شهد القاصي والداني في زمانه وإلى يومنا هذا بمكانته، وعِظَمِ شأنه، وما أوضح ذلك فيمن ترجم له في قرنه وما بعده، حيثما يندر من يُتَرْجَمُ له في هذه الكتب وليس مُجَازًا بالرواية عن الإمام ابن الجزري في
_________________
(١) غاية النهاية برقم: (٣٣٥٠).
[ ١ / ٣١ ]
القراءات، أو في الحديث، أو في مصنفاته.
ومما يُبْرِزُ هذا المعنى: أن والدته الشيخة الصالحة "عائشة بنت الحسن بن علي الدمشقية"، سمعت بإفادة ولدها الإمام شمس الدين ابن الجزري وروت عنه. (^١)
وأغلب من يُترجِم له، يَعدُّه في طبقة أصحاب "الفخر بن البخاري" (^٢). لقد كان الإمام ابن الجزري من أفذاذ العلماء في عصره، أثنى عليه معاصروه ومن بعدهم الثناء الجم، ومن ذلك:
قول الحافظ ابن حجر: (الحافظ الإمام المقرئ، ولد بدمشق، وتَفَقَّه بها، ولَهَجَ بطلب الحديث والقراءات، وبرز في القراءات، وعَمَّر مدرسةً للقرَّاء سماها "دار القرآن" وأقرأ الناس، وعُيِّنَ لقضاء الشام مرة، وكتب توقيعه عماد الدين بن كثير). (^٣)
وقال: (في موضعٍ آخر: (وقد انتهت إليه رئاسة علم القراءات في
_________________
(١) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (١/ ١٠٦)، وماتت رحمها الله في ربيع الآخر من سنة (٧٨٥ هـ).
(٢) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي فخر الدين، ويُعرف بـ"ابن البخاري" عالم فقيهٌ محدِّثٌ، ولد سنة (٥٩٦ هـ)، وتوفي سنة (٦٩٠ هـ)، من مصنفاته: "أسنى المقاصد وأعذب الموارد" في ترجمة شيوخه، يروي عنه بواسطة: "صلاح الدين المقدسي، وابن أميلة المراغي، والمحب، وغيرهم"، فيعدُّونه من أصحابه لتبجيل أصحابه له.
(٣) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (١/ ١٠٦).
[ ١ / ٣٢ ]
الممالك … وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم). (^١)
وقال عنه أيضًا: (وعَجِبَ الناسُ من شدة حرصه، مع كثرة ماله وعلوِّ سنه، وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز). (^٢)
وقال تلميذه الإمام السَّخاوي: "وأَذِنَ له غيرُ واحدٍ بالإفتاء والتدريس والإقراء بالعادلية، ثم مشيخة دار الحديث الأشرفية، ثم مشيخة تربة أم الصالح بعد شيخه ابن السلار، وعمل فيه إجلاسًا بحضور الأعلام كالشهاب بن حِجِّي، وكان درسًا جليلًا". (^٣)
وقال (في موضعٍ آخر: "وانتفع به أهل الآفاق خصوصًا شيراز والروم في القراءات والحديث، وسارت تصانيفه، وتقدَّم عند الملوك، وجاور بكلٍ من الحرمين، وأخذ عن أهلهما … ووَصَفَه شيخي بالحفظ". (^٤)
قال تلميذه الإمام النويري: (واعتنى بعلوم القراءات والحديث فأتقنها وبهر فيها، حتى برع ومهر، وفاق غالب أهل عصره، وتفقَّه على الشيخ عماد الدين بن كثير، وهو أوَّل من أَذِنَ له في الفنون والتدريس). (^٥)
قال الإمام السيوطي: (لا نظير له في عصره، حافظًا للحديث … ألَّف
_________________
(١) انظر كذلك المصدر السابق (٢/ ٥٨١ و٥٨٢).
(٢) وكذلك المصدر السابق (٢/ ٥٢٩).
(٣) انظر: الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥).
(٤) انظر: الغاية شرح الهداية (١/ ٦٧)، ويقصد بشيخه: "الحافظ ابن حجر".
(٥) شرح طيِّبة النشر (١/ ٣٣).
[ ١ / ٣٣ ]
"النشر في القراءات العشر" لم يُصَنَّفْ مثله، وله أشياء أُخَر، وتخاريج في الحديث، وعملٌ جيِّد، وصفه ابن حجر بالحفظ في مواضع عديدة من الدرر الكامنة). (^١)
قال الشوكاني: (وقد تفرَّد بعلم القراءات في جميع الدنيا، ونشره في كثير من البلاد، وكان من أعظم فنونه وأجلِّ ما عنده). (^٢)
وحكى صاحب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية أن الإمام ابن الجزري لمَّا وصل هو وتيمور إلى سمرقند، عمل تيمور هناك وليمةً عظيمة، فجعل على يساره أكابر الأمراء وعلى يمينه العلماء، فقدَّم الإمام ابن الجزري على الإمام السيد شريف الجرجاني، فعوتب في ذلك، فقال: (كيف لا أقدِّم رجلًا عارفًا بالكتاب والسنة) (^٣) وغير ذلك من الأقوال.