(اللهم إني أعوذ بك) أي: ألتجئ إليك (من العجز) أي: في العبادة، (والكسل) بفتحتين، أي: التثاقل في الطاعة على ما لا ينبغي فيه الكسل، ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة، فلا يكون معذورًا، بخلاف العاجز؛ فإنه معذورٌ لعدم القوة وفقدان الاستطاعة.
(والجبن) ضد الشجاعة، (والهرم) بفتحتين أيضًا، والمراد به: صَيْرورة الرجل خَرفًا من كبر السن، على ما ذكره المظهر، بحيث لم يميز بين الأمور المعقولة والمحسوسة والمنقولة.
(والمغرم والمأثم) بوزن المقتل فيهما على أنهما مصدران، بمعنى: الغرامة في حق الخالق أو الخلق، والإثم القاصر أو المتعدي، وقيل: "المغرم هو: الشيء الذي يغرم به للإنسان، أو لله تعالى".
وقال المصنف: "الاستعاذة من الكسل لما فيه من عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه، ومن "الهرم"، وهو -كما في الحديث الآتي-: الاستعاذة من أرذل العُمر؛ لما في ذلك من اختلال العقل والخرف، وعدم الضبط والحفظ، وما يحدث على الحواس من الضعف وتشويه الصورة، والعجز عن كثير من الطاعات، والتقصير في بعضها" (^١).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ أ).
[ ٣ / ١٤٥٦ ]
قلتُ: المراد بـ "تشويه الصورة" تغييرها، كما هو مُشَاهَد في صُوَرٍ كثيرةٍ منهم، لا كما وهم الحنفي؛ حيث صَحَّف التشويه بالتسوية، فقال: "أي: عدم تميز الصورة عن مثلِها، واشتباه الأمثال بعضها بعضًا عنده"، انتهى. فإنه لا يخفى أن عدم تميز الصورة ليس مما يُستعاذ منها؛ لأنه أمر غير ضروري ولا مكروه شرعي ولا طَبَعِيٍّ، بل إنه يقرب إلى حال الفناء، المطلوب عند أرباب البقاء، بخلاف التشويه؛ فإنه تقبيح صوري يشبه الممسوخ الخلقي.
ثم قال المصنف: "ومن "المغرم" فقد فسره النبي ﷺ: "إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب، وإذا وعد فأخلف"، واشتغل القلب بالدَّين، وقد يموت قبل أدائه فتبقى ذمته مرتهنة به، ومن "المأثم" أي: الشيء الذي يأثم به الآن، أو هو: الإثم نفسه فوضع الاسم موضع المصدر" (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وفتنة النار) "يعني: فتنة تؤدي إلى النار، والفتنة في الأصل هي الامتحان والاختبار" (^٢).
(وفتنة القبر) "وهو سؤال الملكين الفَتَّانَيْن"، ذكره المصنف (^٣)، وإنما قيل للملكين: الفتَّانين بتشديد الفوقانية؛ لأنهما أرسلا للامتحان فيبالغان في الافتتان، (وعذاب القبر) قيل أي: فتنة تؤدي إلى عذاب القبر، وإلى
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ أ).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ أ).
[ ٣ / ١٤٥٧ ]
عذاب النار كيلا يتكرر.
ويحتمل أن يُراد بفتنة النار: لسُؤال الخزنة على سبيل التوبيخ، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾ [الملك: ٨].
(وشر فتنة الغِنَى) "مثل: الأشر، والبطر، والشح بحقوق المال، أو إنفاقه فيما لا يحل من: إسراف، وباطل، ومُفَاخرة به" (^١)، ([ومن شر] (^٢) فتنة الفقر) "كـ: التسخط، وقلة الصبر، والوقوع في حرام وشبهة للحاجة" (^٣)، ذكره المصنف.
وقال بعض المحققين: "قيَّد فيهما بالشر؛ لأن كلا منهما فيه خير باعتبار، وشر باعتبار، فالتقييد في الاستعاذة منه بالشر يُخْرِجُ ما فيه من الخير سواء كَثُر أو قلّ".
قلت: وقد بين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]، وفي قوله ﷺ: "كاد الفقر أن يكون كفرًا".
ثم قيل: "المراد: فقر النفس"، وهو الذل لا يردُّهُ ملك الدنيا بحذافيرها، وليس في الحديث ما يدل على تفضيل أحدهما على الآخر".
قلت: لأن كلَّ ما هو مانع عن الحُضور فهو شُؤم عند أهل السرور،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ أ).
(٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(م): "وشر"، وفي (د): "و".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ أ).
[ ٣ / ١٤٥٨ ]
نعم الفقر أسلم بالنسبة إلى الغنى؛ حيثما يَجُرُّ الغِنَى إلى الطغيان والسلطنة، والفقر إلى الغَناءِ والمسكنة.
ولهذا وقعت ترْبيَةُ الله لأكثر الأنبياء ولعامَّة الأولياء بوصف الفقر الظاهري والغِنَى الباطني دُون أرباب الدنيا، حيث ابْتُلُوا بالغِنى الظاهري والفقر الباطني.
ولذا قال بعض الشراح عند قوله "ومن شرّ فتنة الفقر": "كالحسد على الأغنياء، والطمع في أموالهم، والتذلل لهم بما [يتدنَّسُ] (^١) به عِرْضُه، وينثلم به دينُهُ، وعدم الرضى بما قسم الله له، إلى غير ذلك مما لا يحمد عاقبته".
وقال الطيبي: "إن فسرتَ الفتنة بالمحنة والمصيبة، فشرّها أن لا يصبر الرجل على لَأْوائِهَا، ويجزع من بلائها، وإن فسَّرْتَ بالامتحان والاختبار، فشرها أن لا يحمد في السراء والضراء".
وقال الغزاليّ قدس سره العاليّ: "فتنة الغِنى الحِرْصُ على جمع المال وحُبه على أن يكسبه من غير حله، ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر: يراد به الفقر الذي لا يَصْحبُه صَبْر ولا ورع، حتى يتورَّط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب"، نقله التوربشتي (^٢).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "يدنس".
(٢) فتح الباري (١١/ ١٧٧).
[ ٣ / ١٤٥٩ ]
(ومن شر فتنة المسيح الدجال) سبق تحقيقه مبنًى ومعنًى، قال ابن بطّال: "وإنما تعوذ النبي ﵇ من هذه الأمور تعليمًا لأمته؛ فإن الله تعالى آمنه من جميع ذلك وبذلك جزم عياض"، قلتُ: ومن وقوع ذلك بأمته، ذكره العسقلاني.
(اللهم اغسل خطاياي) أي: أنواع ذنوبي، (بماء الثلج) بفتح فسكون (والبرد) بفتحتين، قال المصنف: "خصهما بالذكر تأكيدًا للطهارة ومُبَالغة فيها؛ لأنهما ماء مفطوران على أصل خلقتهما، لم يُسْتعملا ولم تنلهما الأيدي ولا خاضتهما الأرجل، كسائر المياه التي خالطها التراب، وجرت في الأنهار، وجمعت في الحياض" (^١)، انتهى.
وقال ابن دقيق العيد: "عبَّر بذلك عن غاية المحو؛ فإنّ الثوب الذي يتكرر عليه المُنْقِي يكون في غاية من النقاء".
ولهذا قال: (ونَقِّ قلبي من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض) بصيغة المجهول الغائب، وفي نسخة بصيغة المعلوم المخاطب، (من الدنس) بفتحتين، أي: الوسخ والدرن، وقال العسقلاني: "كأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم؛ لكونها مُسَبّبة عنها، فعبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المياه الباردة غاية البرودة".
(وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) المراد بالمباعدة: محوما حصل منها والعِصْمة عما سيأتي، وهو مجاز؛ لأن
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ أ، ب).
[ ٣ / ١٤٦٠ ]
حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أنَّ التقاء المشرق والمغرب مُستحيل، فكأنه أراد أنه لا يبقى لها أثر منه بالكلية.
قال الكرماني: "وكرر لفظة "بين"؛ لأن العطف على الضمير المجرور يُعاد فيه الخافض"، ثم قال: "ويحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث الإشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالغسل للماضي، والتنقية للحال، والمباعدة في الاستقبال"، وقال ابن دقيق العيد: "يحتمل أن يكون المراد: أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ".
(ع) أي: رواه الجماعة عن عائشة (^١).
(اللهم أعوذ بك من العَجْز) هو: "عدم القدرة على الخير، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، وكلاهما يُستحبُّ التعوذ منه" (^٢)، ذكره المصنف.
(والكسل) تقدم، (والجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة، ويضمان على ما في "القاموس"، (والهرم) بفتحتين، وسبق.
(وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) قال
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٥٧ و٦/ ٢٠٧) والبخاري (٦٢٧٥)، ومسلم (٥٨٩)، والترمذي (٣٤٩٥)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (٨/ ٢٦٢) وابن ماجه (٣٨٣٨).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
[ ٣ / ١٤٦١ ]
المصنف: "أي: الحياة والموت، واختلف في المراد بفتنة الموت، فقيل: فتنة القبر، وقيل: الفتنة عند الاحتضار" (^١)، انتهى.
وأراد بالاحتضار: حُضُور الموت وظهور علامته، وأن كلا من المصدرين الميميَّيْن وُضع موضع الاسم، وقيل: "هما اسما زمان، أي: زمان الحياة وزمان الموت من أول النزع وهَلُمَّ جَرّا".
قال ابن بطال: "هذه كلمة جامعة لمعاني كثيرة، وينبغي للمرءِ أن يرغب إلى رَبِّه في دفع ما نزل به ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان ﷺ يتعوذ من جميع ما ذكر دفعًا عن أمته وتشريعًا لهم؛ حيث بيَّن لهم صفة المهم من الأدعية".
(خ، م، د، ت، حب، مس، صط) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطبراني في "الصغير"؛ كلهم عن أنس (^٢).
(وأعوذ بك) هذا من تتمة الحديث السابق في بعض الروايات، لكن هذا لفظ الطبراني في "الصغير"، ولفظ الباقين (من القسوة) بفتح فسُكون بمعنى القساوة، وهي: غلظة القلب وشِدّته وحدّته، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحَصين" (ل ١٩/ ب).
(٢) أحمد (٣/ ٢١٤)، والبخاري (٢٦٦٨)، ومسلم (٢٧٥٦)، وأبو داود (١٥٤٠)، والترمذي (٣٤٨٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٨/ ٢٥٧)، وابن حبان (١٠٠٩). وأخرجه أيضًا: أبو يعلى (٣٠٧٤).
[ ٣ / ١٤٦٢ ]
﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
(والغفلة) أي: عن الذكر، وعن المذكور بفقد الحضور، أو عن الغفلة في الطاعة والسهو عنها، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال المصنف: "يعني: قَسْوَة القلب، وهو: غِلَظُهُ وشدَّتُه، وعدم الرحمة على الخلق، والغفلة هي: الذهول عن الطاعة" (^١)، (والعَيْلة) "بفتح العين المهملة: الفاقة، وهكذا العالة، والعوذ منه كالعوذ من الفقر، وقد تقدم" (^٢).
(والذلّة) "من الذل، وهو: ضد العز، يعني: الهُونُ، كما وقع في دعائه ﷺ لما رجع من الطائف: "اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على الناس" (^٣)، انتهى. وهي بكسر الذال، والمراد بها: أن يكون ذليلًا، بحيث يَسْتخفه الناس ويَحْقِرُونَهُ ويعيبونه، ويشغلونه عما يَعْنِيه، ولا ينتفعُون بأوامره ونواهيه.
(والمسكنة) قال المصنف: "يعني: الحال السيئة، من الذل والخضوع
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
[ ٣ / ١٤٦٣ ]
والحاجة" (^١)، قلت: وكأن في الاستعاذة منهما إشعار بقوله تعالى في حق الأعداء: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، وقيل: "الذلة: الشُّح، والمسكنة: الحرص"، أقول: "الذلة" هي: المذلة عند الأغنياء، و"المسكنة" هي: السكون إليهم، والتملق لديهم، والاعتماد عليهم.
(وأعوذ بك من الفقر) أراد به فقر النفس، أعني: الشَّرَهَ أو عدم اتصافها بصفات الكمال، وهو يقابل غنى النفس، الذي هو: قناعتها أو اتصافها بصفات الكمال، أو أراد به: قلة المال، وكثرة العيال، أو الحاجة إلى الناس.
(والكفر) هو ضد الإيمان، أو كفران النعمة ضد الشكر، (والفسوق) قال المصنف: "أي: الخروج عن الاستقامة وارتكاب المعاصي، (والشِقاق) بالكسر من الشقة، وهو: الشدة والثقل" (^٢)، انتهى.
والأظهر أنه بمعنى الخلاف كما في "المهذب"؛ لأنه يقع كل من المخالفين في شِق، أي: ناحية، على ما حققه الطيبي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]، والشقاق أيضًا يجيء بمعنى العداوة الباعثة على الخلاف، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]، على أحد القولين.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
[ ٣ / ١٤٦٤ ]
(والسمعة والرياء) قال المصنف: "هو بضم السين، وهو: أن يفعل الفعل من الطاعة؛ ليسمعه الناس ويروه، لا يريد به الإخلاص، وكذلك الرياء" (^١).
قلت: المعنى الذي ذكره يصلح بطريق اللّف والنشر أن يكون معنًى للسمعة والرياء، وهو مطابق لما في أصل الاشتقاق المأخوذ منهما المعنيان، وإن كان كل واحد منهما يطلق على المعنيين جميعًا عند انفراده، لكن عند اجتماعهما يعطى كلّ ذي حق حقه.
ثم "الرياء": بكسر الراء وبعده همزة عند جمهور القراء، وذهب بعضهم إلى إبداله ياء في الوقف، إو مطلقًا، ويجري عليه ألسنة العامة.
(وأعوذ بك من الصمَمَ) بفتحتين، قال المصنف: "وهو عدم السمع"، (والبَكَم) بفتح الباء والكاف: الخرس" (^٢)، [انتهى] (^٣)، أي: عدم النطق، وخُصّا لأنهما بابان للاستفادة والإفادة، ولا يبعد أن يراد بهما: عدم سماع الحق ونفي كلام الحق، كما قيل في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾.
(والجنون) أي: المزيل للعقل من إدراك الباطن الفائت به حسن السيرة، (والجذام) أي: المزيل للصورة الظاهرة على وجه النفرة؛ ففي "القاموس": "الجذام كغراب، علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٣) من (ج) و(د) فقط.
[ ٣ / ١٤٦٥ ]
وسُقوطها عن تقرح"، انتهى.
والحاصل أنه ﷺ استعاذ من حصول عوارض هذه البلايا، مع التضمن لما هو [ذكر] (^١) للنعماء، وشكر على ما منحه من العطايا، وطلب المزيد بالثبات، والدوام على تلك الصفات إلى حين الممات.
ثم عَمَّمَ سالكًا سبيل الإجمال، إظهارًا لعجزه عن عَدِّ نِعَمِه سبحانه على وجه الكمال، فقال: (وسيئ الأسقام) كـ: البرص، والعمى، والفالج، وإنما قيد الأسقام بالسيئ؛ لأن الأمراض مطهرة للسيئات، ومرقية للدرجات، وأكثر الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، فالتعوذ من جميع الأسقام ليس من دأب الكرام، قال المصنف: ""سيئ الأسقام": قبيحها، أعاذنا الله تعالى منها" (^٢).
وقال ميرك نقلًا عن المظهر: "إن الإضافة ليست بمعنى "من"، كما في قولك: خاتم فضة، بل هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأسقام السيئة، ولم يستعذ من الأسقام على الإطلاق؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان [فيه] (^٣) على نفسه بالصبر خفَّتْ مؤنتُه مع عدم إزمانه، كالحمى والصداع والرمد، وإنما استعاذ من المزمن، فينتهي بصاحبه إلى حالة يفرُّ منه الحميم، ويقل دونها المؤن والمداوي، مع ما يورث من
_________________
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب): "تذكر"، وفي (د): "مذكر".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٣) من (ج) و(د) فقط.
[ ٣ / ١٤٦٦ ]
الشين، ومنها: الجنون الذي يزيل العقل، ولا يأمن صاحبه القتل، ومنها: البرص والجذام، وهما علتان لازمتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة وتغيير الصورة، وقد اتفقوا على أنهما يَعْدِيان إلى الغير، والله العاصم".
(وضَلَع الدين) "بفتح الضاد واللام، هو: ثقله، وهو في الأصل: الاعوجاج والميل، أي: يثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال" (^١)، ذكره المصنف، وحاصله كثرة ديون العباد بحيث يشغله ويمنعه حضور العبادة وحصول الاستقامة، بسبب كثرة المطالبة الواقعة في الذمة؛ ولذا ورد في الحديث: "لا هَمَّ إلا هَمَّ الدَّين".
(حب، مس، صط) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، والطبراني في "الصغير"، عن أنس (^٢).
(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) بضم فسُكون وبفتحهما، وتقدم الفرق بينهما، (والعجز والكسل والبُخْل) بضم فسُكون وبفتحهما، (والجُبْن) بضم فسُكون ويجوز ضمهما، وهو: ضد الشجاعة.
(وَضَلَع الدَّيْن) قال العسقلاني: "هو -بفتح المعجمة واللام-: الاعوجاج، يقال: ضَلَع بفتح اللام، أي: مال، والمراد به ها هنا: ثِقَل
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٣٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأخرجه الطبراني في الصغير (٣١٦)، وفي الدعاء (١٣٤٣)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٩٧)، والضياء (٦/ ٣٤٤، رقم ٢٣٧٠). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٨٥).
[ ٣ / ١٤٦٧ ]
الدَّين وشدَّته، وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاءه، لا سيما مع المطالبة، فقد قال بعض السلف: "ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه""، والقائل لهذا القول هو: سعيد بن المسيب ﵁، كذا ذكره الكرماني في شرحه على البخاري.
(وغلبة الرجال) قيل: "الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، فكأنه إشارة إلى العَوْذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا، وفيه إيماء إلى العوذ عن الجاه المُفْرِط عن الذل المهين"، وقال ميرك: "أي: شدة تَسلُّطِهمْ، استعاذ ﷺ من أن يغلبه الرجال لما في ذلك من الوهن في النفس".
قال الكرماني: "هذا الدعاء من جوامع الكلم، لأن أنواع الرذائل ثلاثةٌ: نفسانيةٌ، وبدنيةٌ، وخارجيةٌ، بحسب القوى التي للإنسان، وهي ثلاثة: العقلية، والغضبية، والشهوانية، فالهم والحزن متعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية، والعجز والكسل بالبدنية، والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عُضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية، فالأول: ماليٌ والثاني: جاهيٌ، والدعاء مشتمل على جميع ذلك".
(خ، د، ت، س) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن أنس، وقال في "المشكاة": "متفق عليه" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٦٩)، ومسلم (٢٧٠٦)، وأبو داود (١٥٤١)، والترمذي (٣٤٨٤)، والنسائي (٨/ ٢٧٤).
[ ٣ / ١٤٦٨ ]
(اللهم إني أعوذ بك من البخل) أي: المورث للحرص، المانع عن الخير، (وأعوذ بك من الجبن) أي: المانع عن الشجاعة الباعثة على قهر أعداء الدين، [والمانع] (^١) عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (وأعوذ بك أن أُرَدّ) بصيغة المجهول، أي: من أن أنقلب (إلى أرذل العُمُر) بضمتين، وبضم فسكون، وقد فسِّر بـ: الهرم، وعلل في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، ولا شك أنه حينئذٍ ليس له منفعة دينية ولا دنيوية، فالموت خيرٌ من [تلك] (^٢) الحياة.
وأما قول الحنفي: "إنه ليس بمخصوص بالهرم؛ لأنه شامل للعمر الذي فيه البلايا، مثل: كثرة العيال، مع قلة المال، وعدم الصبر والابتذال" = فليس في محله؛ فإنّه يرد عليه قوله: "أن أُرَدَّ".
مع أن المعنى الذي ذكره ليس يُستفاد من الكلام، لا لغةً ولا عرفًا، وكثرة العِيَال مع قلة المال هو من أوصاف الرجال، لكن مع الصبر والشكر في كل حال، وقد يؤخذ عدم الصبر من الجبن، أو من قوله: (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) لأنها بظاهره شاملة لكل بَليَّةٍ، ومحنةٍ حِسِّية أو معنويّة، كائنة فيها مانعة عن أمور العقبى.
