض المواضع من كتابة "مَوْ" بغير رمز بعده ولا قبله، وسيجيء في مثل هذا بحثٌ، نذكره في محل أليق به.
(وذلك) أي: إيراد الموقوف (قليل) أي: نادر (حيث) خبر بعد خبر، أي: كائن حيث (عدم المتصل) أي: فقد المتصل، والمعنى: لم أورد
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (٢/ ٣٨٣).
(٢) من (ج) و(د) و(هـ) فقط.
[ ١ / ١١١ ]
الموقوف إلا حيث لم يوجد في ذلك الباب، أو المدعى من الكتاب حديث متصل، والمراد بالمتصل هنا المرفوع، وإلا فالمتصل قد يجتمع مع الموقوف، وقد يكون المرفوع غير متصلٍ، كالحديث المرسل.
والحاصل: أن المتصل هو ما اتصل إسناد رجاله، سواءٌ يكون موقوفًا أو مرفوعًا، والمرفوع: ما أسند إلى النبي ﷺ، سواءٌ اتصل إسناد رجاله، أو انقطع وحذف بعضه.
وتحقيق هذه الأمور في علم أصول الحديث، وقد بيناها في "شرح شرح النخبة" بيانًا شافيًا، فهو للطالب يكون كافيًا.
وأما ما ذكره الحنفي من أن المراد بالمتصل هنا المتصل المرفوع فلا يوافق علم الأصول، ولا يطابق مراد المصنف المفهوم من المقابلة في الحصول، بل المقصود منه الاتصال اللغوي بالمعنى الأعم، وهو المتصل إلى النبي ﷺ.
(أو اختلف فيه) بصيغة المفعول؛ عطفٌ على المتصل أي: حيث عدم المتصل المتفق عليه، أو المختلف فيه، كذا قيل، وإنما يصح هذا العطف إذا [قدر موصول] (^١)، كما لا يخفى، [وكذا] (^٢) يحتاج [إلى أن يراد] (^٣) بالمختلف فيه بالنسبة إلى مخرجٍ واحدٍ، والأظهر أن يكون
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "قدم الموصوف".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "فلا".
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "إيراد".
[ ١ / ١١٢ ]
معطوفًا على "عدم"، أي: حيثُ فقد المتصل أو وجد، [و] (^١) اختلف في اتصاله، لكن بالنسبة إلى مخرجين أو أكثر فأذكر رمز "مَوْ"؛ ليدل على أن فيه اختلافًا، أو ليستفاد أن الأصح كونه موقوفًا أو مرفوعًا.
هذا، وقد قال ميرك شاه ﵀: "الظاهر من هذه العبارة أن الحديث إذا اختلف في رفعه ووقفه رجح الشيخ جانب الوقف، وأورده في كتابه هذا، وترك المرفوع، وهذا خلاف ما عليه المحققون من أهل الحديث، من أن الحديث إذا روي مرفوعًا وموقوفًا، أو مرسلًا وموصولًا، فالحكم للرفع والاتصال؛ لأن ذلك زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولة عند الجمهور.
اللهم إلا أن يراد: اختلف فيه، وترجح الوقف بوجه من وجوه الترجيح، بأن تكون رواته أكثر أو أضبط أو أوثق أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: "أو اختلف" عطفًا على لفظ "المتصل"؛ فيكون في حيز [العدم] (^٢).
وحاصل المعنى أن يراد: الموقوف حيث فقد المتصل [أو عدم] (^٣) المختلف فيه، وهذا لا يخلو [عن بعد] (^٤) تأمل"، انتهى.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "أو".
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "عدم".
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "وعدم".
(٤) كذا في (أ) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (ب): "من بعض".
[ ١ / ١١٣ ]
ولا يخفى من صنيع المصنف بحسب تتبعه أنه أراد بالمختلف فيه أن يكودن في بعض الكتب متصلًا، وفي بعضها موقوفًا، فحينئذٍ يشير إلى أن الحديث في رواية فلان موقوف، وفي رواية غيره متصل، ومثل هذا كثير في كتابه، وهو أن يأتي برموز أو رمز، ثم يأتي بـ "مَوْ"، ثم يأتي برموز أو رمز، وفعله هذا لا ينافي ما عليه المحققون كما سبق، فاندفع من أصله الإشكالُ، والله أعلم بالأحوال.
