وتبّروا ما علوا تتبيرًا؟
وما الذي سلّط عليهم أنواعَ العقوبات مرة بالقتل (^١) والسبي (^٢) وخراب البلاد (^٣)، ومرّةً بجور الملوك، ومرّةً بمسخهم قردة وخنازير؟ وآخر ذلك أقسم الرب ﵎: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧].
قال الإِمام أحمد (^٤): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال: لما فتحت قبرس (^٥) فُرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض (^٦)، ورأيت (^٧) أبا الدرداء جالسًا وحده (^٨) يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يومِ أعزّ الله فيه الإِسلامَ وأهلَه؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهونَ الخلقَ على الله ﷿ إذا أضاعوا أمره! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمرَ الله، فصاروا إلى ما ترى!
_________________
(١) س: "الفتك".
(٢) ف: "السنين".
(٣) ز: "وخراب الديار".
(٤) في الزهد (٧٦٢). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٦٠) وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢١٦ - ٢١٧) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٨٦) مختصرًا، من طريق خالد بن معدان وعبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه فذكره. وسنده صحيح.
(٥) ف: "قبرص".
(٦) ف: "على بعض".
(٧) ما عدا ف: "رأيت" دون واو العطف.
(٨) ف: "وحده جالسًا".
[ ١٠١ ]
وقال علي بن الجعد (^١): أنبأنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعتُ أبا البَخْتَري يقول: أخبَرَني من سمع النبي ﷺ يقول: "لن يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعذِروا من أنفسهم".
وفي مسند أحمد (^٢) من حديث أم سلمة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ
_________________
(١) في مسنده (١٣٢). وأخرجه أبو داود (٤٣٤٧) وأحمد ٤/ ٢٦٠ (١٨٢٨٩) وغيرهما. وسنده صحيح.
(٢) ٦/ ٣٠٤ (٢٦٥٩٦). وأخرجه الطبراني في الكبير ٢٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦ (٧٤٧)، من طريق ليث بن أبي سليم عن علقمة بن مرثد عن المعرور بن سويد عن أم سلمة فذكرته. ليث في حفظه ضعف. ورواه سالم بن طلحة وزبيد عن جامع بن أبي راشد عن أم مبشر عن أم سلمة فذكرته بنحوه. أخرجه الطبراني في الكبير ٣/ ٣٧٧ (٨٩١) وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٨). قلت: جامع لم يسمعه من أم مبشر، بينهما رجلان. فرواه الثوري عن جامع بن أبي راشد عن منذر الثوري عن الحسن بن محمَّد بن علي عن مولاة لرسول الله ﷺ قالت: دخل النبي ﷺ على عائشة أو على بعض أزواج النبي ﷺ وأنا عنده فذكرت نحوه. أخرجه الحاكم ٤/ ٥٦٨ (٨٥٩٤). ورواه ابن عيينة واختلف عليه فيه. ورواه الإِمام أحمد في المسند ٦/ ٢٩٥ (٢٦٥٢٧) عن سفيان عن جامع عن منذر عن حسن بن محمَّد عن امرأته عن عائشة نحوه. ورواه يزيد بن هارون عن شريك عن جامع بن منذر عن الحسن بن محمَّد حدثتني امرأة من الأنصار - هي حية اليوم، إن شئت أدخلتك عليها. قلت: لا، حدِّثْني- قالت: دخلت على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله ﷺ -كأنه غضبان، فاستترت بكم درعي … فذكرت مثله. قلت: لعل هذا الطريق أصح الطرق لأن شريكًا ضبط الإسناد فبيّن ما أسقطه سالم بن طلحة وزبيد عن جامع، وبيّن أن أم مبشر هذه امرأة صحابية من الأنصار، وأن حسن بن محمَّد بن علي سمع منها هذا الحديث، وأنه من مسند أم سلمة. وشريك اختلط بعد القضاء، وسماع يزيد بن هارون منه قبل أن يلي =
[ ١٠٢ ]
يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذابٍ من عنده". فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: "بلى". قالت: فكيف يُصنَع بأولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان".
وفي مراسيل الحسن عن النبي ﷺ: "لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفي كنَفه، ما لم يُمالِئْ قرّاؤها أمراءَها، وما لم يُزَكِّ صلحاؤها فجّارَها، وما لم يُهِنْ خيارَها شِرارُها. فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم، ثم سلّط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر" (^١).
وفي المسند (^٢) من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ الرجل لَيُحْرَم الرزقَ بالذنب يصيبه".
وفيه أيضًا (^٣) عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "يوشك أن تتداعى
_________________
(١) = القضاء، وعليه فالإسناد صحيح، والله أعلم. انظر: الكواكب النيّرات (٢٥٤) وتحقيق المسند (٤٠/ ١٦١ - ١٦٢).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٢١) وابن أبي الدنيا في العقوبات (٤) وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن وغوائلها (٣٣١) وسنده ضعيف إلى الحسن.
(٣) تقدّم تخريجه في ص (١٢).
(٤) المسند ٥/ ٢٧٨ (٢٢٣٩٧). وأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٥) والطبراني (١٤٥٢) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٨٢)، من طريق المبارك بن فضالة عن مرزوق الشامي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان فذكره. وسنده لا بأس به لحال المبارك ومرزوق. والمبارك صرح بالتحديث. ورواه صالح بن رستم أبو عبد السلام عن ثوبان فذكره. أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) والروياني في مسنده (٦٥٤) والطبراني في مسند الشاميين (٦٠٠) وغيرهم. وصالح بن رستم مجهول، وأيضًا لم يسمع من ثوبان، فقد حكم =
[ ١٠٣ ]
عليكم الأمم من كل أفق، كما تَداعَى الأكَلةُ على قَصْعتها". قلنا: يا رسول الله أمِنْ قلّةٍ بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. تُنزَع المهابةُ من قلوب عدوّكم، ويُجعل في قلوبكم الوَهْنُ". قالوا (^١): وما الوهن؟ قال: "حبّ الحياة، وكراهة الموت".
وفي المسند (^٢) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لمّا عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمِشون وجوههم وصدورهم.
فقلتُ: من هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.
وفي جامع الترمذي (^٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول
_________________
(١) = البخاري على روايته عن مكحول بالانقطاع. انظر: التاريخ الكبير (٤/ ٢٧٩) وتهذيب الكمال (١٣/ ٤٧). ورواه عمرو بن عبيد العَبْشمي عن حذيفة موقوفًا. أخرجه الطيالسي في مسنده (١٠٨٥) وغيره. قلت: عمرو بن عبيد هذا شامي فيه جهالة، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٧٩).
(٢) ف: "قالوا يا رسول الله".
(٣) تقدم تخريجه في ص (٥٤).
