الخشوع الكامل في الصلاة: في القراءة فيها، والأدعية، والأذكار يكون على ثلاث درجات على النحو الآتي:
الدرجة الأولى: قراءتها والتلفظ بها مع استحضار معانيها، وهذه الدرجة أدنى ما يُجزِئ من الخشوع الكامل، فقد ثبت أن النبي - ﷺ - بكى وهو يصلِّي صلاة الليل، فقال بلال - ﵁ -: يا رسول الله لِمَ تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١» (٢).
قال عبد الرحمن بن سليمان: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلّق المتعلّق وينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنية، ثم قال: «يقرؤهنّ وهو يعقلهنّ» (٣).
وذلك أن من لم يعقل ما يقول، وسها بتفكيره عن معنى ما يقوله، فقد خرج من الخشوع إلى الغفلة، ومما يدلّ على ذلك
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية، ١٩٠.
(٢) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد»، وتقدم تخريجه في خشوع النبي - ﷺ - وبكائه في صلاة الليل.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التفكر كما ذكر السيوطي في الدر المنثور، ٢/ ٤٠٩، والمناوي في الفتح السماي، ١/ ٢٠٥ دون إشارة إلى كتاب ابن أبي الدنيا، وعزاها الكتاني إلى ابن أبي الدنيا في التفكر، نظم المتناثر، ص ٢٤٤، وانظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ١٩.
[ ١٢٨ ]
حديث عثمان - ﵁ -: أنه توضأ وضوءًا كاملًا ثم قال: «رأيت النبي - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه» (١).
وعن عقبة بن عامر - ﵁ -: أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» (٢).
ويُؤكِّد ذلك قول ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» (٣).
ومما يدل على حضور القلب مع القول قول النبي - ﷺ -: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (٤)، وفيه حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في فضل إجابة المؤذن، وفيه: « إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر » إلى قوله:
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٦، ومسلم، برقم ٢٤٦، وتقدم تخريجه في فضائل الخشوع في الصلاة.
(٢) مسلم، برقم ٢٣٤، وتقدم تخريجه في فضائل الخشوع في الصلاة.
(٣) ذكر المناوي في التيسير شرح الجامع الصغير، ١/ ٧٩٣، أن حديث: «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل» أن الحكيم الترمذي أخرجه في نوادر الأصول، وإسناده ضعيف، وقال العراقي في تخريج إحياء علوم الدين، ١/ ٣٠٩ أنه لم يجده مرفوعًا، وذكر الألباني في السلسلة الضعيفة، ١٤/ ١٢٠٦، برقم ٦٩٤١ أن الحديث لا أصل له مرفوعًا، وأنه صح موقوفًا عن بعض السلف، وأن هذا الصحيح الموقوف أخرجه أبو نعيم في الحلية، ٧/ ٦١ من كلام سفيان الثوري. وأما أثر ابن عباس فهو في مدارج السالكين، ١/ ٥٢٥، وعدة من كتب الإمامين ابن القيم، وابن تيمية رحمهما الله.
(٤) البخاري، كتاب العلم باب، الحرص على الحديث، برقم ٩٩.
[ ١٢٩ ]
« ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» (١)، فهذا والله تعالى أعلم: أدنى الخشوع الكامل: أن يقرأ الآيات والأذكار متفَهِّمًا لمعانيها، وكذلك أذكار الصلاة: كأذكار الركوع، والرفع منه، وأذكار السجود، والجلسة بين السجدتين، وغير ذلك من أذكار الصلاة، وأدنى الخشوع في ذلك أن لا يقولها غافلًا عن معناها (٢).
الدرجة الثانية: أن يقرأها وهو يعقلها، ومتأثرًا بمعانيها حال قراءتها، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها بوجود التأثّر من تلك المعاني، حتى يُعرف خشوعه من صوته، ويتأثَّر به من سَمِعَه، ويحسب أنه يخشى الله فيها، فيرغب في آيات الوعد، ويرهب من آيات الوعيد.
الدرجة الثالثة: أن يقرأها مُتأثِّرًا غاية التأثر بحقائقها تلك، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها ببلوغ التأثُّر غايته، وشهود حقائق المعاني بالقلب، حتى كأنَّها رأي عين؛ وفي حديث حنظلة - ﵁ - أنه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: «وما ذاك؟» قال: قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضّيعات - نسينا كثيرًا- فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي
_________________
(١) مسلم كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ، برقم ٣٨٥.
(٢) انظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ٢١.
[ ١٣٠ ]
طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرار، وفي لفظ:
«يا حنظلة ساعة وساعة، لو كانت تكونُ قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلّم عليكم في الطرق» (١).
ويشعر صاحب هذه الدرجة من الخشوع بتقصير، وتفريط، فيسأل الله تعالى من فضله راغبًا، ويستعيذ من عذابه راهبًا، يدفعه إلى ذلك تأثّره؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - في صلاة الليل: «إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ » (٢).
ومن أصحاب هذه الدرجة من قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة:
يا رسول، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة أبي بكر»، أو «يا بنت الصديق» ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويُصلّي، وهو يخاف أن لا يُتقبَّل منه» (٤).
وهذه الدرجات الثلاث لعلّ ابن القيم يعنيها في الأقسام الثلاثة الأخيرة من مراتب الناس الخمسة في الصلاة، فقد ذكر أن القسم الثالث من حافظ على حدود الصلاة وأركانها، وجاهد نفسه في دفع
_________________
(١) مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، برقم ٢٧٥٠.
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٣، من حديث حذيفة - ﵁ -.
(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.
(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي في العمل، برقم ٤١٩٨، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ ومن سورة المؤمنون، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٠٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٦٢.
[ ١٣١ ]
الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد، ثم بيّن ﵀ أن هذا مكفّر عنه.
وقال في القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها، وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبودية ربه ﵎ فيها، ثم بيّن ﵀: أن هذا القسم: مثاب.
وقال في القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك: [أي كما في القسم الرابع]، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه - ﷿ - ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربّه - ﷿ - قرير العين، ثم بيَّن ﵀: أن هذا القسم الخامس مقرّب من ربّه؛ لأن له نصيبًا ممن جعلت قرّة عينه في الصلاة (١)
فالقسم الثالث عند ابن القيم هو الدرجة الأولى من درجات الخشوع في الصلاة، وهي أدنى درجات الكمال في الخشوع.
والقسم الرابع عند ابن القيم هو الدرجة الثانية من درجات الخشوع في الصلاة.
والقسم الخامس عند ابن القيم هو الدرجة الثالثة من درجات الخشوع في الصلاة. والعلم عند الله تعالى.
_________________
(١) انظر: الوابل الصيّب، ص٤٠ - ٤١.
[ ١٣٢ ]
وهذه الدرجات الثلاث إنما هي في الخشوع الكامل الذي يجزئ، أما أحوال الناس في صلاتهم فتتفاوت أشدّ التفاوت، والله المستعان (١).
_________________
(١) انظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ٢٢.
[ ١٣٣ ]