(على أني) متعلقٌ بقوله: "فجعلت"، أو "أُقدِّم"، أو "اختلف"، أو بقوله: "رمزت"، ذكره ميرك، والأخير أنسب معنًى؛ أي: رمزت مع أني، أو بناءً على أني (لم أجعل هذه الرموز إلا لعالمٍ يربأ بنفسه عن التقليد) أي: يرفعها عن مرتبة حضيض التقليد، إلى منزلة رفعة التحقيق والتأييد، و"يربأ" بفتح الياء والموحدة فهمز على وزن يقرأ، من قولهم: إني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه، على ما في "التاج".
ثم المراد بالتقليد هنا قبول الحديث ممن ليس له إسنادٌ متصلٌ إلى النبي ﷺ في روايته، وإنما ينقل الحديث من كتب المخرجين من أهل الحديث كالبخاري وغيره، وهذا من غاية تواضع الشيخ، ونهاية إنصافه، هالا فهو من أهل التصحيح، ومن طبقة ذوي الترجيح، كما يعلم مرتبته من "تصحيح المصابيح".
فإذا حكم بحديث أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع، فكلامه معتبر عند أرباب الحديث؛ فإنه إمام في فن علم الحديث، وكذا
[ ١ / ١١٤ ]
في قراءات الكلام القديم.
(أو لمتعلم يتعرف صحيح الكتب) أي: يطلب معرفة صحيح الكتب، وهي التي التزم صاحبها [أنه لا] (^١) يأتي فيها إلا بحديث صحيح عنده، (والمسانيدَ) بالنصب عطفًا على "صحيح"، وهو الصحيح، وفي نسخة بالجر عطفًا على "الكتب"، وفيه أن المسانيد ما التزم صحتها، وبمجرد إطلاق رموزها لا يستفاد صحتها، وفي نسخة: "يتعرف الصحيح من الكتب والمسانيد"، وفيه ما سبق من أنه لا يفيد التحقيق.
ثم اعلم أن المسانيدَ هي الكتب التي مرتبة على أسانيدِ الصحابة من غير ترتيب الأبواب، خلاف ما اختاره المحققون من رعايتها في الكتاب كالبخاري، وسائر أصحاب السنن، ومن تبعهم كالبغوي، وصاحب "المشكاة".
(وإلا) أي: وإن لم يكن عالمًا محققًا، أو متعلمًا متحققًا، وهو دليلُ الحصر، والمعنى: أني ما جعلت الرموز إلا لعالمٍ أو متعلمٍ؛ حتى يسهل الرجوع لهما إلى مآخذها حين الإرادة، وإلا (ففي الحقيقة) أي: في تحقيق أمر الحديث والعمل به (لا احتياج إليها) أي: إلى رموز الكتاب ومعرفتها (لعموم الناس) لجواز تقليدهم أحدًا من العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال بعض
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "أن لا".
[ ١ / ١١٥ ]
مشايخنا: "مَنْ تبع عالمًا لقي الله سالمًا".
(فليُعلم) بصيغة المجهول أي: فليعلم كل أحد إجمالًا (أني أرجو أن يكون جميع ما فيه) أي: في هذا الكتاب (صحيحًا) أي: ثابتًا؛ لأن الصحيح في اصطلاح المحدثين هو: "ما اتصل سنده، بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم [عن] (^١) شذوذ وعلة" (^٢)، ولا شبهة أن جميع أحاديث هذا الكتاب ليس بهذه المثابة، فالمراد به المعنى اللغوي الشامل للصحيح والحسن والضعيف أيضًا؛ لجواز العمل به في الفضائل بالاتفاق (^٣).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "من".
(٢) راجع: "مقدمة ابن الصلاح" (صـ ١٥١).
(٣) أما قوله بجواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل مطلقا ففيه نظر. قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١/ ٢٥٠): ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليس صحيحة ولا حسنة لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوّزوا أن يُروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي ورُوي حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقًّا ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي ولكن إذا عُلم تحريمه ورُوي حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه، فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أن كذب ولكن فيما علم أن=
[ ١ / ١١٦ ]
(فزال الالتباس) أي: لعموم الناس في حصول الاشتباه، بأن لا يكون فيه حديث موضوع، فإن مثل الشيخ إذا حكم بصحة ما في كتابه ملتزمًا يطمئن قلب المقلد إليه، ويعتمد عليه.
