كتاب اللَّه ولا يعملون به» (١).
ولا يقتصر الخطر على الداعية وعلى دينه، بل يتعدّى إلى كل من يدعوهم.
وإن مما يذكر في هذا الشأن، أن انحراف الداعية وخروجه عن النهج الصحيح هو في الوقت نفسه سببٌ في انحراف كل من تأثر به أو سمع منه، وما ذلك إلا بسبب أن سلوك الداعية وتصرفاته كلها مرصودة من قبل الناس، وجميع أفعاله وأقواله موضوعة تحت المجهر.
فليحتطِ الداعية لهذا الأمر المهم، ويراقب أفعاله وأقواله .. وليرِ اللَّه تعالى من نفسه خيرًا.
٦ - إن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قُِدوةً حسنةً لأقوامهم، وهذا يدل على عِظَم وأهمية القدوة الحسنة؛ ولهذا قال شعيب ﵊ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).
٧ - إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته وأهل بيته، وإلى مدى تطبيقهم لِمَا يقول، وهذا يفيد ويبيّن أن الداعية كما يجب عليه أن يكون قدوة في نفسه يجب عليه أن يُقوِّم أهل بيته وأسرته، ويلزمهم بما يأمر به الناس، ويدعوهم إليه؛ ولهذه الأهمية
_________________
(١) البيهقي في شعب الإيمان عن أنس - ﵁ -، ٢/ ٢٨٣، وأحمد، ٣٢/ ١٢٠، ٢٣١، ٢٣٩، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٢/ ٩٦، برقم ١٢٨.
(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.
[ ٤٩ ]
كان عمر بن الخطاب - ﵁ - إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: «إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم باللَّه لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة» (١).
ولقد تنبه لخطورة هذا الأمر الفقيه أبو المنصور الدمياطي فأخذ يحذر القدوات قائلًا:
أيها العالِم إياك الزلل واحذرِ الهفوةَ، فالخطبُ جلَلْ
هفوة العالِم مستعظمة إن هفا أصبح في الخلق مَثَلْ
وعلى زلَته عمدتهم فبها يحتجّ من أخطأ وزَلّْ
لا تقلْ يستر علمي زلَّتي بلْ بها يحصل في العلم الخلَلْ
إن تكن عندك مستحقرةً فهي عند الله والناس جَبَلْ
فإذا الشمس بدت كاسفةً وجلُ الخلقُ لها كل الوَجَلْ
وترامت نحوها أبصارُهم في انزعاجٍ واضطرابٍ وزجَلْ
وسرى النقص لهم من نقصها فغدت مُظلمةً منها السُّبُلْ
وكذا العالِم في زلَّته يفتن العالم طُرًّا ويضِلّْ
يُقتدى منه بما فيه هفا لا بما استعصم فيه واستَقَلّْ
فهو ملحُ الأرض ما يصلحه إن بدا فيه فسادٌ وخَلَلْ (٢)