الوسواس في الصلاة يدل على عدم كمال الإيمان، وعلى عدم استحضار العبد عظمة الله، وعدم الإحسان الكامل في الصلاة؛ فإن الإحسان في الصلاة: هو أن يصلّي المُصلِّي كأنه يرى الله؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، كما قال النبي - ﷺ - حينما سأله جبريل - ﵇ - بقوله: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؛ فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١).
وأما حكم الوسواس في الصلاة، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة، ويحصل له الوسواس تارة، فما الذي يستعين به على دوام الحضور في الصلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مبطلة للصلاة؟ أو منقصة لها أم لا؟ وفي قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيَّته أو لا؟؟
فأجاب: «الحمد لله رب العالمين، الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلًا باتفاق أهل العلم؛ بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلْتَ منها» (٢).
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، برقم ٥٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان، والإسلام، والإحسان، برقم ٩، وثبت في صحيح مسلم، من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، في نفس الكتاب والباب السابقين، برقم ٨.
(٢) تقدم تخريجه، في حكم الخشوع في الصلاة.
[ ٥٢ ]
وفي السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا، إلَّا رُبُعُهَا، إلَّا خُمُسُهَا، إلَّا سُدُسُهَا، إلَّا سُبُعُهَا، إلَّا ثُمُنُهَا، إلَّا تُسْعُهَا، إلَّا عُشْرُهَا» (١).
ويُقال: إن النوافل شُرِعَتْ لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا، وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ» (٢)، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا.
وأما الوسواس الذي يكون غالبًا على الصلاة، فقد قال طائفة، منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبوحامد الغزالي، وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضًا لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلَ لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا
_________________
(١) أبو داود، برقم ٧٩٦، وحسنه الألباني، وقد تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، ١/ ٢٢٩، برقم ٨٦٤، والترمذي في سننه، ٢/ ٢٦٩، برقم ٤١٣، وقال: «حسن غريب»، والنسائي في سننه، ١/ ٢٣٣، برقم ٤٦٦، وابن ماجه في سننه، ١/ ٤٥٨، برقم ١٤٢٥، جميعًا عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٤/ ٢٠، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٤٠.
[ ٥٣ ]
وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» (١)، وقد صحّ عن النبي - ﷺ -: الصلاة مع الوسواس مطلقًا، ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولا ريب أن الوسواس كلّما قلّ في الصلاة، كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أنَّ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدِّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢)، وكذلك فى الصحيح أنه قال: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣).
وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ - ﵁ -: «فيَّ ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحَدِّث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها» (٤).
_________________
(١) البخاري، برقم ٦٠٨، ومسلم، برقم ٣٨٩، وتقدم تخريجه.
(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، برقم ١٥٩، ومسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، برقم ٢٢٦.
(٣) رواية مسلم، كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤، على النحو الآتي: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». ولفظ المتن أقرب لرواية الإمام أحمد، برقم ١٧٣١٤.
(٤) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب، ٢/ ٦٠٥ من حديث ابن عباس متصلًا، وفي جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٣٧٠، وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال، ٣/ ٢٣٤، ورواه الطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ٥/٥٣٢١، وذكره الهيثمي في المجمع، ٩/ ٣٠٨، وقال: «رواه الطبراني بإسنادين أحدهما عن أبي سلمة مرسلًا، والآخر عن الماجشون منقطعًا، وفي إسناده من لم أعرفه».
[ ٥٤ ]
وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر (١).
وكان عبد الله بن الزبير - ﵁ - يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه (٢).
وقالوا لعامر بن عبد القيس أتُحَدِّثُ نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال أو شيء أحب إليّ من الصلاة أُحَدِّثُ به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور، ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنّة فيَّ أحبُّ إليَّ، وأمثال هذا متعدد (٣).
والذي يُعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى، وضعف الشاغل:
أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبّر القراءة، والذكر، والدعاء، ويستحضر أنه مناجٍ لله تعالى، كأنه يراه، فإن المصلي إذا كان قائمًا فإنما يناجي ربه، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان، والأسباب المقوية للإيمان كثيرة؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول: «حُبِّبَ
_________________
(١) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥، ولم أجده عند غيره.
(٢) ذكره أبو نعيم في طبقات المحدثين في أصبهان، برقم ١٧.
(٣) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين دون عزوه لأحد، ١/ ٢٨١، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥، وقد ذكر ابن المبارك في الزهد جزءًا منه، ص ٢٩٤، ومثله في تاريخ دمشق، ٢٦/ ٢٣ ..
