خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك فيها إلا راحة البدن
ومن استعد للقاء الله، واستثمر أوقاته فيما يعود عليه نفعها في الآخرة؛ فإنه سيفرح يوم لا ينفع مال ولا بنون .. يوم تتطاير الصحف، وترتجف القلوب، وتتقلب الأفئدة .. وترى الناس سكارى وما هم بسكارى .. ولكن عذاب الله شديد.
قال أنس بن عياض: رأيت صفوان بن سليم .. لو قيل له غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة (١).
هؤلاء قوم جاهدوا أنفسهم .. وتفكروا في آخرتهم .. واستعدوا لمعادهم.
إذا ما عدت النفس عن الحق زجرناها
وإن مالت إلى الدنيا عن الأخرى منعناها
تخادعنا ونخدعها وبالصبر غلبناها (٢)
قال محمد بن الحنفية: كل ما لا يبتغى به وجه الله يضمحل (٣).
فمن أراد الدنيا للدنيا انقطعت عنه مع أنفاسه الأخيرة .. وولت هاربة عنه في لحظاته الرهيبة .. ومن أراد الدنيا طريقًا إلى الآخرة وسبلًا إلى جنة عرضها السموات والأرض، فحسبه ما
_________________
(١) حلية الأولياء: ٣/ ١٥٩.
(٢) صفة الصفوة: ٤/ ١١٤.
(٣) حلية الأولياء: ٣/ ١٧٦.
[ ٢٨ ]
طرق .. وسبيله إلى دار السلام برحمة من الله ورضوان.
وأهل الطاعة والصلاح قوم مثلنا يحبون الدنيا وزينتها، ولكنهم قدموا باقية على فانية، فسهل الله لهم الطريق وأذل لهم الصعاب.
صبرت على اللذات لما تولت وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
وكانت على الأيام نفس عزيرة فلما رأت عزمي على الذل ذلت
فقلت لها يا نفس موتي كريمة فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت
خليلي لا والله ما من مصيبة تمر على الأيام إلا تجلت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت (١)
قال رجل للفضيل بن عياض: كيف أصبحت يا أبا علي؟ فكان يثقل عليه، كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ ! فقال: في عافية، فقال: كيف حالك؟ فقال: على أي حال تسأل؟ عن حال الدنيا أو حال الآخرة؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا فإن الدنيا قد مالت بنا وذهبت بنا كل مذهب، وإن كنت تسأل عن حال الآخرة فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف عمله، وفني عمره، ولم يتزود لمعاده، ولم يتأهب للموت، ولم يخضع للموت، ولم يتشمر للموت، ولم يتزين للموت وتزين للدنيا (٢).
وحال الكثير منا يصفه عوف بن عبد الله حينما قال: إن من كان قبلكم كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم
_________________
(١) شذرات الذهب: ٢/ ٣٦٤.
(٢) حلية الأولياء: ٨/ ٨٦.
[ ٢٩ ]
تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم (١).
وما نراه اليوم من بذل الأوقات والجهد والأخذ والعطاء والتدقيق والتمحيص لأجل الدنيا لوجدنا العجب حتى إن البعض لو أراد شراء حاجة حقيرة أشغل نفسه أيامًا عديدة، وأضاع من أوقاته ساعات ثمينة ولو رأيته في المسجد لرأيت نقر الصلاة وعدم الاهتمام بركوعها وسجودها .. بل ومسابقة الإمام .. يؤديها بغير خشوع .. ولا ترى منه الدموع.
فالكثير من الناس مهموم مغموم في أمور الدنيا، ولا يتحرك له طرف إذا فاتته مواسم الخيرات أو ساعات تحري الإجابات .. تراه لاهيًا، ساهيًا .. شاردًا .. يجمع ويطرح، ويزيد وينقص .. وكأن يومه الذي يمر به سيعود إليه .. أو شهره الذي مضى سيرجع إليه؟ !
قال بندار يتحدث عن يحيى بن سعيد: اختلفت إليه عشرين سنة، فما أظن أنه عصي الله قط (٢).