تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من فتى أضحى وأمسى ضاحكًا وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قبضت أرواحهم ليلة العرس
ها هي الدنيا دار أماني وغرور فاحذرها، فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصوفها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما ميتة قاضية (٣).
وقد أصاب أبو هريرة في وصف حالنا بقوله: ما صدقتكم أنفسكم؛ تأملون ما لا تبلغون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون.
_________________
(١) الإحياء: ٣/ ١٣٧.
(٢) مكاشفة القلوب: ١٥٧.
(٣) حلية الأولياء: ٢/ ١٣٦.
[ ٥١ ]
وحال الكثير اليوم: جمع ما لا يأكل، وبني ما لا يسكن .. وحتى إن أكل وسكن سنوات معدودة وأزمنة محدودة.
قال أبو حازم: إن عوفينا من شر ما أعطينا؛ لم يضرنا فقد ما زوي عنا (١).
هي القناعة لا تبغي بها بديلًا فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن (٢)
قال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية لنا ضيق الكسب عليَّ وأنا شاب، فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل المطالب. فكثيرًا ما رأيت القليل عاد سليمًا، قال أبو محرز: ما زلت أعرف بركة كلامها في قنوعي.