قال ميرك: "قد ينافي هذا قوله فيما تقدم، وليس كذلك؛ فإن المتقدم متحقق الوجود والوقوع، والمتأخر مرجوّ، وفَرْقٌ بين المتحقق والمرجوّ؛ ولذلك تجد أحاديث كثيرة لم تبلغ درجة الصحة، بل منها [ما هو] (^١) حسن، ومنها ما هو صالح، ومنها ما هو مختلف فيه، والعبرة بما
_________________
(١) = الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله. وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يُروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا فأما أن يثبت شرعًا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الإئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة. ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه والمنقول عن أهل العلم من الخلاف في هذه المسألة أكثر من ذلك. ودعوى النووي ﵀ من الاتفاق على العمل بالأحاديث الضعيفة في الفضائل غير صحيحة والخلاف محفوظ. والمنقول عن الصحابة والتابعين عدم التفريق فالكل شرع من الله فلا تصح المغايرة بدون دليل ولا أعلم عن أحد من الصحابة أنه تساهل في المرويات بالفضائل أو الترهيب دون ما عداها.
(٢) من (هـ) فقط.
[ ١ / ١١٧ ]
اخترناه، وهو أنا لم نذكر حديثًا لم يكن عمدة فيما يرجع إليه من فضائل الأعمال، كما أنا لم ندع حديثًا صحيحًا في باب من الأبواب إلا ذكرناه". وكذا قال الشيخ الجامع قدس سره في "الْمِفْتاح" (^١).
وأقول: لم يكن بين هذا الكلام وبين ما تقدم منافاة أصلًا، فإن المستفاد من العبارة الأولى أن جميع ما يصح من الأحاديث في باب الأدعية مذكورة فيه، ولا يلزم أن يكون جميع الأحاديث المذكورة فيه صحيحة، انتهى، ولا يخفى أن المنافاة ظاهرة بين العبارتين في كلام الشيخ على ما اعترف به بنفسه من منافيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فإن ما ذكره السيد نوع تأويل يدفع به المنافاة الموهومة أو المتحققة.
ثم اعلم أن قوله: "أرجو أن يكون صحيحًا" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد صحيحًا في نفس الأمر، ولا يظهر صحته عند الشيخ قدس سره في هذا الزمان؛ إذ الحكم بصحة الحديث وضعفه يكون بالظن الغالب لا بالجزم، كما تقرر في الأصول.
الثاني: أن المراد: أرجو أن يصح عندي، أو عند غيري بتتبع تامٍّ واستقراء عام لطرق الأحاديث حتى يظهر صحته، والله أعلم. كذا حققه ميرك، ولا يخفى أن الوجهين المذكورين إنما يتصور وجودهما في غير أحاديث الصمحيحين، وما في معناهما مما صرّح به الترمذي أو غيره من المخرجين بأنه صحيح.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ ب).
[ ١ / ١١٨ ]
(وقد جع بحمد الله تعالى هذا المختصر اللطيف) أي: قليل الحجم، وإسناد الجمع إليه مجاز كما في قوله: (ما لم تجمعه) بالتأنيث، وجوز تذكيره لكون فاعله مؤنثًا غير حقيقي مؤخرًا، وهو قوله: (مجلدات) جمع مجلد، وهو كتاب ضخم غالبًا (من التآليف) بهمزة ممدودة، أي: من المؤلفات، وهو بيان لـ"ما"، وأصل التأليف إيقاع الألفة والصحبة بين الشخصين، فاستعير للجمع المناسب بين الكلمتين [أو] (^١) أكثر، وفي نسخة: "من التواليف" بواو بدل الهمزة، وهو قريب منه معنًى، وإن خالفه مبنًى، ففي "القاموس": "أن الوليف البرق المتتابع، والولاف والموالفة: الإلاف والاتصال" (^٢).