وقال العسقلاني: "قد فسر عبد الملك بن عُمَيْر أحد رواة هذا الحديث فتنة الدنيا بـ: "فتنة الدجال"، كما وقع عند الإسماعيلي: "قال شعبة:
_________________
(١) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "والمانعة".
(٢) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: "ذلك".
[ ٣ / ١٤٦٩ ]
سألتُ عبد الملك بن عمير عن فتنة الدنيا، فقال: الدجال"، وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظمُ الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صَرِيحًا في حديث أبي أمامة، قال: "خطبنا رسول الله ﷺ … "، فذكر الحديث، فيه: "أنه لم يكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذُرية آدم أعظم من فتنة الدجال" (^١)، انتهى.
ولعل وجهه أن بقية فتن الدنيا أمر سهل بالنسبة إليها؛ فإنه يكلف الإنسان على الإيمان به، والكفر بربه، وإلا فالعذاب والعقاب، مع أن الوقت زمن القحط والبلاء وعنده -بحسب الظاهر- الوسع والعطاء، فكأنه ﵇ تعوذ منه وعلّم أمته الحذر، مع أنه لم يوجد إلا في آخر الزمان عند ظهور المهدي ونزول عيسى ﵇ إيماء إلى أن كل بلاء ديني أو دنيوي بالنسبة إلى فتنة الدجال أمره سهل، فيكون تسلية للأمة، وهذا من كمال الرحمة، وتمام الرأفة.
(وأعوذ بك من عذاب القبر) فإنه مُقَدّمة عذاب النار. (خ، ت، س) أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، عن سعد بن أبي وقاص.
(اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرَم) بفتحتين (وعذاب القبر، اللهم آت) أمر من الإيتاء، أي: أعط (نفسي تقواهما) أي: توفيقها بإلهامها والقيام بها، قال ميرك: "ينبغي أن يفسر التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/ ١٧٩).
[ ٣ / ١٤٧٠ ]
[الشمس: ٨]، وهي الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور والفواحش؛ لأن الحديث هو البيان للآية".
(وزكّها) أمر من التزكية، أي: طهرها من الذنوب ونقها من العُيُوب، (أنت خير من زكاها) فيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، وإشارة إلى أن ضمير الفاعل في "زكاها" إلى "مَنْ"؛ ليستقم "أنت خير من زكاها"، وأما إذا كان راجعًا إلى الله تعالى فيتعين أنه هو المزكي لا غير على ما هو في الحقيقة كذلك، وأن الإسناد إلى غيره مجازي.
(أنت وليّها) أي: المتصرف فيها ومُصْلحها ومربيها (ومولاها) أي: ناصرُها وعاصمُها، وقال الحنفي: "عطف تفسيري".
(اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) أي: علم لا أعمل به ولا أعلِّمه، ولا يهذب الأخلاق والأقوال والأفعال، أو علم لا يحتاج إليه في الدين، أو لا يَرِدُ في تعلمه إذنٌ شرعيّ، وسيأتي فيه زيادة بيان.
(وقلبٍ لا يخشع) أي: لا يطمئن بذكر الله، ولا يسكن بما قدّره وقضاه، وأمره ونهاه، (ومن نفسٍ لا تشبع) أي: بما آتاه الله، حيث لا تقنع ولا تفتر عن الجمع؛ لشدة ما فيها من الحرص، أو يراد بها النهمة وكثرة الأكل، والمبالغة في حُصُول الشهوة.
(ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها) الضمير عائد إلى الدعوة واللام زائدة، وفي "جامع الأصول": "دعوة لا يستجاب"، ذكره ميرك.
وفيه: أن الاستجابة قد تتعدى باللام، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾،
[ ٣ / ١٤٧١ ]
وقد تقدم الفرق بينها وبين الإجابة، وليس ما في "جامع الأصول" نصّ على المقصود، إذ يحتمل أن يكون من باب الحذف والإيصال، وكذا ما ورد هنا في "مصنف ابن أبي شيبة": "ودعاء لا يستجاب"، على أنه يجوز تقدير: "له" في هذا المقام، والله أعلم بالمرام.
(م، ت، س، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن زيد بن أرقم (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل، وسوء العُمُر) بضم الميم وسكونه، أي: أرذله، وهو: الهرم، وقال المصنف: "أي: عمر غير مرضي، لا يعمل فيه عمل صالح" (^٢)، انتهى.
وهو بضم السين ويجوز فتحها، ففي "الصحاح": "ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوءًا، بالفتح، نقيض: سَرَّهُ، والاسم: السُّوء بالضم، ومن فتح فهو من المَسَاءَةِ، وقد قُرئَ بهما: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] " (^٣)، والحاصل: أنه عمر يَسوء صاحبه ولا يفرح به طالبه في العُقبى.
(وفتنة الصدر) قال المصنف: "يعني ما يوسوس به الشيطان في قلبه، كما في الحديث: "من وساوس الصدر"" (^٤)، انتهى.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في (٢٩٧٣٤)، ومسلم (٢٧٢٢)، والنسائي (٨/ ٢٦٠)، والترمذي (٣٥٧٢).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٣) الصحاح (١/ ٥٥ - ٥٦) مادة (س وأ).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
[ ٣ / ١٤٧٢ ]
وقيل: "موت القلب وقساوته"، وقيل: "ما ينطوي عليه من غلّ وحسد وخُلق سيئ"، وقيل: "هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] "، وهي: الإنابة إلى دار الغرور التي هي سجن المؤمن، والتجافي عن دار الخلود، وهي: التي عرضها كعرض السماء والأرض، عكس حال من شرح الله صدره حيث يميل إلى دار العُقبى، ويزهد في دار الدنيا، ويستعد للموت قبل نزوله.
(وعذابِ القبر) أي: مما يوجبه. (د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن عمر ﵁ (^١).
(اللهم أعوذ) وفي نسخة: "إني أعوذ" (بعزتك) أي: بقوتك وقدرتك، وسلطانك وغلبتك، (لا إله إلا أنت، أن تضلني) بضم التاء، من الإضلال، وهو: متعلق بـ "أعوذ"، أي: من أن تضلني، وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العِزّ.
(أنت الحي لا تموت) ولفظ "المشكاة": "أنت الحي الذي لا يموت"، (والجن) أي: الشامل للملائكة، (والإنس) أي: وأتباعهم من الحيوانات والحشرات (يموتون. م، خ، س) أي رواه: مسلم، والبخاري، والنسائي، عن ابن عباس، واللفظ لمسلم؛ ولذا قُدِّمَ على البخاري.
(اللهم إنا نعوذ بك من جَهْد البلاء) قال المصنف: "بفتح الجيم،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٣٩)، والنسائي (٨/ ٢٥٥)، وابن ماجه (٣٨٤٤)، وابن حبان (١٠٢٤).
[ ٣ / ١٤٧٣ ]
ورُوي بضمها، وقد روي عن ابن عمر أنه فسره بـ: "قلة المال، وكثرة العِيال"، وقيل: "الحالة الشاقة"" (^١).
أقول: لا بد [لتفسير] (^٢) ابن عمر من قيد: عدم الصبر ووجود الجزع والفزع؛ لئلا يشكل بأكثر أحوال الأنبياء والأولياء، وكذا قوله: "الحالة الشاقة"، وإلا فأشد الناس بلاءً الأنبياء فالأمثل فالأمثل، فتأمل، وقيل: "هو ما يختار الموت عليها".
(ودَرَك الشقاء) بفتح الراء، وفي نسخة بسكونها، قال صاحب "السلاح": "الدرك -بفتح الراء-: اسم، وبالسكون: المصدر"، وفي "النهاية": "الدرك هو: اللحوق والوصول إلى الشيء، يقال: أدركته إدراكًا ودركًا"، انتهى.
والشقاء والشقاوة بالفتح نقيض السعادة على ما في "الصحاح"، وقال العسقلاني: "بمعجمة وقاف، وهو: الهلاك، وقد يطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك".
وقال المصنف: "المحفوظ فيه فتح الراء، وروي بإسكانها، يعني: أن يدركني شقاء وقد [يرد] (^٣)
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٢) هذا هو الأليق بالسياق، وفي (أ): "من تفسير"، وفي (ب) و(ج) و(د): "تفسير".
(٣) كذا في (ج)، وفي (أ): "يراد"، وفي (ب) و(د): "ير"، وفي "مفتاح الحصن الحصين": "يريد".
[ ٣ / ١٤٧٤ ]
[أيضا] (١) في أمور الآخرة" (^٢).
(وسوء القضاء) "يحتمل في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل، ويحتمل أن يكون في الخاتمة" (^٣)، انتهى، وقال بعضهم: "هو ما يسوء الإنسان، أو يوقعه في المكروه".
وقال ابن بطال: "المراد بالقضاء: المَقْضِيّ؛ لأن حكم الله كله حسن لا سوءَ فيه"، وقال غيره: "القضاء: الحكم بالكليّات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل"، وقيل بعكس ذلك كما بيَّنَّاهُ في "المرقاة شرح المشكاة".
(وشماتة الأعداء) قال المصنف: "هي فرح العدوّ ببليّة تنزل بعدوّه، من شَمِتَ بكسر الميم يشمت بفتحها" (^٤). (خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة، ورواه مسلم والنسائي أيضًا (^٥).
وقال بعض المحققين: "اعلم أنه يفهم من طرق هذا الحديث في "الصحيحين" أن المرفوع من الحديث ثلاثة جُمل من الجمل الأربع، والرابعة زادها سفيان بن عيينة -أحد رواة هذا الحديث- من قبل نفسه، لكن لم يبين فيها أنها ما هي، وقد بين الإسماعيلي في روايته نقلًا عن سفيان
_________________
(١) = (١) من (أ) و(ج) و"مفتاح الحصن الحصين".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٥) أخرجه البخاري (٢٦٣٤٧، ٦٦١٦)، ومسلم (٢٧٠٧).
[ ٣ / ١٤٧٥ ]
أن الجملة التي زادها سفيان من قِبَله هي جملة: "شماتة الأعداء"".
أقول: جلالة سفيان تمنعه أن يزيد من قبل نفسه ما يدرج في لفظ النبوة، بل إنما هي زيادة روايته على سائر الرواة، وزيادة الثقة مقبولة، وسيأتي إثبات هذه الجملة في حديث آخر من غير طُرق الصحيحين، والله أعلم.
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل) معنى استعاذته "من شر ما لم أعمل" مخرج على وجهين:
أحدهما: أن يبتلى به في مستقبل الزمان.
والثاني: أن يتداخله العُجْب في ذلك، ذكره التوربشتي.
وفصَّلَه الأشرف، فقال: "استعاذ من أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله؛ فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون"، وقيل: "أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأل أن يرى ذلك من فضل الله تعالى"، نقله ميرك.
(م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة ﵂ (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما [عملت]) (^٢) أي: من المعاصي، أو: من الطاعة المترتب عليها الغُرور والعُجب. (ومن شر ما لم [أعمل]) (^٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧١٦) وأبو داود (١٥٥٠)، والنسائي (٣/ ٥٦)، وابن ماجه (٣٨٣٩)، وابن حبان (١٠٣١).
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(م): "عَلِمْتُ".
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(م): "أعلم".
[ ٣ / ١٤٧٦ ]
أي: من العبادات المفروضة عليَّ.
(س، مص) أي رواه: النسائي، وابن أبي شيبة، عن عائشة أيضًا ﵂ (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي: الدينية، أو الدنيوية النافعة في الأمور الأخروية، (وتحوُّل عافيتك) بتشديد الواو المضمومة، أي: تبدل ما رزقتني من العافية إلى البلاء.
وفي رواية أبي داود: "وتحويل"، مصدر باب التفعيل للتعدي والتفعل لمطاوعه، لكن الثاني أوفق، وبمقابله الزوال أحق.
فإن قلتَ: ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلتُ: الزوال يقال في شيء كان ثابتًا في شيءٍ ثم فارقه، والتحوّل تغير الشيء وانفصاله عن غيره، فمعنى زوال النعمة ذَهابُها من غير بدل، وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض.
وقال المصنف: ""تحوُّل" بضم الواو مشددة، يعني: تحولها وانتقالها" (^٢)، (وفُجاءة نقمتك) "بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة، من فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وروي بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مَدّ" (^٣)، انتهى.
و"النقمة": بكسر فسكون، وفي نسخة بفتح فكسر، ككلمة وكلم، وخصّ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩١٢٥) وفي "الكبرى" (٧٩٦٧) و(٧٩٦٨).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
[ ٣ / ١٤٧٧ ]
فجاءة النقمة بالذكر؛ لأنها أشد من أن تُصيب تدريجًا، كما ذكره المظهر. و"النقمة": العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: يعاقبه، على ما ذكره الجوهري.
ثم قوله: (وجميع سخطك) أي: جميع أسباب غضبك، إجمالٌ بعد تفصيل، وتعميم بعد تخصيص. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عمر، وكذا الترمذي على ما في "الجامع" (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي) بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغيبة، وسائر أسباب العصيان، أو بأن لا أسمع كلمة الحق، وأن لا أقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ومن شر بصري) بأن أنظر إلى (^٢) محرم، أو أرى إلى أحدٍ بعين الاحتقار، أي: لا أتفكر في خلق السماء والأرض بنظر الفكر والاعتبار.
(ومن شر لساني) بأن أتكلم فيما لا يعنيني، أو أسكت عما لا يغنيني، (ومن شر قلبي) باشتغاله بغير أمر ربي، (ومن شر مَنِيّى) بأن أوقعه في غير محله، أو يوقعني في مقدمات الزنا؛ من النظر واللمس والمشي والعزم وأمثال ذلك.
قال في "سلاح المؤمن": "أراد به فَرْجَه، ووقع في رواية أبي داود:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٣٩) وأبو داود (١٥٤٥) والنسائي في الكبرى (٧٩٥٥).
(٢) بعدها في (أ) و(ب) و(ج) و(د): "غير"، وضرب عليها في (د)، والصواب حذفها ليستقيم المعنى.
[ ٣ / ١٤٧٨ ]
"يعني: فرجه"، وقال بعض العلماء: "المني: جمع المنية، وهي طول الأمل"، وقال المصنف: "المني: ماء الرجل، يريد: وضعه فيما لا يحل" (^١)، انتهى.
وفيه: أن الأولى من حيث المعنى أن لا يخص المني بماء الرجل، على ما في "المهذب"؛ لأن هذا الدعاء شامل أيضًا للنساء، وأيضًا شرّه ليس منحصرًا فيما ذكره، بل يعمّ مقدّماته أيضًا، على ما قدمناه.
(ت، د، س، مس) أي رواه: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، عن شكل بن حميد (^٢).
(اللهم أعوذ) وفي نسخة: "إني أعوذ" (بك من الفقر) يحتمل أن يراد به: فقر النفس، أعني: الشره الذي يقابل غِنى النفس، الذي هو: قناعتها، يعني: من نفس حريص على جمع المال، ممتنع عن تحصيل الكمال، أو يراد: قلة المال، فالمراد: الاستعاذة من الفتن المتفرّعة عليها، كالجزع بقلة الصبر، وعدم الرضا بالقضاء.
(والفاقة) أي: شدة الحاجة إلى الخلق، (والذلة) أي: بأن يكون ذليلًا حتى يحقره الناس، قال بعض العلماء: "والمراد بهذه الأدعية تعليم
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٥١)، والترمذي (٣٤٩٢) وقال: حسن غريب. والنسائي (٨/ ٢٥٥). والحاكم (١/ ٥٣٢) وقال: صحيح الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٩٢).
[ ٣ / ١٤٧٩ ]
الأمة"، انتهى.
وأما ما ورد من أن: "المؤمن لا يخلو من علةٍ أو قلة أو ذلة"، فالمراد بالعلة: المرض، وبالقلة: قدر القوت والكفاية من المال؛ حيث لا يقدر على الطاعات المالية، والإنفاق في سبيل الله، وطريق مرضاة مولاه، وبالذلة: عدم الجاه والاعتبار عند عامة الناس.
(وأعوذ بك من أن أَظْلِمَ) بصيغة [المعلوم] (^١)، أي: أحدًا، (أو أُظْلَم) بصيغة المجهول، أي: من أحد، و"أو" للتنويع، وقال الحنفي: "بمعنى الواو". (د، س، ق، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن أبي هريرة (^٢).
(اللهم إني أعوذ بك من الهدم) بفتح فسكون، وفي نسخة بفتحتين، قيل: وروي بالفتح، وهو اسم ما انهدم، وفي "القاموس": "الهَدَم بالتحريك: ما يهدم من جوانب البئر فسقط فيها".
(وأعوذ بك من التردي) أي: السقوط من موضعٍ عالٍ، أو: الوقوع في نحو بئرٍ، قال المصنف: "الهدْمُ -بإسكان الدال-: هدم البيت وغيره، يعني: الموت بالهدم. والتردّي -بفتح التاء والراء وتشديد الدال مكسورة-: من تردَّى يتردى، إذا سقط أو تهور من جبل" (^٣).
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "الفاعل".
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٤٤)، والنسائي (٨/ ٢٦١)، وابن ماجه (٣٨٤٢)، والحاكم (١/ ٧٢٥) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ١٩/ ب، ٢٠/ أ).
[ ٣ / ١٤٨٠ ]
(وأعوذ بك من الغَرَق) بفتحهما مصدر: غَرِق في الماء، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]، (والحرق) بالتحريك أيضًا: مصدر حرق في النار، وقد يُطلق على النار، أو لهبها على ما في "القاموس"، وفي "النهاية": "وإنما يُقالُ: الحرق بالنار والحرق معًا".
وإنما استعاذ من الهلاك بهذه الأشياء -مع ما فيه [من نيل] (^١) الشهادة- لأنها مجهدة مقلقة، لا يكاد الإنسان يصبر عليها ويثبت عندها، فلعل الشيطان ينتهز فرصةً منه فيحمله على ما يخله ويضره بدينه؛ ولأنه يُعدّ فُجْأة، وهي: "أخذة أسف"، على ما ورد في الحديث.
وقيل: [لعله] (^٢) ﵊ استعاذ منها؛ لأنها في الظاهر أمراض ومصائب ومحن وبلايا، كالأمراض السابقة المستعاذة منها، وأما ترتيب الشهادة عليها.
فالبناء على: أن الله تعالى يثيب المؤمن على المصائب كلّها حتى الشوكة يُشاكها، لكن مع هذا فالعافية أوسع، مع أن ظاهر هذه المذكورات مشعرة بالغضب صورة.
(والهرم) تقدم. (وأعوذ بك أن) ولفظ "المشكاة": "من أن" (يتخبَّطني الشيطان) بتشديد الموحدة، أي: يجعلني مُخَبَّطا مغلوبًا، أو مجنونًا، أو معتوهًا، أو ضالًّا، (عند الموت) وقال الطيبي: "هو: أن يضرب البعير
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "لنيل".
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "لأنه".
[ ٣ / ١٤٨١ ]
الشيء تحت يده فيسقطه".
وقال المصنف: "أي: يلعب بي، وَيفْتِنُني ويغلبني، وأصله من الصَّرْعِ" (^١)، انتهى. وقال الحنفي: "الأولى أن يقال: أصله من الخبط، بمعنى الصَّرْع".
قلت: كلاهما لا يظهر له وجه، ففي "القاموس": "خبطه يخبطه: ضربه شديدًا، وكذا البعير بيده الأرض، كتخبط: وطئه شديدًا، والشيطانُ فلانًا: مسه بأذًى، كتخبطه"، انتهى.
نعم قد يتولد الصَّرْع من مسه كما يُسْتفاد من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
(وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدبِرًا) أي: فارًّا من الزحف، أو تاركًا للطاعة، أو مرتكبًا للمعصية، أو رجوعًا إلى الدنيا بعد الإقبال على العقبى، واختيار الغفلة والهوى إلى السوى [عن] (^٢) حضور المولى.
قيل: "هذا وأمثال ذلك تعليمٌ للأمة، وإلا فرسول الله ﷺ لا يجوز عليه الخبط والفرار من الزحف ونحوهما"، والأظهر: أن هذا كله تحدث بنعمة الله، وطلب الثبات عليها، والتلذذ بذكرها المتضمن لشكرها، الموجب لمزيد النعم، المقتضي لإزالة النقم.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "عند".