(٤) برقم (٢٤٠٤). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٠) وابن أبي الدنيا في العقوبات (٧) وهناد في الزهد (٨٦٠) والبغوي في شرح السنة ١٤/ ٣٩٤ (٤١٩٩) وغيرهم، من طريق يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة، فذكره. قال البغوي: "هذا الحديث لا يعرف إلا من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله تكلم فيه شعبة". قلت: قال الحاكم: "روى عن أبيه عن أبي هريرة بنسخة أكثرها مناكير … ". وقال ابن حجر في التقريب: "متروك، وأفحش الحاكم فرماه بالوضع". انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٤٥٠ - ٤٥٣). قلت: وقد جاء نحو هذا الحديث من قول نوف البكالي -وكان يقرأ الكتب- قال: "إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يجتالون الدنيا =
[ ١٠٤ ]
الله ﷺ: "يخرج في آخر الزمان قوم يختِلون الدنيا بالدين (^١)، ويلبسون للناس (^٢) مُسُوكَ الضأن (^٣) من اللين، ألسنتهم أحلى من السكّر (^٤)، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله ﷿: أبي يغترّون؟ وعليّ يجترئون؟ فبي حلفتُ، لأبعثنّ على أولئك منهم (^٥) فتنةً تدَعُ الحليمَ فيهم (^٦) حيرانًا (^٧) ".
وذكر ابن أبي الدنيا (^٨) من حديث جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جدّه
_________________
(١) = بالدين، ألسنتهم … ". أخرجه الطبري في التفسير (٢/ ٣١٣ - ٣١٤) وسنده حسن. راجع سنن سعيد بن منصور [التفسير] (٣/ ٨٣٠ - ٨٣٦).
(٢) أي يطلبون الدنيا بعمل الآخرة. النهاية (٢/ ٩) وفي ز: "يحيلون"، تصحيف.
(٣) "للناس" ساقط من ف.
(٤) المسوك: الجلود، جمع مَسْك.
(٥) في نسخة الكروخي: "العسل".
(٦) "منهم" ساقط من ز.
(٧) ل: "منهم"، وكذا في تحفة الأحوذي (٧/ ٧٢).
(٨) كذا ورد "حيرانًا" بالتنوين في جميع النسخ، وكذا في نسخة الكروخي من الجامع (ق / ١٥٥ ب). وقال صاحب تحفة الأحوذي (٧/ ٧٢): "كذا في النسخ الحاضرة بالتنوين. وذكر المنذري هذا الحديث في الترغيب نقلًا عن الترمذي، وفيه: (حيران) بغير التنوين، وكذلك في المشكاة، وهو الظاهر".
(٩) في العقوبات (٨). وأخرجه ابن بطة في إبطال الحيل (١)، من طريق محمَّد بن عبد الملك الدقيقي عن يزيد بن هارون عن عبد الله بن دكين عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب فذكره. قلت: قد اختلف فيه على يزيد بن هارون، فرواه محمَّد بن يحيى الأزدي عن يزيد به مرفوعًا. أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٢٢٨) والبيهقي في الشعب (١٧٦٤). ورواه سعيد بن سليمان سعدويه عن عبد الله بن دكين به مرفوعًا. أخرجه البيهقي في الشعب (١٧٦٣). ورواه بشر بن الوليد عن عبد الله بن دكين به موقوفًا. أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن وغوائلها (٢٣٦) وابن عدي (٤/ ٢٢٨) =
[ ١٠٥ ]
قال: قال عليّ: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإِسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى. علماؤهم شرُّ (^١) من تحت أديم السماء. منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود.
وذكر (^٢) من حديث سِماك بن حرب (^٣)، عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) = والبيهقي في الشعب (١٧٦٤). قلت: لعل الاضطراب في رفعه ووقفه من عبد الله بن دكين الكوفي. فمع توثيق أحمد وابن معين -في رواية- له، ضعفه جماعة، حتى قال أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى عن جعفر بن محمَّد غير حديث منكر". قلت: ويظهر أن هذا الحديث من مناكيره لاضطرابه فيه. ثم هذا الموقوف أيضًا منقطع كما قال البيهقي لأن علي بن الحسين لم يسمع من جده عليّ. وقد روي بعضه من وجه آخر عن علي عند البيهقي في الشعب (١٧٦٥) إلا أنه لا يثبت، فقد قال البيهقي: "هذا موقوف إسناده إلى شريك مجهول".
(٢) س: "أشرّ". وفي حاشيتها أشير إلى ما أثبتنا من غيرها.
(٣) في العقوبات (٩). وأخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٧) من طريق أبي الأحوص سلام بن سليم عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه فذكره. قلت: لم يذكر في المطبوع من تفسير الطبري قوله (عن أبيه). وقد اختلف على سماك، فرواه بعضهم عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا بنحوه. أخرجه الحاكم ٢/ ٤٣ (٢٢٦١) وقال: "صحيح الإسناد". ورواه بعضهم عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا. أخرجه الطبراني (١/ ١٧٨). قلت: عبد الرحمن في سماعه من أبيه ابن مسعود اختلاف. وقد جاء من وجه آخر من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله قال: "ما هلك أهل نبوة قط حتى ظهر فيهم الربا والزنا". أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن وغوائلها (٣٢١) والطبراني ١٠/ ٢٠١ - ٢٠٢ (١٠٣٢٩). وسنده صحيح، إن صح سماع أبي عبد الرحمن السلمي من ابن مسعود. انظر جامع التحصيل (٣٤٧).
(٤) "بن حرب" من ز.
[ ١٠٦ ]
عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: إذا ظهر الزنى والربا (^١) في قرية أذنَ الله ﷿ بهلاكها.
وفي مراسيل الحسن: "إذا أظهر الناس العلم، وضيّعوا العمل، وتحابّوا بالألسن، وتباغضوا (^٢) بالقلوب، وتقاطعوا بالأرحام = لعنهم الله ﷿ عند ذلك، فأصمّهم، وأعمى أبصارهم (^٣).
وفي سنن ابن ماجه (^٤) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنتُ عاشرَ عشرةِ وهي من المهاجرين عند رسول الله ﷺ، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين، خمسُ خصال وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلاّ ابْتُلُوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قومٌ المكيالَ (^٥) والميزانَ إلا ابتلُوا بالسنين وشدة المؤنة وجور
_________________
(١) ز: "الربا والزنا".
(٢) س: "تحاربوا". وفي الحاشية أشير إلى ما أثبتنا.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٠) وهو مرسل ضعيف الإسناد.
(٤) برقم (٤٠١٩). وأخرجه أبونعيم في الحلية (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤) من طريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عطاء عن ابن عمر فذكره، وخالد بن يزيد هذا ضعيف جدًا. انظر تهذيب الكمال (٨/ ١٩٨ - ١٩٩). ورواه فروة بن قيس وحفص بن غيلان عن عطاء قال: كنت مع عبد الله بن عمر، فذكره، وفيه قصة. أخرجه الحاكم ٤/ ٥٨٣ (٨٦٢٣) وابن أبي الدنيا في العقوبات (١١). وقد صححه الحاكم ولم يتعقبه الذهبي. قلت: حفص بن غيلان الدمشقي وثقه غير واحد، وضعفه بعضهم. وهنا صرّح بذكر سماع عطاء من ابن عمر، وعلي بن المديني ينفيه، فالله أعلم. انظر تهذيب الكمال (٧/ ٧١ - ٧٣) وجامع التحصيل (٥٢٠).