(وإذا انتهى) أي: الجمع (نرجو من الله أن نجعل في آخره فصلًا) ظاهره يفيد الرجاء وقت الانتهاء، والحال أنه كان قبله كما في أثنائه، كما صرّح به المصنف في أول "مفتاحه"، حيث قال: "فإني كنت وعدت عند تأليفي كتاب "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين" أنه إذا انتهى أجعل في آخره فصلًا يفتح ما أقفل من لفظ ما فيه قد أشكل، ولما انتهى بحمد الله، وسارت به الركبان في كل البلدان، وكتب به من النسخ ما لا يحصى ولا يحصر، [وأتى بمختصراته] (^٣) العدة والجنة فأعظم وأكثر،
_________________
(١) كذا في (د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج): "و".
(٢) "القاموس" (٤/ ٢٠٠).
(٣) كذا في (ج) و(د) وفي (أ) و(ب): "وأما لمختصراته" وفي (هـ): "أوما بمختصره أنه".
[ ١ / ١١٩ ]
ولقد أحسن من قال فيه شعر:
إن نابك الأمر المهول … اذكر إله العالمينا
وإن بغى باغ عليك … فدونك الحصنَ الحصينا
ولما تمادى عليَّ ذلك الزمان الكثير وأنا أسأل الله تعالى الوفاء بالعهد، ولله فيما يختار الأمر من قبل ومن بعد، حتى يسَّرَ الله تعالى بعد مضي نحو من أربعين سنة مضت من العمر كأنها سِنَةٌ، فرأيت الوفاء واجبًا، واستخرت الله تعالى، وسألته أن يجعل التوفيق والرشد لي [مصاحبًا] (^١) ليكون مِفْتاحًا "للحصن الحصين"، ومفلاحًا لما أغلق من لفظه الرصين، والله المستعان، وعليه التكلان" (^٢)، انتهى.
فقال ميرك: "لا يخفى أنه قد سبق قوله: "ولما أكملت ترتيبه … " إلى آخره، فيحمل "إذا انتهى" على الماضي، كما جوّزه صاحب "المغني"، لكن يخدش فيه أنه لا يناسب "نرجو" بصيغة المستقبل، إلا أن يحمل معناه على المضي أيضًا، فتأمل"، انتهى.
فالمعنى: وحين تحقق الانتهاء وقع الرجاء، وفيه أنه كان الرجاء في أثناء الانتهاء على ما سبق في كلام المصنف من الإيماء، وإلا فكان يمكن أن يحمل "نرجو" على حكاية الحال الماضية، ثم قال ميرك: "والقول بأن المراد بالترتيب المذكور سابقًا الترتيب الذهني، فهو مما لا يلتفت إليه،
_________________
(١) كذا في (أ) و(د) (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج) و(هـ): "مِصْباحًا".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢/ أ).
[ ١ / ١٢٠ ]
ولا يعرج عليه"، يعني لقوله: "وتهذيبه بعد ترتيبه"، والتهذيب لا يتصور ذهنًا كما لا يخفى على الأديب، اللهم إلا أن يتكلف ويقال: التقدير: وأردت تهذيبه، فيكون التركيب من قبيل: " [علفته] (^١) تبنًا وماءً باردا" (^٢)، أي: [وسقيته] (^٣).
قال: "ثم ظهر لي أنه يحتمل أن المراد بالترتيب السابق ما يكون في المسبوق، وبالثاني المبين، وكان هذا هو الوجه"، انتهى.
ولعل مَعْنَى كلامه هذا أن: المراد بالترتيب ما يكون سابقًا في التبويب، وبالثاني وهو المعني [بالانتهاء] (^٤) المبين بالتهذيب، أو المبين برموز مخرجي أحاديثه، ولعل هذا هو المعين، والله الموفق والمعين في كل وقت وحين.
(يفتح) أي: فصلًا من الكلام، ونوعًا من تحقيق المرام، يفتح ذلك الفصل مجازًا؛ ولذا سماه "المفتاح"، أي: "مفتاح الحصن"، وفي نسخة بالنون، أي: نفتح نحن به، نحل به.
(ما أقفل) بصيغة المجهول، وفي نسخة صحيحة منسوبة إلى مولانا
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ) و"الخصائص": "علفتها".
(٢) من شواهد "الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٣١) ولم ينسبه.
(٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "وسقيتها".
(٤) كذا في (هـ)، وفي (أ) و(ب) و(ج): "بانتهاء"، وفي (د): "بانتهائه".
