الله. فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحبّ إلى الله.
فصل
والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحدّ (^١) فقط، فمتى (^٢) كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي (^٣)، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو. ومتى تخلّف واحد من هذه الثلاثة تخلّف التأثير.
فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمَّ مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر.
فصل
وههنا سؤال مشهور، وهو أنّ المدعوّ به إن كان قد قُدِّر لم يكن بدّ من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدعُ. وإن لم يكن قد قدّر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله (^٤).
فظنت طائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء، وقالت: لا فائدة
_________________
(١) "والسلاح … بحدّه" ساقط من س.
(٢) س: "فإنّ".
(٣) ف: "والساعد قوي".
(٤) وانظر في هذه المسألة: مدارج السالكين (٣/ ١٠٤)، ومجموع الفتاوى و(٨/ ١٩٢)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٢٨). وقد ذكر الشوكاني في البدر الطالع (٢/ ١٤٤) رسالة للمؤلف في هذه المسألة بعنوان "الجواب الشافي لمن سأل عن ثمرة الدعاء إذا كان ما قد قُدر واقعٌ " (كذا "واقعٌ " بالرفع، و"الشافي" لعلّ صوابه: "النافع" ليتمّ السجع). وقد تفرّد الشوكاني بذكر هذه الرسالة، ولا ندري أهي رسالة مستقلّة، أم استخرج بعضهم هذا الفصل من كتابنا، وسمّاه بذلك الاسم.
[ ٢٦ ]
فيه! وهؤلاء -مع فرط جهلهم وضلالهم- متناقضون، فإنّ طردَ مذهبهم يُوجِب تعطيلَ جميع الأسباب.
فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والريّ قد قُدِّرا لك فلابد (^١) من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل. وإن لم يقدّرا لم يقعا، أكلتَ أو لم تأكل.
وإن كان الولد قدّر لك فلابد منه، وطئتَ الزوجة والأمة (^٢) أو لي تَطأ. وإن لم يقدّر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوّج والتسرّي. وهلمّ جرّا.
فهل يقول هذا عاقل أوآدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلا.
وتكايس بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما. ولا فرق عند هذا (^٣) الكيّس بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب، وارتباطُ الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق.
وقالت طائفة أخرى أكيَسُ من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارةً على قضاء الحاجة. فمتى وُفّق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أنّ حاجته قد قُضيت. وهذا كما إذا رأينا غيمًا
_________________
(١) س: ل "فلا فائدة"، تحريف.
(٢) س: "أو الأمة".
(٣) "هذا" ساقط من س.
[ ٢٧ ]
أسودَ باردًا في زمن الشتاء، فإنّ ذلك دليل وعلامة على أنّه يمطر.
قالوا (^١): وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنّها أسباب له.
وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحريق (^٢) مع الإحراق، والإزهاق مع القتل. ليس شيء من ذلك سببًا ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي (^٣).
وخالفوا بذلك الحس، والعقل، والشرع، والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء (^٤)!
والصواب أنّ ها هنا قسمًا ثالثًا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور (^٥) قُدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء. فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه. فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور (^٦)، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قُدر الشبع والريّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه (^٧). وكذلك قُدر دخول الجنة بالأعمال،
_________________
(١) "قالوا" ساقط من س.
(٢) س: "الحرق".
(٣) انظر: طريق الهجرتين (١٩٦، ٢٠٦) وشفاء العليل (١٨٨).
(٤) "بل … العقلاء" ساقط من ز.
(٥) ز: "المقدر".
(٦) س: "المقدر".
(٧) ز: "بالذبح".
[ ٢٨ ]