وأما الرجل الذي أتيتَ (^١) عليه يسبَح في النهر، ويُلقَم الحجارةَ، فإنه آكل الربا.
وأما الرجلُ الكريهُ المَرآةِ الذي عند النار يحُشّها ويسعى حولها، فإنّه مالكٌ خازنُ جهنم (^٢).
وأما الرجل الطويل الذي (^٣) في الروضة، فإنّه إبراهيم. وأما الولدان الذين حوله، فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة"- وفي رواية البرقاني: "وُلِدَ على الفطرة"- فقال بعض المسلمين؛ يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: "وأولاد المشركين.
وأما القوم الذين كانوا شطرٌ منهم حسنٌ، وشطرٌ منهم قبيحٌ، فإنّهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخَرَ سيئًا، تجاوز الله عنهم" (^٤).
فصل
ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تُحدِث في الأرض أنواعًا (^٥) من الفساد في المياه، والهواء، والزروع (^٦)، والثمار، والمساكن.
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
_________________
(١) ف: "مررت".
(٢) ز: "خازن النار".
(٣) "الذي" ساقط من ف.
(٤) ز: "سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم يجاوز عنهم"!
(٥) ز: "أمورًا".
(٦) ل: "الزرع".
[ ١٥٧ ]
قال مجاهد (^١): إذا ولّى الظالم سعى بالظلم والفساد، فيحبس اللهُ بذلك القَطْرَ، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحبّ الفساد. ثم قرأ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: أما والله ما هو بحرَكم هذا، ولكن كلُّ قرية على ماءِ جارٍ فهو بحر.
وقال عكرمة: ظهر الفساد في البرّ والبحر، أما إنّي لا أقول: بحركم هذا، ولكن كلّ قرية على ماء (^٢).
وقال قتادة: أما البرّ فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف (^٣).
قلت: وقد (^٤) سمّى الله تعالى الماء العذب (^٥) بحرًا، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (^٦) [الفرقان: ٥٣]. وليس في العالم بحر حلو واقف، وإنّما هي (^٧) الأنهار الجارية، والبحر
_________________
(١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥] انظر تفسير الطبري (٣/ ٥٨٣)، (١٨/ ٥١٠). (ص) وسنده صحيح (ز).
(٢) تفسير الطبري (١٨/ ٥١٠). (ص). وسنده صحيح (ز).
(٣) تفسير الطبري (١٨/ ٥١١). (ص). وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٦ (٢٢٨٤)، وسنده صحيح (ز).
(٤) س: "قلت قد".
(٥) ف: "لنا العذب". وزاد بعضهم في الحاشية: "الماء". ولعلّ "لنا" تحريف "الماء".
(٦) وقع في غير س بعد "فرات": "سائغ شرابه"، لاشتباه بين هذه الآية وبيّن الآية (١٢) من سورة فاطر.
(٧) ف، ز: "واقفًا". ثم تحرّف "حلو" في ز إلى "خلق"، كما تحرّف "وإنما هي" =
[ ١٥٨ ]
المالح هو الساكن، فسمَّى (^١) القرى. التي على المياه الجارية باسم تلك المياه.
وقال ابن زيد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] قال: الذنوب (^٢).
قلت: أراد أنّ الذنوب (^٣) سبب الفساد الذي ظهر. وإن أراد أنّ الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها، فيكون قوله (^٤) ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ لام العاقبة والتعليل.
وعلى الأول، فالمراد بالفساد النقصُ والشرُّ والآلامُ التي يُحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد، فكلّما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم عقوبةً، كما قال بعض السلف: كلّما أحدثتم ذنبًا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبةً (^٥).
والظاهر -والله أعلم- أنّ "الفسادَ" المرادُ به الذنوبُ وموجباتها (^٦).
ويدل عليه قوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. فهذا حالنا، وإنّما أذاقنا الشيءَ اليسيرَ من أعمالنا، فلو (^٧) أذاقنا كلَّ أعمالنا لما
_________________
(١) = في ف إلى "دائمًا بين".
(٢) ل: "فتسمى". ز: "فيسمى".
(٣) تفسير الطبري (١٨/ ٥١١). (ص). وسنده صحيح (ز).
(٤) س: "الذنب".
(٥) في ط: "فيكون اللام في قوله"، وهو وجه الكلام، ولكن النسخ كلها اتفقت على ما أثبتنا.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٥٠) عن مالك بن دينار عن الحجاج، وفيه: "من سلطانكم".
(٧) ف: "وهو حياتها"، تحريف طريف.
(٨) ف: "ولو".
[ ١٥٩ ]
ترك (^١) على ظهرها من دابة.
ومن تأثير معاصي الله في الأرض: ما يحِل بها من الخسف، والزلازل، ومَحْقِ بركتِها (^٢). وقد مر رسول الله ﷺ على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم، ومن شرب مياههم (^٣)، ومن الاستقاء من آبارهم (^٤)، حتى أمر أن يُعلَف (^٥) العجينُ الذي عُجنَ بمائهم (^٦) للنواضح (^٧)، لتأثير شؤم المعصية في الماء.
وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما تُرمَى (^٨) به من الآفات. وقد ذكر الإِمام أحمد في مسنده (^٩) في ضمن حديث قال: وُجِدَت في خزائن بني أمية حنطةٌ، الحبةُ بقدر نواة التمر (^١٠). وهي في
_________________
(١) ل: "ما ترك".
(٢) ز: "ويمحق بركتها".
(٣) ف: "مائهم".
(٤) ف: "أبيارهم".
(٥) س: "أن لا يعلف"، خطأ.
(٦) س: "بمياههم".
(٧) يعني: الإبل. والحديث أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٣٣٧٩)؛ ومسلم في الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم … (٢٩٨١) عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٨) س: "ترى". ز: "مما يرمى".
(٩) ٢/ ٢٩٦ (٧٩٤٩). وأخرجه العباس الدوري في تاريخه عن ابن معين ٤/ ١٩١ (٣٨٩٧) بمثله إلّا أن قال: "بطاعة الله" بدل "بالعدل". وسنده صحيح إلى أبي قحذم.
(١٠) س: "الثمرة".
[ ١٦٠ ]
صُرّة مكتوبٍ عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل (^١).
وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه بما أحدث العباد من الذنوب. وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها (^٢) لم يكونوا يعرفونها، وإنّما (^٣) حدثت من قرب.
وأما تأثير الذنوب (^٤) في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه (^٥) عنه ﷺ أنه قال: "خلق الله آدم، وطولُه في السماء ستّون (^٦) ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقصُ حتّى الآن".
ولمّا يطهِّر (^٧) الله سبحانه الأرضَ من الظلَمة والفجرة والخوَنة (^٨)،
_________________
(١) ل: "زمان العدل". ز: "عليها: نبت في زمن العدل". ولفظ المسند: "وجد في زمن زياد أو ابن زياد صرّة فيها ححب أمثال النوى، عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يُعمل فيه بالعدل".
(٢) ل: "لم تصبها"، خطأ.
(٣) ل: "فإنما".
(٤) "لم يكونوا … الذنوب" ساقط من ف.
(٥) كذا وقع هنا، وهو من حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين، وإليهما عزاه المؤلف في زاد المعاد (٢/ ٤٢٢)، والمنار المنيف (٦٦) ٠ انظر صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٢٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجنّة، باب يدخل الجنّة أقوام … (٢٨٤١).
(٦) ف: "وكان طوله … ستين".
(٧) كذا في جميع النسخ. ولمّا الحينية مختصة بالفعل الماضي. وجاء نحوه في نونية المؤلف (٤٤٢، ١٢٠١، ٣٠٨١). وفي ط: "فإذا أراد الله أن يطهر"، ولعله إصلاح للنصّ.
(٨) س: "الخونة والفجرة".
[ ١٦١ ]
ويُخرجُ عبدًا من عباده من أهل بيت نبيه (^١) ﷺ، فيملأ الأرض قسطًا (^٢) كما ملئت جورًا (^٣)، ويقتل المسيحُ اليهودَ والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث الله به رسولَه (^٤) - تُخرِجُ الأرضُ (^٥) بركتَها، وتعود كما كانت، حتّى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمّانة، ويستظلون بقِحْفِها (^٦)، ويكون العنقود من العنب وِقْرَ بعير (^٧)، وإنّ اللِّقحة (^٨) الواحدة لَتكفي الفئام (^٩) من الناس (^١٠). وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت (^١١) فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر.
ولا ريب أنّ العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عُذَبتْ بها الأمم. فهذه الآثار في الأرض (^١٢) من آثار تلك العقوبات،
_________________
(١) ز: "نبيه محمد".
(٢) س: "عدلًا".
(٣) كما ثبت في الأحاديث الواردة في المهدي ﵇. وانظر تفصيل القول فيها في المنار المنيف للمؤلف (١٤٨ - ١٥٣).
(٤) س: "رسوله محمدًا ﷺ". ل: "بعث به رسوله".
(٥) ل: "وتخرج الأرض" بالواو، ولعله خطأ فإن "تخرج" هنا جواب لمّا.
(٦) يعني قشرها، تشبيهًا بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ. وقيل هو ما انفلق من جمجمته وانفصل. النهاية (٤/ ١٧).
(٧) الوِقر: الحِمل.
(٨) وهي الناقة القريبة العهد بالنّتاج. النهاية (٤/ ٢٦٢).
(٩) ما عدا ف: "تكفي الفئام". والفئام: الجماعة الكثيرة. النهاية (٣/ ٤٥٦).
(١٠) كما ثبت في حديث النواس بن سمعان ﵁. أخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٢٩٣٧).
(١١) س: "ظهر".
(١٢) "تطلب … الأرض" ساقط من ز.
[ ١٦٢ ]