فصل
ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلّا خائفًا مرعوبًا.
فإنّ الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت المخاوفُ في حقّه أمانًا، ومن عصاه
انقلبت مآمِنُه (^١) مخاوفَ. فلا تجد العاصي إلا وقلبُه كأنّه بين جناحَي طائرٍ، إنْ حرّكت الريحُ الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقعَ قدَمٍ خاف أن يكون نذيرًا بالعطب. يحسب كل صيحةٍ عليه، وكل مكروه قاصدًا (^٢) إليه. فمن خاف الله آمنه من كلّ شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كلّ شيء.
بذا قضى اللهُ بين الناس مذ خُلِقوا … أنّ المخاوفَ والإجرامَ في قَرَنِ
فصل (^٣)
ومن عقوباتها: أنها تُوقعُ الوحشةَ العظيمةَ في القلب، فيجد المذنب نفسَه مستوحشًا، قد وقعت الوحشة بينه وبيّن ربه، وبينه وبيّن الخلق، وبينه وبيّن نفسه. وكلّما كثرت الذنوب اشتدّت الوحشة. وأمرُّ
_________________
(١) = وانظر أيضًا تاريخ دمشق (٥١/ ١٠٣). وهما مع أبيات أخرى في الديوان المنسوب إلى علي بن أبي طالب ﵁ (١٣٨).
(٢) ف: "المآمن".
(٣) ما عدا س: "قاصد". وسقط "وكل" من ف.
(٤) في ط لا يوجد "فصل" هنا.
[ ١٨٢ ]
العيشِ عيشُ المستوحشين الخائفين، وأطيبُ العيش عيشُ المستأنسين. فلو نظر (^١) العاقل، ووازن بين لذة المعصية وما تُوقِعُه (^٢) من الخوف والوحشة، لَعلِمَ سوءَ حاله وعظيم غَبْنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف.
فإن كنتَ قد أوحشتك الذنوبُ … فدَعْها إذا شئتَ واستأْنسِ (^٣)
وسرّ المسألة أنّ الطاعة تُوجب القربَ من الربّ، وكلّما (^٤) اشتدّ القرب قوي الإنس؛ والمعصية توجب البعدَ من الربّ، وكلّما ازداد البعد قويت الوحشة. ولهذا يجد العبد وحشةً بينه وبيّن عدوّه للبعد الذي بينهما، وإن كان ملابسًا له قريبًا منه، ويجد أنسًا وقربًا (^٥) بينه وبيّن من يحبّ، وإن كان بعيدًا عنه.
والوحشة سببها الحجاب، وكلّما غلظ الحجاب زادت الوحشة (^٦). فالغفلة توجب الوحشة، وأشدُّ منها وحشةُ المعصية، وأشدُّ منها وحشةُ الشرك والكفر. ولا تجد أحدًا يلابس شيئًا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابَسَه منه، فتعلو الوحشةُ وجهَه وقلبَه، فيستوحِشُ (^٧)، ويُستوحَشُ منه.
_________________
(١) ز: "فكر".
(٢) ف: "توقع".
(٣) سبق في ص (١٣٣).
(٤) ف: "فكلّما".
(٥) ل: "قربًا وأنسًا".
(٦) "والوحشة سببها … الوحشة" ساقط من ز.
(٧) "فيستوحش" ساقط من س.
[ ١٨٣ ]