ولكل مرتبة من الجود مزيد وتأثير خاص في القلب، واللَّه سبحانه
_________________
(١) روى أبو داود، ٤/ ٤٢٣، برقم ٤٨٨٦ مرسلًا: عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَيْغَمٍ أَوْ ضَمْضَمٍ - شَكَّ ابْنُ عُبَيْدٍ- كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ. وقال الألباني في إرواء الغليل، ٨/ ٤٢: «وإسناده صحيح إلى قتادة».
[ ١٧ ]
قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك، واللَّه المستعان (١).
وكل أنواع الجود والكرم ينبغي للدعاة أن يتحلوا بها في دعوتهم، ومن الصور العظيمة لتطبيق الجود والكرم ما فعله رسول اللَّه - ﷺ - ومن ذلك:
عن أنس - ﵁ - قال: ما سئل رسول اللَّه - ﷺ - على الإسلام شيئًا إلا أعطاهُ، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (٢).
وهذا الموقف الحكيم العظيم يدلّ على عظم سخاء النبي - ﷺ -، وغزارة جوده (٣).
وكان - ﷺ - يعطي العطاء ابتغاء مرضاة اللَّه - ﷿ - وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا ثم - بفضل اللَّه تعالى، ثم بفضل النبي - ﷺ - ونور الإسلام - لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان، ويتمكّن من قلبه، فيكون أحب إليه من الدنيا وما فيها (٤).
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٦ بتصرف.
(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل - ﷺ - شيئًا فقال: لا، برقم ٢٣١٢.
(٣) انظر: أمثلة كثيرة من كرمه وجوده في البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا عبدان ١/ ٣٠، وكتاب الأدب باب حسن الخلق وما يكره من البخل، ١٠/ ٤٥٥، وكتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: لو أن عندي مثل أحُد ذهبًا، ١١/ ٢٦٤، ١١/ ٣٠٣، وكتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع، ٤/ ٤٧٤، وكتاب التمني، باب تمني الخير، وقول النبي - ﷺ -: لو كان لي مثل أحُد ذهبًا، ١٣/ ٢١٧، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، ٤/ ١٨٠٥، ١٨٠٦، وكتاب الزكاة، باب من سأل بفحش وغلظة، ٢/ ٧٣٠، وباب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، ٢/ ٦٨٧.
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٥/ ٧٢.
[ ١٨ ]
ولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج - ﷺ - بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر اللَّه دينه والمسلمين، وأعطى رسول اللَّه - ﷺ - يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (١).
وقال أنس - ﵁ -: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٢).
وإذا رأى النبي - ﷺ - الرجل ضعيف الإيمان، فقد كان - ﷺ - يجزل له في العطاء، قال - ﷺ -: «إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (٣)؛ ولذلك كان - ﷺ - «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل» (٤).
ومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله - ﷺ - مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين (٥)، فإنه بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه: «اجمعوا لها»، فجمعوا لها - من بين عجوةٍ، ودقيقةٍ
_________________
(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٣.
(٢) مسلم، في الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا، ٤/ ١٨٠٦.
(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، برقم ١٤٧٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من يخاف على إيمانه، برقم ١٥٠.
(٤) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم، برقم ٢٩٧٨.
(٥) المزادتان: مثنى مزادة، والمزادة: الراوية، ولا تكون إلا من جلد. انظر: القاموس المحيط، مادة (زود).
[ ١٩ ]
وسويقةٍ - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها - ﷺ -: «اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين واللَّه ما رزأناك (١) من مائك شيئًا، ولكن اللَّه هو الذي أسقانا».
وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى اللَّه ذلك الصرم (٢) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٣).
وفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون ذلك الصرم الذي هي فيه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام (٤).
وقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران:
الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي - ﷺ - وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من معجزات النبي - ﷺ - الّتي تدل على صدق رسالته.
الأمر الثاني: كرم النبي - ﷺ - حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا.
_________________
(١) ما رزأناك: أي: لم ننقص من مائك شيئًا. انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.
(٢) الصرم: أبيات مجتمعة من الناس. انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.
(٣) البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه عن الماء، برقم ٣٤٤، وكتاب المناقب، باب علامات النبوة، برقم ٣٥٧١، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم ٦٨٢.
(٤) البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بكفيه من الماء، برقم ٣٤٤.
[ ٢٠ ]
أما قومها، فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي - ﷺ - على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم (١).
وهذه الأمثلة التي سُقْتُها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي - ﷺ -، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى اللَّه - ﷿ - إلى الاقتداء بالنبي - ﷺ - والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، واللَّه المستعان.
_________________
(١) انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.
[ ٢١ ]