وربما اتّكل بعض المغترّين على ما يرى من نعَم الله عليه في الدنيا، وأنه لا يغيَّر به (^١)، ويظنّ أنّ ذلك (^٢) من محبة الله له، وأنّه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك، وهذا من الغرور.
قال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رِشدين بن سعد (^٤)، عن حرملة بن عمران (^٥) التجيبي، عن عُقْبة بن مسلم، عن عُقْبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتَ الله ﷿ يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحِبّ، فإنما هو استدراج". ثم تلا قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
_________________
(١) ف: "عليه فيما يغتر به". وقد وقع في غيرها جميعًا: "لا يغتر به"، ولعله تصحيف صوابه ما أثبتنا وكذا في ط المدني. وصواب ما جاء في ف: "فما يغيّر به". وفي ط محمود فائد: "وأنه يعتنى به" فحذف "لا" وغيّر "يغيّر". وفي ط أبي السمح: "وأنه يغتر به".
(٢) كذا في س، خب. وفي ز: "ذلك أنه". وفي غيرها: "ويظن ذلك من".
(٣) في المسند ٤/ ١٤٥ (١٧٣١١) والزهد (٦٢). وأخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٥) والدولابي في الكنى والأسماء (١/ ١١١) والطبراني في الأوسط (٩٢٧٢) وغيرهم من طريق حرملة بن عمران عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر، فذكره. قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن عقبة بن عامر إلا بهذا الإسناد. تفرد به حرملة بن يحيى". ورواه ابن وهب ثنا حرملة وابن لهيعة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر، فذكره. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٩٠ - ١٢٩١ (٧٢٨٨). وهذا يدل على ثبوت هذا الحديث. راجع تحقيق المسند (٢٨/ ٥٤٧). والحديث حسَّنه العراقي في تخريج الإحياء.
(٤) تحرف "رشدين" في ل إلى "رشد" وفي س إلى "رشيد".
(٥) س: "عثمان"، تحريف.
[ ٧٧ ]
وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمَه عليك (^١)، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج (^٢) يستدرجك به (^٣).
وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
وقد ردّ سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كلُّ من نعّمتُه ووسّعتُ عليه رزقَه أكون قد أكرمتُه، ولا كلُّ من ابتليتُه وضيّقت عليه رزقه أكون قد أهنتُه. بل أبتلي هذا بالنعمة، وأكرم هذا بالابتلاء.
وفي جامع الترمذي (^٤) عنه ﷺ: "إنّ الله يعطي الدنيا مَن يُحِبّ ومن
_________________
(١) ز: "تتابع عليك نعمه".
(٢) زاد في ل: "منه". وكذا في خا.
(٣) من قول أبي حازم الأعرج. أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٣١) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٤٤) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٦٤) وغيرهم (ز). وقد ذكره المؤلف في كتاب الروح (٥٤٥) أيضًا (ص).
(٤) لم أقف عليه في المطبوع. والحديث أخرجه أحمد ١/ ٣٨٧ (٣٦٧٢) والبخاري في تاريخه (٤/ ٣١٣) والشاشي في مسنده (٨٧٧) مختصرًا، والحاكم ٢/ ٤٨٥ (٣٦٧١) والبزار في مسنده (٢٠٢٦) وغيرهم، من طريق أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمَّد عن مرة الهمداني عن ابن مسعود، فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي. وقال البزار: " … والصباح بن محمَّد فليس بمشهور، وإنما ذكرناه على ما فيه من العلة لأنا لم =
[ ٧٨ ]