لو كنت رائد قوم ظاعنين إلى دنياك هذي لما ألفيت كذابًا
لقلت تلك بلاء نبتها سقم وماؤها العذب سم للفتى ذابا (٢)
أخي: والدنيا تطوي من أمامك .. وشمس الآخرة تقيل عليك .. ماذا حالك؟ !
وكيف ترى الأمر؟ !
لنرى حال سلمان ﵁ عندما احتضر فبكى، قيل له: ما يبكيك؟ وأنت صاحب رسول الله - ﷺ - قال: ما أبكي أسفًا على الدنيا، ولا رغبة فيها، ولكن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا عهدًا، فتركنا ما عهد إلينا، أن تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب، ثم نظر فيما ترك، فإذا قيمة ما ترك بضع وعشرون درهمًا أو بضع وثلاثون درهمًا (٣).
الدنيا سراب ممتد وليل مظلم .. طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا (٤).
فإنه لا حد لها ولا منتهى إلا بالقناعة والزهد والرضى بما قسم
_________________
(١) عدة الصابرين: ٣٣١.
(٢) موارد الظمآن: ١/ ٦٤٠.
(٣) أدب الدنيا والدين: ١١٩.
(٤) السير: ٥/ ٢٦٣.
[ ٥٦ ]
الله .. والاستفادة من مرور الليالي والأيام في طاعة الله جل وعلا.
قال مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا، ولم يذوقوا أطيب شيء فيها. قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى (١).
وانظر -أخي الحبيب- في حال المحتضرين من الصالحين ترى الهدوء والسكينة على النفوس المطمئنة، وترى غير ذلك على أصحاب الحرام، اللاهثين وراء الحطام وزخرف الدنيا.
العبد ذو ضجر والرب ذو قدر والدهر ذو دول والرزق مقسوم
والخير أجمع فيما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللوم والشوم
قال أبو الدرداء: لولا ثلاث لأحببت أن أكون في بطن الأرض لا على ظهرها: لولا إخوة يأتوني ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى طيب الثمر، أو أعفر وجهي ساجدًا لله -﷿- أو غدوة أو روحة في سبيل الله -﷿- (٢).
هذه الرغبة الصادقة فيما عند الله .. وهذه هي الاستفادة الكاملة من الأوقات وتلك والله الأمنيات الخيرة.
قال وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأسى على الناس على ما فاتك منها، ولا تفرح بما آتاك منها (٣).