رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ، وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» (١).
١٢ - مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفه لهم بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والقنوت هنا هو الخشوع في الطاعة؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: « القنوت يرد في القرآن على قسمين: قنوت عام، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣) أي الكل عبيد خاضعون لربوبيّته، وتدبيره، والنوع الثاني: وهو الأكثر في القرآن: القنوت الخاص، وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (٦)، وقوله:
_________________
(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المحافظة على وقت الصلوات، برقم ٤٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٥.
(٢) سورة الزمر: الآية ٩.
(٣) سورة الروم، الآية: ٢٦.
(٤) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٦) سورة آل عمران، الآية: ٤٣.
[ ٢٦ ]
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١)، ونحوها» (٢).
وقد قال الراغب الأصفهاني ﵀: «القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسِّرَ بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾﴾ (٣)، وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٤) قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون، ولم يُعْنَ به كل السكوت، وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة السلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَمَّا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (٥)، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طُولُ القُنُوتِ» (٦) أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ (٧)، وقال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٨)، وقال: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٩)، وقال: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ (١٠)، وقال:
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١١)، وقال: ﴿وَالْقَانِتِينَ
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.
(٢) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣١١،وانظر: المرجع نفسه ص ٣٦٢.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٤) سورة الروم، الآية: ٢٦.
(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، وما نسخ من إباحته، برقم ٥٣٧.
(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت، برقم ٧٥٦.
(٧) سورة النحل، الآية: ١٢٠.
(٨) سورة التحريم، الآية: ١٢.
(٩) سورة الزمر، الآية: ٩.
(١٠) سورة آل عمران، الآية: ٤٣.
(١١) سورة الأحزاب، الآية: ٣١.
[ ٢٧ ]
وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ (٢) (٣).
والقنوت في الحديث يُروَى بمعانٍ متعددةٍ، فيطلق على: الخشوع، والطاعة، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، والسكون، وإقامة الطاعة، والخضوع (٤)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن ابن العربي ذكر أن القنوت ورد لعشرة معانٍ، نظمها الحافظ زين الدين العراقي، فقال:
«ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد مزيدًا على عشرة معاني مرضيَّه
دعاءٌ، خشوعٌ، والعبادة، طاعة إقامتها، إفراده بالعبودية
سكوتٌ، صلاة، ٌ والقيام، وطوله كذا دوام الطاعة الرابح القنية» (٥)
ويصرف كل واحدة من هذه المعاني إلى ما يدل عليه الحديث، أو الكلام الوارد فيه، وما يقتضيه سياقه (٦).
١٣ - أثنى الله - ﷿ - على من يوجل قلبه لذكر الله بأنه يخافه ويخشاه، ووصفه بالإيمان الكامل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.
(٢) سورة النساء، الآية: ٣٤.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٦٨٤.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع النون، ٤/ ١١١، ومشارق الأنوار على الصحاح والآثار للقاضي عياض، حرف القاف مع سائر الحروف، ٢/ ١٦٢، وهدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر، ص ١٧٦.
(٥) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٩١.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ١١١، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٩١، وهدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ١٧٦.
[ ٢٨ ]
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٤).
ووجل القلب: الوجل: استشعار الخوف، يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلًا، فهو وَجِل (٥).
قال ابن كثير ﵀: «﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فرقت: أي فزعت وخافت، وهذه صفة المؤمن الذي إذا ذكر الله وجل قلبه: أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره» (٦).
وقال السعدي ﵀: «أي خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب» (٧)، وقال ﵀: «الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات،
_________________
(١) سورة الأنفال، للآية: ٢.
(٢) سورة الحجر، الآيتان: ٥٢ - ٥٣.
(٣) سورة الحج، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.
(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.
(٥) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص ٨٥٥.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ص٥٦٦.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣١٥.
[ ٢٩ ]
والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب، كما تستولي المحبة» (١).
١٤ - وصف الله من يقشعر جلده عند قراءة القرآن بالخشية لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢)، فحصل لهم قشعريرة الجلد، ثم لين القلب والجلد.
قال الراغب الأصفهاني ﵀: «﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (٣) أي يعلوها قشعريرة» (٤).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: «هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمونه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كما يرجون
_________________
(١) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣٦١ - ٣٦٢.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٢٣.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٢٣.
(٤) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٦٧١.
[ ٣٠ ]
ويؤملون من رحمته ولطفه » (١).
وقال العلامة السعدي ﵀: «﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ لما فيه من التخويف والترهيب المزعج ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر» (٢).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، ص ١١٥٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٢٣.
[ ٣١ ]