[ ١ / ١٢١ ]
جلال [القاني] (^١) من تلاميذ السيد السند أصيل الدين بصيغة المعلوم، وهو [أقعد] (^٢) وأمثل في مراعاة السجع؛ لقوله الآتي: "أشكل"، والإقفال: الإغلاق فعلى النسخة الأولى وتقديره: ما أقفل فيه وأشكل في مبانيه أو معانيه، أو: ما ينافيه. وعلى النسخة الثانية ضميره راجع إلى "ما" الموصولة مجازًا.
(من لفظ ما فيه قد أشكل) بيان لـ"ما" فيما تقدم، وأشكل عليه الأمر: التبس، كذا في كتاب "العُباب"، فالمقصود من الفتح حل مشكلات الكتاب، وفي نسخة: "من لفظه"، فالجار متعلق بـ "أقفل"، وفي نسخة صحيحة: "من لفظ ما فيه مشكل"، وهو يناسب النسخة المشهورة في "أقفل".
(وهذه) أي: [هذا] (^٣) المختصر، وأُنِّثَ لتأنيث الخبر، وهو قوله: (مقدمة)، وهي بكسر الدال أصح من فتحها، مع أن الفتح أظهر معنًى، ووجه الكسر أنه مشتق من قدم بمعنى تقدم، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا (^٤) تُقَدِّمُوا بَين يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أي: لا تتقدموا، وقيل: "المفعول مقدر، أي: لا تقدموا أمرًا من عندكم عند وجود أمرهما،
_________________
(١) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ): "القاضي"، وفي (ج) و(د): "القائني".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "أوفق".
(٣) كذا في (ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ) و(ب): "هذه".
(٤) قبلها في (أ) و(ج) و(د) و(هـ) زيادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
[ ١ / ١٢٢ ]
وتحقُّق حكمهما".
ويمكن أن يتكلف هنا بأن يقال: هذه مقدِّمة [نفسَها] (^١) على غيرها، وهي كمقدمة العَسْكَر مأخوذة من مقدمة الرحل.
والحاصل: أن هذه الرسالة مقدمة (تشتمل على أحاديث في فضل الدعاء والذِّكر) أي: في فضيلتهما وبيان مثوبتهما، مع أن كل دعاء ذِكْر، وكل ذِكْر متضمن للدعاء لما فيه من عرض الثناء وتعريض العطاء، وقد روي في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (^٢).
بل هذا هو المقام الأكمل لأرباب الكمال في بعض الأحوال، على ما ورد من: "أن إبراهيم (^٣) ﵇ لما ألقي في النار جاءه جبريل ﵇ فقال: ألَكَ حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك المتعالي. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي" (^٤).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)، وفي (أ): "لنفسها".
(٢) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ١١٥)، والبزار (١٣٧)، والطبراني في "الدعاء" (١٨٥٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٦٧)، كلهم عن عمر به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤٩٨٩): "ضعيف"، وفي الباب عن أبي سعيد، وجابر، ومالك بن الحارث.
(٣) بعدها في (هـ) زيادة: "الخليل".
(٤) قال ابن تيمية: كلام باطل "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٣٩) قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢١): "لا أصل له".
[ ١ / ١٢٣ ]
ومنه ما ورد من أنه حين ألقي الخليل قال: "حسبي الله ونعم الوكيل (^١)، فقال تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] "، وقد وقع نظيره في هذه الأمة من أكابر الأئمة، كما أخبر الله سبحانه عنهم بقوله مدحًا لهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].
(ثم آداب الدعاء والذّكر) بالرفع في "آداب" عطفًا على "مقدمة"، وفي نسخة بالجر عطفًا على "فضل الدعاء"، قال ميرك: "أي: هذه الرسالة مقدمة تشتمل … إلى آخره. وقو له: "ثم آداب الدعاء (^٢) "بالرفع، أي: هذه الأمور المذكورة في الرسالة مقدمة، ثم آداب الدعاء، وعلى التقديرين يكون بعض أجزاء الرسالة مسمًّى بالمقدمة، وبعضها بآداب الدعاء إلى آخره، ولا يخفى تعسفه.
وأما على تقدير جرّ "آداب الدعاء" كما وقع في بعض النسخ، فتكون "المقدمة" اسمًا لما يشتمل على الجميع، ولا خفاء في بُعده أيضًا، والعبارة الصالحة في هذا المقام أن يقال: وهذا الكتاب يشتمل على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٣، ٤٥٦٤).
