كيف ترانا على هذه الدنيا؟ ! ما أحسن الدنيا إذا أتت من حلال .. وصرفت في حلال .. فأوجه الخير لا تحصى .. فمن: صدقة،
_________________
(١) جامع العلوم والحكم: ٣٨١.
[ ٢١ ]
إلى إعانة ملهوف، ونجدة مصاب .. إلى رعاية أرامل، وكفالة أيتام.
أخي .. قال سفيان: احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمرك، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى بما قسم لك، وأن تطلب شيئًا من الدنيا فلا تجده أن تسخط على ربك.
إن من قسم الأرزاق في هذه الدنيا هو: الله، فلا بد أن ترضى لما قسم لك قل أو كثر .. أتى أو ذهب .. وسواء أقبلت الدنيا أو أدبرت .. لا بد أن ترضى بنصيبك منها ولا تشغل بالك .. فلا تتسخط لما قسم لك الله، ولا تنظر إلى من أعلى منك دنيا، ولكن انظر إلى الصالحين الأخيار ..
من شاء عيشًا رحيبًا يستطيل به في دينه ثم في دنياه إقبالًا
فلينظرن إلى من فوقه ورعًا ولينظرن إلى من دونه مالا (١)
وخير من ذلك كله ما قاله -جل وعلا- في محكم كتابه: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١].
قال إبراهيم الأشعث: سمعت الفضيل يقول: رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة، من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم وفقه الله لما يعلم، ومن ساء خلقه شان دينه وحسبه ومروءته (٢).
_________________
(١) الإحياء: ٤/ ١٣١.
(٢) السير: ٨/ ٤٢٦.
[ ٢٢ ]
قال بعض الزهاد: ما علمت أن أحدًا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها: بذكر، أو صلاة، أو قراءة، أو إحسان، فقال له رجل: إني أكثر البكاء، فقال: إنك إن تضحك مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك. وإن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه، فقال: أوصني، فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن في الدنيا كالنحلة إن أكلت أكلت طيبًا وإن أطعمت أطعمت طيبًا، وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه (١).