(٥) ما عدا ف: "من المكيال".
[ ١٠٧ ]
السلطان. وما منع قوم زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القَطْرَ من السماء، فلولا البهائم لم يُمطَروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلّط الله عليهم (^١) عدوَّهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمّتُهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسَهم بينهم".
وفي المسند والسنن (^٢) من حديث عمرو بن مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (^٣) بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرًا (^٤)، فإذا كان الغدُ جالَسَه وواكَلَه وشارَبه، كأنه لم يره على خطيئةٍ بالأمس. فلما رأى الله ﷿ ذلك منهم (^٥) ضرَبَ بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم.
ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون. والذي نفس محمَّد بيده، لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذُنّ على يد السفيه، ولتأطُرُنّه على الحق أطرًا، أو ليضربَنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننَّكم
_________________
(١) ز: "سلط عليهم".
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٣٧) وابن أبي الدنيا في العقوبات (١٢) والطبراني (١٠/ رقم ١٠٢٦٧، ١٠٢٦٨) من طريق عمرو بن مرة عن سالم الأفطس عن أبي عبيدة عن ابن مسعود فذكره. ورواه جماعة عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن ابن مسعود. أخرجه أحمد ١/ ٣٩١ (٣٧١٣) والترمذي (٣٠٤٧) وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وابن ماجه (٤٠٠٦) وأبو داود (٤٣٣٦). والحديث في سنده انقطاع. أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا. انظر تحقيق المسند (٦/ ٢٥١ - ٢٥٢).
(٣) ف: "عن ابن عبد الله". س، ز: "أبي عبيدة بن عبد الله". والمثبت من ل، خا.
(٤) أي ينهاه نهيًا يقصّر فيه ولا يبالغ. انظر النهاية (٣/ ١٩٨).
(٥) ف: "منهم ذلك".
[ ١٠٨ ]
كما لعنَهم".
وذكر ابن أبي الدنيا (^١) عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إنّي مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستّين ألفًا من شرارهم. قال: يا ربِّ، هؤلاء الأشرار، فما بال
الأخيار؟ قال: إنّهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي هِزّان (^٢) قال: بعث الله ﷿ ملَكين إلى قرية أنْ: دمِّراها بمن فيها. فوجدا فيها رجلًا قائمًا يصلي في مسجد (^٣)، فقالا: يا رب إن فيها عبدَك فلانًا يصلّي. فقال الله ﷿: دمِّراها، ودمِّراه معها (^٤)، فإنه ما تمعّر وجهه فيّ قط.
وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد، عن مسعر أنّ ملكًا أُمِرَ أن يخسِفَ قريةً، فقال: يا ربِّ إنَّ فيها فلانًا العابد. فأوحى الله ﷿ إليه أنْ: به فابدأ، فإنه لم يتمعّر وجهه فيّ
ساعةً قطّ (^٥).
_________________
(١) في العقوبات (١٣) وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٧١)، وعبد الغني المقدسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤٣). وفي سنده ضعف إلى إبراهيم بن عمرو، والخبر من أخبار أهل الكتاب.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٤) وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٦٩)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (٢٨٦)، والمقدسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤٢). وفي سنده ضعف إلى أبي هزّان. وروي نحوه مرفوعًا من حديث جابر، ولا يصح. انظر مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٠).
(٣) كذا في ل، ز والعقوبات. وفي س: "المسجد". وفي ف: "مسجده".
(٤) ما عدا ف: "معهم". وفي العقوبات أيضًا: "معها".
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٦) وفي الأمر بالمعروف والنهي عن=
[ ١٠٩ ]
وذكر ابن أبي الدنيا (^١) عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داودُ الخطيئةَ قال: يا ربّ اغفر لي. قال: قد غفرتُ لك، وألزمتُ عارَها بني إسرائيل. قال: يا ربّ كيف، وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا، أعمل أنا الخطيئة (^٢)، ويلزَم عارُها غيري؟ فأوحى الله إليه: إنّك لمّا عملتَ الخطيئة (^٣) لم يُعجِّلوا عليك بالإنكار.
وذكر ابن أبي الدنيا (^٤) عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو
_________________
(١) = المنكر (٧٠). وسنده حسن إلى مسعر بن كدام.
(٢) في العقوبات (١٥) وفي الرقة والبكاء (٣٨٧) وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٧٢)، والمقدسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٧٦). (ز). والقصص والأخبار الواردة في خطيئة داود أكثرها من أكاذيب اليهود (ص).
(٣) ل: "أعمل الخطيئة".
(٤) "ويلزم عارها … الخطيئة" ساقط من ز.
(٥) في العقوبات (١٧) من طريق محمَّد بن ناصح عن بقية بن الوليد عن يزيد بن عبد الله الجهني حدثني أبو العلاء عن أنس فذكره. وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٤٢٠) ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٦١ - ٥٦٢) (٨٥٧٥) عن بقية عن يزيد بن عبد الله الجهني عن أبي العالية عن أنس، فذكره بزيادة فيه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل أحسبه موضوعًا على أنس. ونعيم منكر الحديث إلى الغاية، مع أن البخاري روى عنه". قلت: طريق ابن أبي الدنيا أشبه بالصواب؛ لأن نعيمًا متكلم فيه ويخشى من وهمه. والأثر كما قال الذهبي أحسبه موضوعًا على أنس؛ لأن بقية يدلس عن المتروكين والمجهولين، ولم يصرح هنا بالسماع. وأيضًا يزيد بن عبد الله، قال الذهبي: لا يصح خبره، ثم ذكر أثرًا عن ابن عمر. وأبو العلاء هذا يحتمل أن يكون يزيد بن درهم، فقد وثقه الفلاس، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان في الثقات: يخطى كثيرًا. ويحتمل أن يكون موسى أبا العلاء الذي يروي عنه حماد بن سلمة. قال الحسيني: لا أعرفه. ويحتمل أن يكون =
[ ١١٠ ]
ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أمّ المؤمنين حدّثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا (^١)، وشربوا الخمر (^٢)، وضربوا بالمعازف، غار الله ﷿ في سمائه، فقال للأرض: "تزلزلي بهم". فإن تابوا ونزَعوا، وإلا هَدَمها عليهم. قال: يا أم المؤمنين، أعذابًا لهم؟ قالت: بل موعظةً ورحمةً للمؤمنين، ونكالًا وعذابًا وسخطًا (^٣) على الكافرين. فقال أنس: ما سمعتُ حديثًا بعد رسول الله ﷺ أنا أشدّ فرحًا منّي بهذا الحديث.