(٢) بعدها في (أ) زيادة: "والذكر"، وجعل "ثم آداب الدعاء والذكر" من المتن.
[ ١ / ١٢٤ ]
مقدمة ومقاصده.
أما المقدمة فهي مشتملة على أحاديث في فضل الدعاء والذكر، وأما المقاصد فمحتوية على آداب الدعاء والذكر إلى آخر الكلام، والله أعلم.
قلت: هذا تغيير للتصنيف، والمعتبر تصحيح التأليف مع أن هذا الذي ذكره مفصلًا هو المستفاد من كلامه على تقدير الرفع مجملًا؛ حيث يفيد أن بعض أجزاء الرسالة مقدمة، وبعضها آداب الدعاء وغيره من المقاصد [المتممة] (^١)، فالحكم بعدم خفاء تعسفه لا يكون خاليًا عن تكلفه.
وأما الوجه الثاني وهو الجر المنجر لأن تكون المقدمة اسمًا لما يشتمل على الجيم فيستبعد بعده؛ لأن فيه إشارة إلى أن هذه الرسالة لاختصارها مع جميع ما فيها بالنسبة إلى الكتب المبسوطة كمقدمة العسكر بالإضافة إلى الجيش [الكبير] (^٢)، إيماء إلى أن من قدر أن يخرج من عهدة هذا القليل اليسير صلح أن يتوجه إلى تحصيل الكثير العسير، ويؤيد ما ذكرناه أن المصنف جعل رسالة في علم القراءة مشتملة على معرفة مخارج الحروف والصفات وغيرها، وسماها بكمالها "مقدمة"، حيث قال في مقدمتها:
وبعدُ إنَّ هذه مقدِّمهْ فيما على قارئه أن يعلمَهْ (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "المهمة".
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(د)، وفي (هـ): "الكثير".
(٣) "متن الجزرية" لابن الجزري (صـ ٥).
[ ١ / ١٢٥ ]
(وأوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها) برفع الثلاثة وجرها، (ثم اسم الله تعالى) بالرفع والجر أيضًا، و"ثم" لمجرد التعاقب كما قدمت، أو للتراخي في الذكر لا للرتبة؛ لعدم صحتها في "ثم" السابقة واللاحقة كما لا يخفى.
وقوله: (الأعظم) بالوجهين على أنه صفة للاسم تابع له في إعرابه (وأسماؤه الحسنى) كُتِبَت بالواو إشارةً إلى رفعه المختار، وفي نسخة: "وأسمائِهِ" بالياء، إيماءً إلى جرِّه، "والحسنى" تأنيث الأحسن، نعت الأسماء.
(ثم ما يقال) أي: يقرأ أو يذكر أو يدعى (في الصباح) أي: في أول النهار (إلى المساء) أي: إلى آخره، أو أول الليل، [والمراد] (^١) بهما الملوان جميعهما.
(وفي طول الحياة إلى الممات) أي: منتهية إليه، والمعنى: من أول عمره إلى آخره (من جميع ما يحتاج إليه) بصيغة المفعول، أي: ما يقع إليه حاجة السالك من الأدعية هنالك (وصح النص) أي: والحال أنه ثبت النقل الصريح (عنه) أي: عن النبي (ﷺ)، كذا في أكثر الأصول المصححة، أي: وقع نصه على ما يقال في تلك الأحوال.
(ثم الذكر) أي: جنس الذكر من نوعه الخاص (الذي ورد فضله، ولم يختص) بفتح أوله ويضم، والجملة حال، أي: حال كون ذلك الذكر غيرَ
_________________
(١) كذا في (ب) و(هـ)، وفي (أ) و(ج) و(د): "أو المراد".
[ ١ / ١٢٦ ]
مختص (بوقت من الأوقات) أي: بخلاف ما قبله، فإنه كان مختصًّا بالأزمنة والحالات.
(ثم الاستغفار الذي يمحو) وفي نسخة: "يمحق"، أي: يزيل (الخطيئات) [بالهمز] (^١)، وجوز إبدالها وإدغامها، أي: السيئات، والموصول صفة كاشفة، وهو أيضًا غير مختص بوقت.
