الصحابة. ولكن لو دعا له (^١) لقام (^٢) آخر وآخر، وانفتح الباب، وربّما قام من لم يستحق أن يكون منهم. فكان الإمساك أولى، والله أعلم.
فصل
فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمرّ أفسد دنيا العبد وآخرته.
فممّا ينبغي أن يعلم أنّ الذنوب تضرّ ولابدّ، وأنّ ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شرّ وداء (^٣) إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنّة دار اللذة والنعيم (^٤) والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرَدَه ولعَنَه، ومسَخَ ظاهره وباطنه (^٥)، فجُعِلَتْ صورتُه (^٦) أقبح صورة وأشنعها؛ وباطنُه أقبح من صورته وأشنع؟ وبُدّل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظّى، وبالإيمان كفرًا، وبموالاة الولي الحميد أعظمَ
_________________
(١) "له" ساقط من ف.
(٢) س: "لقام إليه".
(٣) "داء" لم يرد في ل، ز. وفي ز: "شرور"، ولعله تحريف ناتج من الخلط بين الكلمتين.
(٤) ز: "النعيم واللذة".
(٥) س: "باطنه وظاهره".
(٦) ف: "فجعل صورته".
[ ٩٨ ]
عداوةٍ ومشاقّةٍ، وبزجَل التسبيح والتقديس والتهليل زَجَلَ الكفر والشرك (^١) والكذب والزور والفحشِ، وبلباس الإيمان لباسَ الكفر والفسوق والعصيان. فهان على الله غايةَ الهوان، وسقط من عينه غايةَ السقوط، وحلّ عليه غضبُ الرب تعالى فأهواه، ومقَتَه أكبر المقت فأرداه (^٢). فصار قوّادًا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة، بعد تلك العبادة والسيادة (^٣). فعياذًا بك اللهم من مخالفة (^٤) أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي غرّق أهل الأرض كلّهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟
وما الذي سلّط الريح العقيم (^٥) على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمّرت ما مرّت (^٦) عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم (^٧) ودوابّهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة.
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحةَ حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
_________________
(١) ف: "الشرك والكفر".
(٢) "فأرداه" ساقط من ف. وفي ز: "فأزواه"، تصحيف.
(٣) ف: "السعادة".
(٤) س: "من المخالفة مخالفة".
(٥) "العقيم" من س.
(٦) س: "ما دمرت"، خطأ.
(٧) ف: "حرثهم وزرعهم".
[ ٩٩ ]
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيحَ كلابهم، ثم قَلَبها عليهم (^١)، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعًا. ثم أتبعهم حجارةً من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمّةٍ غيرهم. ولإخوانهم أمثالُها، وما هي من الظالمين ببعيد!
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحابَ العذاب كالظُّلل، فلمّا صار فوق رؤوسهم أمطر (^٢) عليهم نارًا تلظّى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحُهم إلى جهنّم. فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله (^٣)؟
وما الذي أهلك القرون من (^٤) بعد نوح بأنواع العقوبات (^٥)، ودمّرها تدميرًا؟
وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولى بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرّية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال. ثم بعثهم عليهم مرة ثانية، فأهلكوا ما قدروا عليه،
_________________
(١) "عليهم" ساقط من ز.
(٢) س: "صارت … أمطرت".
(٣) ف: "بقارون وبأهله وماله".
(٤) "من" لم ترد في ف.
(٥) س: "العذاب"، وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة.
[ ١٠٠ ]