[ ٣ / ١٤٨٢ ]
(وأعوذ بك أن أموت) أي: من أن أموت (لَدِيغًا) "أي: ملدوغًا، فعيل بمعنى مفعول، من لدغته العقرب تلدغه، فهو ملدوغ، إذا ضربته بسمها" (^١)، ذكره المصنف.
وفي "القاموس": "لدغته العقرب والحية"، فهو مستعمل في ذوات السموم من العقرب والحية وغيرهما، والاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب اللدغ، فيكون من قبيل الفجأة، وإلا فصحَّ أنه ﷺ مات شهيدًا من أثر الأكل من الشاة المسمومة لليهودية، وكذا موت الصديق الأكبر من أثر لسع الحية في الغار.
(د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن أبي اليسر، كذا في أكثر النسخ، وهو الموافق لما في "المشكاة"، وفي نسخة: "كلهم عن أُبي بن كعب بن عمرو الأنصاري"، ونسب إلى ميرك، والله أعلم (^٢).
(اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق) وهي: الأحوال الباطنة، (والأعمال) أي: الأفعال الظاهرة، (والأهواء) وهي: "جمع الهوى، مصدر هواه، إذا أحبه، ثم سُمي بالهوى المشتهى، محمودًا كان أو مذمومًا، ثم غلب على غير المحمود"، كذا في "المغرب".
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٥٢)، والنسائي (٨/ ٢٨٣) وإسناده ضعيف لاضطرابه، فقد اختلف فيه على عبد الله بن سعيد بن أبي هند. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢٠٨٥). وأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٧)، والحاكم (١/ ٥٣١)، وقال: صحيح الإسناد.
[ ٣ / ١٤٨٣ ]
قال الطيبي: "الإضافة في القرينتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، وفي الثالثة: بيانية؛ لأن الأهواء كلّها منكرة"، انتهى.
وهو مبني على غلبة العُرف، ويمكن أن يبنى على أصل المعنى اللغوي، بمعنى المشتهيات النفسية، فحينئذٍ [يكون مشتملًا] (^١) على المنكرات والمعروفات؛ إذ قد يُوَافِق الهوى الهدى؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
والأنسب أن تكون القرائن على طبقٍ واحدٍ، وأغرب الحنفي حيث قال: "أي: الأخلاق المنكرة، فهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، ويجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها، بأن تكون الأخلاق منقسمة إلى قسمين: منكرة، وغير منكرة، وإنما العوذ من منكراتها"، انتهى. وغرابته لا تخفى على ذوي النهى. (ت، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم؛ كلُّهم عن قطبة بن مالك (^٢).
(والأدواء) جمع: داء، والتقدير: ومن منكرات الأدواء، (ت) أي: رواه الترمذي، [هذه] (^٣) الزيادة عنه أيضًا، قال ميرك: "اعلم أنه يفهم من كلام "صاحب السلاح" أن زيادة "والأدواء" في "المستدرك" للحاكم، لا في
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "تكون مشتملة".
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٩١) وقال: حسن غريب والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٦) والحاكم (١/ ٥٣٢). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٩٨).
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "وهذه".
[ ٣ / ١٤٨٤ ]
الترمذي؛ حيث قال بعد قوله "والأهواء": "رواه الترمذي، والحاكم، وابن حبان في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وزاد في آخره: "والأدواء"، وفي بعض الروايات: "والأرواء"، وهذا لفظ الترمذي"، فتأمل فيه، والله أعلم".
قلت: يمكن الجمع بأن كلًّا منهما روى زيادة "الأدواء"، كما يدل عليه لفظ "الجامع": "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. رواه: الترمذي، والطبراني، والحاكم، عن عَم زياد بن علاقة".
(اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ، ونعوذ بك من شرِّ ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ، وأنت المستعان) أي: المطلوب منك المعونة، (وعليك البلاغ) قال المصنف: "أي: الكفاية، ويحتمل أن يراد به ما يبلغ إلى المطلوب من خير الدنيا والآخرة"" (^١).
(ولا حول ولا قوة إلا بالله. ت) أي: رواه الترمذي عن أبي أمامة، قال: "دعا رسول الله ﷺ بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئًا، قال: ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كلّه، تقولون: اللهم إنا نسألك … " إلى آخره. رواه الترمذي، وقال: "حسن غريب"، ذكره ميرك شاه (^٢).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٢١) وقال: حسن غريب.
[ ٣ / ١٤٨٥ ]
(اللهم إني أعوذ بك من جار السُّوء) بضم أوله، وفي نسخة بالفتح، أي: من جارٍ غير صالحٍ، أو من الجار المؤذي المسيء، (في دار الْمُقامة) بضم الميم، مصدر ميمي بمعنى الإقامة.
قال المصنف: "يجوز فيه ضم السين وفتحها، والضم أحسن، وهو الاسم من: ساءه يسوءه، كما في الحديث: "نعيذه من يوم السوء، وساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء". "في دار المقامة" أي: الإقامة" (^١).
(فإنّ جارَ البادية) أي: الجار الواقع في البدو وحال السفر (يتحوّل) أي: من مكان إلى مكان، إيماءً إلى أنه سريع الزوال سهل التحمل عنه في الأثقال، فجار الإقامة أحق بالاستعاذة من جار البادية؛ لأنه في مقام التحول والانتقال، ولا يبعد أن يكون إشارة بالجار السوء إلى النفس التي هي أعدى الأعداء بين جنبي الآدمي، أو الشيطان المسلط الذي يجري مجرى الدم في أعضاء الإنسان. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة.
(أعوذ بالله من الكفر) أي: الشرك، أو الكفران، أو ستر الحق، أو الفقر الذي كاد أن يكون كفرًا، وهو المناسب لأن يكون قرينةً لقوله: (والدَّيْن) بالفتح؛ لكونه "شينُ الدِّين" بالكسر على ما ورد.
ولعل اقترانهما لأن الكفر هو عبادة المخلوق، والدَّين يورث المذلة عند الخلق فيكون خائفًا عنه، وراجيًا منه، فيقتضي نوعًا من الشرك، أو جمع
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
[ ٣ / ١٤٨٦ ]
بينهما نظرًا إلى حق الله وحق العبد؛ فإن الصّالح من يكون قائمًا بهما.
قال ميرك: "ساوى بين الدين والكفر، لأن الدائن شبيه بالمنافقين؛ لأنه "إذا غرم حدَّث فكذب، وإذا وعد أخلف"، كما ورد في الحديث، فالفقير الدائن أسوء حالًا من المنافق".
(س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي سعيد الخدري.
(اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين) أي: كثرته، فإنَّ قائله لا بد عند حاجته، (وغلبة العَدُوُّ) أي: من الكفار، أو من: الظلمة، والفسقة، [و] (^١) المبتدعة، وفي رواية ابن حبان: "وغلبة العباد"، أي: تسلطهم، فهو يرجع إلى المعنى الأول.
(وشماتة الأعداء. مس، حب) رواه: الحاكم، وابن حبان، عن عبد الله بن عَمْرو بالواو، وفي نسخة بلا واو، وفي "سلاح المؤمن": "عن عبد الله بن عَمْرو: أن رسول الله ﷺ كان يدعُوا بهذه الكلمات: اللهُمَّ إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدوّ، وشماتة الأعداء. رواه الحاكم على شرط مسلم، ورواه ابن حبان، ولفظه: "وغلبة العباد"".
(اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع) أي: علم لا أعمل به ولا أعلِّمه، أو علم لا يحتاج إليه في الدين، أو علم ليس فيه إذن شرعيّ، أو علم لا يهذب أخلاقه الباطنة، فيسري في الأعمال الظاهرة في العاجل ويعود إلى
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "أو".
[ ٣ / ١٤٨٧ ]
الثواب الآجل.
وقال بعض المحققين: العلم لا يذم لذاته، بل لأسباب ثلاثة:
١ - إما لكونه وسيلة إلى إيصال الضرر والشر، كعلم السحر والطلسمات؛ فإنهما لا يَصْلُحان إلا للإضرار.
٢ - وإما لكونه مضرًا بصاحبه في ظاهر الأمر، كعلم النجوم، وأقل مضاره أنه شروع فيما لا يعني، وتضييع العمر.
٣ - وإما لكونه دقيقا، لا يستقل به الخائض فيه، كالبحث عن الأسرار الإلهية.
وقال بعضهم: "قد استعاذ ﷺ من نوع من العلوم، كما استعاذ من الشرك والنفاق ومساوئ الأخلاق، وهو العلم الذي لم يقترن به التقوى؛ فإنه باب من أبواب الدنيا وأرباب الهوى".
(وقلبٍ لا يخشع، ودعاءٍ لا يُسْمَع، ونفسٍ لا تشبع) قال بعض العلماء: اعلم أن في كلٍّ من القرائن الأربع ما يُشْعِرُ بأن وُجُودَهُ مَبْنيٌّ على غَايَتَهُ، وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافًا بل يكون وبالًا؛ ولذلك استعاذ منه، وإن القلب إنما خلق لأن يتخشع للربّ، [وينشرح] (^١) لذلك الصدر، ويقذف فيه النور، فإذا لم يكن كذلك كان قاسيًا فيجب أن يُسْتعاذ منه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
وإن النفس يعتد بها إذا تجافت عن دار الغُرور، وأنابت إلى دار
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "ويشرح".
[ ٣ / ١٤٨٨ ]
الخلود، فهي إذا كانت منهومة لا تشبع وحريصةً على الدنيا، كانت أعدى عدوّ المرء، فأولى الشيء يُستعاذ منه هي، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله، ولم يخشع قلبُه، ولم تشبع نفسه، والله الهادي إلى صراطٍ مستقيمٍ.
(مس، مص) أي: رواه الحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلاهما عن ابن مسعود، وابن أبي شيبة عن أبي هريرة أيضًا.
(ومن الجوع) أي: المفرط المانع من الحضور، وإليه أشار صاحب البُرْدَة:
فَرُبَّ لمحمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التّخَمِ
(فإنه بئسَ الضجيع) أي: المضاجع، وهو: الذي ينام معك في فراشٍ واحد، أي: بئس الصاحب؛ لأنه يمنع استراحة البدن، وراحة القلب؛ فإنَّ الجوع يُضعف القُوى ويكثر أفكارًا ردية، وخيالاتٍ فاسدةٍ، فيخل بوظائف العبادات، ومن ثمة حرم صوم الوصال.
(مس، مص) أي: رواه الحاكم، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود، وهو من تتمة الحديث السابق، فلا وجه لتكرار الرمز، بل كان ينبغي أن يكتفى بالرمز هَا هُنا ليتبين أن رواية ابن أبي شيبة انتهت في هذا الدعاء (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٩٣) والحاكم (١/ ٥٣٤) وقال: صحيح الإسناد. وقال العراقي (١/ ٢٧٩): وليس كما قال، إلا أنه ورد مفرقًا في أحاديث جيدة الأسانيد. وقال الذهبي: حميد متروك أهـ. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٠١) والسلسلة الضعيفة (٢٩٠٨).
[ ٣ / ١٤٨٩ ]
(ومن الخيانة) أي: في أمانة الخلق والخالق، (فبئست البطانة) أي: الخصلة الباطنة، وقال المصنف: "بكسر الباء: خاصّةُ الرجل، ويحتمل أن يراد خلاف الظهارة، وخلاف ما يظهره، فاستعاذته ﵇ من هذه الأشياء لتكمل صفاته في كل أحواله، وتعليمًا لأمته وإرشادًا؛ ليقتدوا فيحصل لهم خير الدنيا والآخرة" (^١)، انتهى.
والأظهر أن المراد بالاستعاذة هي طلب الثبات، والاستقامة على صفات الكمال في كل حالٍ، وللإعلام بأن هذه أوصافٌ ذميمةٌ، فمن وجدت فيه يعالج في إزالتها، ومن فقدت فيه يحمد الله على ذلك، ويطلب ثباتها.
(ومن الكسل) أي: [في] (^٢) العبادة البدنية، (والبخل) أي: في الطاعة المالية، (والجبن) أي: [في] (^٣) الجهاد الأصغر والأكبر، (ومن الهرم) أي: ومن طول العمر في صرف المعصية، كما قال في موضع: "وسوء العمر" أو من ضعف الكبر المانع عن القيام بالعبادة.
(ومن أن أُرَدَّ إلى أرذل العُمُر) أي: الذي لا يعلم شيئًا من العلوم النافعة، (ومن فتنة الدجال) وهي كل فتنة تؤدي إلى الكفر والضلال، (وعذاب القبر) أي: مما يؤدي إلى عقاب البرزخ، (وفتنة المحيا والممات) تعميم وتتميم.
(اللهم إنا نسألك عزائم مغفرتك) أي: موجبات غفرانك، قال
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "عن".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "عن".
[ ٣ / ١٤٩٠ ]
المصنف: "جمع عزيمة، وهي ما عزم الله على العباد أن [يعطوه] (^١) ليغفر لهم" (^٢)، انتهى. وهو كذا في النسخ بلفظ: "أن [يعطوه] (^٣) " والظاهر أنه سَهْو، وأن الصواب: أن يطيعوه.
(ومنجيات أمرك) "أي: ما فيه [نجاة من] (^٤) أمرك" (^٥)، قاله المصنف. والأظهر أن يقال: أي: مخلصات عُهْدة أمرك، (والسلامة من كل إثم) أي: معصية (والغنيمة من كل بر) أي: طاعة (والفوز) أي: الظفر (بالجنة، والنجاة) أي: الخلاص (من النار. مس) أي: رواه الحاكم عن ابن مسعود (^٦).
(اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) أي: في الدنيا والعُقبى (وأعوذ بك من علمٍ لا ينفع) أي: فيهما. (حب) أي: رواه ابن حبان عن جابر (^٧).
(اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع) وهو أن لا يكون لله، (وعملٍ لا يرفع) أي: لبُطْلانه أو لعدم إخلاصه، (وقلبٍ لا يخشع) أي: لذكره،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د) وفي (ب) "يعصوه" وفي "مفتاح الحصن الحصين" "يفعلوه".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٣) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "يعصوه".
(٤) من "مفتاح الحصن الحصين " فقط.
(٥) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٦) أخرجه الحاكم (١/ ٥٢٥) وقال: صحيح على شرط مسلم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٨٤) والسلسلة الضعيفة (٢٩٠٨).
(٧) أخرجه ابن حبان (٨٢) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٨١ - ١٨٢)، بلفظ المؤلف هنا، ونسبه إلى الطبراني في "الأوسط" وقال: إسناده حسن.
[ ٣ / ١٤٩١ ]
(وقولٍ لا يسمع) أي: كلامٍ لا يقبل أو دعاء لا يُسْتجاب. (حب، مس، مص) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن أنس (^١).
(نعوذ بالله من عذاب النار، نعوذ بالله من الفتن) أي: الدنيوية والأخروية، (ما ظهر منها وما بطن) أي: ما يتعلق بالأمر الظاهر أو الباطن، أو ما ظهر الآن، وما سيظهر في مستقبل الزمان، وفي بعض النسخ: "من [فتنة] (^٢) ماظهر منها وما بطن".
(نعوذ بالله من فتنة الدجال) أي: فإن غير فتنته سهلٌ في كل حالٍ، فهو تخصيص بعد تعميم للاهتمام به. (عو) أي: رواه أبو عوانة عن زيد بن ثابت (^٣).
(اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا) أي: بالارتداد وعدم العلم كما كنا أول خلقتنا، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، (أو نفتن) بصيغة المجهول أي: نضل بالابتداع، أو بمخالفة الاتباع، (عن ديننا) فـ "أو" للتنويع، لا للشك كما توهم الحنفي، بل من قبيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وقيل: "أشار بذلك إلى أن الرجوع على العقب كناية عن مخالفة الأمر الذي تكون الفتنة سببه"، انتهى.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٨)، وأحمد (٣/ ١٩٢)، وابن حبان (٨٣)، والحاكم (١/ ١٨٥)، والضياء (٦/ ٣٤٦، رقم ٢٣٧٣). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٩٠).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "فتنته".
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٧).
[ ٣ / ١٤٩٢ ]
وخلاصته: أنه استعاذ [بالارتداد] (^١)، وبما يكون سببه من فتنة العباد.
(مو خ م) رواه البخاري ومسلم موقوفًا من كلام ابن أبي مليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بالتصغير، أدرك ثلاثين من الصحابة، وهو ثقة فقيه، مات سنة سبع عشرة ومئة، ذكره ميرك، وفي بعض النسخ هنا تقديم وتأخير بين الدعاءين السابقين (^٢).
(اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع) أي لا لي ولا لغيري (ومن قلبٍ لا يخشع) أي عند ذكر ربي، (ومن نفسٍ لا تشبع) أي: من الدنيا أو من شهواتها، (ومن دعاء لا يُسمع) أي لا يستجاب، (اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع) أي جميعها، وهو تأكيد وتأييد، وبمنزلة فذلكة. (مص، طس) أي رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر (^٣)، والطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس (^٤).
(اللهم اغفر لي ذنوبي) أي: كلّها (وخطئي) أي: ذنبي الواقع خطأ، أو الصغائر، (وعَمْدِي) أي: ذنبي المتعمّد أو الكبائر، فالعطف تفصيلي. (طس) رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس (^٥).
(اللهم إني أعوذ بك من دعاءٍ لا يُسْمَع) أي: مما يوجب رد الدعاء،
_________________
(١) أي: من الرجوع بالارتداد، كما فسره من قريب.
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٩٣) و"مسلم" (٦٠٣٧).
(٣) رواية ابن عمرو: أخرجها الترمذي (٣٤٨٢)، والنسائي في الكبرى (٧٨٦٩).
(٤) رواية ابن عباس أخرجها الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٥٢) رقم (١١٠٢٠).
(٥) لم أقف عليه من رواية ابن عباس وقد ورد عند الطبراني في الأوسط من رواية أنس (٦٦٢)، وأبي بن كعب (٧١١٠).
[ ٣ / ١٤٩٣ ]
(وقلبٍ لا يخشع) أي: مما يورث عدم خشوعه، (ونفس لا تشبع) أي: من الحرص المقتضي ذلك. (ط) رواه الطبراني عن جرير (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من الكسل) أي: الضعف عن العبادة، (والهرم) أي: العجز عن العبادة، (وفتنة الصدر) أي: الباعثة على الشك والوسوسة، (وعذاب القبر). (ط) رواه الطبراني عن ابن عباس (^٢).
(اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء) بضم السين ويفتح، أي: من يوم يقع فيه ما يسوء من أمر الدين أو الدنيا، (ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء) وهي ساعة الغفلة عن الطاعة، (ومن صاحب السوء) أي: الذي يدل على السوء، (ومن جار السوء) أي: المسيء، (في دار المقامة) أي: مكان الإقامة على وجه الإدامة. (ط) رواه الطبراني عن عقبة بن عامر (^٣).
(اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون) وهو [في "أصل الجلال"] (^٤)، كما في "الأذكار" ومعناه: زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٣٠٥) رقم (٢٢٧٠) وقال الهيثمي (١٠/ ١٤٣): رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه الطبراني (١٢/ ١٠٨) رقم (١٢٦١٤). قال الهيثمي (١٠/ ١٤٣): فيه قابوس بن أبي ظبيان، وقد وثق، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه الطبراني (١٧/ ٢٩٤) رقم (٨١٠). قال الهيثمي (١٠/ ١٤٤): رجاله رجال الصحيح غير بشر بن ثابت، وهو ثقة. وأخرجه أيضًا: الديلمي (١٨٧٣). وحسنه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٩٩)، وصححه في الصحيحة (١٤٤٣).
(٤) كذا في، (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "أصل في "جلال".
[ ٣ / ١٤٩٤ ]
والعملية، وفي "المشكاة" وقع: (والجذام) كما في نسخة هنا، وسبق مبناه ومعناه، (وسيئ الأسقام) أي: سائر الأسقام السيئة. (د، س، مص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن أنس (^١).