وذكر ابن أبي الدنيا (^٤) حديثًا مرسلًا أنّ الأرض تزلزلت على عهد رسول الله ﷺ، فوضع يده عليها، ثم قال (^٥): "اسكني فإنّه لم يأنِ لكِ بعدُ". ثم التفت إلى أصحابه، فقال: "إنّ ربكم يستعتبكم فأعْتِبوه". ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه. والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا!
_________________
(١) = مجهولًا. انظر: لسان الميزان ٨/ ٤٩٢، ٥٠٠ (٨٥٥٣، ٨٥٧٦).
(٢) ف: "الربا".
(٣) س، ز: "الخمور".
(٤) ز: "سخطًا وعذابًا".
(٥) في العقوبات (١٨). وهو حديث مرسل كما قال المؤلف والسيوطي. وروي عن شهر بن حوشب مرسلًا مختصرًا عند ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٢ (٨٣٣٤). قال الحافظ ابن حجر: "هذا مرسل ضعيف". قال ابن عبد البر: "لم يأت عن النبي ﷺ من وجه صحيح أن الزلزلة كانت في عصره، ولا صحت عنه فيها سنّة، وقد كانت أول ما كانت في عهد عمر … ". انظر: التلخيص الحبير (٢/ ٩٤) وكشف الصلصلة (٤٤) والاستذكار (٢/ ٤١٨).
(٦) ف: "فقال".
[ ١١١ ]
وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا (^١) أن الأرض زُلزلت (^٢) على عهد عمر، فضرب يده عليها، وقال (^٣): مالكِ؟ مالكِ؟ أمَا إنّها لو كانت القيامة حدَّثت أخبارَها. سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق".
وذكر الإِمام أحمد (^٤) عن صفية قالت: زلزلت (^٥) المدينة على عهد عمر، فقال: يا أيها الناس ما هذا؟ ما أسرَعَ ما أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها.
وقال كعب: إنما تزلْزَل (^٦) الأرض إذا عُمِل فيها بالمعاصي، فتُرْعَد فَرَقًا من الربّ ﷻ أن يطّلع عليها (^٧).
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أمّا بعد، فإنّ هذا الرجف (^٨) شيء يعاتب الله ﷿ به العباد. وقد كتبتُ إلى الأمصار أن
_________________
(١) نقله السيوطي أيضًا في كشف الصلصلة من كتاب مناقب عمر لابن أبي الدنيا (ص). وأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٩). وسنده ضعيف جدًا. فيه سعد بن طريف الإسكاف، متروك الحديث.
(٢) ف: "تزلزلت".
(٣) ف: "فقال".
(٤) لم أقف عليه عند أحمد. والأثر أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٤٢١) وابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٢ (٨٣٣٥) وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٠) والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٤٢) وغيرهم. وسنده صحيح.
(٥) ف: "تزلزلت".
(٦) ف، ز: "تزلزلت".
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢١).
(٨) ف: "فإن الرجف". ل: "فهذا الرجف".
[ ١١٢ ]
يخرجوا (^١) في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فَلْيتصدّقْ به، فإن الله ﷿ يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] وقولوا كما قال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] وقولوا كما قال يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] (^٢).
وقال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن
_________________
(١) كذا بالياء في ف، س، ل. ولم ينقط في ز، فيجوز أن تقرأ: "أن تخرجوا".
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٣) وسنده صحيح.
(٣) في المسند ٢/ ٢٨ (٤٨٢٥). وأخرجه الطبراني في الكبير ١٣/ ٤٣٢ (١٣٥٨٣). قلت: عطاء لم يسمع من ابن عمر. قال ابن المديني: "رأى أبا سعيد الخدري يطوف بالبيت، ورأى عبد الله بن عمر ولم يسمع منهما … " جامع التحصيل (٥٢٠). وأيضًا يخشى من تفرد أبي بكر بن عياش عن الأعمش، فإن له غرائب عنه. ورواه غير واحد عن إسحاق أبي عبد الرحمن عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر فذكره وفيه زيادة. أخرجه أبو داود (٣٤٦٢) والدولابي في الكنى (٢/ ٦٥) والطبري في التهذيب (مسند عمر- ١٨١) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩) وقال: "غريب من حديث عطاء عن نافع، تفرد به حيوة عن إسحاق". قلت: تابع حيوة يحيى بن أيوب عند الطبري. قال المؤلف في حاشية تهذيب السنن: "وهذان إسنادان حسنان، يشدّ أحدهما الآخر. فأما رجال الإسناد الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر. والإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة كذلك. وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة =
[ ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم". قلت: وللحديث روايات أخرى، فرواه فضالة بن حصين عن أيوب عن نافع به، لكنها رواية منكرة واهية لا يعتبر بها. قال البخاري وأبو حاتم: مضطرب الحديث. وقال ابن عدي بعد أن ذكر له حديثًا "ما عرض على رسول الله ﷺ طيب قطّ فردّه" قال: "وهذا لا يرويه عن محمَّد بن عمرو في العطر غير فضالة، وكان عطّارًا، فاتهم بهذا الحديث بهذا الإسناد خاصة لينفق العطر" وقال الساجي: "صدوق فيه ضعف وعنده مناكير". انظر الكامل (٦/ ٢١) ولسان الميزان (٦/ ٣٣٥ - ٣٣١). ورواه ليث بن أبي سليم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر فذكره. أخرجه الطبراني ١٣/ ٤٣٣ (١٣٥٨٥) والطبري في التهذيب (١٨٠). قلت: ليث مخلط، وفي حفظه ضعف. وقد اضطرب في هذا الحديث. انظر مسند الروياني (١٤٢٢) وتهذيب الطبري (١٨١) -والوهم فيه من جرير- والعقوبات لابن أبي الدنيا (٣١٧) والحلية لأبي نعيم (٣/ ٣١٩) وغيرها. ورواه أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي عن شهر بن حوشب عن ابن عمر فذكر نحوه. أخرجه أحمد (٥٠٠٧). وهذا لا يصح لأن أبا جناب ضعيف الحفظ ويدلس، وهنا لم يصرح بالتحديث. وأيضًا شهر في حفظه كلام، ولا يشبه أن يكون سمع من ابن عمر؛ لأنه شامي وابن عمر مدني. وما روي أنه قال سمعت ابن عمر عند أحمد فوهم، والله أعلم. ورواه غسان بن برذين حدثني راشد أبو محمَّد الحماني قال قال ابن عمر فذكره. أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٤). قلت: في سنده انقطاع. راشد يبعد أن يكون سمع ابن عمر لأنه بصري وابن عمر مدني. وأيضًا جلّ رواية راشد عن التابعين. وذكر البخاري أنه رأى أنس بن مالك. انظر تهذيب الكمال (١٩/ ١٦ - ١٧). والحديث صححه ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وجود شيخ الإِسلام (٢٩/ ٣٥) إسنادي أحمد وأبي داود، وحسنه المؤلف. وقال ابن عبد الهادي: رجال إسناده رجال الصحيح. وقال ابن حجر: "وعندي أن إسناد الحديث [طريق الأعمش] الذي صححه ابن القطان معلول". انظر التلخيص الحبير =
[ ١١٤ ]
الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتّبعوا أذنابَ البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله = أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه حتّى يراجعوا دينَهم". ورواه أبو داود بإسناد حسن.
