الكتاب جواب عن استفتاء ورد على المؤلف ﵀، ونصّه: "ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين- في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنّها إن استمرّت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلاّ توقّدًا وشدّةً؛ فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ ".
لم يفصح السائل عن نوع البلية كما ترى، والمؤلف ﵀ أيضًا قد شرع في الإجابة دون أن يسمّيها، وكتب فصولًا في الدعاء وآثار المعاصي وعقوباتها القدرية والشرعية، وذكر كبائر الذنوب، ومنها الشرك وقتل النفس، ثم بيّن عظم مفسدة الزنى واللواط. فلما وصل إلى هذا الموضع قال:
"فإن قيل: وهل مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتّال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ … وهل يملك العاشق قلبه، والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ … ولعل هذا هو
المقصود بالسؤال الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء" (٤١٣ - ٤١٤).
ثم ردّ على السؤال قائلًا: "قيل: نعم، الجواب من رأس (وما أنزل الله سبحانه من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله) ". ثم تكلّم على علاج هذا الداء من طريقين أحدهما: حسم مادته قبل حصولها، والثاني: قلعها بعد نزولها.
وختم الجواب ببيان ما في عشق الصور من المفاسد العاجلة
[ ١٧ ]
والآجلة، وذكر أن الله سبحانه إنما حكى هذا المرض في كتابه عن طائفتين من الناس، وهما قوم لوط والنساء، ثم قال: "وهذا داء أعيا الأطبّاءَ دواؤه، وعزّ عليهم شفاؤه. وهو لعمر الله- الداء العضال، والسمّ القتّال … " (٤٩١).
وتبيّن من هذا أنّ الاستفتاء الذي ورد على المؤلف كان عن داء العشق: كيف يمكن مداواته وإنقاذ صاحبه مما ابتلي به من تباريحه؟ ولفظ الاستفتاء يدلّ على أن السؤال عن مرض حاصل لا عن متوقع، فكان للمؤلف أن يقتصر على بيان الطرق المفضية إلى الخلاص منه، كما فعل في الفصل المحكم الذي كتبه في زاد المعاد بعنوان "فصل في هديه ﷺ في علاج العشق". استهلّه بقوله:
"هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه، وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم عزّ على الأطبّاء دواؤه، وأعيا العليلَ داؤه. وإنما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: عن النساء وعشاق الصبيان المردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط" (^١).
ثم ذكر ثماني حالات، ووصف لكلّ حالة علاجها. وكأنّ هذا الفصل من كتاب الزاد -من حيث دقته وتحريره- هو الجواب المطلوب عن الاستفتاء الوارد عليه.
أما الكتاب الحافل الذي بين أيدينا، فقد سلك فيه المؤلف ﵀ مسلكًا آخر ارتضاه ودافع عنه، وحكى عن شيخه أنه كان ينتهجه أيضًا،
_________________
(١) زاد المعاد (٤/ ٢٦٥ - ٢٧٨).
[ ١٨ ]
فقال في كتابه مدارج السالكين: "ومن الجود بالعلم أنّ السائل إذا سألك عن مسألة استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة … ولقد شاهدت من شيخ الإِسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر، ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته … " (^١).
وفي موضع آخر جعل ذلك دليلًا على كمال نصح المفتي للسائل وكمال علمه وإرشاده (^٢). ولا شك أن الجواب عن بعض المسائل الفرعية قد يكون محلّ انتقاد إذا خرج عن المألوف في الاستطالة
والتشعب وكثرة الاستطراد، مما يضطر المجيب كلّما بعد عن الغرض أن يعود إلى ما بدأ، فيتضجر السائل، ويملّ القارئ، ولكن إذا كان السؤال عن مرض خطير من أمراض القلوب كمرض العشق المخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه كما قال المؤلف، وهو مرض لا يخلو منه زمان ولا مكان، ولكنه قد يبلغ في بعض المجتمعات -لكثرة دواعيه- من الفشوّ في الخاصة بعد العامّة مبلغًا ينذر بسقوط المجتمع في الهاوية = إذا كان السؤال عن مثل هذا المرض الذي يكاد يكون وباءً فتّاكًا
فلا ريب أنّ من كمال نصح المفتي وأمانته وعلمه وفقهه أن يكون جوابه مفصّلًا مستوعبًا لجوانب الموضوع. فلا يصحّ له أن يقتضب الكلام أو
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
(٢) إعلام الموقعين (٤/ ١٥٨).
[ ١٩ ]
يوجزه، بل يجب عليه أن يفضله تفصيلًا، ويبشّر وينذر، ويذكر المنجيات والموبقات، ويبين أسباب المرض وأماراته وعواقبه، ولا يقتصر على الإرشاد إلى سبل الخلاص منه، بل يدلّ على طرق الوقاية
من الوقوع فيه أيضًا. ثم يعتني قبل ذلك بتهيئة قلب المبتلى للاستماع إلى كلامه والعمل بما يصف له من أنواع العلاج.
وهكذا كان جوابُ ابن القيم ﵀، جواب عالم ربّاني ناصح حكيم، جوابًا مبسوطًا مفصّلا، غايةً في بابه.
[ ٢٠ ]