(اللهم إني أعوذ بك من الشقاق) "بكسر الشين، الخلاف والعداوة" (^٢)، ذكره المصنف، (والنفاق) وهو مخالفة الظاهر للباطن دينًا وديانة، (وسوءِ الأخلاق) أي: وباقي الأخلاق السيئة، فهو من عطف العام على الخاص، للتنبيه على أن الشقاق والنفاق أعظمها ضررًا، لأنه يسري ضررهما إلى الغير. (د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة (^٣).
(اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة). (د) رواه أبو داود عنه أيضًا (^٤).
(اللهم إني أعوذ بك من الأربع) اللام للعهد، بَيَّنَهُ بقوله: (من علم لا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٩٢)، وأبو داود (١٥٥٤)، والنسائي (٨/ ٢٧٠)، وابن حبان (١٠١٧)، والحاكم (١/ ٧١٢) والضياء (٢٣٦٣). وأخرجه أيضًا: أبو يعلى (٢٨٩٧)، والطبراني في الصغير (٣١٦). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٨١).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٤٦)، والنسائي (٨/ ٢٦٤). ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (١١٩٨)، وضعيف أبي داود (٣٣٢).
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٤٧)، والنسائي (٨/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٣٥٤) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٨٣).
[ ٣ / ١٤٩٥ ]
ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ودعاءٍ) وفي نسخة: "ومن دعاء" (لا يُسمع). (د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا (^١).
(اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة) أي: [في] (^٢) كل حال حسنة، (وفي الآخرة حسنة) أي: كل مرتبة مستحسنة، (وقنا عذاب النار) قال المصنف: "كان أكثر دعائه ﵇ لما جمعته من خيرات الدنيا والآخرة"، وقال النووي: "أظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها الصحة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة" (^٣)، انتهى.
وعندي أن أجمعها أن يراد بالحسنة عمومها في كلٍّ منهما وتنكيرها، مثل: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ للشمولى، وأعلاها أن يقال: حسنة الدنيا متابعة الأولى، وحسنة العُقبى الرفيق الأعلى، وعذاب النار حجاب المولى.
(خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أنس قال: "كان أكثر دعائه ﵇: [ربنا] (^٤) آتنا في الدنيا حسنة … " الحديث، كذا في "المشكاة"، وقال: "متفق عليه" (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٥٤٨)، والنسائي (٨/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٨٣٧)، والترمذي (٣٤٨٢).
(٢) من (أ) فقط.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٤) من (أ) فقط.
(٥) أخرجه البخاري (٦٣٨٩)، ومسلم (٢٦٩٠)، وأبو داود (١٥١٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٤).
[ ٣ / ١٤٩٦ ]
(اللهم اغفر لي خطيئتي) أي: ذنبي ويجوز تسهيل الهمزة فيقال: خطيَّتي [بالتشديد] (^١)، (وجهلي) أي: ما صدر مني من أجل جهلي، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال البغوي: "أجمع السلف على أن من عصى الله فهو جاهل".
(وإسرافي) أي: مجاوزتي عن الحد (في أمري) يحتمل تعلّقه بما قبله، وبجميع ما تقدمه، (وما أنت أعلم به مني) أي: من المعاصي والسيئات والتقصيرات في الطاعات وهو تعميم وتتميم. (خ، م، مص) أي رواه: البخاري، ومسلم، وابن أبي شيبة، عن أبي موسى الأشعري (^٢).
(اللهم اغفر لي جَدّي وهَزْلي) كذا في "أصل الجلال"، وهو مطابق لما في "المشكاة" وأكثر النسخ، وفي "الأصيل": "هزلي وجدي"، وهو أوفق لمراعاة الفواصل.
(وخطئي، وعمدي) الخطأ: نقيض الصواب، وقد يمدّ، والخطأ الذنب على ما في "الصحاح"، وقال ميرك: "كذا وقع في نسخ "الحصن" بلفظ ضد العمد"، لكن وقع عند أكثر رواة البخاري: "وخطاياي"، قال العسقلاني: "وقع في رواية الكشميهني: "خطئي"، وكذا أخرج البخاري في "أدب المفرد" بالسند الذي في الصحيح، وهو المناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على الأول.
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "بتشديد الياء".
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٠٤)، ومسلم (٢٧١٩) وابن أبي شيبة (٣٠٠٠٥).
[ ٣ / ١٤٩٧ ]
والخطايا جمع خطيئة، وعطف العَمْد عليها من عطف الخاص على العام؛ فإن الخطيّة أعم من أن يكون عمدًا أو خطأً، أو من عطف أحد العامين على الآخر"، انتهى.
والمعنى أنه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصفين، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ [النمل: ١].
(وكل ذلك) أي: وكل ما ذكر من الأمور (عندي) أي: موجود أو ممكن، وهو كالتذييل للسابق، قال النووي: "أي: أنا متصف بهذه الأشياء فاغفرها لي، [قاله] (^١) تواضعًا وهضمًا لنفسه، وعن علي كرم الله وجهه: "عد فوات الكمال وترك الأولى ذنوبًا"، وقيل: "أراد ما كان قبل النبوة"، وقيل: "تعليمًا لأمته ﷺ".
قلتُ: وما ذكره عليّ هو الأعلى، وبالاعتبار أولى؛ فإن حسنات الأبرار الطالبين سيئات الأحرار المقربين. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن عائشة (^٢).
(أنت المقدم، وأنت المؤخر) أي: تقدم من تشاء بتوفيقك إلى رحمتك، وتؤخر من تشاء عن ذلك، (وأنت على كل شيء قدير. خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم (^٣)، عنها أيضًا، والظاهر أن هذه الزيادة من تتمة
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "قالها".
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩).
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٩٩) ومسلم (٢٧١٩).
[ ٣ / ١٤٩٨ ]
الحديث السابق؛ فلا وجه لتكرار الرموز، اللهم إلا أن يقال: هذه الزيادة في رواية دون الأخرى.
(اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي موسى (^١)، وهو في "المشكاة" متفق عليه وتقدم أيضًا.
(اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) سبق مُستوفًى مبنًى ومعنًى. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم؛ كلاهما عن عائشة (^٢).
(اللهم مصرف القلوب) بتشديد الراء المكسورة، أي: محولها ومقلبها، (صرف قلوبنا على طاعتك) أي: احملها على عبادتك، واجعلها مائلة إلى طاعتك، وأول الحديث: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ثم قال: اللهم مصرف القلوب … " إلى آخره. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (^٣).
(اللهم اهدني) أي: إلى مصالح أمري، أو ثبتني على الهداية إلى الصراط
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٠٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٧٥)، ومسلم (٥٨٩)، والترمذي (٣٤٩٥)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (٨/ ٢٦٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)، والنسائي في الكبرى (٧٧٣٩).
[ ٣ / ١٤٩٩ ]
المستقيم إلى نهاية الخاتمة، (وسددني) أمر من التسديد وهو التوفيق والتأييد، وقال المصنف: "من السداد بالفتح، وهو الاستقامة" (^١)، انتهى.
ولعله أراد أن المعنى: اجعلني على السداد، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠] إلى آخره، وقال الطيبي: "فيه معنى قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي: اهدني هداية لا أميل بها إلى طرفي الإفراط والتفريط". (م) أي: رواه مسلم عن عليّ (^٢).
(اللهم إني أسألك الهدى) أي: في أمر العقبى، (والسداد) أي: في أمر الدنيا، بأن يكون لي منها ما يسدني عن الحاجة إلى غير المولى. (م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة (^٣).
(اللهم إني أسألك الهدى) أي: في العقائد والأخلاق الباطنة، (والتقى) أي: في الأوامر والنواهي، وسائر الأعمال الظاهرة، (والعفاف) بالفتح، ففي "الصحاح" يقال: "عَفَّ عن الحرام عفافًا أي: كفَّ"، فيكون تخصيصًا بعد تعميمٍ، ونقل عن أبي الفتوح النيسابوري أنه قال: "العفاف إصلاح النفس والقلب"، فهو تعميم بعد تخصيص.
والأظهر أن يراد به التعفف عن السؤال وعدم التكفُّف بلسان الحال،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٢٥)، وأبو داود (٤٢٢٥)، والنسائي (٨/ ٢١٩).
(٣) أخرجه مسلم (٧٠١١).
[ ٣ / ١٥٠٠ ]
كما أشار إليه قوله سبحانه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: أصلًا، لا بلسان القال، ولا ببيان الحال.
(والغنى) أي: غنى القلب أو الاستغناء عن الخلق، وقال الطيبي: "أطلق الهدى والتقى ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهتدى إليه من أمر المعاش والمعاد، ومكارم الأخلاق، وكل ما يجب أن يتقى منه من الشرك والمعاصي ورذائل الأخلاق"، وطلب العفاف والغِنى تخصيص بعد تعميم، وهذا الدعاء من جوامع الكلم. (م، ت، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، وابن ماجة، عن ابن مسعود (^١).
(اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) أي: ما يعتصم به في جميع أموري، والعصمة على ما في "الصحاح": "المنع والحفظ"، فقيل: هو مصدر هنا بمعنى الفاعل، وقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
(وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي) أي: مكان عيشي وزمان حياتي [بالكفاف] (^٢) فيما يحتاج إليه، وبأن يكون حلالا ومعينا على طاعة الله، (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي) أي: مكان عودي، وزمان إعادتي، باللطف والتوفيق على العبادة، والإخلاص في الطاعة، وحسن الخاتمة،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٢١)، والترمذي (٣٤٨٩)، وابن ماجة (٣٨٣٢).
(٢) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "بالكفاية".
[ ٣ / ١٥٠١ ]
(واجعل الحياة) أي: طول عمري (زيادة لي في كل خير) أي: من إيقان العلم، وإتقان العمل، (واجعل الموت) أي: تعجيل موتي (راحةً لي من كل شر) أي: من الفتن والمحن والابتلاء بالمعصية والغفلة.
وقال زين العرب: "بأن يكون الموت على شهادةٍ واعتقادٍ حسنٍ"، وقيل: "فيه إشارة إلى قوله ﷺ: "إذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون""، وهذا هو النقصان الذي يقابل الزيادة في القرينة السابقة، ومُجْمَله: اجعل عمري مصروفًا فيما تحب، وجنبني عما تكره، فهذا الدعاء أيضًا من الجوامع. (م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة.
(اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني). (م) أي: رواه مسلم عن أبي مالك، عن أبيه (^١)، قال ميرك: "من حديث أبي مالك سعد بن طارق، عن أبيه طارق بن أشيم - بالمعجمة والتحتانية بوزن أحمر - بن مسعود الأشجعي"، قال العسقلاني: "طارق بن أشيم صحابي له أحاديث، قال مسلم: لم يَرْو عنه إلَّا ابنه أبو مالك، وهو تابعي ثقة من صغار التابعين".
(واهدني). (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا، ولعل هذه الزيادة من طريق آخر من طُرق الرواية.
(رب أعني) بتشديد النون أمر من الإعانة أي: وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك، (ولا تعن علي) أي: ولا تغلب عليَّ من يمنعني من طاعتك، ويحجبني عن عبادتك من شياطين الإنس والجن.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٢٩).
[ ٣ / ١٥٠٢ ]
(وانصرني) أي: على نفسي وشيطاني وسائر أعدائي، (ولا تنصر عليَّ) أي: لا تسلط علي أحدًا من خلقك، (وامكر لي) قيل: مكر الله إيقاع البلاء بالأعداء من حيث لا يشعرون، (ولا تمكر عليَّ) قيل: هو استدراج العبد بالطاعة فيتوهم أنَّها مقبولة وهي مردودة، (واهدني ويسر الهدى لي) أي: سهل لي أسباب الهداية لأجلي، (وانصرني على من بغى عليَّ) أي: ظلم تعدى وطغى.
(رب اجعلني لك ذَكَّارًا) بتشديد الكاف، فعَّال لمبالغة ذاكر، (لك شكّارًا) قال المصنف: "أي: كثير الذكر لله، شكّارًا كثير الشكر لله" (^١) انتهى.
(لك رَهَّابا) أي: "كثير الخوف" (^٢)، والرهبة من المعصية أو من الغضب والسخط، (لك مِطْواعًا) بكسر أوله أي: كثير الطوع، وهو الطاعة، ذكره الطيبي، وفي رواية ابن أبي شيبة: "مُطيعًا إليك" على ما في "حاشية الجلال"، وقال المصنف: "مِطْواعًا بكسر الميم، أي: مطيعًا منقادًا لأمره تعالى" (^٣).
(لك مُخْبِتًا) من الخبت، وهو المطمئن من الأرض، قال تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] أي: اطمأنوا إلى ذكره، وسكنت نفوسهم إلى أمره، قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥]، أي: خافت، فالمخبت هو الواقف بين الخوف والرجاء،
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
[ ٣ / ١٥٠٣ ]
وقال المصنف: "أي: خاشعًا من الإخبات وهو الخشوع والتواضع" (^١).
(إليك أَوَّاهًا) بتشديد الواو أي: كثير التأوّه، قال صاحب "السلاح": "أي: بَكّاء"، وقيل: "هو فعَّال للمبالغة أي: قائلًا كثيرًا لفظ "أَوَّه"، وهو صوت الحزين"، أي: اجعلني متوجّعًا على التفريط، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
(منيبًا) أي: راجعًا إليك عن المعصية إلَّا الطاعة، وعن الغفلة إلَّا الحضرة، وتقديم الصلات على متعلقاتها للاهتمام وإرادة الاختصاص.
(رَبّ تقبَّل توبتي) أي: اجْعَلْهَا قابلة للقبول، (واغسل حَوبَتي) بفتح الحاء المهملة، والحَوْبُ بالفتح والضم: الإثم، كذا في "السلاح"، وغسلها كناية عن إزالتها بالكلية بحيث لا يبقئ منها أثر، (وأجب دعوتي) أي: استجب دعائي، (وثبت حُجّتي) قال المصنف أي: "قولي [دائمًا] (^٢) في الدنيا وعند جواب الملكين" (^٣).
(وسدد لساني) أي: اجعل لساني سديدًا حتى لا أنطق إلَّا بالصدق، وأن لا أتكلم إلَّا بالحق، (واهدِ قلبي) أي: فإنه الأصل، (واسْلُلْ) بضم اللام [الأولى] (^٤)، أمر من سَلّ السيف، إذا أخرجه من الغمد، أي: أخرج.
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) في "مفتاح الحصن الحصين": "وإيماني".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٤) من (أ) فقط.
[ ٣ / ١٥٠٤ ]
(سَخيمة صَدري) السَّخيمة: الضغينة من السخمة وهي السواد، قال المصنف: "بفتح السين المهملة، وبالخاء المعجمة هي الحقد في النفس، والسَّلُّ: الإخراج" (^١)، انتهى.
وإضافتها إلى الصدر لأن مبدأها القوة الغضبية التي في القلب الذي هو في الصدر، وسلها: إخراجها وتنقية الصدر منها، وفي رواية ابن أبي شيبة: "قلبي" موضع "صدري".
(عه، حب، مس، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن ابن عباس (^٢).
(اللهم اغفر لنا وارحمنا، وارض عَنّا، وتقبَّل منّا) أي: عبادتنا (وأدخلنا الجَنَّة، ونجّنا) أي: خلصنا (من النار، وأصلح لنا شأننا) بالهمز ويبدل أي: أمرنا، (كله) أي: في الدنيا والأخري، قال المصنف: "الشأن: الحال، والأمر، والخطب" (^٣). (ق، د) أي رواه: ابن ماجة، وأبو داود؛ كلاهما عن أبي أمامة الباهلي (^٤).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٠٧)، وابن ماجة (٣٨٣٠)، وقال الترمذي: "حسن صحيح" وصححه الحاكم (١/ ٥٢٠).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٤) أخرجه "أبو داود" (٥٢٣٠) وابن ماجة (٣٨٣٦) إسناده ضعيف جدا لضعف رواته واضطرابه.
[ ٣ / ١٥٠٥ ]
(اللهم أَلِّفْ) أمر من التأليف [أو من] (^١) الألفة، أي: أوقع [التأليف] (^٢)، (بين قلوبنا) أي: معشر المؤمنين (وأصلح ذات بيننا) أي: الأمور الواقعة والأحوال الكائنة بيننا، وقال الحنفي: "لفظة "ذات" مقحمة".
(واهدنا سبل السلام) أي: طرق السلامة من [آلافة] (^٣) في الدارين، أو طرق دار السلام، أو المراد بالسلام اسم الله، فالمقصود الطرق الموصلة إليه فإن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.
(ونجنا من الظلمات) أي: من ظلمات الشكوك والشبهة والأوهام، والكفر والنفاق والآثام (إلى النور) أي: نور الإيمان والإيقان والطاعة والإحسان، قال الحنفي في كلمة "إلى": "تحتاج إلى تقدير أو تضمين".
قلتُ: تضمن معنى الإخراج لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، أي: خلصنا من الظلمات، مخرجًا وموصلًا لنا إلى النور.
ولعل نكتة جمع "الظلمات" وإفراد "النور": أن مرجع إفراد [ذلك] (^٤) هو العلم بالتوحيد، وظلمة الجهل أنواع من الكفر والمعاصي.
(وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) بدلان من الفواحش،
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "من ".
(٢) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): "التآلف".
(٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "الآفات".
(٤) من (أ) فقط.
[ ٣ / ١٥٠٦ ]
(وبارك لنا في أسماعنا) بزيادة سماع الحق والأدلة النقلية (وأبصارنا) لنرى الآيات آلافاقية، (وقلوبنا) لندرك الآياتِ الأنفسية، ونفهم الدلائل العقلية، (وأزواجنا وذرياتظ) أي: بأن تجعلهم قرة أعيننا بأن نراهم مطيعين لربنا، (وتب علينا) أي: وفقنا بالتوبة، وتقبلها منا، وثبتنا عليها، (إنك أنت التواب الرحيم).
(واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها) أي: حامدين لها، وقال المصنف: "أي: قائلين" (^١)، (قابليها) أي: قابلين لنعمتك، آخذين لها على نعت القبول ووصف الرضئ، وفي نسخة: "قائليها" على أنه اسم فاعل "قال"، وهو وقول المصنف لا يظهر لهما وجه وجيه.
وفي نسخة وهو "أصل جلال": "فَأبْلِيها"، بفتح فاء فهمز فسكون موحدة، وكسر لام، فياء ساكنة، وكتب الجلال تحته: "لعله قابلها"، أي: بلا ياءٍ، قيل: "ولعل الياء حَصَلَتْ من إشباع الكسرة"، وحاصله أنه من الإبلاء بمعنى الإعطاء، فالمعنى: "فأعْطِ النعم" على وجه الزيادة، (وأتمها علينا) من الإتمام وهو حُسْن الاختتام.
(د، حب، مس، ط) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والحاكم والطبراني، عن ابن مسعود (^٢).
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) أخرجه أبو داود ٩٦٩ وابن حبان (٩٩٦) والحاكم (١/ ٢٦٥)، وقال: صحيح على شرط مسلم. وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١١٠). قال الهيثمي =
[ ٣ / ١٥٠٧ ]
(اللهم إني أسألك الثبات في الأمر) أي: أمر الدين (وأسألك عزيمة الرشد) قال المصنف: "بضم الراء وإسكان الشين: الصلاح والفلاح" (^١)، انتهى.
وفي "النهاية": "الرشد: خلاف الغيّ"، ويؤيده قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فالمعنى: أسألك الهداية المعزومة التي ليس فيها شيء من الرخصة، والمقصود لزومه، ففي "الصحاح": "عزمت علي الأمر عزمًا وعزيمة، إذا أردت فعله وقطعت عليه".
(وأسألك شكر نعمتك) أي: عليَّ بالهداية وغيرها (وحسن عبادتك) بالإخلاص ورعاية الآداب، (وأسألك لسانًا صادقًا وقلبًا سليمًا) أي: عن الغش والحقد، وسائر الأخلاق الدنية، أو سالمًا من التوجُّه إلى الأمور الدنيوية، أو سليمًا من غير محبة المولي، وملاحظة الإحكام الدينية.
وزاد الحاكم: (وخلقًا مستقيمًا) على ما في "حاشية الأصيل"، أي: معتدلًا متوسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط.
(وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك مما تعلم) أي: من ارتكاب السيئات، ومن التقصيرات في الطاعات.
