يقال: تواضع: تذلّل وتخاشع (١)، والمراد بالتواضع: إظهار التنزل لمن يراد تعظيمه، وقيل: تعظيم من فوقه لفضله (٢).
والتواضع صفة عظيمة وخلق كريم يجب على الدعاة إلى اللَّه تعالى، وغيرهم، ولهذا مدح اللَّه المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (٣)، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبّرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقار وعفّة (٤).
والدعاة إلى اللَّه تعالى إذا تواضعوا رفعهم اللَّه في الدنيا والآخرة؛ لقول النبي - ﷺ -: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد اللَّه عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، ومن تواضع للَّه رفعه» (٥).
وهذا ما يفتح اللَّه به للداعية قلوب الناس؛ فإن اللَّه يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويجلُّ مكانه (٦)، أمَّا من تكبر على الناس فقد توعده اللَّه بالذلّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ لأن اللَّه - ﷿ - «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه فمن ينازعه ذلك عذّبه» (٧).
_________________
(١) القاموس المحيط، ص٩٩٧.
(٢) فتح الباري، ١١/ ٣٤١.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.
(٤) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٣٢٧.
(٥) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، برقم ٢٥٨٨.
(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٤٢.
(٧) مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكبر، برقم ٢٦٢٠،ولفظه: «فمن ينازعني عذبته».
[ ٢٤ ]
وعن أنس - ﵁ - قال: كانت ناقة لرسول اللَّه - ﷺ - تُسمّى العضباء وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين وقالوا: سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن حقًا على اللَّه أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» (١).
ورسول اللَّه - ﷺ - هو الأسوة الحسنة للدعاة فقد كان متواضعًا في دعوته للناس، فعن أبي مسعود - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فكلّمه فجعل ترعُد فرائصه فقال له: «هوِّن عَليكَ نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد» وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد اللَّه: « في هذه البطحاء»، ثم تلا جرير: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٢).
_________________
(١) البخاري، كتاب الرقائق، باب التواضع، برقم ٦٥٠١.
(٢) الحاكم، ٢/ ٤٤٦، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ٤/ ٤٩٧، سورة ق، الآية: ٤٥.
[ ٢٥ ]