يا أخي ورد عن النبي -ﷺ- أدعية عدة (١) كان يدعوا بها في استفتاحه الصلاة.
ويحسن بالمصلّي أن لا يقتصر على دعاء واحد منها في الصلاة، بل يأتي بهذا مرة وبالثاني مرة، حتى لا يكون لفظًا معتادًا يردّده دون تدبّر؛ هذا إن استطاع.
ونود أن نتأمل واحدًا منها وهو ما أورده الإمام مسلم عن علي عن رسول الله -ﷺ- أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ
_________________
(١) أوردها الإمام النووي في «الأذكار».
[ ٨١ ]
رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» (١).
عليك يا أخي أن تتأمل في معنى هذا الدعاء وتتدبّره.
فقولك: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) يذكّرك بسيدنا إبراهيم الذي قال هذه الكلمة عندما أراد أن يقرّر لقومه فساد ما هم عليه من العبادة.
ومعنى (وجّهت وجهي) -كما قال ابن كثير- (٢).
أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي للذي فطر السماوات والأرض، أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، (حنيفًا) أي في حال كوني حنيفًا أي مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: (وما أنا من المشركين).
_________________
(١) صحيح مسلم برقم ٧٧١.
(٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٨٥ ط الشعب.
[ ٨٢ ]
وقال أيضًا (١).
أي إنما أعبد خالق الأشياء ومخترعها ومقدّرها ومدبّرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه.
قال القرطبي (٢): [أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله ﷿ وحده، وذَكَرَ الوجه لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه].
ثم تؤكد هذه الحقيقة بنفي الشرك عنك فتقول: (وما أنا من المشركين).
هذه الجملة (وجّهت وجهي) تدل على التوجه لعبادة الله وإفراده بها، وقد ورد هذا المعنى في مواضع من كتاب الله؛ فمن ذلك قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]، معناه: أخلصوا العبادة له في الصلاة. ومن ذلك
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٨٦ ط الشعب.
(٢) تفسير القرطبي ٧/ ٢٨.
[ ٨٣ ]
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢].
إن التذكير بعقيدة التوحيد الخالص، والبراءة من الشرك وإخلاص العبادة لله تستفتح به صلاتك، ثم تذكر أن حياتك ومماتك لله ولدعوته، فأنت تحيا وفق شرعه وتلتزم أمره، وتموت في سبيل دعوته، وأنت من المسلمين، تذكر نفسك بكونك في جماعة المسلمين.
وليكن همك -إذا اسفتحت بأي استفتاح آخر- أن تفهمه وتستحضر معانيه.