(إنك أنت علام الغيوب) بضم الغين المعجمة وكسرها أي: ما غاب
_________________
(١) = (١٠/ ١٧٩): رواه الطبرايْى في الكبير والأوسط، وإسناد الكبير جيد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٧٤).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
[ ٣ / ١٥٠٨ ]
عن العباد. (ت، حب، مس، مص) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن شداد بن أوس، وزاد الحاكم: "وخلقًا مستقيمًا"، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ذكره ميرك (^١).
(اللهم اغفر لي ما قدمت) أي: من الأعمال السيئة، (وما أخرت) أي: من السنن السيئة، (وأسررت وأعلنت) أي: "وما أسررت وما أعلنت" كما في نسخة، والمراد: استيفاء الذنوب بأنواعها وأصنافها، (ومما أنت أعلم به مني. مس، أ) أي: رواه الحاكم، وأحمد، كلاهما عن أبي هريرة (^٢)، ورواه الحاكم من حديث ابن عمرو أيضًا (^٣).
(لا إلا إلَّا أنت. أ) أي: رواه أحمد عنه أيضًا هذه الزيادة.
(اللهم اقسم) أي: اجعل قسمًا ونصيبًا (لنا من خشيتك) أي: من خوفك المقرون بعظمتك (ما تحول) أي: تحجز وتمنع أنت أو هي، ويدل على الأول قوله: (ج) على ما في نسخة، ويؤيد الثاني ما ضبطه الجلال بصيغة التذكير على أن الضمير لـ "ما" أي: يحجب (بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا) بتشديد اللام المكسورة ويجوز
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٣٥٨)، وأحمد (٤/ ١٢٥) والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨١٢)، (٦٢٦ - ٦٢٨ - ٦٢٩) والحاكم (١/ ٥٥٨) وقال الترمذي: هذا حديث إنما من هذا الوجه، والجريري هو سعيد بن إياس أبو مسعود الجريري، وأبو العلاء اسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩١).
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٧١٠)، وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير" (٢٠٢).
[ ٣ / ١٥٠٩ ]
تخفيفها أي: ما توصلنا (به جنتك).
(ومن اليقين) أي: بك وبأنه لا رادّ لقضائك، وبأنه لا يصيبنا إلَّا ما كتب الله لنا، وبأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب منفعة.
(ما تهون) بتشديد الواو المكسورة، وقد ضبط بالتذكير والتأنيث أي: تسهل وتخفف (^١)، (به علينا مصائب الدنيا) وفي نسخة: "مصيبات الدنيا"، وهو بالنصب وفي نسخة بالرفع على أن"تهون" بفتح فضم مضارع "هان" مذكرًا أو مؤنثًا، قال المصنف: "وروي "ما يهون علينا" عدم"به" يقتضي أن يكون ["يهون"] (^٢) بالياء آخر الحروف، وإثبات "به" يقتضي أن يكون بالتاء المثناة فوق" (^٣).
(ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا) لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده من طريقهما؛ لأن البراهين إما مأخوذة من الآيات المنزلة، وذلك من السمع، وإما من الآياتِ المنصوبة في الأفاق والأنفس، وذلك من البصر.
(وقوتنا) أي: قوة قلبنا، ومحل لُبّنا، وموضع حُبّنا، ومدار إيماننا، ومكان إيقاننا، أو المراد قوة سائر قوانا من الحواس الظاهرة والباطنة
_________________
(١) بعدها في جميع النسخ: "وفي نسخة صحيحة"، وهي مقحمة في النص، والصواب حذفها ليستقيم المعنى.
(٢) من "مفتاح الحصن الحصين" فقط.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
[ ٣ / ١٥١٠ ]
وباقي الأعضاء البدنية، (ما أحييتنا) أي: ما دمت أحييتنا للاحتياج إليها في حالة الحياة دون الممات.
(واجعله الوارث منا) قيل: الضمير للمصدر، أي: اجعل الجعل، وهو المفعول المطلق، والوارث هو المفعول الأول، و"منا" في موضع المفعول الثاني، أي: اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة عنا، كما قال تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦].
وقيل: "الضمير للتمتع الذي دلّ عليه "متعنا"، ومعناه: واجعل تمتعنا بها باقيًا لنا، مأثورًا فيمن بعدنا، أو محفوظًا لنا إلى يوم الحاجة، وهو المفعول الأول والوارث مفعولٌ ثانٍ، و" منّا": صلته".
وقيل: الضمير لما سبق من الإبصار والإسماع والقوة، وإفراده وتذكيره على تأويل المذكور، والمعنى: أثبتنا لزومها عند الموت لزوم الوارث، كذا حققه القاضي.
ويؤيد هذا الوجه الأخير الحديث الآتي: "واجعلهما الوارث" بجعل الضمير إلى"السمع والبصر"، والأظهر هنا أن يكون الضمير للتمتيع المأخوذة من قوله: "متعنا" كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، فإنه أنسب.
والمعنى: اجعل التمتيع المذكور باقيًا لنا إلى آخر عمرنا، فيكون تأكيدًا لما قبله وتأييدًا.
[ ٣ / ١٥١١ ]
(واجعل ثأرنا) أي: انتقامنا ونصرنا، (على من ظلمنا) أي: مقصورًا عليه، ولا تجعلنا ممن تعدَّى في طلب ثأره، وأخذ به غير الجاني، كما كان معهودًا في الجاهلية، أو اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا؛ فندرك ثأرنا، وأصل الثأر الحقد والغضب، ثم استعمل في مطالبة دم القتيل.
(وانصرنا على من عادانا) تعميم بعد تخصيص، (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) أي: لا تصبنا بما ينقص ديننا من أكل الحرام، واعتقاد السوء، والفترة في العبادة، والغفلة عن الطاعة.
(ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) الهم: القصد والحزن، أي: لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا، بل اجعل أكبر قصدنا أو حزننا مصروفًا في عمل الآخرة، وفيه أن قليلًا من الهم مما لا بد منه في أمر المعاش مرخصٌ له، بل مستحبّ على ما صرح به القاضي.
(ولا مبلغ علمنا) بفتح الميم واللام بينهما موحدة ساكنة، وهو الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب، فيقف عندها أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا [نتفكر] (^١) إلَّا في أحوال الدنيا، واجعلنا متفكرين في أمور العُقبى متفحصين عن المعلوم [الذاخرة] (^٢) المتعلقة بأحوال الآخرة.
ومجمله لا تجعل علمنا غير متجاوزٍ عن الدنيا وفي بعض النسخ: "ولا غاية رغبتنا" لكن قال المصنف في "تصحيح المصابيح": "لم أره في الحديث".
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "نفكر".
(٢) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب) و(د): "الفاخرة".
[ ٣ / ١٥١٢ ]
(ولا تسلِّط علينا مَن لا يرحمنا) أي: من الكفار والفجار والظلمة بتوليتهم علينا، ولا تجعلنا مغلوبين لهم، ويجوز أن يحمل على ملائكة العذاب في القبر، أو في النار، ولا منع من إرادة معنى الجمع.
(ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر، وقال الترمذي: "حسن"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري" (^١)، وزاد في أوله: "اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني".
(اللهم زدنا) أي: من العلم والعمل، أو زدنا معاشر المسلمين، بمعنى: كَثِّرْنَا، الملائم لقوله: (ولا تنقصنا) بفتح حرف المضارعة وضم القاف، من "نقص" المتعدي على ما في النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة، ففي "القاموس": "نقص لازم ومتعدٍّ".
وقال المصنف: "بضم التاء وبالصاد، أي: زدنا من الخير ولا تنقصنا منه" (^٢). قال الحنفي: "الصواب: بفتح التاء من النقص من باب طلب"، انتهى.
ولا يخفى أن هذه التخطئة خطأٌ ظاهر؛ فإنه جاء في اللغة "نَقَضهُ، وَأَنْقَصَهُ،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤٠١)، والحاكم (١/ ٧٠٩) والبغوي في شرح السنة (١٣٧٤)، قال المناوي (٢/ ١٣٣): فيه عبيد اللَّه بن زحر ضعفوه، قال في المنار: فالحديث لأجله حسن لا صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٦٨) والكلم الطيب (٢٢٥).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٥/ أ).
[ ٣ / ١٥١٣ ]
[وَنَقَّصَهُ، وَانْتَقَصَهُ] (^١) " على ما في "القاموس"؛ فيحمل كلام الشيخ على تلك اللغة، ويمكن أن يكون رواية، حيث صح كونه دراية، فلا معنى لجزمه بقوله: "والصواب: بفتح التاء" على الإطلاق، والله أعلم بالصواب.
(وأكرمنا) أمر من الإكرام، (ولا تُهِنَّا) بضم تاء وتشديد نون، على أنه نهي من الإهانة، قال الجوهري: "الهُونُ بالضم: الهوان، وأهانه: استخف".
قال القاضي: "أصله لا تهوننا، نقلت كسرة الواو إلى الهاء، وحُذفت الواو لسكونها وسكون النون الأولى ثم أدغمت النون الأولى في الثانية".
(وأعطنا) من الإعطاء، (ولا تحرمنا) بفتح التاء وكسر الراء على ما ضبط في الأصول المصححة، وفي "القاموس": "حرمه الشيء، كضربه وعلمه، حِرْمَانًا بالكسر: مَنَعَهُ حَقَّهُ، وَأَحْرَمَهُ: لُغَيَّةٌ".
(وآثِرْنَا) بالمد وكسر المثلثة، أمر من الإيثار، بمعنى: الاختيار، (ولا تؤثر علينا) قال القاضي: "يعني لا تغلب علينا أعداءنا، وعطف النواهي على الأوامر للتأكيد، وقد حذف ثواني المفعولات في بعض الألفاظ إرادةً لإجرائها مجرى: "فلان يعطي ويمنع"، مبالغةً وتعميمًا.
(وأرضنا) من الإرضاء أي: أرضنا (عنك) بمعنى: اجعلنا راضين بقضائك وقدرك، وبحكمك وأمرك، (وارضَ) بهمز وصل وفتح ضاد، أمر من الرضا، أي: كن راضيًا (عنا).
(ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن عمر بن
_________________
(١) كذا في (د)، وفي (أ) و(ج): "وَنَقَّصَهُ، وَأَنْقَصَهُ"، وليست في (ب).
[ ٣ / ١٥١٤ ]
الخطاب لجنه (^١)، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل عليه الوحي سُمِعَ عند وجهه دويٌّ كدويّ النحل، فأنزل عليه يومًا، فمكثنا ساعة، فَسُرِّيَ عَنْهُ، أي: كُشِفَ عَنْهُ ما اعتراه من الوحي، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا. ثم قال: أنزل عليّ عشر آيات، من أقامهن دخل الجَنَّة. ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حتى ختم عشر آيات".
(اللهم ألهمني) أمر من الإلهام أي: أعلمني (رشدي) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحهما، وهما لغتان، وقرئ بهما ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، وفي "القاموس": "رشد كنَصَرَ وفَرِحَ رُشْدًا ورَشَدًا، ورشادًا: اهتدى".
وأمَّا ما ذكره الحنفي من أن: "الرشد: بضم الراء وفتحها مع سكون الشين وبفتحتين أيضًا، والرواية هنا على الأول، فوقع في غير محله، فإن الفتح مع السكون غير صحيح، والرواية غير منحصرة على الأول، فتأمل.
(وأعذني) بفتح همز فكسر عين، أمر من الإعاذة، أي: أجِرْني واحفظني (من شر نفسي. ت) أي: رواه الترمذي عن عمران بن حصين، وقال: "حسن غريب".
(اللهم قني) أي: احفظني (شر نفسي، واعزم لي على رُشد أمري)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣١٧٣) والنسائي في "الكبرى" (١٤٤٣) والحاكم (٢/ ٣٩٢). وقال ابن كثير في "التفسير" (٥/ ٣٥٩) وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٠٨).
[ ٣ / ١٥١٥ ]
يقال: عزمت على كذا، إذا فعلته وقطعت عليه، وهو أمر من العزم من باب ضَرَبَ، والمعنى: احكم لي على هداية أمري، وصلاح قدري.
(اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما أخطأت، وما عَمَدتُّ) بفتح الميم أي: قصدت، وهو المناسب لما قبله، وفي نسخة: "وما علمت"، وهو الملائم لقوله: (وما جهلت) بكسر الهاء، فقوله: "وما أخطأت" [يعني] (^١): أذنبت.
(مس، س، حب) أي: الحاكم، والنسائي، وابن حبان (^٢)، عن حصين بن عُبيد والد عمران المذكور، وهو صحابي خزاعي، لم يُصِبْ من نفى إسلامه.
(أسأل الله) بصيغة المتكلم، خبر بمعنى الدعاء أي: أطلب من الله (العافية في الدنيا والآخرة) أي: في أمورهما، أو العافية من المعاصي في الدنيا، ومن العقوبة في العقبى.
(ت) أي: رواه الترمذي عن العباس (^٣)، فيمكن أن يُقرأ: "اسأل" بصغة الأمر؛ ليوافق ما سيأتي أنه ﷺ قال له: "يا عم، سلِ الله العافية في الدنيا والآخرة"، والله أعلم.
(اللهم إني أسألك فعل الخيرات) بكسر الفاء، وفي نسخة بفتحها، ففي "الصحاح": "الفَعْلُ بالفتح: المصدر، وبه قرأ بعضهم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "بمعنى".
(٢) أخرجه ابن حبان (٨٩٩)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٩٣)، والحاكم (١/ ٥١٠) وقال الألباني صحيح "المشكاة" (٢٤٧٦).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٥١٤) وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
[ ٣ / ١٥١٦ ]
فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، والفِعْل بالكسر الاسم".
(وترك المنكرات) أي: أسألك التوفيق على فعل الأعمال المعروفة، وترك الأمور المنكرة، (وحب المساكين) يحتمل إضافته إلى المفعول والفاعل، والأول أنسب لما قبله لفظًا، وأقرب في ملاحظته معنًى.
(وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة) أي: بلية أو عقوبة، (فتوفَّني غير مفتون) أي: فخُصّني بالوفاة حال كوني غيرَ مبتلًى، أو غيرَ مُعاقبٍ، (وأسألك حبك) أي: حبي إياك، أو حُبك إياي، فإنه الأصل النافع كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، (وحب من يحبك) الأظهر أنه من إضافة المصدر إلى مفعوله، كما أنه متعين في قوله: (وحب عملٍ يُقرِّب) أي: يقربني (إلى حبك) أي: إيَّاي.
(ت، مس) أي: رواه الترمذي عن معاذ بن جبل، وقال: "حسن صحيح"، ورواه الحاكم عن ثوبان، وقال: "صحيح على شرط البخاري"، ذكره ميرك (^١).
(اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل) بالجر عطف على "من يحبك"، ويؤيده الحديث السابق، وبالنصب عطف على ألف،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٣٥)، وقال أيضًا: وروى بشر بن بكر عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرَّحمن بن عائش عن النبي ﷺ وهذا أصح، وعبد الرَّحمن بن عائش لم يسمع من النبي ﷺ. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٧).
[ ٣ / ١٥١٧ ]
أي: أسألك العمل (الذي يبلغني حبك) بتشديد اللام ويجوز تخفيفها أي: يوصلني إلَّا حبك إياي، أو حُبي إياك.
(اللهم اجعل حبك) أي: حبي إياك (أحب إلي من نفسي) أي: من حب نفسي (وأهلي) قال القاضي: "عَدل عن: "اجعل نفسك أحب إليَّ من نفسي" مراعاة للأدب، حيمشا لم يرد أن يقال نفسه بنفسه ﷿، فإن قيل: إنما عدل لأن النفس لا تطلق على الله تعالى.
قلتُ: بل إطلاقه صحيح، وقد ورد في التنزيل مشاكلة، قال الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] "، انتهى.
وفيه أن المشاكلة إنما تعتبر في الثاني دون الأول كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠"، و﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ …﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية، مع أن إطلاق النفس جاء من غير مشاكلة في قوله ﷺ: "أنت كما أثنيت على نفسك".
(ومن الماء البارد) أي: من حبه، وفيه إشعار بأنه كان يحبه حُبّا بليغًا، وقد قال بعض العارفين: "إذا شربت عذبًا باردًا أحمد ربي من صميم قلبي".
وقال بعضهم: "أعاد "من " هنا ليدل على استقلال الماء البارد في كونه محبوبًا، وذلك في بعض الأحيان، فإنه يعدل بالروح للإنسان، وعن بعض الفضلاء: "إن الماء ليس له قيمة؛ لأنه لا يشترى إذا وجد، ولا يباع إذا فقد".
(ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم، كلاهما عن أبي الدرداء (^١)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٨٥) وفي سنده عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي. وقيل: =
[ ٣ / ١٥١٨ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "كان من دعاء داود ﵇ يقول: اللهم إني أسألك حبك … " إل آحمره.
قال: وكان رسول الله ﷺ في إذا ذكر داود ﵇ يحدث عنه قال: "كان أعبد البشر"، انتهى.
وهو يحتمل أن يكون في عصره وزمانه، وأن يراد أنه أشكر الناس، قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: بالغ في شكري، وابذل وُسعك فيه.
(اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم فكما رزقتني [مما] (^١) أحب) أي: من العطيات، (فاجعله قوةً لي فيما تحب) أي: من الطاعات، ([اللهم] (^٢) وما زويت) أي: قبضته وصرفته، (عني مما أحب) أي: من النعم (فاجعله فراغًا فيما تحب) أي: من الأمر الأهم.
قال القاضي: "والمعنى ما صرفت عني من محابي فنحِّه عن قلبي، واجعله سببًا لفراغي لطاعتك، ولا تشغل به قلبي؛ فيُشغل عن عبادتك".
وتوضيحه ما ذكره ميرك بقوله: "المعنى: اجعل ما نحيته عني من محابي عونًا على شغلي لمحابك، وذلك أن الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوى عنه
_________________
(١) = ابن يزيد بن ربيعة، وهو مجهول، كما قال الحافظ في "التقريب"، ومع ذلك فقد قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٣) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي في "التلخيص" بقوله: بل عبد الله بن يزيد الدمشقي هذا قال أحمد أحاديثه موضوعة.
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(م)، وفي (ب) و(د): "ما".
(٣) من (أ) و(م) فقط.
[ ٣ / ١٥١٩ ]
الدنيا يتفرغ لمحاب المولي، وكان ذلك الفراغ عونًا على الاشتغال بالأمور النافعة في العقبى". (ت) أي: رواه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي (^١).
(اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني) أي: الباقي عني، (وانصرني على من يظلمني) ورواية البزار: "ظلمني"، (وخذ منه) أي: ممن ظلمني (بثأري) الباء زائدة لتأكيد التعدية، وعند البزار: "وأرني فيه ثأري". (ت، مس، ر) أي رواه: الترمذي، والحاكم، والبزار؛ كلهم عن أبي هريرة (^٢).
(يا مقلب القلوب) أي: محولها من حال إلى حال (ثبِّت قلبي على دينك. ت، س، مس، أ، ص) أي رواه: الترمذي عن أم سلمة (^٣)، والنسائي عن عائشة (^٤)، والحاكم عن جابر (^٥)، وأحمد عن أم سلمة أيضًا،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥١٢)، وابن ماجة (٣٨٤٨) وإسناده ضعيف، فيه سلمة بن وردان قال عنه الحافظ: ضعيف، التقريب (٢٥٢٧) وقال الإمام أحمد: منكر الحديث برقم (١٤٣٠)، برقم (٢٠٥٨)، وقال: ضعيف، برقم (٣٤٨١) من كتابه العلل ومعرفة الرجال. وانظر: الضعفاء للنسائي (٢٩٣).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٠٦)، والبزار (٨٠٠٣) والحاكم (١/ ٥٢٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أيضًا: البخاري في الأدب المفرد (٦٥٠). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣١٠).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٢٩٤) والترمذي (٣٥١٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤١٨)، و"النسائي" في عمل اليوم والليلة (٣٠٤).
(٥) أخرجه أبو يعلى (٢٣١٨) والحاكم (٢/ ٢٨٨) وقال في المجمع (١٠/ ١٧٦): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ١٥٢٠ ]
وأبو يعلى عن جابر أيضًا، وكان الأولى أن يرتب الرموز بذكر: الترمذي، وأحمد، والنسائي، والحاكم، وأبي يعلى.
(اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد) بتشديد الدال، قال المصنف: "أي: لا يتغير" (^١)، (ونعيمًا لا ينفد) "بفتح الفاء وبالدال المهملة أي: لا يذهب ولا ينقص" (^٢)، (ومرافقة نبينا محمد ﷺ في أعلى درجة الجَنَّة) قال المصنف: "أي: أعلى مراتب الجَنَّة، ولا يلزم من مرافقته ﷺ أن يكون في منزلته في الجَنَّة، فإن معناه أن يكون رفيقه في الجَنَّة؛ فيوفق للعمل بما ينال منه ذلك" (^٣)، انتهى.
(جنة الخلد) بدل من الجَنَّة، أو تأكيد، أو بدل من "درجة الجَنَّة"، أو من "أعلى"، والخلد: دوام البقاء. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود (^٤).
(اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانًا في حسن خلق) بضمتين وسكون اللام، (ونجاحًا) بفتح النون أي: ظفرًا بالحوائج الدينية، (تتبعه) بضم أوله من الإتباع أي: تعقبه أنت يارب، (فلاحًا) أي: فوزًا بالمقاصد الأخروية، (ورحمة منك) أي: بتوفيق الطاعة، (وعافيه) أي:
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ أ، ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٦).
[ ٣ / ١٥٢١ ]
صحة تُعين على العبادة (ومغفرة منك) أي: من عندك لتقصيراتي، (ورضوانًا) بكسر الراء، ويضم أي: رضًا لا سخط بعده.
(س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم؛ كلاهما عن أنس (^١).
(اللهم انفعني بما علمتني) أي: عملًا وتعليمًا (وعلمني ما ينفعني) أي: كمالًا وتكميلًا، (وزدني علمًا) أي: لدُنِّيًّا، وَفَهْمَا عنديًّا (الحمد لله على كلّ حال) أي: موجب لمزيد كمال، (وأعوذ بالله من حال أهل النار) أي: فإن سائر الأحوال والأهوال سريعة الانتقال والزوال. (ت، ق، مص) أي رواه: الترمذي، وابن ماجة، وابن أبي شيبة، عن أبي هريرة (^٢).
(اللهم بعلمك الغيب) الباء للاستعطاف، أي: أنشُدُك بحق علمك المغيبات عن الخلق فضلًا عن المشاهدات، فإن علمك محيط بالجزئيات والكليات، بل بالموجودات [والمعدومات] (^٣)، بل بما لم يكن لو كان كيف كان.
(وقدرتك على الخلق) أي: خلق كلّ شيء، أو على المخلوقات جميعًا،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٣٣٣) والحاكم (١/ ٥٣٢) وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير" (١٨٣) وكذلك أحمد (٢/ ٣٢١). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٩٥) والسلسلة الضعيفة (٢٩١١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٠٠٦)، والترمذي (٣٥٩٩) وقال: حسن غريب. وابن ماجة (٣٨٣٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٣٧٦). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٨٣).
(٣) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "والمعلومات".
[ ٣ / ١٥٢٢ ]
(أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيرًا لي، وأسألك) عطف على "أنشدك" المقدَّر، أي: وأطلب منك (خشيتك) أي: خوفك المقرون بالتعظيم (في الغيب والشهادة) أي: في الحالين من الخلوة والجلوة، أو في الباطن والظاهر، والمراد استيعابها في جميع الأوقات. وقال الطيبي: "المراد بالخشية في الغيب والشهادة إظهارها في السر والعلانية".
(وكلمة الإخلاص)، ولفظ "المشكاة": "كلمة الحق"، (في الرضا والغضب) أي: في حال رضا الخلق وغضبهم. ذكره الطيببي، أو في حال رضائي وغضبي، ولعله أولى في المعني، وزاد في "المشكاة": "وأسألك القصد في الفقر والغنى" أي: الاقتصاد في الحالين، أو القصد الحسي حال وجودهما من الصبر والشكر".
(وأسألك نعيمًا لا ينفد) كذا في نسخة، (وقرة عين لا تنقطع) ففي "النهاية": "جعل الحر كناية عن الشر والشدة، والبرد كناية عن الخير [والهين] (^١) ".
وفي "الصحاح" (^٢): "يقال: قرت عينه تقر، نقيض سخَنَت، فللسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة، فقيل: يحتمل أن يكون المعنى طلب نسل لا ينقطع؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] أو أراد المداومة على الصلوات؛ لقوله ﷺ: "قرة
_________________
(١) كذا في "النهاية في غريب الحديث"، وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و(ب) و(ج): "والهينة"، وفي (د): "والبينة".
(٢) الصحاح (٢/ ٧٩٠).
[ ٣ / ١٥٢٣ ]
عيني في الصلاة". والأولى أن يراد بـ"قرة عين" أي: بردها، كناية عن كلّ خير كائن في الدنيا والعقبى.
(وأسألك الرضا) بالقصر، وقد يمد، ففي "الصحاح" (^١): "الرضا مقصورًا مصدر محض، والاسم الرضاء، ممدودًا"، (بالقضاء) أي: طيب الخاطر بما قدره الله وقضاه من الأمور الكونية، وبما حكم فيما أمر به، ونهى عنه من الأحوال الشرعية.
وقد قال العارفون: "الرضا بالقضاء باب الله الأعظم"، ويشير إليه قوله سبحانه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، و﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فإنه في معنى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
(وبرد العيش) أي: الحياة الطيبة الكاملة (بعد الموت)، قال المصنف: "أي الراحة الدائمة في البرزخ والقيامة" (^٢)، (ولذة النظر إلى وجهك) قال المصنف: "فيه أعظم دليلٍ على رؤية الله تعالى في دار الآخرة، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فلا حرمنا منه" (^٣)، (والشوق إلى لقائك) أي: الاشتياق إلى ملاقاتك في دار مجازاتك.
(وأعوذ بك من ضراء) أي: شدة [من] (^٤) علة أوفاقة (مضرة) بضم
_________________
(١) الصحاح (٦/ ٢٣٥٧).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٤) من (أ) و(ج) فقط.
[ ٣ / ١٥٢٤ ]
فكسر، وهي التي لا صبر عليها، (وفتنة) أي: بلية ومحنة من كثرة مال أو وسعة جاه (مضلة) أي: موقعة في الضلالة، ولعل العدول عن السراء المقابل للضراء إلى الفتنة للإشعار بأن تحتها [امتحانًا كثيرًا ضرره] (^١)، وإن كان في الضراء أيضًا ابتلاء لكنه أخف.
والحاصل: أن المؤمن الكامل، كما قال ﷺ: "عَجَبًا لأمر المؤمن! إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له؛ وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا"، ولكن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] أي: لمن لم يشغله محبة الأموال والأولاد عن خدمة رب العباد.
(اللهم زيِّنا بزينة الإيمان) أي: بتوفيق الطاعة وحلية الإحسان، (واجعلنا هداة) أي: هادين (مهتدين) إلى مراتب الإيقان، وفي وصف "الهداة" بـ"المهتدين": إشعار بأن الهادي إذا لم يكن مهتديًا في نفسه لم يصلح أن يكون هاديًا لغيره، وفي نسخة: "مهديين"، على وزن "مرقي" بمعنى مهتدين.
(س، مس، أ، ط) أي رواه: النسائي، والحاكم، وأحمد، والطبراني، عن عمار بن ياسر (^٢).
(اللهم إني أسألك من الخير كله) بالجر على أنه تأكيد للخير، وبالنصب
_________________
(١) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "امتحان كثير ضررها".
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي (٣/ ٥٤)، والطبراني في "الدعاء" (٦٢٥) والحاكم (١/ ٧٠٥) وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه أيضًا: ابن حبان (١٩٧١). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٠١).
[ ٣ / ١٥٢٥ ]
على أنه مفعول ثانٍ لـ"أسألك"، كذا ذكره الحنفي، والظاهر أن وجه النصب فيه أن يكون تأكيدًا لمحل الجار والمجرور، لا سما، و"من" زائدة لإرادة الاستغراق وإلا فيصير التقدير: أسألك كلّ الخير من الخير.
وكذا الحال في قوله: (عاجله وآجله) أي: بحسب تقديرهما، (ما علمت منه، وما لم أعلم) أي: منه، (وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه، وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك) وفي نسخة: "من شر ما عاذ به عبدك". وفي أخرى: "ما عاذ منه بك عبدك". لكن ليس لهما وجه ظاهر.
(اللهم إني أسألك الجَنَّة وما قرّب) بتشديد الراء أي: ما قربني (إليهما من قول أو عمل) أي: [ظاهري أو باطني] (^١)، (وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل) فـ"أو" للتنويع فيهما.
(وأسألك أن تجعل كلل قضاء) أي: "قضيته" كما في نسخة، (لي خيرًا) مفعول ثانٍ، والظاهر أن "لي" متعلق به، وقدم للاهتمام والاختصاص.
(ق، حب، مس) أي رواه: ابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة ﵂ (^٢).
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "ظاهر أو باطن".
(٢) أخرجه ابن ماجة (٣٨٤٦) وأحمد (٦/ ٥٧)، وابن حبان (٨٦٩). وابن أبي شيبة (٢٩٣٤٥)، وأبو يعلى (٤٤٧٣). قال البوصيري (٤/ ١٤١): هذا إسناد فيه مقال. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٧٦).
[ ٣ / ١٥٢٦ ]
(وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل) مفعول ثانٍ لـ"أسألك"، ومفعولاه (عاقبتَهُ رشدًا) بضم فسكون وبفتحهما. (مس) أي: رواه الحاكم عن عائشة أيضًا هذه الزيادة (^١).
(اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا) من الإجارة أي: احفظنا (من خِزْي الدنيا) بكسر فسكون، أي: فضيحتها، (وعذاب الآخرة. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم (^٢)؛ كلاهما عن بسر بن أرطاة، بضم موحدة فسكون سين مهملة على ما في "التقريب"، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أحسن عاقبتنا … " إلى آخره.
(اللهم احفظني بالإسلام) يحتمل أن يكون الباء للاستعطاف أي: بحق الإسلام حال كوني (قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا) أي: نائمًا أو مضطجعًا أو متكئًا، والمطلوب هو المحافظة في جميع الأحوال، ويحتمل أن يكون الباء للمصاحبة متعلقة بالأحوال متقدمة عليها.
_________________
(١) أخرجها الحاكم (١/ ٥٢٢) وقال: عن جبر بن حبيب، فقال: عن القاسم، عن عائشة. قال الحاكم: هكذا قاله أبو نعامة، وشعبة أحفظ منه، وإذا خالفه، فالقول قول شعبة.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٨١)، وابن حبان (٩٤٩)، والحاكم (٣/ ٦٨٣). قال الهيثمي (١٠/ ١٧٨): رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٦٩).
[ ٣ / ١٥٢٧ ]
(ولا تشمت) من الإشمات أي: لا تفرح (بي) أي: بسبب ابتلائي بالبلاء الديني أو الدنيوي، (عدوًّا) أي: إنسيًّا أوجنيًّا، قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطينَ الإنس والجن﴾، (ولا حاسدًا) تخصيص للإيماء إلى أن عداوته أقوى.
(اللهم إني أسألك من كلّ خيرٍ خزائنه بيدك) يحتمل أن تكون الجملة صفة "خير"، أو استئناف تعليل، وهو أبلغ معنًى، والأول أظهر مبنًى، ويؤيده ما سيأتي في الحديث الآتي، وزاد في "سلاح المؤمن": "وأعوذ بك من كلّ شر خزائنه بيدك".
(مس، حب) أي: رواه الحاكم عن عبد الله بن مسعود (^١)، وابن حبان عن عمر بن الخطاب ﵁ (^٢).
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما أنت آخذٌ بناصيته) أي: من شر كلّ شيء، (وأسألك من الخير الذي هو بيدك كله) بالجر على أنه تأكيد للخير، وفي نسخة بالرفع على أنه بدل من "هو"، وفي أخرى بالنصب على أنه بدل من محل الجار والمجرور، أو بتقدير أعني، وقدم الحنفي النصب على الوجوه، وقال: "إنه مفعول ثانٍ لـ"أسألك"، وفيه ما تقدم، والله أعلم. (حب) أي: رواه ابن حبان عن عمر أيضًا.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٢٥) وقال: صحيح على شرط مسلم. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٦٠) والسلسلة الصحيحة (١٥٤٠).
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٣٤).
[ ٣ / ١٥٢٨ ]
(اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك) بكسر الجيم على ما في الأصول المعتمدة والنسخ المصححة المعتبرة، وهي على ما في "النهاية" (^١) الكلمة التي أوجبت لقائلها الجَنَّة، لكن الأولى وضع الخصلة أو الفعلة موضع الكلمة، ووقع في "نسخة الجلال" بفتح الجيم، والظاهر أنه سهو قلم.
ولا يبعد أن يقال: نسألك الحالات التي أوجبتها رحمتك، لكن يؤيد الأول قوله: (وعزائم مغفرتك) أي: نسألك أعمالًا يتعزم ويتأكد بها لي مغفرتك على ما في "النهاية".
(والسلامة من كلّ إثم، والغنيمة من كلّ بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار. مس، ط) أي رواه: الحاكم والطبراني عن عمر (^٢)، وقال ميرك: "رواه الحاكم عن ابن مسعود، (^٣) ورواه الطبراني في "الدعاء" عن أنس (^٤)، وزاد في آخره: اللهم لا تدع لنا ذنبًا … إلى آخره".
قلت: الظاهر أن الطبراني له روايتان في "الكبير" مستقلتان، ورواية في "الدعاء" بالجمع بين الروايتين، والله أعلم.
_________________
(١) النهاية (٥/ ١٥٣).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٥٢٥) وقال: صحيح على شرط مسلم. وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير" (١٩٠). وقال النووي في "الرياض" (١/ ٤٢٧): قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٨٤) والسلسلة الضعيفة (٢٩٠٨).
(٤) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٠٤٤).
[ ٣ / ١٥٢٩ ]
(اللهم لا تدع) أي: لا تترك (لنا ذنبًا إلَّا غفرته) استثناء مُفرَّغ أي: لا تدعه بوصف من الأوصاف إلَّا بهذا الوصف، كقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، (ولا همّا) أي: غمًّا (إلَّا فرجته) بتشديد الراء ويخفف، [أي] (^١) كشفته وأزلته، (ولا دَيْنًا) أي: من حقوق اللَّه أو عباده (إلَّا قضيته) أي: وفقت على قضائه، (ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلَّا قضيتها) أي: قدرت قضاءها (يا أرحم الراحمين)، وفي "سلاح المؤمن": "برحمتك يا أرحم الراحمين". (ط، طب) أي: رواه الطبراني في "الكبير"، وفي "الدعاء" له أيضًا عن أنس (^٢).
(اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. مس، أ) أي رواه: الحاكم، وأحمد، كلاهما عن أبي هريرة (^٣).
(اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود (^٤)، وكان الأولى أن يأتي بلفظ "أعنا"، ويكتب فوقه:
_________________
(١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): "إلَّا".
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٣٩٨)، وفي الصغير (٣٤١). قال الهيثمي: فيه عباد بن عبد الصمد، وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٧).
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" (٢/ ٢٩٩) وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٢٣) باسناد صحيح عن أبي قرة موسى بن طارق عن موسى بن عقبة، عن أبي صالح السمان وعطاء بن يسار - أو أحدهما - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: فذكره. أما رواية الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٩) في إسناده خارجة بن مصعب، وهو واه متروك.
(٤) أخرجه البزار في المسند (٢٠٧٥).
[ ٣ / ١٥٣٠ ]
"أعني"، ويجمع بين الرموز الثلاثة آخرًا، مع أن هذا الحديث وكثيرًا تكرر مما لم يعرف وجهه، وقد جمعت الأدعية المطلقة في "الحزب الأعظم"، وأظن أنه وصل خمسمائة دعاء.
(اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير) بهمز وصل وضم لام في النسخ كلها، وقال المصنف: "بضم الهمزة واللام، أي: كن لي خلفًا على ما غاب عني من مال وولد وغيره؛ ليعود إلي بخير" (^١)، انتهى.
وقيل: الباء للتعدية أي: اجعل خيرًا من كلّ غائبة كانت لي خلفًا عنها، ويجوز أن يكون من الإخلاف حيث ذكر في "النهاية": "خلف الله لك خلفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا أي: أبدلك بما ذهب منك، وعوَّضك عنه.
(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس (^٢).
(اللهم إني أسألك عيشة) بالكسر (نقية) بتشديد التحتية، قال المصنف: "بكسر العين، أي: حياة طيبة، والنقي من كلّ شيء خياره وأنظفه وأطيبه، يريد عيشًا لا نكد فيه" (^٣).
(وميتة سوية) أي: مستوية في الظاهر ومستقيمة في الباطن، قال
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٢) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٥٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ فإنهما لم يحتجا بسعيد بن زيد أخي حماد بن زيد.
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
[ ٣ / ١٥٣١ ]
المصنف: "بكسر الميم معتدلة على الوجه الحسن" (^١).
(ومردًّا) بفتح ميم وراء وتشديد دال أي: مرجعًا (غير مخزي) قال المصنف: "بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الزاي وتشديد الياء من الخزي، وهو الذل والهوان، وقد يكون الخزي بمعنى الهلاك والوقوع في البلية، (ولا فاضح) من فَضَحَهُ فافتضح، إذا انكشف مساوئه، نسأل الله العافية" (^٢)، انتهى. (مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عُمَر بلا واو خلافًا لما في نسخة (^٣).
(اللهم إني ضعيف) أي: في حد ذاتي ومرتبة صفاتي، (فقوِّ) بفتح قاف وتشديد واو أمر من التقوية في رضاك) أي: في تحصيل مرضاتك (ضعفي) أي: بتبديله وتحويله، (وخذ إلى الخير بناصيتي) وتقديم الجار للاختصاص والاهتمام، أي: اجعلني متوجهًا إلى الخير، ومعرضًا عن الشر.
(واجعل الإسلام) وهو الانقياد الكامل الشامل للظاهر والباطن، (منتهى رضائي) أي: نهاية مرضياتي وغاية متمنياتي، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، إلى أن [قال] (^٤): ﴿إِذْ
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤١) وقال: صحيح الإسناد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٩٦) والسلسلة الضعيفة (٢٩١٢).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ١٥٣٢ ]
قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
(اللهم إني ضعيف فقوِّني) تأكيد لما سبق، (وإني ذليل) أي: بدون إعزازك، (فأعزني، وإني فقير) أي: محتاج إلى رزقك الحسي والمعنوي (فارزقني. مس، مص) أي رواه: الحاكم، وأبن أبي شيبة؛ كلاهما عن بريدة بن الحصيب الأسلمي (^١).
(اللهم أنت الأول) أي: بلا ابتداء (فلا شيء قبلك) أي: أزلًا (وأنت الآخر) أي: بلا انتهاء (فلا شيء بعدك) أي: أبدًا، (أعوذ بك من كلّ دابة) أي: من شر كلّ دابة (ناصيتُها بيدك) أي: أنت آخذٌ بناصيتها ومتصرف في حالتها.
(وأعوذ بك من الإثم) أي: من جنس المعصية (والكسل) أي: في الطاعة، والمقصود إظهار العجز في العبودية عند الحضرة الربوبية، (وعذاب القبر وفتنة القبر) وفي "نسخة الجلال": "فتنة الفقر".
(وأعوذ بك من المأثم والمغرم) أي: من الحضور في مكان الإثم المتعلق بحق الله، ومكان الجناية الموجبة للغرامة في حق العباد، وهو أبلغ من ارتكابهما كما لا يخفى على ما حقق في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧].
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٣٥٣)، والطبراني في الدعاء (٨)، وفي الأوسط (٦٥٨٥)، والحاكم (١/ ٥٢٧)، وانظر المجمع (١٠/ ١٨٢)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٢١٧١)، والضعيفة (٣٣٥٨، ٤٠٦١): موضوع.
[ ٣ / ١٥٣٣ ]
(اللهم نقِّني) أي: نظفني وطهرني (من خطاياي) أي: ذنوبي الصادرة مني، (كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) أي: الوسخ العارض في البياض الأصلي، المعبر عن الفطرة الجِبِلِّيَّة.
