عن أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سليم، ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة (٤).
عجبت لحالنا .. الدنيا مولية عنا، والآخرة مقبلة علينا، ونشتغل بالمدبرة، ونعرض عن المقبلة .. كأننا لن نصل إليها .. ولن نحط رحالنا فيها ..
وقد قال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن الدنيا ليست بدار
_________________
(١) العاقبة: ٦٩.
(٢) شذرات الذهب: ٦/ ٢٣١.
(٣) صيد الخاطر: ٢٥.
(٤) السير: ٥/ ٣٦٦.
[ ٩ ]
قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا -رحمكم الله- منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وإذا لم تكن الدنيا للؤمن دار إقامة ولا وطنًا، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين، إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم ألبتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة (١).
فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ولكن إلى الملك القدير أصير
ومالي شيء غير أني مسلم بتوحيد ربي مؤمن وخبير (٢)
والناس تتصارع وتتكالب على هذه الدنيا .. يفقد البعض دينه، وينسى الكثير أبناءه .. انتشرت الأحقاد .. وزرعت الضغائن .. وعمت البغضاء .. لنرى كيف نظر الفضيل إلى هذه الدنيا بقوله: لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالي من أكل الدينا.
أخي الحبيب:
تبلغ من الدنيا بأيسر زاد فإنك عنها راحل لمعاد
وغض عن الدنيا وزخرف أهلها جفونك وأكحلها بطيب سهاد
وجاهد على اللذات نفسك جاهدًا فإن جهاد النفس خير جهاد
_________________
(١) جامع العلوم: ٣٧٩.
(٢) شذرات الذهب: ٢/ ١١٩.
[ ١٠ ]
وإن قصارى أهلها لنفاد (١)
وما هي إلا دار لهو وفتنة
قال بلال بن سعد ليذكرنا بمآلنا ومصيرنا: يا أهل التقى، إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما تنقلون من دار إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار (٢).
ولذلك قال الحسن: إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الاشتغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل، إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب (٣).
وقال ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها لميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها (٤).
أيا نفس ويحك جاء المشيب فماذا التصابي وماذا الغزل
تولى شبابي كأن لم يكن وجاء مشيبي كأن لم يزل
كأني بنفسي على غرة وخطب المنون بها قد نزل (٥)