[ ٥٥ ]
إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١)، وفي حديث آخر أنه قال: «أَرِحْنَا يَا بِلَالُ بِالصَّلَاةِ» (٢)، ولم يقل أرحنا منها.
وفي أثر آخر: «ليس بمستكملٍ للإيمان من لم يزل مهمومًا حتى يقوم إلى الصلاة» (٣)، أو كلام يقارب هذا، وهذا باب واسع.
فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين له، وخوفه ورجائه، والتصديق بأخباره، وغير ذلك، مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلًا عظيمًا، ويقوى ذلك كلما ازداد العبد تدبرًا للقرآن وفهمًا، ومعرفة: بأسماء الله، وصفاته، وعظمته، وتفقره إليه في عبادته، واشتغاله به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب؛ فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذّ بذكره، ويستريح به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد، وهلك هلاكًا لا صلاح معه، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ،
_________________
(١) أخرجه أحمد، برقم ١٢٢٩٣، والبيهقي في السنن الكبرى، ٧/ ٧٨، والحاكم، ٢/ ١٧٤، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣١٢٤.
(٢) أحمد، برقم ٢٣٠٨٠، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، برقم ٤٩٨٥، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم ١٢٥٣.
(٣) أورده ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، ١٧٢، وابن القيم في طريق الهجرتين، ص ٤٥٧، وعزاه إلى بعض السلف.
[ ٥٦ ]
ولا منجا منه إلا إليه.
وأما زوال العارض: فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعينه، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه؛ فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها.
والوساوس إما من قبيل الحب، من أن يخطر بالقلب ما قد كان أو من قبيل الطلب، وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله.
ومن الوساوس ما يكون من خواطر الكفر والنفاق، فيتألَّم لها قلب المؤمن تألُّمًا شديدًا، كما قال الصحابة: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لَأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: أَوَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»، وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا يَتَعَاظَمُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ» (١).
قال كثير من العلماء: فكراهة ذلك وبغضه، وفرار القلب منه، هو صريح الإيمان، والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة؛
_________________
(١) أحمد، برقم ٢٠٩٧، أبو داود، كتاب الأدب، باب في رد الوسوسة، برقم ٥١١٤، النسائي في السنن الكبرى، ٦/ ١٧١، حديث رقم: ١٠٥٠٣، وصححه العلامة الألباني في تخريج كتاب الإيمان لابن تيمية، ص ١٠٢.
[ ٥٧ ]
فإن شيطان الجن إذا غُلب وسوس، وشيطان الإنس إذا غلب كذب، والوسواس يعرض لكل من توجَّه إلى الله تعالى بِذكرٍ أو غيره، لا بُدّ له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١)، وكلما أراد العبد توجّهًا إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسواس أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: «إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب» (٢)، وتفاصيل ما يعرض للسالكين طويل موضعه.
وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - من قوله: «إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي، وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ» (٣)، فذاك لأن عمر كان مأمورًا بالجهاد، وهو أمير المؤمنين، فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلِّي الذي يصلِّي صلاة الخوف حال معاينة العدو، إما
حال القتال، وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٧٦.
(٢) لم أجد هذا الأثر إلا في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام، ٢٢/ ٦٠٨، وغيرها من كتبه.
(٣) ذكره البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب العمل في الصلاة، باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة، قبل الرقم ١٢٢١، وقال الحافظ في فتح الباري، ٣/ ٩٠: «وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي عنه».
[ ٥٨ ]
تُفْلِحُونَ﴾ (١).
ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قُدِّرَ أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد، لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته؛ ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولما ذكر - ﷾ - صلاة الخوف قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢)، فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف.
ومع هذا: فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة، مع تدبره للأمور بها، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المُحَدَّث المُلْهَم، فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة رسول الله - ﷺ - حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف فى الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة؟.
وبالجملة فَتَفَكُّر المُصلِّي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس كتفكُّره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير الجيش إلا في تلك الحال،
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٥.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٠٣.
[ ٥٩ ]
وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة، ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائمًا يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يُذكر أن بعض السلف: «ذَكَرَ لَهُ رَجُلٌ أنَّه دفن مالًا وقد نسي موضعه، فقال: قم فصلّ، فقام فصلَّى، فذكره، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يُذَكِّره بما يشغله، ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن» (١)، لكن العبد الكيِّس يجتهد في كمال الحضور، مع كمال فعل بقية المأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٢).
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٦٠٣ - ٦١٠ ببعض التصرف.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٦٠٣ - ٦١٠ ببعض التصرف.
[ ٦٠ ]