وقد قسّم الإمام ابن تيمية ﵀ العلم النافع - الذي هو أحد دعائم الحكمة وأسسها - إلى ثلاثة أقسام، فقال ﵀: «والعلم الممدوح الذي دلّ عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورّثه الأنبياء» كما قال النبي - ﷺ -: «إن الأنبياء لم يورّثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ» (١).
وهذا العلم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: علم باللَّه، وأسمائه، وصفاته، وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل اللَّه سورة الإخلاص، وآية الكرسي ونحوهما.
القسم الثاني: علم بما أخبر اللَّه به مما كان من الأمور الماضية، وما يكون من الأمور المستقبلة، وما هو كائن من الأمور الحاضرة، وفي مثل هذا أنزل اللَّه آيات القصص، والوعد، والوعيد، وصفة الجنة والنار، ونحو ذلك.
القسم الثالث: العلم بما أمر اللَّه به من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان باللَّه من معارف القلوب وأحوالها، وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه: العلم بأصول الإيمان وقواعد الإسلام، ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة، ويندرج فيه
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، برقم ٣٦٤١، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، برقم ٢٦٨٢، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، برقم ٢٢٣، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني، ١/ ٤٣.
[ ٥٩ ]
ما وُجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة؛ فإن ذلك جزءٌ من جزءٍ من علم الدين.
وقد أشار الإمام ابن القيم ﵀ إلى هذه الأقسام بقوله:
العلم أقسام ثلاثة ما لها من رابع والحقّ ذو تبيان
عِلمٌ بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والناس إنما يغلطون في هذه المسائل؛ لأنهم لا يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرُبَّ رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن، ولا يكون له من الفهم، بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أُوتي القرآن، ولم يؤت حفظ حروف العلم، كما قال النبي - ﷺ -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُترُجّة، ريحها طيبّ، وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح، وطعمها مرّ» (١).
فقد يكون الرجل حافظًا لحروف القرآن وسوره، ولا يكون مؤمنًا، بل يكون منافقًا، فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه، وإن كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما يُنتفع بالريحان، وأما
_________________
(١) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام، برقم ٥١١١، ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضيلة حافظ القرآن، برقم ٥١١١.
[ ٦٠ ]
الذي أُوتي العلم والإيمان، فهو مؤمنٌ حكيمٌ وعليمٌ، فهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم مثل اشتراكهما في الإيمان، فهذا أصل تجب معرفته (١).