إذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح، ولم يكن في القلب شيء منه، فهذا خشوع النفاق؛ ولهذا قال حذيفة - ﵁ -: «إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع» (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: «وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، ورأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع ها هنا - وأشار إلى صدره- لا ها هنا- وأشار إلى منكبيه-، » (٢)، ورأى عمر بن الخطاب - ﵁ - رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: «يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب» (٣).
ورأت عائشة ﵂ شبابًا يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا نُسَّاك (أي عُبَّاد)، فقالت: «كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقًّا» (٤).
_________________
(١) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وابن رجب في كتاب الخشوع في الصلاة، ص ١٣، وأخرجه الديلمي، في مسند الفردوس، ٢/ ٢٠٤، برقم ٣٠٠٧، وابن عدي، في الكامل في الضعفاء، ٣/ ٤٥٥، ترجمة رقم٨٧١.
(٢) ذكره ابن القيم في: مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، والأثر في حلية الأولياء، ١٠/ ٢٣٠، واعتبره صاحب كتاب تكميل النفع، ص ١٢٣غير صحيح نسبته لعمر - ﵁ -.
(٣) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وأورده صاحب إحياء علوم الدين، ٥/ ٤١.
(٤) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي، ٢/ ٩١٦: «وَكَأَنَّهُ أَخذه من الْفَائِق»، وقال العجلوني في كشف الخفاء، ١/ ٤٥٢: «وهو في النهاية والفائق وغيرهما».
[ ١٤ ]
وقال الفضيل: «كان يُكْرَهُ أن يُرِيَ الرجلُ من الخشوع أكثر مما في قلبه» (١).
وقال حذيفة - ﵁ -: «أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة، فلا ترى فيهم خاشعًا» (٢).
وقال سهل: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان» (٣) (٤).
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق، أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل، والخجل، والحب، والحياء، وشهود نعم الله وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوع الجوارح.
وأما خشوع النفاق، فيبدو على الجوارح تصنُّعًا وتكلُّفًا، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته،
_________________
(١) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وذكره القشيري في رسالته الشهيرة، ص ٦٨.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة، ٧/ ١٤٠، برقم ٣٤٨٠٨، وحلية الأولياء، ١/ ٢٨١، وقال المناوي في فيض القدير، ٣/ ١١٤: «قال الزين العراقي في شرح الترمذي وتبعه الهيثمي: فيه عمران القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد».
(٣) ذكره الثعالبي في تفسيره، ٣/ ٦٤ وعزاه لسهل التستري أيضًا، ومثله الفيروزأبادي في بصائر ذوي التمييز، ١/ ٧٢٢.
(٤) ذكر هذه الآثار ابن القيم في مدارج السالكين، ١/ ٥٢١ - ٥٢٢.
[ ١٥ ]
وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حُشِيَ به، وخمدت الجوارح، وتوقّر القلب، واطمأنّ إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مُخبِتًا له، والمخبت (١) المطمئنّ، فإن الخبت من الأرض ما اطمأنّ (٢) فاستنقع فيه الماء.
فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن (٣) كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه - إجلالًا، وذُلًاّ، وانكسارًا بين يديه - سجدة، لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه فهذا خشوع الإيمان.
وأما التماوت، وخشوع النفاق، فهو حالُ عبدٍ تكلَّف إسكان الجوارح تَصنُّعًا، ومراعاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات، وإرادات، فهو يتخشع (٤) في الظاهر، وحية الوادي، وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة» (٥).
_________________
(١) انظر: مفردات غريب القرآن للراغب، ص ١٤١.
(٢) وفي مخطوطة: (ما تطامن).
(٣) وفي بعض المخطوطات: (ما تطامن).
(٤) وفي مخطوطة: (متخشع).
(٥) كتاب الروح لابن القيم، تحقيق د. بسام علي سلامة العموش، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، نشر دار ابن تيمية، المملكة العربية السعودية، الرياض، ٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥.
[ ١٦ ]