وذكر ابن أبي الدنيا (^١) من حديث ابن عمر قال: لقد رأيتُنا وما أحدٌ أحقَّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. ولقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، وتركوا الجهاد، وأخذوا أذنابَ البقر = أنزل الله عليهم من السماء بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتّى يراجعوا دينهم".
وقال الحسن: إنّ الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله ﷿ على الناس (^٢).
ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بُخْتُ نَصَّر، فقال: بما كسبتْ أيدينا سلّطتَ علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا (^٣).
وقال بُخْتُ نَصَّر لدانيال: ما الذي سلّطني على قومك؟ قال: عِظَمُ خطيئتك، وظلمُ قومي أنفسَهم (^٤).
_________________
(١) = (٣/ ٢١). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١٥ - ١٧) بمجموع طرقه.
(٢) في العقوبات (٢٤) من طريق راشد أبي محمَّد الحماني قال قال ابن عمر، فذكره. وتقدّم الكلام عليه.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٥) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٨) عن عبد الله بن أبي الهذيل. وذكر فيه أن القائل دانيال النبي.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٩) عن عبد الله بن أبي الهذيل أيضًا.=
[ ١١٥ ]
وذكر ابن أبي الدنيا (^١) من حديث عمّار بن ياسر وحذيفة عن النبي ﷺ: "إن الله ﷿ إذا أراد بالعباد نِقمةً أمات الأطفالَ، وأعقم أرحام النساء، فتنزل النقمة، وليس فيهم مرحوم".
وذَكَر (^٢) عن مالك بن دينار، قال: قرأتُ في الحكمة: يقول الله ﷿: أنا الله مالكُ الملوك، قلوبُ الملوك بيدي، فمن (^٣) أطاعني جعلتُهم عليه رحمةً (^٤)، ومن عصاني جعلتُهم عليه نقمة. فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك (^٥)، ولكن توبوا إليّ أعطِفْهم عليكم.
ومن مراسيل الحسن: إذا أراد الله بقوم خيرًا جعل أمرهم إلى حُلَمائهم (^٦)، وفيئَهم عند سُمَحائهم. وإذا أراد بقوم شرًّا جعل أمرهم إلى
_________________
(١) في العقوبات (٢٦). وأخرجه الديلمي في الفردوس ١/ ٢٤٥ (٩٥١) والشيرازي في الألقاب كما في كنز العمال ٣/ ١٧٠ (٦٠١١)، عن عبد الرحيم بن عباد المعولي ثنا رجاء بن حريث الباهلي ثنا خازم بن جبلة بن أبي نضرة العبدي عن ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل عن عمار بن ياسر وحذيفة قالا، فذكره. قلت: لم أقف على عبد الرحيم ورجاء. وأما خازم بن جبلة فروى عن جماعة وروى عنه جماعة، لكن إن كان هو المذكور في لسان الميزان ٣/ ٣١٣ (٢٨٤٩) وأنه يروى عن خارجة بن مصعب فقد قال محمَّد بن مخلد الدوري: "لا يكتب حديثه". وعليه فالحديث لا يثبت سنده.
(٢) في العقوبات (٣٠) وفي سنده ضعف.
(٣) س: "ومن".
(٤) ل: "رحمة عليه". وفي الجملة التالية: "نقمة عليه نقمة"!
(٥) "بسبّ": كذا ضبط بالتثقيل في ف، خب. وفي س: "بسبب"، وكذا في العقوبات وحلية الأولياء (٤٢٨). وفي خا: "لسبب".
(٦) ز: "حكمائهم"، تصحيف.
[ ١١٦ ]
سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم (^١).
وذكر الإِمام أحمد (^٢) وغيره عن قتادة: قال موسى (^٣): يا ربّ أنت في السماء، ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملتُ عليكم خياركم فهو من علامة (^٤) رضاي عنكم؟ وإذا استعملتُ عليكم شراركم فهو علامةُ سخطي عليكم.
وذكر ابن أبي الدنيا (^٥) عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلّطتُ عليه من لا يعرفني.
وذكر أيضًا (^٦) من حديث ابن عمر يرفعه: "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراءَ كَذَبةَ، ووزراء فجرةً، وأعوانًا خوَنةً، وعُرَفاء ظلمة، وقُرّاء فَسَقَةَ. سيماهم سيما الرهبان (^٧)، وقلوبهم أنتن من
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٣١) وفي الحلم (٧٥).
(٢) في الزهد، وهو من زوائد ابنه عبد الله (١٥٨٢)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٣٢) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٩٠) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ١٤٥)، وسنده ضعيف.
(٣) ف: "قال: قال موسى عليه¬ السلام". ز: "يونس".
(٤) ف: "فهو علامة". وقد تأخر فيها ذكر الخيار على الأشرار.
(٥) في العقوبات (٣٣). وأخرجه الشجري في أماليه (٢/ ٢٥٦).
(٦) في العقوبات (٣٤). وأخرجه الشجري في أماليه (٢/ ٢٦٤)، من طريق كوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر، فذكره. قلت: فيه كوثر بن حكيم. قال الإِمام أحمد: "كوثر أحاديثه بواطيل، ليس بشيء". وقال البخاري: "كوثر عن نافع منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث". وقال ابن عدي: " … وعامة ما يرويه غير محفوظ". الكامل (٦/ ٧٦ - ٧٨).
(٧) ل: "الزهاد".
[ ١١٧ ]
الجِيَف. أهواؤهم مختلفة، فيتيح الله لهم فتنةً غبراءَ مظلمةً، فيتَهاوكون (^١) فيها. والذي نفس محمَّد (^٢) بيده، لَيُنْقَضَنّ الإِسلام عروةً عروةً، حتى لا يقال: الله الله. لَتأمرُنَّ بالمعروف، ولَتنهوُنَّ عن المنكر، أو لَيسلّطَنّ اللهُ عليكم شِراركم فليَسومُنّكم (^٣) سوء العذاب. ثم يدعو خيارُكم، فلا يستجاب لهم. لتأمرُنّ بالمعروف، ولتنهوُنّ عن المنكر، أو ليبعثنَّ الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقّر كبيركم".
وفي معجم الطبراني وغيره (^٤) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما طفَّفَ قوم كيلًا ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله ﷿ القَطْر. وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت. وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتلُ -يقتل بعضهم بعضًا- إلا سلط الله عليهم عدوَّهم، ولا ظهر في قوم عملُ قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف. وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم تُرفع أعمالُهم، ولم يُسمَع
_________________
(١) "تهوّك": تحيّر، واضطرب، وسقط في هوّة الردى. و"يتهاوكون" أي يتساقطون فيها ويضطربون. ولم أجد "تهاوك" في اللسان والتاج.