(اللهم باعد بيني وبين خطاياي) أي: المقدّرة علي الممكنة وقوعها لدي، (كما باعدت بين المشرق والمغرب)، والمقصود التضرع والابتهال عند ذي الجلال.
(هذا ما سأل محمدٌ ربَّه) أي: [وعلمه] (^١) أمته أدبه، قال المصنف: "هو من تتمة دعائه ﵇، لا من قول الراوي" (^٢).
(ط، طس) أي: رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" أيضًا عن أم سلمة عن النبي ﵇: "هذا ما سأل محمد ربه … " (^٣).
(اللهم إني أسألك خير المسألة) أي: خير كلّ ما يُسأل عن حضرتك، (وخير الدعاء) أي: وخير كلّ مدعو ومطلوب من رحمتك، (وخير النجاح) أي: وخير كلّ ظفر وفوز على مقصود، (وخير العمل) أي: من
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "وعلم".
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٣) أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (٢٣/ ٣١٧) رقم (٧١٧)، وفي "معجمه الأوسط" (٦٢١٨)، وفي "الدعاء" (١٤٢٢). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن زنبور، وعاصم بن عبيد، وهما ثقتان (مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٠).
[ ٣ / ١٥٣٤ ]
جنس الأعمال الظاهرة والباطنة، (وخير الثواب) أي: الأجر والمثوبة، (وخير الحياة والممات) وفي نسخة: "وخير الممات"، أي: وخير مدتهما، أو خير ما فيهما.
(وثبتني) أي: على الحق، (وثقل موازيني) أي: موزونات أعمالي الصالحة، (وحقق إيماني) أي: بالثبات والدوام إلى الممات، (وارفع درجتي) أي: علمًا وعملًا، ودُنيا وأُخري، (وتقبَّل صلاتي) أي: وسائر عباداتي، (واغفر خطيئتي) أي: جميع سيئاتي، (وأسألك الدرجات العُلى) أي: العالية في المراتب الغالية، (من الجَنَّة، آمين).
(اللهم إني أسألك فواتح الخير) أي: مبادئه، (وخواتمه) أي: نهايته، (وجوامعه) أي: الخيرات الجامعة النافعة في الدنيا والآخرة، (وأوله وآخره) أي: الفرد الأول والآخر منه، (وظاهره وباطنه) والمقصود استيفاء أجناس الخير وأنواعه وأصنافه وأفراده، (والدرجات العُلى من الجَنَّة، آمين).
(اللهم إني أسألك خير ما آتي) بمد الهمزة وكسر التاء: متكلم مضارع من الإتيان أي: خير ما أظهره من القول باللسان، (وخير ما أفعل) أي: بسائر الأعضاء والأركان، (وخير ما أعمل) أي: من طريق القلب والجنان.
فالمقصود: استقصاء أعمال الخير من العبادات القولية والعبادات البدنية من الأعمال الظاهرية، والطاعات النفسية من الأخلاق الباطنية، وقال الحنفي: "ما آتي، أي: أفعل، والجمل الثلاث متحدة في المعنى ذكرت للتأكيد والمبالغة في محل الدعاء"، (وخير ما بطن، وخير ما ظهر) أي: في الكونين، (والدرجات العُلى من الجَنَّة، آمين).
[ ٣ / ١٥٣٥ ]
(اللهم إني أسألك أن ترفع ذكري) أي: تزيد في رفعة ذكري، أو تديم رفعة شأني، وإلا فهو مرفوع الذكر بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤].
وعلى هذا المنوال قوله: (وتضع وزري) أي: ثقل إثمي وتقصيري، (وتصلح أمري) أي: جميع شأني، (وتطهر قلبي) أي: عن العقائد الفاسدة والأخلاق الكاسدة، (وتحصن) بتشديد الصاد، وفي نسخة: بالتخفيف، أي: وتحفظ (فرجي) أي: من الميل إلى المحرم.
(وتنور قلبي) أي: [بأنوار] (^١) المعلوم اللدنية والأسرار الربانية، وفي "سلاح المؤمن": "وتنور لي قلبي"، فلا تكرار بينه وبين ما سبق؛ لأن الأول إيماء إلى التخلية، والثاني إلى التجلية والتحلية، وفي "الكلم الطيب" ناقلًا عن الطبراني: "وتنور لي في قبري". (وتغفر لي ذنبي) أي: بمحوه، (وأسألك الدرجات العُلى من الجَنَّة، آمين).
(اللهم إني أسألك أن تبارك لي في سمعي، وفي بصري، وفي روحي، وفي خَلقي) بفتح أوله، (وفي خُلُقي) بضمتين، أو بضمّ أوله، أي: في ظاهري وباطني، (وفي أهلي، وفي محياي، وفي مماتي، وفي عملي) أي: في جميع أعمالي، أو في: عملي عند انتهاء أجلي؛ فإنّ الأعمال بالخواتيم.
_________________
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): "بالأنوار".
[ ٣ / ١٥٣٦ ]
(وتقبل) بالنّصب عطفًا على "تبارك" على حذف إحدى التاءَين منه، أي: وأن تتقبل (حسناتي) وفي بعض النسخ: "وتقبل" بالسكون، على أنه صيغة الأمر، ويؤيده ما في "الكلم الطيب" من زيادة: "اللهم وتقبل حسناتي". (وأسألك الدرجات العُلى من الجَنَّة، آمين).
وفي ختم كلّ دعوةٍ بسؤال الدرجات العُلى من الجَنَّة إشعارٌ بأنها هي المطلوبة الأعلى والمقصودة الأسنى، وتكرار "آمين" لتأكيد طلب الإجابة في كلّ حين. (مس، ط، طس) أي رواه: الحاكم، والطبراني في "الكبير" وفي "الأوسط" أيضًا عن أمّ سلمة أيضًا (^١).
(اللهم اجعل أوسع رزقك عَليَّ) أي: المعنوي، (عند كبر سِني) أي:
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" (٢٣/ ٣١٧) رقم (٧١٧)، وفي "معجمه الأوسط" (٦٢١٨)، وفي "الدعاء" (١٤٢٢) والحاكم (١/ ٥٢٠) ومدار الحديث على عاصم بن أبي عبيد وهو مجهول، روى عنه: موسى بن عقبة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الحاكم ثلاثة أحاديث وقال عقبها: صحيح الإسناد. انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٤٧٩) الثقات لابن حبان (٥/ ٢٣٨) والجرح والتعديل (٦/ ٣٤٩). وقال الدارقطني: يرويه موسى بن عقبة، واختلف عنه؛ فرواه سهيل بن أبي صالح، عن موسى بن عقبة، عن عاصم بن أبي عبيد، عن أم سلمة. ورواه يوسف بن خالد السمتي، عن موسى بن عقبة، عن عاصم، عن شيخ كان يدخل على زينب، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها، عن النبي ﷺ وكأن قول سهيل أشبه "العلل" (١٥/ ٢٢١).
[ ٣ / ١٥٣٧ ]
لأتقوى على إصلاح شأني، وفي "سلاح المؤمن": "اللهم اجعل أوسع رزقك عليَّ عند كبر سني، وانقطاع عُمري"، (وانقطاع عمري) أي: وعند انتهاء أجلي؛ ليكون حسن عملي على وفق منتهى أملي، والمصنف حمله على الرزق الحسي، حيثما قال: "يعني أنه في ذلك الوقت يكون ضعيفًا عن السعي والكدّ" (^١)، انتهى.
وهو منافٍ لما ثبت "أنه ﷺ مات مسكينًا" كما سأله [من] (^٢) ربه ومديونًا عن يهودي، بوضع درعه عنده، وأوصى عَلِيًّا كرم الله وجهه أن يقضيه عنه.
وأيضًا فمن المقرّر أنه ﷺ ما كان يعيش بالسعي والكد، وإنما كان يتعيش بالجهاد والاجتهاد والجد في الطاعة، والتوكل والاعتماد على ربّه، وقد عُرِضَ عليه كنوز الدنيا وصيرورة جبالها ذهبًا فأعرض عنها، واختار الفقر على الغنى استغناءً برزق المولى قائلًا: "أجوع يومًا فأصبر، وأشبع يومًا فأشكر"، وقد قال تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
(مس، طس) أي رواه: الحاكم، والطبراني في "الأوسط"؛ كلاهما عن عائشة ﵂ (^٣).
(اللهم اغفر لي ذنوبي وخطايَ) الخطأ نقيض الصواب، وقد يهمز
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٢) هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ: "عن".
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٢) وقال: حسن الإسناد والمتن غريب. وأخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط (٣٦١١). قال الهيثمي (١٥/ ١٨٢): إسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٥٥) والصحيحة (١٥٣٩).
[ ٣ / ١٥٣٨ ]
على ما في "الصحاح" (^١)، وهو بغير مد في "الجلال"، وهو يحتمل أن يكون بألف بعده ياء مفتوحة، أو بهمز بعده ياء ساكنة.
وأما "أصل الجلال" فجمع بين الألف والهمزة، وفي نسخة: "خطاياي" بصيغة الجمع المكسر، لكن يؤيد الإفراد المضافَ المرادَ به الجنسُ قولُه: (وعمدي. حب) أي: رواه ابن حبان عن عثمان بن أبي العاص (^٢)
(يا من لا تراه العيون) قال المصنف: "يعني في الدنيا، (ولا تخالطه الظنون) أي: لا يدخل في علمه شك، بل يعلم الجزئيات على التحقيق" (^٣)، انتهى.
والأولى أن يقال: المعنى لا تبلغ كنه ذاته وصفاته الأوهام والظنون، حتى يناسب ما قبله وما بعده، (ولا يصفه الواصفون) قال المصنف: "أي: يعجز الواصفون عن وصف حقيقته ﵎" (^٤).
(ولا تغيره الحوادث) أي: من الكائنات وجودًا وعدمًا؛ إذ لا يحله حادث، ولا يحل فيه سبحانه، فهو منزه عن الحلول والاتحاد خلافًا لما قاله الزندقة وأصحاب الإلحاد.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٤٢) وقال: حسن الإسناد والمتن غريب. وأخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط (٣٦١١). قال الهيثمي (١٠/ ١٨٢): إسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٥٥) والصحيحة (١٥٣٩).
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٠١).
(٣) الصحاح (١/ ٤٧).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
[ ٣ / ١٥٣٩ ]
(ولا يخشى الدوائر) أي: لا يخاف عواقب الأمور وحوادث الدهر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]، وورد: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، قال المصنف: "أي: دوائر الزمان وتقلباته" (^١).
([تعلم] (^٢) مثاقيل الجبال ومكاييل البحار) أي: مقاديرهما من عدد حصيات الجبال وقطرات البحار، (وعدد قطر الأمطار) أي: قطراتها النازلة من السماء فوق الجبال والبحار وغيرها، والقطر جمع قطرة على ما في "الصحاح"، والأصح أنه اسم جنس مفردُهُ بالتاء، (وعددَ ورق الأشجار) أي: وسائر الأنبات والأزهار، (وعدد ما أظلم عليه الليل، وأشرق عليه النهار) تعميم وتتميم أي: عدد ما دخل تحت ظلمة الليل وإشراق النهار.
(ولا تواري) أي: لا تخفي، ولا تستر، ولا تحجب، ولا تحجز، ولا تمنع (منه) أي: من الله (سماءٌ سماءً) فوقها أو تحتها، فإن علمه سبحانه يستوي فيه جميع الأشياء من العلويات والسفليات، والجزئيات والكليات في عالم الملك والملكوت، والغيب والشهادة؛ ولذا قال: (ولا أرض أرضًا، ولا بحر ما في قعره) أي: الجواهر والحيوانات والنباتات،
(ولا جبل ما في وعره) أي: جوفه من المعادن والينابيع وغيرهما، قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
(اجعل خير عُمُري آخره، وخير عملي خواتيمه) وفي نسخة:
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٥/ ب).
(٢) كذا في (أ) و(ج) و(م)، وفي (د): "يعلم"، وليست في (ب).
[ ٣ / ١٥٤٠ ]
"خواتمه"، وقد سبق تحقيقهما، (وخير أيامي يومَ ألقاك فيه) أي: وقت أحضر عندك بالموت أو بالبعث، وفي نسخة": "يوم لقائك". (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس (^١).
(يا ولي الإسلام) أي: متصرفه بتغير أحكامه، أو يا ناصر الإسلام، (وأهله) بالجر عطفًا على الإسلام، ولو روي بالنصب عطفًا على المضاف، لكان له وجه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، أي: أهل أن ينقاد لحكمه ويطاع لأمره، (ثبتني به) أي: بقبوله والقيام بأحكامه، (حتى ألقاك. ط) أي: رواه الطبراني عنه أيضًا (^٢).
(اللهم إني أسألك الرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة) متعلق بالشوق، أو بلقائك، ويمكن أن يكون بمعنى "مع"، (ولا فتنةٍ مُضلة) تقدم قريبًا مع تفاوت قليل لفظًا. (ط، طس) أي: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" معًا عن فَضالة بن عبيد (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٩٤١١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ١١٠).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ١٧٦).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣١٩) رقم (٨٢٥). وأخرجه أيضًا: في الأوسط (٦٠٩١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجالهما ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ١٧٧).
[ ٣ / ١٥٤١ ]
(اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة. أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني (^١)؛ كلاهما من حديث بسر بن أرطاة، من صغار الصحابة، وقد مرَّ بهذا اللفظ قبل ذلك بورقتين، وأرقم عليه: "حب، مس"، فلا أدري ما فائدة التكرار وتغيير الأرقام، ذكره ميرك. يعني وكان يمكنه أن يجمع بين الرموز، حيث لفظ الحديث متحد.
(من كان ذلك دعاءه) بالنصب، ويجوز رفعه، والمراد من داوم عليه (مات قبل أن يُصيبه البلاء) أي: المتعوذ منه، أو جنس البلاء الذي يكون سبب الخزي في إحدى الدارين. (ط) أي: رواه الطبراني عنه أيضًا. قال المصنف: "حديث جليل ينبغي أن يواظب عليه فإنه مُجَرَّب" (^٢).
(اللهم إني أسألك غناي) أي: غِنَى قلبي، (وغنى مولاي) أي: في يدي من غير صنيع للخلق في حقي، وأغرب الحنفي في قوله: "للمولى معانٍ كثيرة يمكن أن يراد أكثرها في هذا المقام".
نَعَم، لا يبعد أن يكون المراد بالمولى هنا الناصر، أي: وغنى من ينصرني في ديني.
(أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني؛ كلاهما من حديث أبي صِرْمة (^٣)،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٣)، والطبراني (٢٢/ ٣٢٩، رقم ٨٢٨). قال الهيثمي (١٠/ ١٧٨): رواه أحمد، والطبراني، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، =
[ ٣ / ١٥٤٢ ]
بكسر الصاد المهملة وسكون الراء، المازني الأنصاري، صحابي اسمه مالك بن قيس، وقيل: قيس بن صِرمة، وكان شاعرًا (^١).
(اللهم إني أسألك عيشة نقية، وميتة سوية، ومردًّا غير مخزي ولا فاضح. ط) أي: رواه الطبراني عن عمرو، بالواو، وقد سبق بعينه قريبًا، إلَّا أنه برمز آخَرَ (^٢).
(اللهم اغفر لي) أي: بمحو سيئاتي، (وارحمني) بقبول حسناتي، (وأدخلني الجَنَّة) أي: بفضلك وكرمك، لا بعبادتي ولا بطاعاتي. (ط) عن ثابت بن زيد (^٣).
(اللهم بارك لي في ديني الذي هو عصمة أمري) تقدم مبناه ومعناه، (وفي آخرتي التي إليها مصيري) أي: مرجعي ومآبي، ومكان حسابي، وزمان ثوابي.
_________________
(١) = وكذلك الإسناد الآخر وإسناد الطبراني غير لؤلؤة مولاة الأنصار، وهي ثقة. وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة (٦/ ٢٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٦٢) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٩٧) والسلسلة الضعيفة (٢٩١٢).
(٢) الإصابة (٥/ ٥٠٠).
(٣) أخرجه الطبراني وفيه السائب بن يزيد كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٧٩)، والحاكم (١/ ٥٤١) وقال: صحيح الإسناد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٩٦) والسلسلة الضعيفة (٢٩١٢).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ١٥٤) رقم (٦٦٧٠)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٨٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٢٢).
[ ٣ / ١٥٤٣ ]
(وفي دنياي التي فيها بلاغي) أي: وصولي إلى المراتب العلمية والعملية، والاستعداد للمنازل العلية الرضية؛ لأنَّها دار العبادة ومزرعة السعادة، (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر. ر) أي: رواه البزار عن الزبير بن العوام (^١).
(اللهم اجعلني صبورًا) أي: كثير الصبر على [الطاعة، وعن المعصية، وفي المصيبة] (^٢).
(واجعلني شكورًا) أي: كثير الشكر على نعمتك ومنحتك، بل وعلى نقمتك ومحنتك، (واجعلني في عيني صغيرًا) لئلا أقع في العجب والغرور، (وفي أعين الناس كبيرًا) ليؤثر فيهم وعظي وأمري ونهيي، ولا يقعوا في معصية لأجلي. (ر) أي: رواه البزار عن بريدة بن الْحُصَيب الأسلمي (^٣).
(اللهم إني أسألك الطيبات) أي: الحلالات، أو المستلذات المقوية على الطاعات والعبادات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ
_________________
(١) أخرجه البزار (٩٨٦) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير صالح بن محمد جزرة وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ١٨١).
(٢) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ): "الطاعات، وكثير البعد عن المعاصي، وشديد الصبر على المصيبة"، وفي (ب): "الطاعة، وعلى المعصية، وفي المعصية".
(٣) أخرجه البزار كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٨١) قال الهيثمي: فيه عقبة بن عبد الله الأصم، وهو ضعيف، وحسن البزار حديثه. وأورده ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٦٢، رقم ١٩٧٨) وقال: هذا منكر لا يعرف، وعقبة لين الحديث. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٦٧) والضعيفة (٩١١).
[ ٣ / ١٥٤٤ ]
وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
ولا يبعد أن يكون التقدير: فعل الطيبات من الأعمال الصالحات، فيوافق رواية: "فعل الخيرات" الملائمة لمقابلة قوله: (وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تتوب علي) أي: وأن توفقني للتوبة، وتقبلها مني، وتثبتني عليها.
(وإن أردت بعبادك فتنة) أي: بلية ومحنة (أن تقبضني) مفعول ثانٍ لـ "أسألك" المقدّر؛ إذ التقدير: وأسألك إن أردت بعبادك فتنة أن تقبضني، بكسر الباء أي: [تتوفاني] (^١) (إليك غير مفتون) أي: سالمًا من الفتنة مقرونًا بحسن الخاتمة. (ر) أي: رواه البزار عن ثوبان مولى النبي ﵇ (^٢).
(اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) أي: زيادة على ما عندي لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. (وأعوذ بك من علم لا ينفع) كعلم الأنساب، فإنه علم لا ينفع وجهل لا يضر، لكن الاشتغال به تضييع للعمر وغفلة عن الذكر والفكر؛ فيستعاذ منه لذلك. (ط، طس) أي: رواه
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب): "توفني"، وفي (ج): "توفيتني"، وفي (د): "توفيني".
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ٦٠) رقم (٣١٩٧)، الروياني (٦٥٦) التوحيد لابن خزيمة (٣٢٥) عن معاوية بن صالح عن أبي يحيى سليم يعني ابن عامر عن أبي يزيد عن أبي سلام الأسود عن ثوبان ﵁. قال الهيثمي (٧/ ١٧٧): أبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٤٥ ]
الطبراني في "الكبير" عن عائشة (^١)، وفي "الأوسط" عن جابر (^٢).
(اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) وهو ما يعمل به، (وعملًا متقبلًا) بفتح الموحدة المشددة أي: مقبولًا، أو عملًا هو محل القبول، وقابل للوصول. (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن جابر (^٣).
(اللهم ضع) أمر من الوضع، أي: اجعل (في أرضنا بركتَها) بتكثير إنباتها، وتحصيل ثمراتها، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
(وزينتها) إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]. (وَسَكنَها) قال المصنف: "بفتح السين والكاف، أي: غياث أهلها الذي تسكن نفوسهم إليه" (^٤)، انتهى.