(ثم فضل القرآن العظيم وسور منه وآيات)، وهو وإن كان بعضها مطلقًا وبعضها مقيدًا، لكنه غالبًا غير مقيد، بل من حيث هو مطلق.
(ثم الدعاء الذي صحَّ عنه ﷺ كذلك)، أي: غير مختص بوقت من الأوقات. قال ميرك شاه ﵀: "الظاهر أن المراد الدعاء الذي صح عنه ﷺ، ولم يختص بوقت من الأوقات، يرشد إلى ذلك التوجيهِ ما سيقول بعد ذلك حين شروعه في بيان المقاصد: "الأدعية التي وردت غير مخصوصة بوقت"، لكن يخدش فيه أن الأنسب في ذكره بعد الذكر الذي ورد فضله بلا واسطة حتى تحسن الإشارة إليه".
أقول -والله أعلم-: أراد المصنف بقوله: "كذلك" إشارة إلى أنه قيد لما قبله من الحكمين، فيفيد أن كلًّا من الاستغفار والقراءة والدعاء المذكورات ليس له وقت مخصوص من الأوقات، بل ينبغي أن يواظب عليها السالك في جميع الحالات، وسائر المقامات؛ فإن الذكر المطلق
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ) و(هـ): "بالهمزة".
[ ١ / ١٢٧ ]
ودوامه المتحقق مستفاد من قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، وعدم تقييد القراءة مقتبس من قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وعدم تقييد الاستغفار مأخوذ من قوله ﵇: "طوبى لمن وَجَدَ في صحيفته استغفارًا كثيرًا" (^١).
وأما الدعاء فبعضه مطلق لأرباب الكمال، وبعضه مقيد بحسب اختلاف أصحاب الأحوال، ولعل عدم تقييد الأذكار والتلاوة والاستغفار؛ لأن ذكره سبحانه لا ينبغي أن ينقطع من عبده ما دامت الرُّوح في جسده.
وأما الاستغفار فلأن كل واحد من العبيد سواء يكون من أفراد المراد أو المريد لا يخلو عن نوع من التقصير المحتاج إلى الاستغفار الكثير، فلا يحسن أن يقيد بوقت من الأوقات، أو حال من الحالات.
_________________
(١) روي من حديث حديث عبد الله بن بسر: أخرجه ابن ماجه (٣٨١٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٧)، والضياء (٩/ ٩٥، رقم ٧٩). وأخرجه أيضًا: النسائي في الكبرى (١٠٢٨٩)، والبزار (٣٥٠٨). قال البوصيري (٤/ ١٣٥): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. حديث عائشة: أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٩٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٦) موقوفًا وقال: هذا هو الصحيح موقوفًا وروى عن النعمان بن عبد السلام عن سفيان مرفوعًا. والخطيب (٩/ ١١٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٣٠). قال المنذري: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٠٩).
[ ١ / ١٢٨ ]
هذا، ولو فعل المصنف كما ذكره ميرك لخالف العنوان ترتيب المقاصد.
(ثم ختمته) ليكون ختامه مسكًا (بفضل الصلاة على سيِّد الخلق)، أي: أفضل المخلوق الشامل للرسل والملائكة على مذهب أهل السنة والجماعة (ورسول الحق)، أي: اللهُ، فإن الحق من أسمائه، فالإضافة لاميَّة، أو يراد به ضد الباطل، فالإضافة بيانيَّة، أي: الرسول الحق الصادق في نبوَّته، الثابت في رسالته، أو الإضافة لأدنى الملابسة، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠].
(الذي هدى الله تعالى) أي: المؤمنين، وهو أولى من تقدير الحنفي بقوله: "أي الخلق"، كما لا يخفى، (به) أي: بسببه، وبواسطة دلالته (من الضلالة) أي: من ضلالة الكفر وجهالة المعصية، وفيه إشعار بأنه سبب الهداية، وأما خالقها وموفقها ومقدرها فهو الله سبحانه، كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقد قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فيكون نظيرَ قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧].