(٢) ز: "نفسي".
(٣) ف، ل: "فليسومونكم". وكذا في العقوبات.
(٤) لم أقف عليه في المعاجم الثلاثة. لكن أخرجه الطبراني في الكبير ١٠/ ٤٥ (١٠٩٩٢) من طريق إسحاق بن عبد الله بن كيسان حدثني أبي عن الضحاك بن مزاحم عن مجاهد وطاوس عن ابن عباس فذكر نحوه. قلت: هذا حديث منكر. قال البخاري في تاريخه (٥/ ١٧٨) في ترجمة عبد الله بن كيسان: "وله ابن [يسمى] إسحاق، منكر ليس من أهل الحديث". وقال ابن حبان في الثقات في ترجمة عبد الله: "يُتّقى حديثه من رواية ابنه عنه". انظر لسان الميزان (٢/ ٦٣).
[ ١١٨ ]
دعاؤهم".
ورواه ابن أبي الدنيا (^١) من حديث إبراهيم بن الأشعث، عن عبد الرحمن بن زيد (^٢)، عن أبيه، عن سعيد، به.
وفي المسند (^٣) وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت: دخل عليّ
_________________
(١) في العقوبات (٣٥). وسنده ضعيف جدًا. إبراهيم بن الأشعث لعله خادم الفضيل بن عياض. قال أبو حاتم وقد سئل عن حديث لإبراهيم بن الأشعث: "هذا حديث باطل موضوع. كنا نظن بإبراهيم بن الأشعث الخير، فقد جاء بمثل هذا". قلت: وله غير حديث منكر. ولهذا قال ابن حبان في الثقات (٨/ ٦٦): "يُغرِب ويتفرد ويخطئ ويخالف". انظر لسان الميزان (١/ ٢٤٥). وزيد بن الحواري العمّي البصري ضعيف على أقل الأحوال. انظر تهذيب الكمال (١٠/ ٥٨ - ٦٠) والتقريب (٢١٣١). وابنه عبد الرحمن بن زيد لم أقف عليه. والثابت في هذا ما رواه الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن ابن عباس قال: "ما نقض قوم العهد قط إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا فشت الفاحشة في قوم إلا أخذهم الله بالموت، وما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين، وما منع قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء، وما جار قوم في حكم إلا كان البأس بينهم -أظنه قال- والقتل". أخرجه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧) وفي شعب الإيمان ٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥ (٣٠٣٩). وسنده صحيح. وقد روي مرفوعًا وهو وهم. انظر علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣ (٢٧٧٣).
(٢) ز: "يزيد"، تحريف.
(٣) ٦/ ١٥٩ (٢٥٢٥٥). وأخرجه ابن ماجه (٤٠٠٤) وإسحاق في مسنده (٨٦٤) وابن أبي الدنيا في العقوبات (٣٦) وابن حبان (٢٩٠) والبزار (٣٣٠٤، ٣٣٠٥ كما في كشف الأستار) وغيرهم، من طريق عمرو بن عثمان بن هانئ عن عاصم بن عمر بن عثمان عن عروة به، فذكره. والحديث تفرد به عاصم عن عروة. وعاصم مجهول، والراوي عنه عمرو بن عثمان وفيه جهالة أيضًا. وقد انقلب اسمه في المسند (عثمان بن عمرو)، والحديث ضعّفه العراقي والهيثمي. انظر مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٦).
[ ١١٩ ]
رسولُ الله ﷺ، وقد حفزه النفَس، فعرفتُ في وجهه أن قد حفزه شيء، فما تكلّم حتى توضّأ، وخرج، فلصِقتُ (^١) بالحجرة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إنّ الله ﷿ يقول لكم: مُرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبَكم، وتستنصروني فلا أنصرَكم، وتسألوني فلا أعطيَكم".
وقال العمري الزاهد (^٢): إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يُسخِط الله، فتتجاوزَه، ولا تأمرَ فيه، ولا تنهى عنه، خوفًا ممن لا يملك (^٣) ضرًّا ولا نفعًا.
وقال: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافةً من المخلوقين نُزِعَتْ منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخفَّ (^٤) بحقّه (^٥).
وذكر الإِمام أحمد في مسنده (^٦) من حديث قيس بن أبي حازم قال:
_________________
(١) ز: "فالتصقت".
(٢) ف: "عمران الزاهد"، خطأ. وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. روى عنه ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما. كان قوّالًا بالحق، أمّارًا بالمعروف، لا تأخذه في الله لومة لائم. توفي سنة ١٨٤ هـ. انظر سير أعلام البلاء (٨/ ٣٧٣).
(٣) س: "يملك لك".
(٤) ز: "لاستخفّوا".
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٣٨) وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٤) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٤) والمقدسي في الأمر بالمعروف (٤٩). وسنده حسن.
(٦) ١/ ٢، ٧ (١، ١٦، ٢٩، ٣٥، ٣٥). وأخرجه أبو داود (٤٣٣٨) والترمذي =
[ ١٢٠ ]
قال أبو بكر الصديق ﵁: أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية، وإنكم تضعونها على غير مواضعها (^١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه -وفي لفظ: إذا رأوا المنكر، فلم يغيّروه- أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب من عنده".
وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أُخفيت (^٢) الخطيئة لم تضرَّ إلا صاحبَها، وإذا ظهرت (^٣) فلم تُغيَّرْ ضرّت العامةَ" (^٤).
_________________
(١) = (٢١٦٨، ٣٠٥٧) وابن ماجه (٤٠٠٥) وابن حبان (٣٠٤) وغيرهم. وسنده صحيح، والحديث صححه الترمذي وابن حبان والنووي وغيرهم. وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورفعه صحيح. انظر علل الدارقطني (١/ ٢٤٩ - ٢٥٣).
(٢) ف: "في غير مواضعها".
(٣) ل: "خفيت".
(٤) ز: "أظهرت ولم تغير". س: "أعلنت". وفي الحاشية: "أظهرت".
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٤٠) والطبراني في الأوسط (٤٧٧٠)، من طريق مروان بن سالم الغفاري عن الأوزاعي به، فذكره. قلت: هذا الحديث آفته مروان بن سالم، وهو متروك متهم. قال الساجي: "كذاب يضع الحديث". وظهر مصداق ذلك هنا. فقد رواه ابن المبارك وبشر بن بكر والوليد بن مسلم وعقبة وغيرهم كلهم عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قال، فذكره. أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٥٠) والبيهقي في الشعب (٧١٩٦) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٢٢) وابن عساكر في تاريخه (١٠/ ٤٩٠) وغيرهم. وسنده صحيح إلى بلال بن سعد. وثبت عن عمر بن عبد العزيز بنحوه عند مالك في الموطأ (٢٨٣٦) ونعيم في الفتن (٤٢١) وغيرهما.
