قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-[ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضًا قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. أخبر سبحانه أن هؤلا هم الذين يرثون فردوس الجنة، وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال؛ إذ لو كان فيها ما هو مستحبّ لكانت جنة الفردوس تورث بدونها، لأن الجنة تُنال بفعل الواجبات دون المستحبات، ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب] (١).
وقال الإمام أبو حامد الغزالي -﵀-: [بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب. اعلم أن
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/ ٥٥٤.
[ ٣٨ ]
أدلة ذلك كثيرة؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة تضادُّ الذكر، فمن غفل في جميع صلاته: كيف يكون مقيمًا للصلاة لذكره؟
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. نهي، وظاهره التحريم. وقوله ﷿: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. تعليل لنهي السكران. وهو مطّرد في الغافل المستغرق الهمّ بالوسواس وأفكار الدنيا قال -ﷺ-: «كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب» (١)، وما أراد به إلا الغافل، وقال -ﷺ-: «ليس للعبد من صلاته إلا ما
_________________
(١) وهو حديث صحيح رواه الدارمي ٢/ ٣٠١ وفي طبعة اليماني برقم ٢٧٢٣ عن أبي هريرة ولفظه: «كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر»، رواه أحمد ٢/ ٤٤١، وابن ماجة ١٦٩٠ بلفظ مقارب.
[ ٣٩ ]
عقل منها» (١)، والتحقيق فيه أن المصلّي مناج ربَّه ﷿ كما ورد به الخبر، والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة] (٢).
ومن الآيات التي تدل على مكانة الخشوع ووجوبه وأهميته قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقوله جل ثناؤه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وبهذا يتحرر أن الخشوع واجب في الصلاة، ومن رحمة الله أنه اطلع على ضعف العباد، فلم يجعل الخشوع شرطًا في صحة الصلاة وإجزائها خلافًا لما ذهب إليه الغزالي –﵀-، وليس ركنًا إن تركه بطلت؛ فإذا حاول العبد الخشوع
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) الإحياء ١/ ١٦٥ - ١٦٦.
[ ٤٠ ]
ولم يبلغه أو لم يحاوله فصلاته صحيحة على الراجح من أقوال العلماء وقد أجزأته .. إن الخشوع واجب وجدير بالمسلم أن يحرص عليه وأن يأتي بأسبابه الموصلة إليه والحديث: «المصلّي يناجي ربه» (١). يقتضي أن يكون المصلّي حاضر القلب لأن المناجاة لا تتم إلا بحضور القلب.