لا شك أن الصلاة قرة لعين النبي - ﷺ -، وراحة لقلبه وروحه؛ لحلاوة مناجاته لربِّه؛ ولخشوعه، وحضور قلبه بين يدي الله تعالى، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُبِّبَ إلَيَّ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١).
وقوله «حبب إلي النساء ..» قيل: إنما حُبِّبَ إليه النساء لينقلن عنه من أمور الشريعة ما لا يطّلع عليه الرجال، ومن أحواله ويُستَحْيَا من ذكره، وقد جعل الله له نسوة ينقلن: أحكام الحيض، والنفاس، والغسل، والعدة، وينقلن من الشرع ما يشاهدنه من أفعاله - ﷺ -. وقيل: حبب إليه زيادة في الابتلاء والاختبار، والتكليف، فيكون ذلك أكثر
_________________
(١) النسائي بلفظه، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، برقم ٣٩٤٠، وأحمد، برقم ١٢٢٩٣، ١٣٠٥٧، وفي لفظ للنسائي، برقم ٣٩٣٩، وأحمد، برقم ١٢٢٩٤، ١٤٠٣٧: «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجُعِلَ قُرَّةُ عيني في الصلاة»، والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٨٢٧، وسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على سنن النسائي، ٧/ ٦١: يقول: «لا بأس بإسناده، أما من قال: حبب إلي من دنياكم ثلاث، فهذا لا يصح؛ لأن الصلاة ليست من الدنيا، أما قوله: «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» فلا إشكال فيه». وقوله: «حُبّب إليَّ من الدنيا ..» قال المناوي في «فيض القدير» ٣/ ٣٧٠: «زاد الزمخشري، والقاضي لفظ: «ثلاث» [أي حُبِّبَ إليّ من الدنيا ثلاث]، وهو وهم، قال الحافظ العراقي في «أماليه»: لفظ (ثلاث) ليست في شيء من كتب الحديث، وهي تفسد المعنى، وقال الزركشي: لم يرد فيه لفظ «ثلاثة»، وزيادتها مُخِلَّة للمعنى؛ فإن الصلاة ليست من الدنيا، وقال ابن حجر في تخريج «الكشاف»: لم يقع في شيء من طرقه [انظر: حاشية محققي مسند الإمام أحمد، ١٩/ ٣٠٧].
[ ٨١ ]
لمشاقِّه، وأعظم لأجره، وقيل غير ذلك والعلم عند الله تعالى (١).
وقوله: «والطيب» فكأنه حُبِّبَ إليه؛ لأنه يناجي ربَّه - ﷾ -، ويقابل جبريل، والملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم، والعلم عند الله تعالى (٢).
قوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» النبي - ﷺ - يحصل له السرور العظيم، واللذة العظيمة في صلاته؛ لأنه يستحضر عظمة الله ويناجيه، ويدعوه، فيحصل له كمال المناجاة مع الرب ﵎ (٣).
قال الراغب الأصفهاني ﵀: « وقرّت عينُهُ تقرُّ: سُرَّت، قال: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (٤)، وقيل لمن يُسَرُّ به: قرّة عينٍ، قال: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ (٥) وقوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٦) قيل: أصله من القُرِّ: أي البرد، فقرّت عينُه، قيل: معناه بردت فصحَّت، وقيل: لأن للسرور دمعة باردة قارة، وللحُزن دمعة حارة؛ ولذلك يقال لمن يُدعى عليه: أسخن الله عينه، وقيل: هو من القرار، والمعنى: أعطاه الله ما تسكن به عينه، فلا يطمح إلى غيره» (٧).
_________________
(١) انظر: شرح السيوطي على سنن النسائي وحاشية السندي، ٧/ ٦٣ - ٦٤.
(٢) انظر: المرجع السابق، ٧/ ٦٣ - ٦٤.
(٣) انظر: شرح السيوطي عن سنن النسائي، وحاشية السندي، ٧/ ٦٣ - ٦٤، ولسان العرب لابن منظور، ٥/ ٨٧، والمصباح المنير، ٢/ ٤٩٧.
(٤) سورة طه، الآية: ٤٠.
(٥) سورة القصص، الآية: ٩.
(٦) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.
(٧) مفردات ألفاظ القرآن، ص٦٦٣.
[ ٨٢ ]
والنبي - ﷺ - مهما يحصل له من السرور العظيم، وحلاوة مناجاة الله، تحصل له الراحة فيها؛ لكمال مناجاته لربه، واستحضاره لعظمته، والوقوف بين يديه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاةِ»، وفي لفظ: «يَا بِلالُ أَقِمْ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: « الصلاة إنما تُكفِّر سيئات من أدَّى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه، فهذا إذا انصرف منها وجد خِفّةً من نفسه، وأحسَّ بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطًا، وراحة، وروحًا، حتى يتمنَّى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قُرَّة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نُصلِّي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم، وقدوتهم، ونبيهم - ﷺ -: «يَا بِلالُ أَرِحْنَا بِالصَّلاةِ» (٢)، ولم يقل: أرحنا منها، وقال - ﷺ -: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٣)، فمن جُعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقرّ عينه بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟» (٤).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمقصود أن ما تقرُّ به العين أعلى من مجرَّد ما يحبه، فالصلاة قُرّة عيون المحبين في هذه
_________________
(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، برقم ٤٩٨٥، و٤٩٨٦، وأحمد في المسند، برقم ٢٣١٥٤، ٣٨/ ٢٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢٢٥.
(٢) أبو داود، برقم ٤٩٨٥، ٤٩٨٦، وأحمد ٣١٥٤، وتقدم تخريجه في الذي قبله.
(٣) النسائي برقم ٣٩٤٠، وأحمد، برقم ١٢٢٩٣، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه.
(٤) الوابل الصيب، ص ٣٧.
[ ٨٣ ]
الدنيا؛ لما فيها من مناجاة من لا تقرّ العيون، ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعم بذكره، والتَّذلُّلُ والخضوع له، والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها، ومن هذا قول النبي - ﷺ -:
«يا بلال أرحنا بالصلاة»، فأعلم بذلك أن راحته - ﷺ - في الصلاة، كما أخبر أن قرّة عينه فيها، فأين هذا من قول القائل: نصلي، ونستريح من الصلاة.
فالمحبّ راحته، وقرّة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك؛ بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنَّه على الجمر، حتى يتخلّص منها، وأحب الصلاة إليه أعجلها، وأسرعها؛ فإنه ليس له قُرَّة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرّت عينه بشيء، واستراح قلبه به، فأشقّ ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله، والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا، أشقّ ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها، مع تفرّغه وصحته وعدم اشتغاله» (١).
_________________
(١) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ص ٣٣.
[ ٨٤ ]