[ ١٢١ ]
وذكر الإِمام أحمد عن عمر بن الخطاب (^١) ﵁: توشك القرى أن تخرب، وهي عامرة. قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فُجّارُها أبرارَها (^٢)، وساد القبيلةَ منافقُها.
وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي ﷺ قال: "سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن فيهم (^٣) كما يستخفي المنافق فينا اليوم" (^٤).
وذكر ابن أبي الدنيا (^٥) من حديث ابن عباس يرفعه قال: "يأتي زمان
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٤٤) من طريق ثور عن خالد بن معدان قال: قال عمر بن الخطاب فذكره. وهذا منقطع، خالد بن معدان لم يدرك عمر بن الخطاب. ورواه أصرم بن صالح الأزدي عن عبد الله بن فروخ أن عمر بن الخطاب فذكره. أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٤٠٢). وهذا أيضًا منقطع، عبد الله بن فروخ لم يسمع من عمر بن الخطاب.
(٢) ل: "علا أمراؤها"، تحريف. ف: "أبرارها فجارُها".
(٣) "فيهم" ساقط من س.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٤٥) وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٤٠١). والحديث معضل، حسان بن عطية مات بعد ١٢٠. وروي من حديث جابر مرفوعًا نحوه، وهو باطل. انظر الكامل لابن عدي (٧/ ١٨٩).
(٥) في العقوبات (٤٦) وفي الأمر بالمعروف (٢٥، ٩٦) من طريق جعفر بن سليمان الضبعي عن أشرس أبي شيبان عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فذكره. ورواه أسد بن موسى عن أشرس عن عطاء الخراساني أن رسول الله ﷺ قال، فذكره. أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (٢٧٣). قلت: طريق أسد أشبه بالصواب؛ لأن جعفر بن سليمان شكّ فقال: "أحسبه عن ابن عباس". والحديث معضل ضعيف الإسناد، أشرس فيه جهالة.
[ ١٢٢ ]
يذوب فيه قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء". قيل: مِمّ (^١) ذاك يا رسول الله؟ قال: "مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره (^٢) ".
وذكر الإِمام أحمد (^٣) من حديث جرير أن النبي ﷺ قال: "ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه (^٤)، إلا عمّهم الله بعقاب".
وفي صحيح البخاري (^٥) عن أسامة بن زيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: أيْ فلان، ما شأنك؟ ألستَ كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر
_________________
(١) س: "بم".
(٢) في حاشية س: "خ المنكرَ لا يقدر على دفعه".
(٣) في المسند ٤/ ٣٦٤ (١٩٢٣٠). وأخرجه أبو داود (٤٣٣٩) وابن ماجه (٤٠٠٩) والطيالسي (٦٩٨) والطبراني ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٢٣٨٠ - ٢٣٨٥) وابن حبان (٣٠٠، ٣٠٢) وغيرهم، من طريق شعبة وإسرائيل ويونس ومعمر وأبي الأحوص، وغيرهم، كلهم عن أبي إسحاق عن عبيد الله بن جرير عن أبيه جرير، فذكره. وخالفهم شريك فرواه عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير فذكره. أخرجه أحمد (١٩١٩٢) والطبراني (٢٣٧٩). ورواية الجماعة أشبه بالصواب. والحديث فيه عبيد الله بن جرير، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: مقبول. انظر تهذيب الكمال (١٩/ ١٧) والتقريب (٤٢٨٠). والحديث له شواهد عدّة كحديث أبي بكر المتقدم وغيره.
(٤) س: "ولم يغيّروه".
(٥) تقدم تخريجه في ص (٥٢).
[ ١٢٣ ]
وآتيه".
وذكر الإِمام أحمد (^١) عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزلَه الرجالُ والنساءُ، فيعظهم، ويذكّرهم بأيام الله. فرأى بعض بنيه يومًا يغمِز النساء، فقال: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني. فسقط من سريره، فانقطع نُخاعه، وأسقطت امرأته، وقُتل بنوه. فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبِرْ فلانًا الحَبْرَ أني لا أخرج (^٢) من صلبك (^٣) صِدِّيقًا أبدًا. ما كان غضبُك لي إلا أن قلتَ: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني!
وذكر الإِمام أحمد (^٤) من حديث عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم ومحقراتِ الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه". وأنّ رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيعُ القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود (^٣)، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها.
وفي صحيح البخاري (^٦) عن أنس بن مالك قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدقّ في أعينكم من الشعر (^٧)، إنْ كنّا لَنعُدّها على عهد رسول
_________________
(١) في الزهد (٥٢٤). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٧٢).
(٢) ز: "أن لا أخرج".
(٣) ف: "من ظهرك".
(٤) سبق تخريجه في ص (٧٠).
(٥) "والرجل يجيء بالعود" ساقط من ل.
(٦) كتاب الرقاق، باب ما يتقى من محقرات الذنوب (٦٤٩٢).
(٧) ز: "الشعرات".
[ ١٢٤ ]
ﷺ من الموبقات.
وفي الصحيحين (^١) من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "عُذّبت امرأة في هِرّة حبَسَتْها (^٢) حتى ماتت، فدخلت النار. لا هي أطعمتْها، ولا سقَتْها، ولا تركَتْها تأكل من خَشاش الأرض".
وفي الحلية لأبي نعيم (^٣) عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أُمروا بشيء تركوه، وإذا نُهوا عن شيء ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم، كما ينسلخ الرجل من قميصه.
ومن ها هنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أنّ القُبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت (^٤).
وفي الحلية أيضًا (^٥) عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٧.
(٢) ف: "سجنتها".
(٣) الحلية (١/ ٢٧٩)، وسنده صحيح. وأخرجه البيهقي في الشعب (٦٨١٧) بسند حسن عن حذيفة نحوه.
(٤) في المدارج (٢/ ٢٥) نقل المصنف عن السلف: "المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت". وهو من كلام أبي حفص النيسابوري (٢٦٧ هـ) في طبقات الصوفية (١١٦). والحلية (١٠/ ٢٤٤).
(٥) (١/ ٣٢٤) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس فذكره. جويبر ضعيف جدًا، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
[ ١٢٥ ]
تأمَنْ سوءَ عاقبته (^١)، ولَما يتبع الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا عملته (^٢): قلّةُ حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب، أعظمُ من الذنب. وضحِكُكَ، وأنت لا تدري ما الله صانع بك، أعظمُ من الذنب (^٣). وفرحُك بالذنب إذا ظفرت به (^٤) أعظمُ من الذنب. وحزنُك على الذنب إذا فاتك أعظمُ من الذنب. وخوفُك من الريح إذا حرّكَتْ سِترَ بابك، وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك، أعظمُ من الذنب. ويحك! هل تدري ما كان ذنب أيوب، فابتلاه الله بالبلاء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه (^٥)، فلم يُغثه (^٦)، ولم يَنْهَ الظالم عن ظلمه، فابتلاه الله.