(وبصّر) بتشديد الصاد، أي: فتح بصيرة مَن أراده مِن أفراد خلقه (به) على ما في نسخة، أي: بسببه (من العمى) بفتح العين مقصورًا، أي: من أجل عمى عين قلبه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (فأوضح) أي: فأظهر الله أو رسوله
[ ١ / ١٢٩ ]
(المحجة) بفتحتين وتشديد الجيم، أي: الطريقة [الموصلة] (^١) إلى المقصد ظاهرًا بالشريعة، وباطنًا بالحقيقة، وفي "النهاية": "المحجة: جادة الطريق، مفعلة من الحج، وهو القصد، والميم زائدة، وجمعه: المحاجّ بتشديد الجيم" (^٢).
(ولم يدع) بفتح الدال، أي: لم يترك الله (لأحد) أي: من الناس (حجة) أي: حجة داحضة أو مجادلة خافضة، حيث أرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩]، أو: لم يترك النبي ﷺ لأحد من أمته حجة مانعة من امتثال أمر، أو اجتناب نهي، حيث بينهما غاية البيان بحيث لا يحتاج السالك إلى غير ما ثبت عنه في كل شأن.
وهذا الوجه اختاره ميرك، حيث قال: "أي: لم يترك لأحد دليلًا على مقصد من المقاصد الشرعية، بمعنى أن كل دليل من الأدلة إما أن ذكره بالتصريح، أو ذكر ما يستنبط منه، ويمكن أن يراد بالحجة حجة النبوة، يعني سدّ باب النبوة، حيث قال: "لا نبي بعدي" (^٣)، انتهى. ولا يخفى
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(هـ):. "الواصلة".
(٢) النهاية (٤/ ٣٠١).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٦١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ١١٥) رقم (٧٥٣٥ - ٧٦١٧ - ٧٦٢٢)، وفي "مسند الشاميين" (٨٣٤)، وابن عساكر (٢٤/ ٥١) قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٦٣): رواه الطبراني، =
[ ١ / ١٣٠ ]
بُعد الأخير.
ﷺ وفي "نسخة الأصيل": "وآله وسلم" تسليمًا (كلما ذَكَرَهُ) أي: الله أو الرسول أو كل واحد منهما، وهو أبلغ في حصول المبلغ (الذاكرون) أي: أنواع الذكر، (وغفل) وفي نسخة: "وكلما غفل" (عن ذكره الغافلون) والمراد: حصول الصلاة والسلام على وجه الدوام، فإنه لا يخلو عن الحالين المذكورين أحد من الأنام.
وفي "شرح الحاوي" للمولى بهاء الدين: "أفضل الصلاة: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عنه الغافلون، وفي بعض رواية الحديث: "كلما غفل عنه الغافلون".
قال الإمام النووي: "هذا ما ذكره إبراهيم المروزي وحده"، انتهى.
وقد نقل الإمام الرافعي والإسنوي هذه العبارة عن المروزي، قال النووي: "وقد يستأنس لذلك بأن الشافعي كان يستعمل هذه العبارة، ولعله أول من استعملها" (^١). قال شارح البخاري: "وهي في خطبة "الرسالة"، لكن بلفظ "غفل" بدل "سها"".
ثم اعلم أن في بعض النسخ هنا (فضل الدعاء) وهو في الأصل بالضاد المعجمة، أي: أحاديث في فضيلة الدعاء، وفي نسخة: بالصاد المهملة،
_________________
(١) = ورجال أحد الطريقين ثقات وفي بعضهم ضعف. وصححه الألباني في الصحيحة (٧/ ٧٠٨).
(٢) روضة الطالبين (١١/ ٦٦).
[ ١ / ١٣١ ]
أي: هذا فصل في فضل الدعاء، قال ميرك: "اعلم أن الدعاء طلب الأدنى من الأعلى شيئًا ما على جهة الخضوع والاستكانة، وفيه فضل كثير، وثواب جزيل، وقد حثّ الله عليه في مواضعَ من كتابه العزيز، وورد أحاديث كثيرة في فضله".
وقال النووي: "دلت الأحاديث الصحيحة على استحباب الدعاء والاستعاذة، وعليه أجمع العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، وذهب طائفة من الزهاد وأهل المعارف من العباد إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلامًا للقضاء، وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن، وإن خصّ نفسه فلا. ومنهم من قال: إن وجد في نفسه باعثًا للدعاء استحب، وإلا فلا". ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء والإخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين (^١).
_________________
(١) شرح مسلم (١٧/ ٣٠).
[ ١ / ١٣٢ ]