وتقدم هذا في دعاء الاستسقاء، فلا يناسب ذكره في هذا المقام المعَنْوَن بـ"الأدعية التي هي غير مخصوصة بوقت ولا سبب". (ط) أي: رواه الطبراني عن سَمُرَةَ.
(اللهم إني أسألك) أي: معترفًا أو متوسلًا (بأنك الأول فلا شيء
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧١٣٩).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٩٠٥٠) قال الهيثمي (١٠/ ١٨٢): إسناده حسن.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٣١٥) قال الهيثمي (١٠/ ١٨٢): رجاله وثقوا.
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
[ ٣ / ١٥٤٦ ]
قبلك، والآخر فلا شيء بعدك) مَرَّ مِرَارًا، (والظاهر) أي: بالصفات ووجود المصنوعات، (فلا شيء فوقك) أي: فوق ظهورك:
ففي كُلِّ شيءٍ له شاهدٌ … يدلُّ على أنَّهُ واحدُ
واختلف العارفون باختلاف مقاماتهم وتفاوت حالاتهم، فقال بعضهم: "ما رأيت شيئًا إلَّا ورأيت الله بعده". وقال بعضهم: "ما رأيت شيئًا إلَّا ورأيت الله قبله". وقال بعضهم: "ما رأيت شيئًا إلَّا ورأيت الله معه".
(والباطن) أي: بالذات (فلا شيء دونك) أي: في كمال البطون؛ ولذا لا يُكتنه كنه معرفته، ولا يدرك كمال عظمته، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، و﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: ٧٤]، أي: ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته، (أن تقضي عنا الدين) أي: حق الناس (وأن تغنينا من الفقر) أي: من الحاجة إلى الخلق.
(مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة (^١).
(اللهم إني أستهديك) أي: أطلب هدايتك (لأرشد أمري) أي: أصلح أموري، (وأعوذ بك من شر نفسي) فإنها شر الأشرار، حيث لا [يضرني] (^٢) غير شرها.
(حب) أي: رواه ابن حبان عن عثمان بن أبي العاص (^٣)، كذا في
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠١٢).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(د)، وفي (ج): "يضر بي".
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢١) وابن حبان (٩٠١)، والطبراني في "الكبير" (٨٣٦٩) من طريق موسى بن إسماعيل، والطبراني في "الدعاء" (١٣٩٢) من طريق أبي =
[ ٣ / ١٥٤٧ ]
هوامش النسخ كلها، لكن قال صاحب "السلاح": "وعن عثمان بن أبي العاص وامرأة من قريش أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وخطائي وعمدي، وقال الآخر: وإني سمعته يقول: اللهم إني أستهديك … إلى آخره، رواه ابن حبان"، انتهى كلامه.
قال ميرك: "وهذا ليس نصًّا في أن هذا الحديث مرويّ عن عثمان بل يحتمل أن يكون مرويًّا عنه وأن يكون مرويًّا عن امرأة [من] (^١) قريش فتأمل".
قلت: تأملنا فوجدنا فيما أملنا ما يدلُّ على أنه مروي عنه لا عنها، حيث قال: وقال الآخر: لأنه نص في أن القائل هو المذكر فتذكر وتدبر، فإن الأمر قد ظهر لمن تأخر، وإن كان الفضل لمن تقدم، والله أعلم.
(اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأستهديك لمراشد أمري) أي: لمصالح شأني ومقاصده ومطالبه، فإن المراشد فسّره الجوهري بـ"مقاصد الطرق"، (وأتوب إليك فتب عليَّ) أي: تقبل توبتي، وثبتني عليها (إنك أنت ربي) أي: فأنت حسبي.
(اللهم فاجعل رغبتي) أي: طمعي (إليك، واجعل غناي في صدري)
_________________
(١) = عمر حفص بن عمر، كلاهما عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وفي رواية موسى بن إسماعيل: امرأة من قريش. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٧٧)، وقال: رواه أحمد والطبراني إلَّا أنه قال: وامرأة من قريش، ورجالهما رجال الصحيح.
(٢) من (أ) و(ب) فقط.
[ ٣ / ١٥٤٨ ]
أي: لا في يدي (وبارك لي فيما رزقتني) أي: بأن أقنع بالقليل، وأن أصرفه في رضاء [الخليل] (^١)؛ رجاء الثواب الجزيل، (وتقبل مني) أي: عملي على وَفق أملي بفضلك وكرمك (إنك أنت ربي. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عمر ﵁ (^٢).
قال ميرك: "أورده صاحب "السلاح" عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وقال في آخره: "رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، فإن كان كذلك، فالظاهر إيراد "مو" قبل "مص"".
(يا من أظهر الجميل) أي: الأمر الجميل الذي نشأ من ظهور صفات الجمال، كما قال: "سبقت -أو غلبت- رحمتي غضبي".
(وستر القبيح) أي: الأمر المكروه الصادر من نعت الجلال، حيث نسبه إلى الشيطان، وسائر أرباب الضلال، أو معناه: يا من أظهر جميل عباده، وستر قبيحهم، فإن من جملة أسمائه "الستار"، ويؤيده "أصل الأصيل": "وستر عليّ القبيح" لا سيما وقد ضبط بتشديد ياء "علي" فالمعنى: يا من أظهر الجميل لدي، وستر القبيح علي.
(يا من لا يؤاخذ) أي: من شاء من عباده (بالجريرة) أي: بسبب الجريمة، (ولا يهتك) بكسر الفوقانية أي: لا يخرق (السِّتر) بكسر السين بمعنى الستارة أي: يا من لا يفضح بهتك الستر من شاء من خلقه.
_________________
(١) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): "الجليل".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٨٧٨).
[ ٣ / ١٥٤٩ ]
(يا عظيم العفو) كذا في "أصل الأصيل" ونسخة للجلال، (يا حسن التجاوز) بفتح الحاء والسين، على أنه صفة مشبهة، وهو ناظر إلى تأكيد معنى قوله: "ولا يهتك الستر"، كما أن قوله: (يا واسع المغفرة) ناظر إلى تأييد معنى قوله: "لا يؤاخذ بالجريرة"، وقوله: (يا باسط اليدين بالرحمة) مما يقوي معنى "يا عظيم العفو"، وبسط اليد كناية عن سعة العطاء، وإيراد التثنية لإرادة زيادة المبالغة.
(يا صاحب كل نجوى) أي: بالاطلاع عليها؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ …﴾ [المجادلة: ٧] الآية، وفيه إشعار بأنه يعلم السر وأخفى.
(يا منتهى كل شكوى) إشارة إلى أنه لا ينبغي الشكوى إلَّا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وذلك أنه لا مستعان إلَّا هو، فلا يغاث إلَّا به، وما النصر إلَّا من عند الله العزيز الحكيم.
(يا كريم الصفح) أي: التجاوز، وأصله على ما في "النهاية" (^١) من الإعراض بصفحة الوجه، كأنه أعرض بوجهه عن ذنبه، ومنه قوله تعالى: [﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]] (^٢).
(يا عظيم المنّ) أي: العطاء والإنعام والإحسان، (يا مبتدئ النعم) وفي نسخة: "يا مبتدئًا بالنعم" (قبل استحقاقها) أي: بسبب طاعة وعبادة،
_________________
(١) النهاية (٣/ ٣٤).
(٢) هذا هو صواب الآية من سورة المائدة وفي جميع النسخ: "فأعرض عنهم واصفح".
[ ٣ / ١٥٥٠ ]
بل قدر النعم قبل استعداد مخلوقاته، مع أن الاستعداد والاستحقاق أيضًا من جملة إنعاماته.
(يا ربنا، ويا سيدنا) هكذا في "أصل الجلال" بالواو العاطفة، وهي ساقطة في "أصل الأصيل"، ووجودها هو المناسب لقوله: (ويا مولانا، ويا غاية رغبتنا) أي: نهاية مطلوباتنا، (أسألك يا ألله أن لا تشوي) أي: لا تحرق (خلقي بالنار) وفي نسخة: ["خلقنا"] (^١)، وهو الملائم لما قبله لفظًا، ولعل وجه العدول أن الجمع فيما سبق عام للمؤمن والكافر، فلا بد أن يقيد عدم الإحراق بالنار لنفسه وفي معناه من تبعه.
(مس) أي: رواه الحاكم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وقال: "صحيح الإسناد، فإن رواته كلهم مدنيون ثقات" (^٢).
_________________
(١) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): "خلقتنا".
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٥) وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير" (١٩٦). ذكره الذهبي في "الميزان" قال: (١/ ١٣٦) في ترجمة أحمد بن محمد بن داود الصنعاني. أتى بخبر لا يحتمل، … قال الحاكم: صحيح الاسناد. قلت: كلا، قال: فرواته كلهم مدنيون. قلت: كلا. قال: ثقات. قلت: أنا أتهم به أحمد، وأما أفلح فذكره ابن أبي حاتم ولم يضعفه. وافقه الحافظ في لسان الميزان (١/ ٢٦٢) وزاد: "وقد جوزت في ترجمة أحمد بن عبد الله بن أخت عبد الرزاق أنه هذا فإن أحدا ما قيل فيه أنه أحمد بن داود فكأنه نسب إلى جده وقد تقدم النقل عمن نسبه إلى الكذب".
[ ٣ / ١٥٥١ ]
(تم نورك) أي: كمُل وشمل من أردت تنويره بالهداية (فهديت) أي: فأرشدته إلى طريق الحق (فلك الحمد) أي: على ذلك، وفيه إيماء إلى ما ورد "أن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى".
(عظُم) بضم الظاء أي: كثر (حلمك) أي: عفوك (فعفوت، فلك الحمد، بسطت يدك) بصيغة الواحدة وفي نسخة بصيغة الخطاب، فـ "يدك" بالنصب، وبسط اليد كناية عن نهاية الكرم وغاية الجود (فأعطيت، فلك الحمد).
(ربَّنا) أي: يا ربنا (وجهك أكرم الوجوه) أي: ذاتك أحسن الذوات وأنفعها وأجودها، (وجاهك أعظم الجاه) أي: والقرب إليك أعظم من كل منصب، (وعطيتك) أي: الخالية عن المنة والمذلة، (أفضل العطية وأهنأها) بهمزتين، أي: ألذها وأحسنها، (تطاع ربَّنا) أي: يا ربنا (فتشكر) أي: فتجازي المطيع على الطاعة، وتثيبه وتثني عليه في كل ساعة، والشكر في الأصل الثناء على المحسن بما أولاك من المعروف، والمراد ها هنا لازمه، وهو إعطاء الجزاء على الطاعة والإطاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، ومن أسمائه سبحانه الشكور، وهو الذي يعطي الجزيل على القليل.
(وتُعصى) بصيغة المجهول، (ربَّنا) أي: يا ربنا (فتغفر) أي: لمن تشاء، (وتجيب المضطر) أي: إذا دعاك، (وتكشف الضر) بالضم ويفتح،
[ ٣ / ١٥٥٢ ]
أي: تزيل الضرر إذا شئت، (وتشفي) بفتح أوله أي: تعافي (السقيم) أي: المريض، (وتغفر الذنب) أي: الكبير (وتقبل التوبة) أي: من كمال الفضل والحلم، (ولا يجزي) بفتح الياء وكسر الزاي، من الجزاء بمعنى المجازاة، أي: لا يجازي (بآلائك) أي: نعمائك (أحد) ففي "الصحاح": "جزيته بما صنع جزاء، وجازيته بمعنًى".
(ولا يبلغ مدحتك) أي: لا يصل إلى كمال مدحك (قول قائل) من المادحين والواصفين. (ص، مو مص) أي: رواه أبو يعلى عن علي كرم الله وجهه مرفوعًا، وابن أبي شيبة عنه موقوفًا (^١).
(اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها) أي: رحمتك (إلا أنت) وكذا الفضل، ولعله من باب الاكتفاء، أو ترك ذكره [للمقايسة] (^٢)، وخصت الرحمة بالذكر لأنها أقرب، أو الضمير راجع إلى الصفة الشاملة للفضل والرحمة، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. (ط) أي: رواه الطبراني عن ابن مسعود (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٤٠) مرفوعا، وابن أبي شيبة في المصنف موقوفا (٢٩٢٥٧). قال الهيثمي فرات لم يدرك عليا والخليل بن مرة وثقه أبو زرعة وضعفه الجمهور "مجمع الزوائد" (١/ ١٥٨).
(٢) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): "للمناسبة".
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٧٨) رقم ١٠٣٧٩). قال الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٩): رجاله رجال الصحيح غير محمد بن زياد البرجمي، وهو ثقة. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٤٣).
[ ٣ / ١٥٥٣ ]
(اللهم اغفر لي ما أخطأت، وما تعمدت، وما أسررت، وما أعلنت، وما جهلت، وما علمت) المراد استيفاء الذنوب، واستقصاء العيوب. (أ، ر، ط) أي رواه: أحمد، والبزار، والطبراني، عن عمران بن حصين (^١).
(اللهم اغفر لنا ذنوبنا وظلمنا) أي: تعدينا على غيرنا، (وهزلنا) أي: في نحو الكذب [والسخرية] (^٢)، (وجدنا وخطاءنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا) أي: موجود أو ممكن. (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني؛ كلاهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص (^٣).
(اللهم اغفر لي خطاي وعمدي، وهزلي وجدي، ولا تحرمني) بفتح أوله، ويجوز ضمه وكسر رائه، من الحرمان أي: لا تمنعني (بركة ما أعطيتني، ولا تفتني) بتشديد النون، أي: لا توقعني في الفتنة (ولا تضلني فيما أحرمتني) من الإحرام، أي: فيما جعلتني محرومًا. (طس) أي: رواه
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٣٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١١٥) رقم (٢٤٢). قال الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٧٢) رواه أحمد، والبزار، والطبراني بنحوه، ورجالهم رجال الصحيح غير عون العقيلي، وهو ثقة.
(٢) من (ج) و(د) فقط.
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٣)، والطبراني في الدعاء (١٧٩٤) وابن حبان (١٠٢٧)، عن حيي بن عبد الله. قال: حدثني أبو عبد الرحمن الحبلي، فذكره. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٧٢) رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن.
[ ٣ / ١٥٥٤ ]
الطبراني في "الأوسط" عن أبي بن كعب (^١).
(اللهم أحسنت خلقي) وفي نسخة: "حسنت" بالتشديد أي: جعلت خلقي الظاهر حَسَنًا، (فأحسن خلقي) وفي رواية أبي يعلى: "فحسن خلقي"، أي: اجعل أخلاقي الباطنة مستحسنة. (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى؛ كلاهما عن أم سلمة (^٢).
(رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم) أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى؛ كلاهما عن ابن مسعود (^٣).
(سلوا الله العفو) أي: عن الذنوب (والعافية) أي: عن العيوب؛ (فإن أحدًا لم يُعْطَ) بصيغة المجهول، (بعد اليقين) أي: زوال الشك في الإيمان وكمال المعرفة والإيقان، وقال المصنف: "أي: العلم وزوال الشك، أي: في الإيمان" (^٤)، انتهى. (خيرًا من العافية).
(ت، س، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧١١٠) قال الهيثمي (١٠/ ١٧٢): رجاله رجال الصحيح غير عصمة أبي حكيمة وهو ثقة.
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٦٨) وأبو يعلى (٥٠٧٥) قال الهيثمي (١٠/ ١٧٣): رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٠٧).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٣) وأبو يعلى (٦٨٩٣) قال الهيثمي (١٠/ ١٧٤): رواه أحمد وأبو يعلى بإسنادين حسنين. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٦٣٤).
(٤) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
[ ٣ / ١٥٥٥ ]
وابن حبان، والحاكم؛ كلهم عن أبي بكر الصديق ﵁ (^١)، ولفظ الحاكم: "سلوا الله العفو والعافية واليقين في الأولى والآخرة".
(يا رسول الله، علمني شيئًا أدعُ الله به) وفي نسخة: "أدعو"، بالرفع على تقدير "أنا"، وأكثر النسخ على الجزم في جواب الأمر، (فقال: سل ربك العافية، فمكثت أيامًا) بفتح الكاف وضمها أي: لبثت مدة، (ثم جئت، فقلت: يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله) بالجزم، وقيل: بالرفع، أي: أسأل ذلك الشيء (ربي) وأطلبه منه، (فقال: يا عم، سلِ الله العافية في الدنيا والآخرة. ط) أي: رواه الطبراني عن العباس ﵁.
(يا عم، أكثر الدعاء بالعافية) أمر من الإكثار. (ط) أي: رواه الطبراني عن العباس (^٢).
(ما سأل الله) بالنصب، وهو في "أصل الأصيل" ثابت (العبادُ) بالرفع (شيئًا) أي: من الأشياء (أفضلَ من أن يغفر لهم ويعافيهم) أي: من ذنب
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣ و٥ و٧ و٩)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٨٩)، وفي "الكبرى" (١٠٧١٨)، والترمذي (٣٥٥٨)، وابن ماجه (٣٨٤٩)، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٣٨٧).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩١٨٥)، وأحمد (١/ ٢٠٩)، والترمذي (٣٥١٤)، وقال: صحيح. قال الهيثمي: رواه كله الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد، وهو حسن الحديث .. (مجمع الزوائد ١٠/ ١٧٥).
[ ٣ / ١٥٥٦ ]
لا يغفر لهم. (ر) أي: رواه البزار عن أبي الدرداء (^١).
(يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى، قولي: اللهم ربَّ النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب) من الإذهاب أي: أزل (غيظ قلبي) أي: كل ما يغيظ به قلبي من غل وحقد وسائر الأخلاق الذميمة.
قال المصنف: "الغيظ هو غضب [كائن] (^٢) للعاجز، وذهابه من القلب نعمة لا مزيد عليها" (^٣).
(وأجرني) من الإجارة، أي: احفظني (من مضلات الفتن) أي: في الفتن المضلة، ومن المحن المغوية (مما أحييتنا) أي: إلى أن [تَتَوَفَّانَا] (^٤) على هذه الصفة. (أ) أي: رواه أحمد عن أم سلمة (^٥).
_________________
(١) أخرجه البزار في المسند (٤٠٩٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٧٥) رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن السائب، وهو ثقة.
(٢) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): "كامن".
(٣) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٤) هذا هو الأليق بالسياق، وفي (أ): "تتوفنا"، وفي (ب) و(ج): "توفينا"، وفي (د): "توفيتنا".
(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٣١٥ و٣٠٦) وأخرجه الترمذي مختصرًا (٣٥٢٢) وقال الترمذي: (هذا حديثٌ حسنٌ). وقال الزبيدي في إتحاف السادة (٥/ ١٠٥): (ورأيت بخط الحافظ السخاوي ما نصُّه: هو في مسند أحمد من حديث أم سلمة في حديث طويل وسنده حسنٌ).
[ ٣ / ١٥٥٧ ]
(لا يقولن أحدكم: اللهم لقني حجتي) بتشديد القاف والنون، أي: ألهمني حجتي ودلني على بينتي، (فإن الكافر يلقن) بتشديد القاف المفتوحة أي: يعطى (حجته) بالنصب.
قال المصنف: "يلقنه الشيطان حجته الباطلة، قال تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، والحجة الدليل" (^١) انتهى.
وداحضة بمعنى باطلة، لا يقال: السؤال وقع من الله، فكيف قول المصنف: "يلقنه الشيطان"، فإن الأمر كله في الحقيقة راجع إلى الله، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وإنما الشياطين مظاهر الجلال، وينشأ منهم الإضلال، كما أن الأنبياء مظاهر الجمال، ويظهر منهم الإهداء والإكمال، فالتحقيق أن النهي إنما وقع عن تلقين الحجة على الإطلاق، والصواب تقييده بدليل قوله: (ولكن يقول: اللهم لقني حجة الإيمان عند الممات) أي: خصوصًا، فإن المدار على حسن الخاتمة، وضبط السيد أصيل الدين في الموضعين لفظ "لقنني" بالنونين، وهو غير صحيح من جهة الإملاء، ولعله أراد دفع وهم القراءة بنون واحدة، والله سبحانه أعلم.
(ط) أي: رواه الطبراني عن عائشة ﵂. (^٢)
_________________
(١) "مفتاح الحصن الحصين" (ل ٢٠/ ب).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٨٦) من رواية أبي هريرة. قال الهيثمي (١٠/ ١٨٢): فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٥٨ ]