وقال الإِمام أحمد (^٧): حدثنا الوليد قال: سمعتُ الأوزاعي يقول: سمعتُ بلال بن سعد (^٨) يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر
_________________
(١) ل: "لا تأمن عاقبته".
(٢) ل: "علمته".
(٣) "وضحكك … من الذنب" ساقط من س.
(٤) "به" ساقط من ز.
(٥) "يدرؤه عنه" ساقط من ز.
(٦) س، ز: "فلم يعنه".
(٧) لعله في الزهد ولم أقف عليه، وإنما هو فيه من زوائد عبد الله على الزهد (٢٢٧٦). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧١) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٣١) والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٢٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٥٠٢) والبيهقي في الشعب (٦٨٨٥) وغيرهم. وسنده صحيح.
(٨) في ل: "سعيد"، خطأ. وهو بلال بن سعد بن تميم السكوني أبو عمرو =
[ ١٢٦ ]
مَن عصيتَ (^١)؟
وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك، يعظم عند الله. وبقدر ما يعظم عندك، يصغر عند الله (^٢).
وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس، وذلك أنّه عصاني، وإنّما أعُدّ من عصاني من الأموات (^٣).
وفي المسند وجامع الترمذي (^٤) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ المؤمن إذا أذنب نكتَ في قلبه نكتةٌ سوداءُ، فإن (^٥) تاب، ونزع، واستغفر، صُقِلَ قلبه. وإنْ زاد زادت حتى تعلو قلبَه، فذلك الرّانُ الذي ذكر الله ﷿: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. قال الترمذي: هذا حديث صحيح (^٦).
وقال حذيفة: إذا أذنب العبد نُكِتَ في قلبه نكتة سوداء حتى يصيرَ
_________________
(١) = الدمشقي الزاهد الواعظ، وكانت لأبيه صحبة. انظر ترجمته في السير (٥/ ٩٠).
(٢) س: "إلى من عصيته".
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (٦٤) وعنه البيهقي في الشعب (٦٧٥١) وابن عساكر في تاريخه (٤٨/ ٤٢٦).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (٤٢) عن مسروق بن سفيان.
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٩٧ (٧٩٥٢) والترمذي (٣٣٣٤) وابن ماجه (٤٢٤٤) وابن حبان (٩٣٠) والحاكم ٢/ ٥٦٢ و(٣٩٠٨) وغيرهم. والحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم.
(٦) ف: "فإذا".
(٧) في نسخة الكروخي (ق/ ٢٢٤ ب): "حسن صحيح". وكذا في المتن المطبوع مع تحفة الأحوذي (٩/ ١٧٩).
[ ١٢٧ ]
قلبُه كالشاة الرَّبْداء (^١).
وقال الإِمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (^٣)، عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله- ﷺ قال: "أمّا بعد يا معشر قريش، فإنكم أهل لهذا الأمر، ما لم تعصُوا الله. فإذا عصيتموه بعث عليكم من يَلحاكم كما يُلحَى هذا القضيبُ" -لِقضيبٍ في يده- ثم لَحَى قضيبَه، فإذا هو أبيضُ يصلِدُ (^٤).
وذكر الإِمام أحمد (^٥) عن وهب أنّ (^٦) الربّ ﷿ قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: إنّي إذا أُطِعتُ رَضِيتُ، وإذا رضيتُ (^٧) باركتُ، وليس لبركتي نهاية. وإذا عُصِيتُ غضِبتُ، وإذا غضبتُ لعنتُ، ولعنتي
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الزهد (٢٨٥) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٣) والبيهقي في الشعب (٦٨١٠) وسنده صحيح (ز). والشاة الربداء: المنقطة بحمرة وبياض أو سواد. والربداء من المعزى: السوداء المنقطة بحمرة. انظر اللسان (ربد).
(٢) في المسند ١/ ٤٥٨ (٤٣٨٠). وأخرجه أبو يعلى ٨/ ٤٣٨ (٥٠٢٤) والشاشي (٨٦٩). قال الحافظ في الفتح (١٣/ ١١٦): "رجاله ثقات، إلا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه: عبد الله بن مسعود، ولم يدركه … ".
(٣) س: "أحمد بن يعقوب بن أبي صالح … حدثني عبد الله بن عتبة". وفيه تحريف وسقط. وفي ز: "عبيد الله بن عبيد الله بن عتبة أن".
(٤) في النهاية (٣/ ٤٦): "يصلد: أي يبرق ويبصّ"، أي يلمع. وقد ضبط في ز بالبناء للمجهول، وهو خطأ.
(٥) في الزهد (٢٨٩).
(٦) س: "قال إن".
(٧) "وإذا رضيت" ساقط من س.
[ ١٢٨ ]
تبلغ السابع من الولد.
وذكر أيضًا (^١) عن وكيع، حدثنا زكريا، عن عامر قال: كتبت عائشة إلى معاوية: أما بعد، فإنّ العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامدُه من الناس ذامًا.
وذكر أبو نُعَيم (^٢) عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء قال: لِيحذَرْ امرؤ أن تلعنه قلوبُ المؤمنين، من حيث لا يشعر. ثم قال: أتدري ممّ هذا؟ قلتُ: لا. قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله (^٣)، فيُلقي الله بغضَه في (^٤) قلوب المؤمنين، من حيث لا يشعر.
_________________
(١) في الزهد (٩١٥). ورجاله ثقات. وزكريا يدلس، والشعبي لم يسمع من عائشة كما قال ابن معين. فرواه عبدة وعبيد الله بن معاذ عن زكريا عن عباس بن ذريح عن الشعبي عن عائشة موقوفًا. أخرجه أبو داود في الزهد (٣٣٧) والخطيب في الكفاية (٤٨٥). ورواه ابن عيينة عن زكريا عن عباس بن ذريح عن الشعبي به مرفوعًا. أخرجه الحميدي في مسنده (٢٦٦). والحديث جاء من طرق أخرى مرفوعة وموقوفة، وهو عند أهل الحديث النقاد موقوف على عائشة. ولهذا قال الدارقطني: "رفعه لا يثبت". وقال العقيلي: لا يصح في الباب مسندًا، وهو موقوف من قول عائشة". انظر الضعفاء الكبير ٣/ ٣٤٣ وحاشية الزهد لأبي داود (٢٨٤ - ٢٨٥).
(٢) في الحلية (١/ ٢١٥) وفي سنده انقطاع. سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي الدرداء. وأخرجه أحمد في الزهد (٧٦٦) عن ابن عيينة قال: قال أبو الدرداء، فذكره مختصرًا.
(٣) س: "يخلو بالمعاصي"، وأشير في الحاشية إلى ما في غيرها.
(٤) "في" ساقطة من ز.
[ ١٢٩ ]