وهو من أول مقامات الطمأنينة: كالسكينة، واليقين، والثقة بالله تعالى، ونحوها، فالإخبات مقدماتها، ومبدؤها، والإخبات أوَّلُ مقام يتخلَّص فيه العبد من التردُّد، الذي هو نوع غفلة وإعراض (٥).
٦ - الطمأنينة: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *
_________________
(١) مدارج السالكين، ٢/ ٥٠٦.
(٢) سورة الحديد، الآية: ١٦.
(٣) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠.
(٤) تقدم ذكر مراجع هذه المعاني في المبحث الرابع في فضائل الخشوع، البند رقم ٧.
(٥) انظر التفصيل في: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٣ - ٨.
(٦) سورة الرعد، الآية: ٢٨.
[ ٣٧ ]
وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (١).
(الطمأنينة) سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: «دعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» (٢) أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكونًا إليه، والكذب يوجب له اضطرابًا وارتيابًا، ومنه قول النَّبيِّ - ﷺ -: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ» (٣) أي سكن إليه، وزال عنه اضطرابه وقلقه.
وقال الإمام ابن كثير ﵀: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولىً ونصيرًا؛ ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك» (٤).
وقال العلامة السعدي ﵀: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.
_________________
(١) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.
(٢) أخرجه الإمام أحمد، برقم ١٧٢٤، ١٧٢٤، والترمذي، برقم ٢٥١٨، وقال: «حسن صحيح»، والنسائي، برقم ٥٧١١، وابن خزيمة في صحيحه، ٤/ ٥٩، برقم ٢٣٤٨، والدارمي، ٢/ ٣١٩، برقم ٢٥٣٢، وابن حبان، ٢/ ٤٩٨، برقم ٧٢٢، والبيهقي في شعب الإيمان، ٥/ ٥٢، برقم ٥٧٤٧، والحاكم، ٢/ ١٥، برقم ٢١٦٩، وقال: صحيح الإسناد وأبو يعلى، ١٢/ ١٣٢، برقم ٦٧٦٢، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٩٣٠.
(٣) أخرجه أحمد، برقم ١٨٠٠١، والطبراني، ٢٢/ ١٤٨، برقم ٤٠٣، والدارمي، ٢/ ٣٢٠، برقم ٢٥٣٣، وأبو يعلى، ٣/ ١٦٠، برقم ١٥٨٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٨٨١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ص ٧٠٧.
[ ٣٨ ]
﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: حقيق بها، وحريٌّ بها أن لا تطمئنَّ لشيء سوى ذكره؛ فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته» (١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: «وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (٢) دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده، وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف: «اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك» (٣).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٧ - ٤١٨.
(٢) سورة الفجر، الآيتان: ٢٧ - ٢٨.
(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٥١٤، والأثر لم أجده إلا في التفسير القيم لابن القيم، ١/ ٤٩١.
[ ٣٩ ]