النية: أساس العمل وقاعدته، ورأس الأمر وعموده، وأصله الذي عليه بُنيَ؛ لأنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة (٤)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى » (٥).
وقال اللَّه تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.
(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٤٩، و٤/ ٢٢٩.
(٤) انظر: النية وأثرها في الأحكم الشرعية للدكتور صالح بن غانم السدلان، ١/ ١٥١.
(٥) البخاري، كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ - إنما الأعمال بالنية، برقم ١٩٠٧.
[ ٢٩ ]
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
وهذا يدلّ على أهمية ومكانة النية، وأن الدعاة إلى اللَّه وغيرهم من المسلمين بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أُعطي العبد الأجر الكبير والثواب العظيم، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢)، وقال - ﷺ -: «ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم إلا كُتبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» (٣).
وقال النبي - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه اللَّه مثل أجر من صلى وحضر لا ينقص ذلك من أجره شيئًا» (٤).
وقال الرسول - ﷺ -: «من سأل اللَّه الشهادة بصدقٍ بلّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٥).
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١٤.
(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٨٣٤.
(٣) أبو داود، كتاب التطوع، باب النعاس في الصلاة، برقم ١٣١٤، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم، برقم ١٧٨٤، وانظر: إرواء الغليل للألباني، ٢/ ٢٠٤، وصحيح الجامع، ٥/ ١٦٠، برقم ٥٥٦٧.
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها، برقم ٥٦٤، والنسائي، كتاب الإمامة، حد إدراك الجماعة، برقم ٨٥٥، والحاكم، ١/ ٣٢٧، قال ابن حجر في فتح الباري، ٦/ ١٣٧: «إسناده قويّ».
(٥) مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب الشهادة في سبيل الله تعالى،، برقم ١٩٠٩.
[ ٣٠ ]
وهذا يدل على فضل اللَّه - ﷾ - وإحسانه إلى عباده؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في غزوة تبوك: «لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه»، قالوا: يا رسول اللَّه كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: «حَبَسهُمُ العُذر» (١).
وبالنية الصالحة يضاعف اللَّه الأعمال اليسيرة؛ ولهذا قال الرسول - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنع بالحديد، فقال: يا رسول اللَّه: أقاتل أو أسلم؟ فقال - ﷺ -: «أسلم ثم قاتل»، فأسلم ثم قاتل فَقُتِل، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا» (٢).
وجاء رجل إلى رسول اللَّه - ﷺ - فدخل في الإسلام، فكان رسول اللَّه - ﷺ - يعلّمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خف بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا» قالها حماد ثلاثًا (٣).
وبالنية الصالحة يبارك اللَّه في الأعمال المباحة فيثاب عليها العبد؛ ولهذا قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (٤)، وقال النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت عليها حتى ما تجعلُ في فِي
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر، برقم ٢٥١٠، واللفظ له، والبخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، برقم ٢٦٨٤.
(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب عمل صالح قبل القتال، برقم ٢٨٠٨، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، برقم ١٩٠٠.
(٣) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٣٥٧.
(٤) البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، برقم ٥٥.
[ ٣١ ]
امرأتك» (١).
وقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه اللَّه مالًا وعلمًا فهو يتقي به ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه اللَّه مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًا فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء» (٢). وقال الرسول - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن اللَّه - ﷿ - كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة » (٣).